PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : Sabri Mudallal



Burhan
22-08-2006, 07:12
رحل عن 88 سنة في بلدته حلب ... صبري المدلل شيخ المنشدين العرب طوّع المقامات بصوته الفريد
حلب – وضاح محيي الدين الحياة - 22/08/06//



شيعت حلب ابنها الفنان المبدع صبري المدلل الذي توفي مساء السبت الفائت عن عمر ناهز 88 سنة، ودفن في أقدم مقبرة في حلب وهي مقبرة «الصالحين».

ولد صبري مدلل في حلب عام 1918 مع دخول فيصل الأول سورية، في حي المشارقة. كان والده يعمل في الزراعة والتجارة... تعلم على الشيخ في الكتّاب وبرع في ترتيل القرآن، ومن هنا اكتسب قوة الصوت وجماله... كان والده صديقاً لعلاّمة حلب والشرق الموسيقي عمر البطش، الذي سمع الفتى مرة فأعجب بصوته وقام بتدريسه أصول الغناء، وكان يتقاضى عن كل درس مبلغ 50 قرشاً سورياً، وكان ذلك عام 1930، وهذا المبلغ كما يقول صبري كفيلاً بإعالة أسرة ثلاثة أيام. وبعد دروس عدة أعفاه عمر البطش من الأجر كونه تلميذاً متفرداً في التلقي والحفظ.

عند افتتاح إذاعة حلب عام 1949 استدعاه استاذه عمر البطش مع مجموعة من فناني الشهباء ومطربيها، وعلى رأسهم بكري الكردي للعمل معه وكان نشاطاً متميزاً لهذه الإذاعة الفتية وسجل فيها أغاني وأقام حفلات على الهواء مباشرة. ولسوء الحظ لم يحفظ منها أي أغنية. وأعطاه بكري الكردي ألحاناً عدة، لحن «ابعتلي جواب» الذي أشهره ثم غناه بعده محمد خيري وصباح فخري.

ثم كان نجاح آخر في لحن «يجي يوم ترجع تاني»، ثم عمل مع الملحن إبراهيم الدرويش وكاتب إذاعة حلب آنذاك مهوى أفئدة مطربي سورية ولبنان ومصر. في عام 1954 ترك الإذاعة لخلاف مع إدارتها الجديدة واتجه للعمل الحر «بائع مواد غذائية في حي الجديدة» كما كان يقول. وتابع صبري مسيرته. وظل يعشق الكلمة واللحن. وزاره المطرب المنشد ومبدع المدائح النبوية المرحوم فؤاد خانطوماني وعرض عليه تأسيس فرقة إنشاد ديني لمدح محمد (صلى الله عليه وسلّم). ولأنه كان أشهر من أنشد هذا الفن الخاص في بلاد الشام بعامة وحلب بخاصة هنا بدأت نقطة التحول في حياته وأسس فرقة في العام 1954 شاركه فيها: خانطوماني، عمر النبهان، أحمد المدني وكلهم رحلوا.

في مطلع 1960 قدم صبري لحناً لفرقته بعنوان «صلاة الله ذي الكرم على المختار في القدم» فكان أول لحن منهجي لمدائح الرسول وأدخل أدوات عدة لضبط الايقاع كالدف والطبل. وتتالت العروض على فرقته وطافت شهرته الوطن العربي. وجدد الفرقة بأصوات شابة (عبدالرؤوف حلاق، عبدالمهيمن قباني أبو الورد، حسن الحفار، محمد الصابوني وعمر الصابوني).

العام 1974 كانت نقطة تحول في حياة الفرقة، فبعد عشرين سنة من تأسيسها انطلقت نحو العالمية حين سمعها المستشرق الفرنسي السوري الأصل كريستيان بوخه فأثارت إعجابه بفنها وأصالتها ودعاها الى فرنسا عام 1975، وكانت حفلة للذكرى يقول صبري مستذكراً ان كل من حضرها من العرب والمسلمين أبكاه بمدح الرسول.

في عام 1982 اختلف صبري مادياً مع صديقه وتلميذه حسن الحفار، فانفصلت العُرى، وأسس حسن فرقته الخاصة ثم عاد صبري بعد تحريض ابن اخته الفنان محمد حمادية وأسس فرقة جديدة شاركت في حفلات في ألمانيا وفرنسا وهونغ كونغ ولبنان وتونس والمغرب، ونال صبري إعجاباً وشهرة كبيرين.

ولعل المشاركة في «مهرجان الأيام الموسيقية العربية» في باريس مع صباح فخري ووديع الصافي والقارئ الشهير عبدالباسط عبدالصمد أطلقته كأشهر منشد للمدائح في العالمين الإسلامي والعربي. يقول صبري: «بعدما سمع عبدالباسط صوتي في مدح الرسول، قال لي إذا كان صوتي معجزة في قراءة القرآن الكريم فإن صوتك هدية الله لعباده لتمدح مصطفاه محمد (صلى الله عليه وسلّم)».

عاش صبري في حي الجلوم في دار عربية شرقية، ومات فيها. ومن غرائب الصدف انه لم يتعلم النوطة الموسيقية كتابة بل حفظها عن ظهر قلب مما يدل على موهبته الفريدة.

سألته مرة ما أحب الأصوات إليك أجاب: صباح فخري ومحمد خيري، لطفي بوشناق وعبدالوهاب وأم كلثوم وماري جبران وفيروز ونور الهدى ووديع الصافي وصباح وسعاد محمد. أما من الأصوات الجديدة فكاظم الساهر ونبيل شعيل وملحم بركات.

وسألته: من هم أصدقاؤك يا شيخ صبري؟ ضحك، وقال: كل من أحب صوتي. ولكن خلال مرضي الأخير لم يبق إلا القلائل، لكن الرئيس بشار الأسد سأل عني وأهداني بيتاً. ما أعظم الوفاء من الرجال للرجال.

رحل صبري المدلل بجسده لكنه باقٍ بفنه وروحه وضحكته الهادئة وطربوشه الأحمر القاني المائل على رأسه وصوته الشجي.

Burhan
22-08-2006, 07:13
قامة موسيقية لا تختصر
محمد ملص الحياة - 22/08/06//

ان فيلم «حلب مقامات المسرة» الذي أنجزته، لا يكفي لتقديم قامة صبري مدلل وللتعرف الى البعد الأصيل والصادق فيه ومحاولة اكتشاف ذلك الدور الكبير من دون أي مبالغات يفرضها الموت، الدور الكبير في حماية الذاكرة الموسيقية والتعبير بأصالة وصدق عن مفهوم الأداء الذي تميزت به مدرسة حلب للموسيقى.

هناك مدرسة موسيقية قليلة الحظ في حياتنا الثقافية الموسيقية العربية هي مدرسة حلب ووراء هذا الرجل لا يمكن أن نكتشف هذا التراث بفيلم واحد. وأنا أعتقد ان من حسن الحظ انه في لحظة مشرقة من تبادل الحوار الثقافي مع الشاعر الإماراتي النبيل الأخ محمد السويدي حملنا همّ وأعباء فكرة الدخول الى العالم الشخصي والموسيقي والفني لصبري مدلل. كان فرصة كبيرة ومهمة بالنسبة إليّ، التوقف على شخصية نابضة بالحياة ونابضة بذاكرتها الغنائية في مدينة حلب وهو الصديق الشخصي أيضاً، شخصية مـــملوءة بالحياة والتوهج.

كم كان يشعرني وأنا أصور هذه القامة في لحظة من اللحظات أن وجه هذا الرجل العجوز يتحول من لونه الأبيض مع كل كلمة يغنيها الى ذلك اللون الأحمر الذي يكاد ان ينافس بها الطربوش الحلبي الجميل على رأسه. وحين طلبت منه ان يحول الأذان الى لحظة موسيقية صرفة وهو جالس على سريره في بيته، قدم صبري مدلل أذاناً أعتقد انه نادر وأتمنى أن يعمم على مآذننا المنتشرة لما فيه من تنوع موسيقي كبير وجميل.

تصور ان هذا الرجل العجوز عندما صورته كان في الثمانين من العمر أو أقل قليلاً، وطلبت منه أن نصعد معاً سلالم مئذنة الجامع الكبير في حلب التي كان يصعدها في شبابه، فاستعاد ذاكرته ونحن نصعد معاً بين عتمة ودوران حول سلم هذه المئذنة الجميلة بينما الحمام يتطاير من فوقنا. هذه اللحظات أذكرها كي أقول ان صبري مدلل بقي في النفس وفي ذاكرة الناس ولن يغيب.

لعل فيلم «حلب مقامات المسرة» الذي أنجزته، إعداداً وإخراجاً، هو واحد من المشاريع الثقافية التي حين تتغلب على قمع الثقافة بتحقيقها تتغلب علينا بوصولها الى الناس.

هذا الفيلم حين وجد طريقه الى المحطات الموسيقية المتخصصة خارج المنطقة، كما أذكر، لم يعرض في أي محطة تلفزيونية عربية. حتى التلفزيون العربي السوري حين أجرى لقاء تحضيراً لحلب عاصمة الثقافة الإسلامية تقدمت باقتراح عرض الفيلم في حلب ذاتها بغية وصول الفيلم الى صبري مدلل نفسه قبل أن يموت ووصول الفيلم كشيء من معالم حلب عاصمة الثقافة الإسلامية، لكن ذلك لم يتحقق. لا أستغل الفرصة لأقول ذلك، أقول ذلك لشعوري بالألم وبالادلاء بشهادة موت حين أردت لنفسي أن أكون شاهداً على حياة وليس على موت.


(سينمائي سوري)

Burhan
22-08-2006, 07:15
الصوت البهي المخضرم
صباح فخري الحياة - 22/08/06//

صبري مدلل من جيل الأوائل وهو أكبر من تقويمنا. ولكن سأسمح لنفسي أن أقدم شهادة فيه نظراً الى ما تربطني به من محبة وصداقة تعودان الى العام 1956 عندما التقيته للمرة الأولى عند تأسيس إذاعة حلب بعدما كنت أسمع به فقط.

يتمتع صبري مدلل بصفتين كإنسان وفنان. مدلل الإنسان طيب القلب، متواضع، صاحب نكتة وظل خفيف، محب للناس بسيط، وفيه طفولة وسذاجة.

أما مدلل الفنان فأعتقد انه أكبر من أي تقويم، فهو حافظ موشحات وأدوار وأغانٍ قديمة للرعيل الذي سبقه. ولديه مخزون كبير من الأوزان والإيقاعات. ويمكننا القول ان صبري مدلل بلغة المهنة «ابن صنعة» فهو رجل مخضرم يملك أداء جميلاً ويغني في شكل جيد على رغم انه في الثمانينات من العمر.

أسس في نهاية مشواره فرقة انشاد تغني موشحات دينية، وكان أحد المريدين في هذه الفرقة حسن الحفار وعبدالوهاب الحلاق. لديه ألحان دينية ما زالت تغنى وتردد في الحفلات والأفراح.

رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.


(مطرب سوري)

Burhan
22-08-2006, 07:16
حامل الراية
سهيل عرفة الحياة - 22/08/06//

صبري مدلل، ظاهرة قل وجودها في الأصوات البشرية. والدليل على ذلك قدرته على جلب أكثر من مقام على رغم عمره الكبير.

الفنان عبدالوهاب عندما وصل الى سن معينة، كان أول شيء قام به انه أوقف حفلاته على المسرح لأنها تحتاج الى طاقة الشباب من مجهود صوتي ومقامات عالية، واتجه الى التلحين، أما صبري مدلل فظهر في سن متأخرة أصلاً وبدأ الغناء بعد الستين وتمتع بصوت وقدرة صوتية مميزة قل نظيرهما.

لقب بين الفنانين العرب «حامل الراية» الى جانب الفنان صباح فخري لأنه يقدم التراث الى العالم بأصالة ومن دون تشويه وإضافات تؤذي التراث.

كرم أكثر من مرة وسافر الى كل البلاد العربية وبعض الدول الأوروبية ومنها باريس ولاقى فيها قبولاً واستحساناً كبيرين.

عادة نعجب بالأطفال المميزين ونعشق ما يقدمونه نظراً الى السوية العالية التي يقدمونها بالنسبة الى صغر سنهم، كذلك كان إعجابنا الكبير بصبري مدلل الذي تميز بطبقات وقدرات صوتية كبيرة على رغم كبره في السن.

رحم الله صبري مدلل الذي نعتز به.


(ملحن سوري

Burhan
22-08-2006, 07:18
صاحب الأصول الصارمة
وليد غلمية الحياة - 22/08/06//

يمثل صبري المدلل أصولاً صارمة في الغناء التراثي التقليدي. ولا شك في أنه كان يمتلك معرفة حقيقية في المقامات الموسيقية الشرقية والعربية، خصوصاً انه كان وارث مدرسة غنائية عريقة هي المدرسة الحلبية. وهي أحد المراكز الأساسية للموروث الغنائي التقليدي. وكان جزءاً من المثلث، الكثير الثراء والمؤلف من حلب وبيروت وبغداد.

وأتمنى أن يعمم ما تركه صبري المدلل أو يحفظ على الأقل ليكون انتاجه موضوعاً لمن يرغب في دراسة فترة زمنية مهمة من الغناء الشرقي العربي.

كان متضلعاً في مقام اليكاه التركي الذي هو أساس كبير للمقامات الموسيقية التي استعملت في المشرق العربي.


(موسيقي لبناني)

Burhan
22-08-2006, 07:44
مقامات المسرّة
بيار أبي صعب
عندما فكر محمد ملص قبل سنوات في توثيق الذاكرة الوطنية لبلاده في مشروع سينمائي، كان الشيخ صبري مدلل أول شخصية خطرت في باله. وحقق المخرج السوري فيلماً نادراً بشعريته، عنوانه «مقامات المسرّة» (1997)، فيه تلتقي السينما والموسيقى والمدينة.
المدينة هي حلب طبعاً، فحين نأتي على ذكر الطرب لا مفرّ من استحضار عاصمته. وقد احتضنت العصر الذهبي للغناء الأصيل والإنشاد الديني، في النصف الأول من القرن العشرين... أيام كانت تصنع المطربين، وكان على فنان شاب اسمه محمد عبد الوهاب مثلاً أن يعبر في مقاهيها ويغني أمام حلقات شيوخها، كي ينال الرضى ويشق طريقه على دروب المجد والتكريس. هذه المدينة العريقة التي اختارتها منظمة المؤتمر الاسلامي لتكون عاصمة الثقافة الاسلامية للعام 2006، كان الحاج صبري حتى أيامه الأخيرة من حراسها الأوفياء... فإذا التقيناه في باريس، أو في تونس، كانت تصلنا إيقاعات الذكر البعيدة، ونشمّ فيه عبق التاريخ الطالع من الأزقة التي أنبتته.
عاش محمد ملص في حلب مع الشيخ الجليل أياماً عديدة. ويروي أن صبري مدلل كان يتصرف بتلقائية مدهشة أمام الكاميرا، مستعيداً شريط حياته الطويل بانفعال واضح. كان الرجل الذي عاصر عمالقة الغناء العربي ذاكرة حية، نادرة، لكنوز من الألحان والموشحات القديمة. وجاء شريط «مقامات المسرّة» توثيقاً أميناً لمسيرة ذلك الرجل البسيط الذي بدأ مؤذناً ولم يشتهر في العالم إلا متأخراً بعد أن اكتشفه المستعرب الهولندي ــ الفرنسي كريستيان بوخيه في سبعينيات القرن الماضي.
حافظ الحاج صبري على ما ورثه من أساليب الأداء والغناء والانتقاء، ونفح روحاً في الجمل الموسيقية القديمة، بإمكاناته الصوتية العالية، مستلهماً ما خزنته ذاكرته من أعمال سيد درويش والقصبجي وعبد الوهاب والشيخ زكريا وداود حسني... و«أعطى لوناً جميلاً، في أثواب لم يعرفها الإنشاد الديني قبلاً ولم يعهد مثلها في قوالبه» كما كتب الموسيقي محمد قدري دلال في مؤلفه المرجعي «شيخ المطربين ــ صبري مدلل» (منشورات وزارة الثقافة، دمشق 2006).
صبري مدلل الذي رحل عشيّّة الإسراء والمعراج، أحد آخر الشهود على عصر كامل، على زمن المعلمين الكبار الذين لم يعرفوا الفضائيات... ولا حتى الـ«سي دي». فتسجيلاته انتشرت ولا تزال على أشرطة الكاسيت ذات الأغلفة «الكيتش»، ولم تطبع على أسطوانات رقمية إلا في السنوات الأخيرة.

Hattouma
22-08-2006, 13:49
شكرا برهان

Burhan
26-08-2006, 07:01
رحـــيــل الـفــــنـان صـــبـري المـــــدلـل
شيخ المؤذّنين في حلب للخفة معـه قوةُ الخمر

غيّب الموت، عن عمرٍ دانى التسعين، شيخ مؤذني حلب ومنشديها ورئيس مدرستها الموسيقية، الأخير ربما، صبري المدلل. في ألقاب المدلل عبق شرق عتيق، باهر ومغوٍ، كما في غنائه، وعبق مدينة لا تزال في بلاد الشام اسماً خلاباً وأسطورياً، حلب قصدنا...

خارج "الإكليروس"

من المؤسف أننا لم نكد نسمع المدلل إلا عجوزاً، لندرة التسجيلات القديمة، وهو في ذلك يستفز ولع الهواة كما يطيل الغموض والتشوق إلى التحقق من طبيعة ذلك الصوت في صباه، فصوت المدلل كما سمعناه، على جودة أدائه وتمكنه، كان أشبه بنثر الأسطورة منه بشعرها الملحمي الأصلي، من دون أن يخلو من الوحدات الأسطورية ومن ضروبها.
وفي الضروب أيضاً كان المدلل مبرزاً، على جاري عادة المدرسة الحلبية، أو الشامية عموماً في الموسيقى والغناء. فمن السمات الرئيسية لهذه المدرسة احترام الأصول والإيقاعات، والتصرف المحدود بحدود هيكلية الجملة اللحنية، على خلاف ما كانت عليه المدرسة المصرية التقليدية، ما قبل عبد الوهاب وأم كلثوم، ويراجع في هذا المجال نقد كامل الخلعي لجهل معاصريه بالإيقاع، والنكتة التي يذكرها الباحث فريديريك لاغرانج عن لوم عبد الحي حلمي، خال صالح عبد الحي، لضارب الإيقاع في تخته قائلاً له إنه، أي حلمي، ليس جندياً في جيش الدموم والتكوك (جموع دم وتك). ويجدر التذكير هنا بأن الموشحات دخلت مصر من بلاد الشام وليس من الأندلس، مع "سفينة المُلْك" للشيخ شهاب، كما أن أبو خليل القباني أسس لنهضتها المسرحية الغنائية لاحقاً.
ربما يعود الاختلاف بين المدرستين، المصرية (القاهرية) والحلبية، إلى قرب حلب من الاستانة التي كانت لفترة طويلة مركز الأريستوقراطية والتجميع والصياغة الموسيقية للشرق كله، كما إلى غلبة أهل التواشيح الدينية والطرق الصوفية على منشدي حلب في حين أن كثيراً من المغنين المصريين كانوا من "خارج الإكليروس"، كعبد الحي حلمي المشار إليه، أما من كان منهم منشداً في الأصل فيغلب عليه احترام إيقاع التواشيح والأذكار، إلا في حال تقطيعها على طريقة السؤال والجواب. وفي هذا فإن تسجيل الشيخ المصري إبرهيم الفران لقدّ "هيمتني تيمتني" الحلبي (ويقال إن واضعه هو الشيخ أمين الجندي، الحمصي!) واضح الدلالة على تقطيع القدّ بحيث يستعرض الشيخ في الجواب على بطانته التي تمشي بإيقاعٍ مضبوط. ومن المعلوم أن الإيقاع أمر حيوي، بيولوجياً، في السماع والنشوة الصوفيين.
وربما يعزى ذلك أيضاً إلى احترام أكبر للموشحات، التي صيغ غالبها في بلاد الشام، وإلى استمرار الدراية بأصولها كما بالأبعاد النغمية الدقيقة، التي تراجع العمل بها في مصر سريعاً بسبب الرغبة في الضبط والتحديث والتقنية الجديدة التي غزت النهضة المصرية كأول نهضة في الشرق الأدنى، كما إلى الطبيعة الشعبية للقدود التي تفرض معرفة بالجملة اللحنية واحتراماً لإيقاعيتها.

زمان الوصل

ما يؤسف له أيضاً أن المدلل غاب قبل أن يستفيد منه الدارسون في بحث الإمكان النظري لتطوير الموسيقى العربية من داخلها. ذلك أنه، وهو تلميذ عمر البطش وبكري الكردي الذي لحن له طقطوقة "ابعت لي جواب" الذائعة الصيت، أضاف أيضاً تواشيح ومدائح من ألحانه مثلما فعلا. ويلاحظ أنهم، وعلى غرار المدرسة الحلبية عموماً، لم يحدثوا قطيعة عميقة في نسيج بنية الجملة الموسيقية العربية أو الأغنية فيها، بل لحنوا وأضافوا كما كان يفعل السلف من داخل الإطار المسبق الذي نشأوا فيه. وإذا كان التأثر بالغرب ليس عاراً (فسيد درويش الذي يتغنى به الجميع كان شديد التأثر بالموسيقى الغربية، كلفاً بها ومتشوقاً لدراستها في الوقت عينه الذي كان يلحن فيه تواشيح ومدائح رائعة مثل "ميلاد المصطفى" للشيخ علي محمود) والامتناع عنه ليس فخاراً، فإن العكس أيضاً صحيح، غير أن المطلوب هو تقويم جدي وعميق لقدرة هذه الموسيقى، التي يفترضها البعض، على التطور من دون عوامل خارجية، وهذا ما نشكك فيه، بدليل أن المدرسة الحلبية نفسها لم تقدم إضافة فعلية على إرثها، ولم تقوَ على الاستمرار فيه. أسلوب غناء صباح فخري نفسه لمقطوعات شامية ومصرية، وتنظيم فرقته وصولاً إلى تقاسيم العازفين، تدل على ذلك.
صبري المدلل بقي يهزّ قلوب سامعيه طوال حياته، خشوعاً متى شاء وطرباً، ومع غيابه يأفل أحد آخر الأسباب التي كانت تحمل على القول بأن الموسيقى العربية لم تمت، لأنها كانت لا تزال تبتدع في كل مرة الطرب والخفة في النفس وتلعب بالرؤوس. كأن الخفة فيها قوة الخمر، ولا خمر، ولأنها معه كانت قلب البهجة و"مقام المسرة" (عنوان فيلم عن المدلل)، لا هامشهما المشين. ولأنه أخيراً كان يقنعك بأنه فتيّ، مثلها، ومثل من يستمتع بها معه وتشغف قلبه. مع غياب المدلل، تشعر أنك ازددت شيباً، وأن لا طربوش لتخفي تحته اشتعال رأسك، وأن منتديات الموسيقى العربية على الانترنت ما عادت تجمع سوى محترفي الحنين، الذين يضمّون شغفهم بالفصاحة إلى المنمنمات الموسيقية المشغولة بالدماثة وبالصبر العتيق الذي أفل مع المدلل، ويحلمون بزمان الوصل... في حلب.

فادي العبدالله

Burhan
16-09-2006, 08:49
صبري مدلل أيقونة الإنشاد الديني
محمد قجة
رحل شيخ المطربين.
رحل شيخ الزوايا الصوفية والتكايا والأذكار..
رحل الطربوش الاحمر يترنح فوق رأس تستوعب ذاكرته اجيالا من الفن والطرب والتراث..
رحل صبري مدلل..
ولم تعد مئذنة الجامع الاموي الكبير بحلب تستقبل ذلك الرجل النحيل بوجهه المعروق ونظارته القديمة، وهو يرسل صوته الرخيم عبر المئذنة: الله اكبر.. حي علي الصلاة...حتي علي الفلاح.
هذا الصوت العذب القوي المتميز.. ظل يرسل تكبيرات الأذان عبر منارات الجوامع لمدة ثلاثة أرباع القرن.
فمنذ عام 1930 وكان صبري مدلل صبيا يافعا.. كانت مئذنة المسجد الصغير في قسطل الحجارين تستقبل تلك القامة الضئيلة.. ويرقي الصبي المدلل درجات المئذنة ليطلق حنجرته مع نسمات الفجر الأولي او مع وهج الظهيرة او غيمات الغسق.
ويلتقي الفتي المدلل بالشيخ عمر البطش.. العلامة والباحث الموسيقي والملحن وصاحب رقص السماح، ويتتلمذ الفتي علي يد الشيخ الجليل، وله معه حكايات طريفة وذكية، وكان الاتفاق المبدئي ان يدفع والد صبري اجورا لقاء الحصص التي يتلقاها صبري من الشيخ عمر البطش.. وكانت اجرة كل حصة دراسية نصف ليرة سورية بالتمام والكمال وبعد عدة دروس قرر الشيخ الاستاذ ان يعفي تلميذه النجيب من أجرة الدروس تقديرا لتفوقه وسرعة استيعابه.
تسعة عقود من عمر شيخ المطربين، وايقونة الانشاد الديني صبري مدلل ابن المدينة العريقة في شتي مناحي الفنون 'حلب المحروسة'.
رحلة بدأها مؤذنا في جامع 'قسطل الحجارين' في ثلاثينات القرن الماضي.. وانتقل صوته الساحر بالاذان عبر مساجد عدة منها جامع العبارة. وأهمها الجامع الاموي الكبير حيث كان يحلو للشيخ صبري.. ان يجلس اسفل المئذنة وهو يسطح نظراته المتأملة في باحة الجامع الواسعة.. تحط فيها اسراب الحمام الوديعة.. وتتناثر هنا وهناك حلقات المنشدين او المتحلفين حول الشيخ يسألونه ويستفتونه في احد الامور.
يجلس الشيخ صبري.. وطربوشه الاحمر يهتز مع حركة رأسه الدائبة، وكأن الطرب كان يشمل كيانه كله وليس صوته وحنجرته فحسب.
وكان لقاؤه بعد ذلك بالمطرب والملحن الكبير بكري الكردي، ثم محمد خيري وصباح فخري، وسلسلة لاتنتهي من رجالات الطرب والانشاد الديني والذكرالصوفي .
ومنذ أواخر الخمسينات شرع صبري مدلل في التفرغ للمدائح النبوية من خلال فرقة اسسها لهذا الغرض.. وبدأ يلحن وتتوسع فرقته وتتبلور ميزاتها، وتخرج من هذه الفرقة اصوات ساحرة في مجال الانشاد منها حسن الحفار وعبد الرؤوف حلاق.
وكان لابد لهذه الفرقة ان تخرج من نطاق المحلية الي النطاق العربي والعالمي، فرأينا الشيخ صبري وفرقته يجوبون اقطار العالم، وهو يحمل طربوشه المتميز وينتقل عبر القارات يهز المشاعر بادائه الساحر الصادق الذي ينفذ الي الوجدان ويحرك كوامن الحس الانساني.
ترك الشيخ صبري اكثر من ثلاثين لحنا في التواشيح الدينية لعل من اشهرها.
أنا الاسلام رباني
إلهنا مأ اعدلك من شعر ابي نواس
احمد ياحبيبي
بلبل الافراح غرد
ظهر الدين المؤيد
علي بيت الله
يابني سلام عليك
ميلاد احمد
ولقد كانت رحلات الشيخ صبري الي مسارح العالم الكبري في القاهرة وباريس وبرلين وسواها مناسبة نقلت هذا الفن الاصيل الي انحاء العالم.
من ناحية اخري كان الحاج صبري علي تواصل كبير معنا في جمعية العاديات، نقيم له الحفلات التي يحضرها اعضاء الجمعية، وابنه البكر احمد وابن اخته محمد حمدية عضوان ناشطان في الجمعية ونحن نحتفظ في ارشيفنا في الجمعية بعدد كبير من التسجيلات الصوتية والمرئية لحفلات صبري مدلل وهو يغني لجمهور جمعية العاديات.

***

في احدي زيارات الصديق الاديب جمال الغيطاني الي مدينة حلب اظهر رغبة شديدة بلقاء الحاج صبري مدلل وكان ذلك قبل ثلاث سنوات.. وكان الحاج صبري مريضا ممتنعا عن الغناء والانشاد.
والصديق الغيطاني يحب مدينة حلب وقد كتب كتابات جميلة وكثيرة وقد اخبرته بان الحاج صبري لايستطيع الغناء الان، ولكنه أصر أن يلتقيه وان لم يكن هناك غناء او انشاد. اتصلت بابن اخت الحاج صبري، محمد حمدية، وأوضحت له ان الصديق جمال الغيطاني من اهم الادباء العرب المعاصرين، ولديه رغبة ان يلتقي الحاج صبري عن قرب بعد ان استمع إليه في دار الاوبرا في القاهرة، وفي اماكن اخري في مصر وهو معجب بصوته وبشخصه المتميز واتفقنا ان تحضر مجموعة صغيرة من فرقة الحاج صبري الي منزلي، وان يحضر هو مستمعا فقط.. وكان ذلك.. انشدت الفرقة . بناء علي طلب الاديب الغيطاني . وكان الحاج صبري يشكو السعال وبجانبه كأس الزهورات يشربه متمهلا.. وحين وصلت الفرقة الي موشح 'احمد ياحبيبي' رأينا الحاج ينفتل من مجلسه، وباشارة من يده يسكت الفرقة، وينطلق منشدا موشحه.
أحمد ياحبيبي سلام عليك
ياعون الغريب سلام عليك
جئت بالتوحيد فزت بالتمجيد
ياعون الغريب سلام عليك
كان الشيخ صبري يغني بكل حواسه، بصوته الرقيق، وطربوشه المتمايل، وحركات يديه وهي ترسل الايقاعات، وتعابير وجهه، لقد تمكن من التغلب علي الضعف والمرض والسعال، وانطلق لمدة ثلاث ساعات وهو يطوف بنا علي موشحاته.
. اشرقت انوار نبينا
. باسم الله عمرت ليالينا
. صلاة الله ذي الكرام
. يانبي سلام عليك
وحينما طالبه الاستاذ الغيطاني باداء أغنيته المحببة، ابعث لي جواب لم يخيب له رجاء، ولكنه قبل ان يشرع في اداء الاغنية التفت الي جمال الغيطاني، وادار فيه نظرات متفحصة، وقال له بلهجة الاستاذ مخاطبا احد تلاميذه.
. يبدو انك تفهم في الموسيقي يا أستاذ
واجاب الغيطاني، قليلا يا مولانا.

***

وفي زيارة اخري.. بعد تلك بوقت قصير، جاء الحاج صبري الي منزلي بناء علي رغبة مجموعة من اساتذة الجامعات في اسبانيا وتونس والمغرب كانوا يشاركون في مؤتمر علمي نظمناه في حلب.
ويومها لم يستطع الحاج ان يغني طويلا كان صوته متعبا، وملامحه توحي بوطء سنوات العمر.

***

رحمك الله يا أبا احمد رحمة واسعة، لقد كنت واحدا من ركائز التراث الفني الديني، وكان صوتك لونا خاصا فريدا، وسوف تبقي ذكراك في اذهاننا، وسوف تبقي حركة طربوشك الأحمر لاتفارق مخيلتنا.
رحمك الله يا أبا أحمد.. ايها الشيخ المدلل الذي حمل في صوته وملامحه صورة التراث.. وبقي بيته في حي 'الجلوم' العريق منطلقا تخرج منه الفنانون والمنشدون نشروا وهجهم الفني عبر العالم.

--------------------------------------------------------------------------------

oudman
16-09-2006, 19:04
كل من كتب عن ابو أحمد ، صبري مدلل قال الحق ولكن اود أن اشير الى ما كتبه صباح فخري انني لم استطع فهمه....يقول انه صديق المدلل منذ الخمسينات ، وهو أكبر ما ضايقه وحاول احباط مشاريعه ، وقوله( فهو رجل مخضرم يملك أداء جميلاً ويغني في شكل جيد على رغم انه في الثمانينات من العمر)
اداء جميل....لا أكثر؟؟؟؟؟؟ ويغني في شكل جيد؟؟؟؟ وهو من أطرب سمعية حلب خلال سنين طويله...على كل حال سماه (ابن صنعه) وهذا كثيييرأعتقد انه جازف!!!!...رحم الله ابا أحمد فهو ليس بحاجة لهذه الشهاده والأيام ستعطي كل فنان حقه وتوضعه في مكانه ...مكان صباح فخري معروف وخاصة في حلب

Burhan
27-10-2006, 09:35
صبري مدلل في حوار قبل رحيله: جنون العاشق ليس معناه أن يطق عقله!
أنور محمد

27/10/2006

حلب ـ القدس العربي ليس لأنه الشيخ المغني، بل لأنه الشاب الحكيم صبري المدلل والذي لم أكن اعرف أنّ جذعه إنما يميل لأنّ الحياة بكل قوتها تستند عليه. في هذا الحوار ندخل إلي قلبه، نحاول أن نهزه فلا يهتز، بل يصير أكثر قوة وأكثر شباباً.

لماذا اخترت الغناء ولم تختر التأليف الموسيقي، الروائي، كتابة الشعر؟
وهل المسألة (بكيفي)، هذه منة من الله. أنا سأقول لك شيئاً مهماً: في صغري كنت أعرف أنّ صوتي إذا لم يسعد الناس فسيقتلني، وأنا لماذا أخلي صوتي يجيب لي الموت، خاصة وأني حينها لم أكن أفكر أن أكون مطرباً... بل كنت أسعي لأن أكون مؤذناً. في حلب إذا رجعت إلي الوراء مئة سنة، ستجد أنه شرف كبير للرجل أن يكون مؤذناً بدل أن يكون مغنياً أو ممثلاً، (خصوصي) وأنّ أبي رحمه الله حرص علي تلقيني علوم الدين في مجالس العلم، بحلب، ولقد ازداد إصراري علي الاحتفال بصوتي عندما سمعت من احد رجال العلم أنّ النبي محمد صلي الله عليه وسلم قال: (حسنوا القرآن بأصواتكم فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً).
لكن والدك كان ضدّ أن تصير مطرباً، حتي أنك عندما كنت تغني في إذاعة حلب غيرت اسمك إلي (صبري أحمد) خوفاً من غضبه؟
والدي لم يكن ضد صوتي عندما أؤذن أو اقرأ القرآن، بل كان هذا يسعده وكان يفاخر به، لكن أولاد الحلال من الموسيقيين والملحنين والذين كنت أعتز بهم (وبرأي والدي) خربوا عليه مشروعه (شركوا) له الولد صبري، فثار عليّ ومنعني من الغناء.
وهل تصالحت مع أبيك؟
(أبوي)؟ بقي عند رأيه الذي يعتبر أنّ الغناء حرام، أنا لم (أجاكره) علناً. صعب أن يتحدي الولد أباه فهذا عقوق، لكنني حاولت قدر الإمكان إرضاءه، كنت أكذب عليه حتي لا (أشيل) غضبه.
هل عشت قصة حب، هل دق قلبك زيادة وسمعت صوت دقاته؟
أنا لا أستطيع أن أعيش إلا بدقات قلب إضافية، دقات قلبي العادية لا تكفيني، لأنني دائماً في حالة حب. (شلون) الواحد بيعــيش بدون ما يحب؟ أنا عندما أقف علي المسرح لأغني أتصور أنّ المرأة التي (أعشقها) تسمعني. عنتر كان (يروح) إلي الحرب، وعبلة، ثغر عبلة، فمها الذي يقبلها منه كان يلمع علي السيف، وكان يود أن يقبل كل السيوف (لاحظ: كل السيوف) وليس السيف الذي يتقاتل به مع خصمه، لأنه ذكره بعبلة. عنتر كان يروح إلي الحرب وقلب عبلة في قبضة يده.
أين (عبلاك) يا شيخ صبري؟ وهل نعتبرها وراء نجاحك، خصوصاً وأنك تتحدث بانفعال كأنني جرحتك؟
أنت لم تجرحني، كل واحد منا عنده عبلة، وبلا عبلة ما (بنساوي) شي، أنت وين عبلاك....؟
يا شيخ صبري، عبلاي موجودة لكنها عندما تلتقي بي تقول لي: يا أستاذ ..
معني هذا أنها لم تتحول إلي عبلة، إذا لم تقل لك: (أموت فيك وريتك تقبرني) معني هذا أنّ كل واحد منكما لا يزال يخجل من الآخر. الحب ما بدو خجل. وبعدين ما لازم يكون فيه كلفة، لأنّ الذي يحب يتحوّل إلي مجنون، والمجنون رفع عنه القلم، سبحانه وتعالي ما بيحاسبو. متي (ما شفت) حالك صرت مجنون، وهي صارت مجنونة، لحظتها تكتشفان بعقلكما الجديد أنكما فعلاً صرتما عاشقين مثلي ومثل عنتر والزير، لا... الزير لم يحب وقلبه كان قاسياً.
هل جننت أنت؟
طبعاً، و إلا لما كنت صرت صبري مدلل. بس جنون العاشق ليس معناه أن يطق عقله.
هل لزكريا أحمد تأثير عليك؟
أكيد، وأنا أحب ألحانه كثيراً، فهو عملاق من عمالقة الموسيقي العربية.
ومحمد عبد الوهاب؟
أستاذنا: هو موسيقار كبير.
بالنسبة لتجربة الرحابنة هل استفادوا من الموشح والقد الحلبي؟
هذا أكيد، بالنسبة للرحابنة استفادوا كثيراً من الموسيقي الحلبية والسورية عموماً.
لماذا لم تغن ِ لهم؟
ألحانهم لا تناسب صوتي.
لكنك تقول انهم استفادوا من الموسيقي السورية؟
ألحانهم خفيفة علي صوتي، صوتي يتحمل أثقالاً وأثقالاً، إذا غنيت لهم فسيبدو صوتي كأنه مبحوح، وكأنّ الذي يغني ليس صبري مدلل.
هذا يعني أنه ليس كل لحن يناسب صوتك؟
أكيد.
في حلب كانت هناك مجموعة كبيرة من المغنين والملحنين، هل تتذكر بعضاً منهم؟
أوه.. (ابن حلال) كيف لا أتذكر؟ كان في حلب أصوات قلّ أن تتكرّر: علي عبد الجليل، محمد خيري، أبو كامل النصار، اسعد سالم. ولقد وهبهم الله من حلاوة الصوت ما يخليك (تسكر، تسلطن) وخاصة صوت علي عبد الجليل (رحمه الله).. كنت أحسدهم علي ما حباهم الله من عذوبة في أصواتهم.
هل درسوا الموسيقي والغناء في مدارس أو معاهد؟
منين يا حسرتي، نحن في حلب، وخاصة منذ خمسين سنة وأنت راجع إلي الوراء، لم يكن عندنا مدارس تعلم الموسيقي. كان الواحد يتعلم (لحالو) وكان كل المهتمين بالغناء يتعاونون مع بعضهم. لقد كان الموسيقيون والمغنون يجتمعون بشكلٍ يومي، أو كل يومين أو ثلاثة أيام في بيت واحد ٍ منهم، ويتدارسون جملة أو لحناً أو نغمة خاصة في بيت الشيخ علي الدرويش، ومن ثمّ في بيت ابنه الشيخ نديم الدرويش.
أنت علي يد من في حلب درست الغناء؟
بكل فخر ٍ، وهذا شرف ٌ كبيرٌ لي، أنا تعلمت أصول الغناء علي يد معلمي وأستاذي الشيخ عمر البطش رحمه الله، هو ساواني صبري المدلل.
تبدو عنيفاً في غنائك، وأنت تشدو تذكرني بأسلوب الشيخ زكريا أحمد وهو يغني.
هو فعلاً يبدو الأمر كذلك، تحس أنني معصب، وبالتالي صوتي فيه نبرة عنيفة، لكن هذا يعود لانفعالي بالكلمة وباللحن، وبمدي تحسسي، ومن ثم (سلطنتي)، أنا ومن كثرة انسجامي مع اللحن، أحياناً بل كثيراً لا أحس إلا علي صوت اكف الناس وهي تصفق لي، لحظتها فقط أتذكر أنني كنت أغني.
هذا يعني أنك تغني من (قحف راسك ومن جوات قلبك)؟
مئة بالمئة، وربما أكثر. المطرب كلما غمق في غنائه، اقترب من وجدان الناس.
هل تعتبر أنّ غناءك تعبير عن الحس الشعبي، عن الضمير الشعبي؟
بالتأكيد، هذا الضمير كلما فشل في قصة حب أو هزم في معركة، علي المغني أو الشاعر أن يرد له ثقته بنفسه ويحفزه علي الحب وعلي الحرب.
هل هذه مهمة المغني؟
ليست مهمة بقدر ما هي ضرورة ـ واقع ـ لماذا نجتمع في المسرح، لماذا يدفع الواحد ثمن التذكرة، هل ليستمع إلي صوت المطرب (بس)؟ المغني (أولي) كانوا يسمونه شاعراً وكان يدق علي الربابة. كان يضبط الحزن والفرح بإيقاع موسيقي مفرد بصوته وربابته، ودون فرق موسيقية. وكان بمقدوره أن يكف عن الغناء والعزف بنغمة حزينة فيتركهم حزاني، أو بنغمة فرحة فيتركهم يذهبون فرحين... دور المغني في قومه، بين بني قومه كدور الشاعر أو الزعيم الوطني. كنا نتوحد عندما كانت تغني أم كلثوم كل يوم خميس في مطلع كل شهر في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن اللي خلص. كنا نجتمع حول الراديو نستمع إليها وهي تشدو، كأننا نجتمع علي نصر أو في أقل الأحوال علي عرس. يوم كانت تغني أغنيتها الشهرية كان يوماً يعرّس فيه العرب. بدك تسألني وين كنت يا صبري مدلل، عينك حامية عليّ؟ أنا سأجيبك : الله يرحم هديك الأيام. أم كلثوم أعطت وأخذت في وقتها، وأنا كذلك أعطيت وأخذت في وقتي، لكن الذي (ساوته) أم كلثوم لا أنا ولا غيري يمكن أن يساويه، صعب (هلق) مطرب يقدر يوحد العرب.
هل أنت معجب بها إلي هذا الحد؟
طبعاً. أم كلثوم ما قصرت، (ولعبت) ـ مو بمعني اللعب واللهو- لعبت دورها التاريخي، صوتها كان ثروة العرب، وهي لم تبخل، كانت كريمة، صوتها خدم (كيفنا) وخدم (معركتنا) القومية مع اليهود. هي وظفته، أغانيها بعد هزيمة 1967 رفعت معنويات الشعب العربي كثيراً، كنت أتمني أن ألعب مثل هذا الدور لكن للأسف لم استطع. ليس تقصيراً، الجو لم يسمح.
تبدو حزيناً وأنت تتكلم عن أم كلثوم؟
وليش لأ؟ مواقف أم كلثوم فيها رجولة وفروسية ونبالة وكرم، ما عدا القيمة الفنية التاريخية لصوتها. أم كلثوم (بتسوي) مليون زلمة وأكثر، كانت رمزاً للعظمة والشموخ العربي خاصة عندما تقف علي المسرح وهي تغني، فرجيني مطربة في العالم مثلها.
هل هناك مطرب أو مطربة غيرها كان لهم مثل هذا الدور؟
أكيد كان هناك مطربون مهمون، مثل ما ذكرت من (شوي) محمد عبد الوهاب وأيضاً عبد الحليم حافظ. عبد الحليم كان (كتير) يحبو عبد الناصر، وغني أغاني قومية (كويسة) بعد حزيران... ثم إنّ صوته من أجمل الأصوات.
شيخ صبري... ذاكرتك ألا تخونك؟
بيني وبينك تخونني، الكبر عبر، بس ما رايح أخليك تشمت فيني، الكبر عبر والشباب لسه ما ولّي.
إذاً لا يزال عندك وقت للحب؟
وليش لأ؟؟
طيب، لو ظهرت الآن امرأة في حياتك وأحببتما بعضكما، هل تجن...؟ وكم تستعيد، تسترجع من عمرك؟
بصراحة بصراحة.. يمكن ارجع ابن عشرين.
ـ ملاحظة: اجري هذا الحوار قبل فترة من رحيل الفنان الكبير قبل اربعين يوما

جريدة القدس

ovide
27-10-2006, 13:50
مع غياب المدلل، تشعر أنك ازددت شيباً، وأن لا طربوش لتخفي تحته اشتعال رأسك، وأن منتديات الموسيقى العربية على الانترنت ما عادت تجمع سوى محترفي الحنين، الذين يضمّون شغفهم بالفصاحة إلى المنمنمات الموسيقية المشغولة بالدماثة وبالصبر العتيق الذي أفل مع المدلل، ويحلمون بزمان الوصل... في حلب.

فادي العبدالله[/right][/QUOTE]


أخي برهان، يسعدني أن إشارتي لم تخف عليك، وأنها سبقتني إلى هذا المنتدى الذي أعشق.

كل عام وأنتم بخير يا إخوة (بل يا أساتذة) الطرب والأدب، وعذراً على الغياب أحياناً، فكما تعلمون إن الدنيا مشاغل، وما سميت كذا إلا لأنها تشغل المرء... عما يهوى وعمن يود.

على رجاء دوام المودة

Burhan
28-10-2006, 06:57
أخي برهان، يسعدني أن إشارتي لم تخف عليك، وأنها سبقتني إلى هذا المنتدى الذي أعشق.

كل عام وأنتم بخير يا إخوة (بل يا أساتذة) الطرب والأدب، وعذراً على الغياب أحياناً، فكما تعلمون إن الدنيا مشاغل، وما سميت كذا إلا لأنها تشغل المرء... عما يهوى وعمن يود.

على رجاء دوام المودة[/QUOTE]

اهلاً وسهلاً يا استاذ، نورت الدار