PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : قـصـــة فـــــــــيـروز وبــعــــــلـبـــك



Burhan
06-07-2006, 08:58
قـصـــة فـــــــــيـروز وبــعــــــلـبـــك
عــطــــر الـلـــــــيـل فـي الـرحـــــلـة الـبـــهــــــيـة

أكرم الريّس

يشكل ارتباط فيروز بمهرجانات بعلبك منذ زمن التأسيس حتى تاريخه ظاهرة فنية وثقافية استثنائية ومسيرة خلاّقة تمتد على مدى نصف قرن يتجاور فيها الفولكلور والحداثة، وتؤلف "ملحمة شعبية" وما يقارب موسوعة للتراث الشعبي. سنعرض في هذه المقالة الموجزة ملامح من محطات تقاطع السيرتين عبر أعمال عدة قدّمتها فيروز والاخوين رحباني في "الليالي اللبنانية" منذ تأسيسها عام 1957 حتى عام 1975، وهو التاريخ الذي توقفت فيه قسراً بسبب اندلاع الحرب.
تمثلت النهضة الثقافية الكبرى لـ"الليالي اللبنانية" في "إستنباط الثروة الفنية الشعبية من منابعها. والاصرار على أن يأخذ الفن الشعبي اللبناني مكانه المناسب بين مظاهر التعبير الفني" (كاتالوغ مهرجانات بعلبك 1965)، وقد عبّرت عطر الليل أسمى تعبير عن عملية جمع التراث الشعبي، عبر دورها في مسرحية "أيام فخر الدين" (1966) في تعلّم ما تبقى من موروث الاغاني من المسنين في أرجاء القرى ونشرها، حيث أن "كل واحد بيعلّمِك منها كلمة وانتِ بتجمعي الغنية من تِمّ الختياريه"، حتى أضحت "عصفورة القصص" وحافظة الذاكرة الشفاهية للوجدان الجماعي المحلي. تذكّرنا عطر الليل بمجهودات فرسان الموسيقى القومية وبدايات البحث الميداني في علم موسيقى الشعوب، الذي كان من رواده الموسيقي المجري بيلا بارتوك (1881 – 1945) الذي راح يتجوّل بدءاً من عام 1906 في أرياف المجر ورومانيا وتركيا ويجمع فولكلور تلك البلدان، ويسجّله، ويبني ابحاثاً واعمالاً موسيقية متكاملة، انطلاقاً من هذين الجمع والتسجيل.
يتجلى فولكلور هذه المنطقة في أعمال فيروز والاخوين رحباني بشكل عام وأعمالهم البعلبكية بشكل خاص، على مستويات عدة بدءاً من بيئة هذا التراث، حيث أن "دنيتنا الوعر ، الصخر، الزهر، الوردات" (1957) وصولاً الى اطاره الاجتماعي في تفاصيل عادات الحياة اليومية والمعتقدات الشعبية، كما في المناسبات مثل الاعراس والسهرات القروية والاعياد ("ما بيسوى ضيعة بلا عيد" 1965 ، "ويا دِلّ الضيعه الما لها سهريه" 1964)، وأعمال المواسم كالقطاف والحصاد والغزل. وتجلت هذه الظواهر فنياً في قوالب وأشكال موسيقية وغنائية كالموال والدبكة والمحاوارت الغنائية، كما في نصوص وأشكال شعرية عمل الرحابنة على تطوير استخداماتها درامياً كالزغرودة والعدّيات والمعنّى والقرادي والعتابا والزجل، بالاضافة الى الامثال والحكم الشعبية.
بلغت شمولية التعبير الفني مستوى بناء المشهد البصري، وذلك في توظيف الالوان والازياء التراثية مثل الشروال والطربوش والطرحة والشال، وتصوير واقع الامكنة مثل العين والحقل وساحة الضيعة. ومما لا شك فيه أن الإنسان هو العنصر المركزي في كل عمل يُبنى على الفولكلور، من هنا فإن شخصيات هذه الاعمال كان بعضها مستوحى من حياة القرى والتاريخ وبعضها الآخر مبتكراً (غربة، عطر الليل، زاد الخير، فخر الدين، مدلج، فاتك، الناطور، المختار، الاهالي، الخ.)، وهي تختصر خصائص الانسان المحلي ونظم قيمه (الحب، البطولة، الفرح، الظلم، الخير، الشر، الخ.) التي ميّزت مسلكه الفردي والجماعي.
في هذا المسار تكوّنت "المسرحية الغنائية" واخذت شكلها شبه النهائي عام 1962 في "جسر القمر"، بعدما اقتصرت "الليالي اللبنانية" الاولى على لوحات غنائية احتفالية. هنا تكمن الاضافة الاساسية للأخوين رحباني في ابتداع نوع فني جديد يستلهم الفولكلور، موظفاً ادوات ووسائل فنية حداثية ليتوجه الى الانسان ويرتبط بالشعب وتطلعاته.
اذا كانت مسيرة فيروز البعلبكية هي رحلة الى بيوت الناس وقلوبهم "لتزرع سجره" تكون "وحَدْها الغنيه" (1961)، فما هي معالم الطريق التي سلكتها لجنة الفن الشعبي اللبناني في مهرجانات بعلبك "لبعث الفولكلور اللبناني وتطويره تطويراً فنياً يبرز نواحي الجمال فيه وينسجم مع روح العصر"، وخصوصاً "ان لبنان، صاحب المبادرة في كل نهضة عربية وحامل مشعل التقدم في هذا الشرق"؟ (رسائل رؤساء الجمهورية، 1957 و1959):
1- العمل الجماعي
حشدت لجنة الفن الشعبي لفيفاً من أهل الاختصاص في الادب والفن والتاريخ والرقص والموسيقى والشعر، بالاضافة الى اداريين وممولين، على أن يكون بينهم جمعياً تعاون وثيق "لجمع كل مظاهر الفن الشعبي وأصوله ووجوه التعبير عنها"، وبلغ زخم الالتزام الجماعي لاطلاق "الليالي اللبنانية" ان رئيسة لجنة الفن الشعبي سلوى السعيد وسيدات اللجنة والسيدة الاولى زلفا شمعون أنفسهن، عملن على إتمام كل التحضيرات، ومنها تصميم ملابس العروض وتنفيذها. من هذه "الجماعة"، نذكر الاسماء االآتية على سبيل المثال لا الحصر: موريس شهاب، يوسف ابرهيم يزبك، سامية صعب، محمد شامل، زكي ناصيف، نزار ميقاتي، منير ابو دبس، رئيفة صالحة، توفيق الباشا، جوزف ربّاط، حبيب بو شهلا ، صبري الشريف، الخ.
2- البحث عن مصادر الرقص وانشاء فرقة
في عام 1956، كلفت السيدة زلفا شمعون الخبير السوفياتي في الرقص الشعبي إيغور مويسييف القيام بجولة في القرى اللبنانية لاستطلاع انواع الرقص الشعبي المحلي وتقديم تقرير يلخص فيه أبحاثه وتوصياته. وكان من هذه التوصيات إرسال الراقصين بديعة ومروان جرار الى موسكو للتدرب على أساليب تطوير الرقص الشعبي في لبنان، حيث ان المصادر الكوريغرافية الاساسية هي عند الناس والشعب، تماماً مثلما فعلت عطر الليل في بحثها عن الاغاني الشعبية وحفظها. ولم تقف الامور عند هذا الحد، إذ استقدمت لجنة الفن الشعبي عام 1963 خبيرين آخرين، الاول من المانيا ويدعى فرانس بانتوليه والآخر من الولايات المتحده الاميركية هو روبرت سميل للاشراف على الفرقة الدائمة للرقص التي تم إنشاؤها خصيصاً للمهرجان في اشراف نهاد شهاب وسركيس باسكاليان، بالاضافة الى ابتكار الرقصات بناءً على ما تم تقصيه في الابحاث الميدانية. ومن الضروري ملاحظة الارتباط بين نشوء المسرحية الغنائية وحركة تطوير الرقص الشعبي اللبناني (نزار مروة، 1966).
3- القبول الشعبي والمرجعية
قررت اللجنة الاكتفاء بإحياء ليلتين فقط في عامها الاول عام 1957 خشية عدم النجاح، وتحسباً لأن لا تكون "الليالي اللبنانية" موضع قبول، لكن الحضور الذي كان جزئياً في "الليلة" الاولى عاد ليكون كاملاً في ما بعد. وهكذا، تم زيادة عدد الحفلات في السنوات اللاحقة الى اربع عام 1959 ومن ثم الى عشر عام 1961 الى أن أصبحت "الليالي" موسماً منتظراً ومقصداً وطنياً وعربياً.
بعد ترسيخ معالم "الليالي اللبنانية" في تلك المرحلة التأسيسية (1956 - 1962)، حملت لجنة الفن الشعبي مغناة "البعلبكية" الى البرازيل والارجنتين عام 1961 ومن ثم الى بريطانيا عام 1962، حيث قُدمت في العديد من مدن الانتشار الاغترابي، اللبناني والعربي. هكذا غدت نموذجاً ثقافياً ريادياً ليس فقط في منهجيتها، لكن أيضاً في قدرتها على الالتصاق بالوجدان العام. تماماً مثلما اتسمت مسيرة فيروز والاخوين رحباني بالريادة الفنية، كمسلك ومنهج ومضمون، حتى أصبحت، بعد تخطي صعوبات البدايات والظروف الانتاجية، مرجعاً ثقافياً وانسانياً يُحتذى به للحاضر والمستقبل.
منذ إطلالتها الاولى الصاعقة، "موشحةً بالازرق، مغلّفةً بالنور على تاج من أعمدة هياكل بعلبك وانطلاق صوتها على مدى السهل" (كتاب "بعلبك أيام المهرجان"، دار النهار)، معلناً "لبنان يا أخضر حلو" (1957) و "وسَعي يا مطارح" (1972) ، بدأت فيروز البعلبكية "رحلتها" الاولى في جمع الفولكلور ونشره وتطويره حداثياً.
كانت تلك الرحلة هي رحلة العودة الى الارض والذات الى درجة التوحد، فأصبحت فيروزة بعلبك "ناطورة المفاتيح" التي "تغلف جمهورها بشعور من الانتماء وتجسِّم عاطفة جماعية تحرك الحلم كأنها الارض الذاكرة" (نزيه خاطر، "النهار"، 12/7/1989)، من "خدني ازرعني بأرض لبنان" (1961) و"حاملِه بلادي بعينيّ" (1966)، الى "جايي انزرع بأرضي، بصدور الناس اللي هون" (1969)، و"كرمالهن ما بفل ويهيج بحر الظلم، بدي ضلّ" (1972).
أما رحلتها الاخرى، عندما ندهتها النسمة الغريبة (1969) فكانت من اجل أن تفي نذورها والتزامها الانساني؛ وأن تتمرد ؛ وأن تصلي ؛ وان تصالح حتى يجمع الحب الناس ويعم في ما بينهم السلام وهو "كنز الكنوز" (1962)، ولتصبح هي العروس الكبرى (1969) التي "زرعت فرح المستقبل وحقول الزمان اللي جايي".
بعد مرور نصف قرن على هذه "الرحلة البهية" لفيروز ومهرجانات بعلبك، أُمّ المهرجانات اللبنانية والعربية، لا ننسى الجهود الجبّارة للتأسيس والنهوض، لكننا نتطلع في الوقت عينه بشوق الى الحداثة الفيروزية المستمرة في تعاونها مع زياد الرحباني والى دور ريادي متجدد للمهرجان، ولا يسعنا الا أن نردد مع "القلب المشبَّك بحجارة بعلبك" ومع غربة: "الطير الحزين مع ورق التين/ يقول للعشاق خلص الحنين/ موسم انتهى وموسم جايي/ وانشالله نتلاقى بالموسم الجايي".



فــــــــــــيـروز فـي بـــعــــــــــلــبــــك

1957 "ايام الحصاد" (بالاشتراك مع زكي ناصيف وتوفيق الباشا)
1958 (لم تقدم اي أعمال بسبب ظروف البلاد وتوقف المهرجان)
1959 "المحاكمة" (من فصل واحد، بالاشتراك مع وديع الصافي)
1961 "مغناة البعلبكية" (من اربعة فصول)
1962 "أوبريت جسر القمر" (من فصلين)
1966 "أيام فخر الدين" (مسرحية غنائية شعبية)
1969 "جبال الصّوان" (مسرحية غنائية شعبية)
1972 "ناطورة المفاتيح" (مسرحية غنائية شعبية)
1973 "قصيدة حب" (منوعات غنائية راقصة بالاشتراك مع وديع
الصافي)
1975 "زمن اليسا" (لم تقدم بسبب اندلاع الحرب وتوقف
المهرجان)
1998 "الليالي اللبنانية" (في اشراف منصور الرحباني)