PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : لور دكاش



Burhan
25-09-2006, 09:13
<آمنت بالله> جواز مرورها من لبنان إلى مصر
لور دكاش أقل من خالدة لكنها صمدت طويلاً
عناية جابر




في غمرة انهماكنا بحربنا الأخيرة، ماتت لور دكّاش وتكاسلنا عن الكتابة على فنها، إذ كان الموت الجماعي الآخذ بنا، بأطفالنا ومدننا وقرانا وجسورنا، يحجب الميتات الفردية، على غرار ميتة لور دكاش، أو كل من عنّ له الموت في ذلك الحين. صفحتنا الثقافية التي شغلتها النصوص المتعاطفة وغير المتعاطفة مع أحوالنا في الحرب، ضاقت في موت دكاش التي لم تختر توقيتاً مدوياً لموتها، في حين اختارت لحياتها الفنية سلسلة من الأغنيات الجميلة، كان أكثرها دوياً وبقاء أغنية <آمنت بالله> لحنها فريد غصن، ويقال بأن لور نفسها قد وضعت أو لحّنت اللحن المبدئي للأغنية ثم عادت وتنازلت لفريد غصن عن حق تسجيل اللحن، الذي حقق بسببه ثروة مالية طائلة، فيما اكتفت دكاش بالثروة الأدبية والمجد الفني على ما كانت تردّد وكانت هذه الأغنية جواز مرورها الى مصر، والى حبّ الجمهور المصري وأخيراً الى إقامتها النهائية في القاهرة مع نهايات الحرب العالمية الثانية، إثر سفرها من لبنان.

لور دكاش، ويجهلها الجيل الجديد بالطبع، ولدت في بيروت 24 آذار ,1917 وتوفيت في القاهرة عن 88 عاماً منذ ما يقرب الشهرين، تاركة فيلماً سينمائياً واحداً لم يلق النجاح هو (الموسيقار) الذي أخرجه السيد زيادة عام 1946 وشاركها في بطولته عازف الكمان يعقوب طانيوس وتمّ الفيلم بميزانية شديدة التواضع كفلت عدم نجاحه، بالإضافة الى ان تجربة بطلي الفيلم، كانت الأولى في السينما، كذلك تجربة المخرج. مشاركتها بدور صغير في الفيلم الكوميدي (يا تحب يا تقبّ) عام ,1994 كانت أكثر فشلا، وأتت لدواع احتياجية، عانتها المطربة شحاً ووحدة في أخريات أيامها.
النصف الأول من القرن الماضي، الذي أتى بلور دكاش إبنة تاجر المنسوجات والأقمشة اللبناني الثري جورج دكاش، شهد أيضاً بزوغ نجم الكثير من الفنانين اللبنانيين في مصر، تمثيلاً وغناء، فإلى جانب دكاش كان هناك فريد الأطرش وأسمهان ونور الهدى وصباح وسعاد محمد وآخرون.
<آمنت بالله> كما يعلم كل من سمع دكاش، كانت الأكثر شهرة وترديداً في أوساط جمهورها، سوى ان للمطربة أغنيات كثيرة قصرت عن <آمنت بالله> غير أنها مستوفية الصوت الجميل واللحن، لكبار الملحنين المصريين، مثل <لا مستحيل> و<أنا طبعي كده> و<أنا قلت لك الحب نعيم> و<مستحيل تقدر تنسيني الليالي> وسواها الكثير، كما قدمت وهي المارونية اللبنانية، بعض الأناشيد الدينية مثل <الله أكبر> و<ربي>.

تعبير شائع
<آمنت بالله> للراحلة دكاش، تلعب بها الموسيقى الدور الأساس، فيما كلماتها شكلت دغدغة ما لوجدان الإنسان العربي، كما تشكل من تسبيح للجمال، مردود بهاؤه الى خالقه. ثم بسبب من طبيعة الوزن العمودي للأغنية، ووظيفة الموسيقى وصوت المطربة الجميل، والإطار الابتهالي الجمعي لتعبيرات الجملة، صمدت الأغنية في مناخها العالي عن الهذر الشعبي، وفي ضبط اللحن الذي تتكرر <الكوبلات> فيه كما هي، فحفظها الجمهور من رتابتها (الايجابية هنا) وبساطتها. عرف اللحن كيف يخرج في مواضعه المتكررة مع ذلك، من الكلاسيكية المجردة، الى الجو التعبيري الشاسع. كلمات أغنية <آمنت بالله> تتراوح بين الشعر الفصيح والفولكلور المحلي، إذا جاز التعبير. ورغم ان بعض المقاطع فيها او الكوبليه من حيث النص، يلعب دور الحشو اللفظي المكمل لوزن الموسيقى سوى أنها في اختلاط حدودها بين الكلاسيكي والخفيف، بقيت محوراً أساسياً في ذهن المتلقي العربي غير المتطلب، كما بقيت محوراً يستقي منه غذاء لوجدانه، وأحاسيسه، ما دفع في <آمنت بالله> الى الصمود، بالاضافة الى كونها تلحيناً أولياً للمطربة، وهذا بحد ذاته علامة فارقة أضافت الكثير.

حنجرة متميزة
تميز صوت لور دكاش (وكان المصريون يخطئون اسمها فيسمونها <لورد> دكاش) بالقوة واتساع المساحة. وقد صدرت شهادات حق في صوتها من كبار المبدعين والمشتغلين في حقل الغناء والموسيقى، من اجتيازها عقبات كثيرة كان لا بد لصاحب اي صوت من اجتيازها قبل الوصول الى نجوميته وتلهف الجماهير الى سماعه. كان لدكاش تلك الحنجرة المتميزة، وتغني بنكهة خاصة جداً، وإن بقي أقل مقارنة بأصوات خالدة لا مجال على الصمود أمامها كأم كلثوم وفتحية أحمد وأسمهان.
لور التي ماتت وحيدة، وخبر وفاتها لم يصل الى نقابة الموسيقيين المصريين إلا عندما اتصل بعض الصحافيين طلباً لمعلومات عنها بسبب وفاتها، تزوجت مرتين: فالأولى من لبناني ولم تستمر طويلاً، والثانية من المهندس المصري سليمان الأمير وحصلت بزواجها منه على الجنسية المصرية. أُعجب بها محمد عبد الوهاب، وخصوصاً في أدائها الأدوار القديمة لمحمد عثمان وألمظ وسيد درويش وغيرهم من كبار الطرب الشرقي. أكبر تكريم حصلت عليه لور هو تكريمها في مهرجان <بوردو> الفرنسي، حيث غنت في البرنامج المخصص لها بعض أدوار سيد درويش، والتواشيح القديمة كذلك أغاني من الفولكلور اللبناني. رغم نجاح <آمنت بالله> فهي عرفت شهرة سابقة مع أغنيات لأحمد رامي <أول نظرة> و<ليل الأشواق> لإيليا أبو ماضي، و<كل اللي شافوكي> لصالح جودت، و<قطتي الغضبى> لنزار قباني، والأشهر، أغنية لبطرس معوض غنتها دكاش لسعد زغلول: <يا روح سعد قد سكنت قلوبنا>.

جمال خاص
قد لا تكون أغنيات لور دكاش، ولا تلحينها او إجادتها العزف على العود، قد ارتقت الى مصاف <الأيقونات> العربية المعروفة، سوى أنها كانت تصنف ممتازة بصفة متقطعة بين هذه الاغنية وتلك، فلم تنحصر في بضع مفردات ومعانٍ تدور في إطارها بتكرار مملّ، بل لوّنت في موسيقاها وغنائها، وظلت مثابرة في أغنيتها على أكثر من مقامين اثنين او ثلاثة، لكي تؤكد الثروة الهائلة من المقامات والإيقاعات العربية التي يعرفها التاريخ الغنائي العربي، والتي لا حدود لتنوّعها ولآفاقها. كما أنها ابتعدت في غنائها عن الاقليمية، فلم تنغلق أغنيتها في المحلية، وذلك لأسفارها المتعدّدة الى المغرب العربي (تونس والجزائر) والى رغبتها الخاصة في اختراق الحواجز، وجعل نتاجها الفني مفارقاً للفوضى السياسية التي سادت، وتسود العالم العربي.
بعد وفاة لور دكاش، نشعر بأن الكثير من الظلال أُرخيت لأسباب كثيرة، على القيمة الحقيقية لصوتها، منها أسباب تتعلق بالمطربة نفسها، وأسباب على علاقة بالجيل الغنائي الذي راحت دكاش لمنافسته في عقر داره. بوسع من لم يتسنّ له سماعها، الاصغاء الآن الى ملامح الجمال الخاص، التي لا تخطئها الأذن المتذوقة، وأهم مزاياها اتساع المساحة على الطبقة المرتفعة والمنخفضة معاً، وخبرة حنجرتها المدربة منذ الصغر، وبراعة التنقل بين المقامات، والنمنمة الغنائية في كل التميز والاقتدار.