PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : تساؤلات متذّوق أرجو الاهتمام بالإجابة عنها



علي العُمَري
30-10-2006, 17:51
العزيزات والأعزاء, تحية من القلب إلى القلب وبعد:
فكلنا يعلم أن العرب والمسلمين اهتموا اهتماما بالغا بالموسيقى والغناء لا سيما في العهد العباسي, حيث احتفى بها علية القوم الأمر الذي حقق نهضة زاهرة لهذا القطاع من الفنون, فشهد نقلة نوعية تنظيرا وتطويرا على يد كل من إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وتلميذه الأشهر "زرياب" ومن عاصر أولائك أو تقدمهم أو لحق بهم من المغنين ووالعازفين الذي أّرخ لهم أبو الفرج الأصفهاني في أغانيه, ومن قبله ابن خرداذبة في مختاراته وغيرهما من مؤرخي الفنون وأخبار أعلامها.
كلنا يعلم ذلك, ولكن ما يجهله كثيرون -وأولهم كاتب هذه السطور- هو بالضبط:
هل المصطلحات الواردة في كتب من اهتموا بالتأريخ لتلك الحقبة مفهومة من قبل أكاديميي اليوم؟
بمعنى:
هل يفهمون ما عناه رجل كالأصفهاني بقوله في "نسبة" اللحن الفلاني (هو من خفيف الثاني الأول في مجرى البنصر) ونحو ذلك من مصطلحات المعجم الموسيقي العربي القديم؟
وإذا كانوا -أي الأكاديميين- يفهمون ذلك, فهل يفهمونه على وجه الدقة أم على سبيل التخمين؟
بل هل الأصفهاني هنا يشير إلى مقام اللحن أم إلى طريقة العزف أم إلى ماذا يشير بالضبط؟
وهذا يقودني إلى تساؤل آخر:
هل عرف العرب "النوتة" أو ما يشبهها قديما أم لا؟
من جهة أخرى, هل لدى دارسي الموسيقيى اليوم تصور عن غناء ومقامات تلك الأيام الخوالي؟
بمعنى:
هل الموشحات الأندلسية التي نستمع إليها اليوم هي ذات الموشحات التي كان يستمع إليها ابن حزم وابن شهيد وابن رشد؟
أم أنها فن لا يحمل من نكهة ذلك الغناء إلا الاسم أو بعض السمات العامة فحسب؟

اعذروني على إغراقكم بهذا السيل من الأسئلة ولكنني من محبي الغناء ومتذوقيه رغم كوني لا أمتلك أذنا موسيقية كآذانكم, ولا معرفة عميقة كمعرفتكم, فما أنا إلا متذوق "عادي" ومحدود القدرات جدا, ولعل هذا هو سر عدم مشاركاتي إذ ليس للتلميذ إلا مقام الصمت بين يدي أساتذته, بل من قال إني تلميذ, أظنني أقل من ذلك حتى أنني أخشى أن وجودي بينكم هنا في هذا العالم المائج بالروعة نوع من التطفل يشعرني بكثير من الخجل.

ولكم ولمن مر من هنا تحياتي

أبو علاء
30-10-2006, 19:10
أخي العزيز مرحبا بك بيننا.
وبعد، فهذا ردّ سريع ليس من متخصّص ولا من عالم، ناهيك عن أن يكون معلّما، بل من طالب للعلم في هذا الباب، وذاك فيما أرى شأننا جميعا وإن تفاوت مقدار جهلنا، في انتظار أن يأتينا جواب أوثق ممّن هم أدرى بما سألت عنه (فريديريك...).
في اعتقادي أنّ ما من سبيل لموسيقيّي هذا العصر وباحثيه لفكّ طلاسم مصطلحات وعبارات كالّتي استشهدت بها عن أبي الفرج سوى الاجتهاد والتّخمين خصوصا أنّ العرب فيما أعلم خلافا للأتراك مثلا لم يعرفوا تدوين الموسيقى وفق نظام مماثل لنظام التّدوين الأوروبيّ أو التّركيّ (وقد تكون لذلك أسباب حضاريّة منها ما يتّصل بالإيديولوجيا عامّة، ولا أحبّ أن اقول المعتقد، وبالسّنّة الثّاقافيّة، سنّة الرّواية والنّقل) ؛ وكلّ ما وصلنا من تراث غنائيّ قديم وأقدم ما فيه الموشّحات الأندلسيّة (في المغرب العربيّ) أو الشّرقيّة (في مصر والشّام) إنّما وصلنا بالرّواية.
وقد ظهرت في الآونة الأخيرة جهود أكاديميّة لا يستهان بها لمحاولة استخلاص جهاز معرفيّ ومادّة موسيقيّة قابلة للأداء من بعض مدوّنات الأقدمين، وأعتقد أنّ من أبرز المجتهدين في هذا الباب الباحث اللّبنانيّ نداء أبو مراد، إلاّ أنّ نصيب تلك المحاولات من التّوفيق عندي غير معلوم، والحكم عليها يقتضي على أيّ حال الكثير من النّظر والرّويّة.

ovide
30-10-2006, 20:00
لا بد من بسط المعذرة في هذا المقام، عن عدم الاختصاص والتطفل على أهل العلم،

لكنني أذكر أنني قرأت أن كبار مغني العرب في العصر العباسي في بغداد كانوا يبعثون لبعضهم بالألحان مكتوبة، بمجراه واصبعه ووزنه....الخ، حتى ليغنيه المتلقي كما لو أنه حفظه.
وهذا يدل على أنهم كانوا يعرفون نوعاً من أنواع التدوين.

وليس ذلك بالمستبعد، إذا ما علمنا أن الكنيسة البيزنطية كانت أيضاً تعرف تدوين ألحانها، وموسيقاها لم تكن بعيدة عن اغناء الموسيقى العربية والتفاعل معها.

هنالك حالياً بعض المحاولات ومنها ما اشار إليه أبو العلاء، من محاولات أبي مراد، وهي فيما أحسب تتطلب نقداً مدققاً ومتمحصاً قبل القول بمدى اصابتها,

والعلم بعد ذلك عند الله ثم لدى الراسخين

علي العُمَري
31-10-2006, 16:39
أستاذي الفاضل أبو العلاء ..
أشكرك لاهتمامك وتفّضلك بالتعليق, وبعد:
فلعل هذا التراث المسموع الذي وصلنا بالرواية عن الأقدمين جيلا بعد جيل, لعله لو خضع للدراسة الفاحصة المقارنة ينتج مادة معرفية لها قيمتها, على أن لا يتم ذلك بمعزل عن النظام الإيقاعي الشعري لا سيما للموضحات التي تمتاز بعض صورها بلون من التعقيد ومن ذلك النظم على أكثر من بحر في قطعة واحدة.

تحياتي

علي العُمَري
31-10-2006, 17:18
أستاذي الفاضل ovide..
أشكرك لتفضلك بالتعقيب والاهتمام, وبعد:
فربما كان بالفعل هنالك لون من ألوان التدوين في الزمن العباسي وما بعده, لكن يأتي إلى خلدي استبعاد أن يكون ذلك اللون هو "النسبة" اللحنية كما كان يشير إليها أبو الفرج في أغانيه, والذي ما أظنه كان يفعل ذلك إلا للتمييز بين لحنين شائعين أو أكثر حتى لا يقع خلط الرواة بينها.

مما يروى أيضا أن الخليل بن أحمد الفراهيدي قد ترك كتابين في الموسيقى, فضلا عن غيره من أرباب الصناعة والفلاسفة, وهنا ينبغي أن يلتفت إلى أنهم قد تركوا كتبا في الموسيقى وليس في الغناء وحده, أي أن تلك الكتب لم تكن ذات طبيعة إخبارية وصفية ككتاب أبي الفرج على سبيل المثال, بل ذات طبيعة علمية بحتة, لا سيما وأن رجلا كالخليل كان يمتلك عبقرية خاصة في الإيقاع والصوتيات كما تشهد بذلك آراؤه وآث3اره في النحو والصرف والعروض والقوافي وفي معجمه الشيهر أيضا.

تحياتي

أبو علاء
31-10-2006, 19:40
أخي العزيز عليّ، يبدو أنّ دراية الخليل ابن أحمد بالموسيقى بل وحتّى بالإيقاع نفسه محلّ نظر، وقد كان لي صديق عزيز توفّي منذ سنين كتب كتابا اسمه نظريّة إيقاع الشّعر العربيّ تنطلق أطروحته المركزيّة من بطلان نظريّة الخليل في أوزان الشّعر وانخرام نظامه الإيقاعيّ الّّذي يرى صاحبي أنّه مستوحى من نظريّة الأوزان الإغريقيّة وأنّ أبحر الخليل هي قوالب رياضيّة تقوم على وصف البيت في صورته المكتوبة والمقطعيّة دون صورته المنطوقة الّتي هي الأصل في الشّعر العربيّ ؛ وقد أسّس المرحوم محمّد العيّاشي نظريّة متكاملة لتدبّر إيقاعات الشّعر العربيّ بصفته شعرا يُلقى قبل أن يُكتَب تقوم على مفهوم أساسيّ عنده هو مفهوم "الكمّيّات اللّفظيّة والإيقاعيّة" وتعتمد عناصر مفهوميّة مثل الثّقل والخفّة والسّكت ممّا نجده أونجد بعضه في الإيقاعات الموسيقيّة ؛ والمرحوم العيّاشي كان ذا ثقافة لغويّة وأدبيّة كلاسيكيّة واسعة حتّى أنّه كان يحفظ ديوان الحماسة بشروحه عن ظهر قلب ! وله أشعار بعضها قصائد عموديّة مطوّلة والبعض الآخر على نمط الشّعر الحرّ، كما كانت له ثقافة موسيقيّة لا بأس بها، وكان عازفا على العود وكتب ولحّن بعض الموشّحات ؛ وله فضلا عن المؤلَّف الرّئيسيّ سالف الذّكر مصنّف في إيقاع الزّجل الغنائيّ من خلال أغاني أمّ كلثوم ومجموعة من المباحث في موضوع الإيقاع الشّعريّ من خلال قوالب ونماذج شعريّة شتّى مثل الدّوبيت وأشعار السّيّاب...

Hattouma
31-10-2006, 23:13
مرحبا بك أخي...مداخلة بسيطة :ظني و مما قرأت في الموضوع لباحثين مثل فريدريك أن الموشحات المشرقية التي نعرفها في المشرق العربي (كموسيقى و ليس كصيغة شعرية هي وليدة المشرق العربي (و حلب في البدء و الأساس) في زمن لا يتعدى القرن الثامن عشر...يعني كلمة أندلسية هنا ليست دقيقة مائة في المائة كوصف للموسيقى..و يوجد اجتهادات متعددة في كيفية و سبب هذه التسمية كلها لا تقطع الشك باليقين.أما الموشحات المغناة على الطريقة المغاربية و علاقتها الحقيقة بموسيقى أندلس ابن رشد و ابن حزم فالله أعلم..و الفرق "الموسيقي" بينها و بين المشرقية ملفت للنظر .

علي العُمَري
01-11-2006, 03:22
أستاذي الفاضل أبو العلاء ..
صحيح أن كثيرا من الجدل دار حول نظرية الخليل العروضية, لكنها رغم ذلك ظلت دائما هي الأقدر على رصد الظواهر الإيقاعية الشعرية وتدوينها وتحليلها وصفيا على الأقل, أما النظريات الأخرى التي طرحت فإنها لم تخلُ من تعّسف وقصور.
أجل, الميزان الخليلي ميزان رياضي فهو لا يفرق بين بيتين من الشعر ينتميان إلى تشكيلة إيقاعية واحدة, رغم أننا نجد في أنفسنا فرقا كبيرا في جرسهما عند السماع, بل إني أشعر أن هذا البيت أو ذاك غير مستقيم وزنا في بعض الأحايين رغم أن العروض الخليلي يحاول إقناعي بأنه موزون!!!
لكن علينا أن لا ننسى أن الخليل دّون عروضه بغرض تمكين من لا يمتلك أذنا مدّربة من الرواة من تمييز ما هو مستقيم -ولو بأقل درجات الاستقامة- وما هو غير مستقيم, وأظن أن هدفه لو كان مترّكزا على دراسة النظام الشعري من حيث الخواص الإيقاعية وأنساقها وجمالياتها وليس على تمييز ما هو موزون من ما هو غير موزون لزاد في أصوله ومباحثه أشياء أخرى يفتقر إليها نظامه اليوم, وهي مهمة الباحث الحاذق التي لم ينهض بها أحد حتى الآن رغم كثرة المحاولات في هذا المضمار.

أما أن الخليل أخذ نظامه العروضي عن الإغريق فأستتبعد ذلك لاختلاف الطبيعة الإيقاعية بين هذين النظامين جوهريا, ولكن ربما أفاد الخليل بنوع من الإفادة ممن سبقوه.
لقد قامت أبحاث كثير من العروضيين المحدثين على محاولة استبدال النظرية العروضية الخليلية وأظن أنها لو قامت على محاولة الاستفادة من هذه النظرية وإضافة أبحاث جديدة إليها لخرجنا بما هو أفضل من عشرات النظريات الجديدة التي لم تستطع مزاحمة النظرية الخليلية رغم كل ما يقال ويكتب.

تحياتي

علي العُمَري
01-11-2006, 03:29
أستاذي الفاضل hattouma..
أشكرك على ما أفدت به, وليت الأستاذ "فريدريك" ينفحنا بشي من علمه, فما زال الأمر بحاجة إلى أن يدلي متخصص بدلوه رغم التعقيبات القيمة التي تفضل بها الأستاذان أبو العلاء وـ ovide وتفضلت بها أنت أيضا.

تحياتي