PDA

View Full Version : الشيخ سلامة حجازى.. سيرة حياة


عصفور الجناين
04-12-2006, 02:09
سلامة حجازي .. سيرة و مسيرة
دكتور محمد فضل

(كان الدكتور محمد فضل من أشد المعجبين المتحمسين للشيخ سلامة حجازى، العاملين على تخليد ذكراه، ومن أهم الأعمال التى قام بها الدكتور فاضل من أجل الشيخ الكتاب الذى أصدره فى ذكراه الخامسة عشرة بعنوان "الشيخ سلامة حجازى" للدكتور محمد فاضل، وهو كتاب شامل عن سيرة حياة الشيخ وأعماله.. ونقدم هنا الحياة الكاملة للشيخ كما كتبها الدكتور فاضل منذ 69 عاماً حيث أنه المرجع الوحيد تقريباً الذى يتحدث عن الشيخ بهذا الشمول وهذه التفاصيل وهو مرجع نادر حالياً حيث لم يطبع مرة أخرى منذ عام 1932)

عائلة حجازى
كان حى رأس التين بالإسكندرية أغنى الأحياء وأوجهها وأعمرها سكاناً وحركة، وكانت المسحة الغالبة عليه فى منتصف القرن الماضى مسحة الوطنيين من العمال ومهد الملاحين والنوتية وقاصدى الثغر. كما أن ميناءه كانت ملتقى الجميع من النازحين من مختلف البلاد العربية المجاورة، يجد فيها القاصد ملجأ ومضيفا وخوانا، وكان الآيب من السلوم والقاصد إلى رشيد يستريح هناك ويقيم حتى يحين وقت الإقلاع منه.. وكان أهل هذا الحى يؤدون الفرائض فى زاويتين: (زاوية سلامة) وكانت لتهجد الليل وإقامة الأذكار، و(زاوية خطاب) وكانت لصلاة النهار والجمعة. وبين المسجدين كانت تقيم "دار حجازى" مقصد أهل الحى وملجأ العابر وذى الحاجة، وفعلاً كانت الدار هذه مضيفة الفقير والقاصد ودار الكرم والسماحة.
وما كان حجازى هذا عمدة الناحية أو أحد أعيانها، بل كان رجلاً أسبغ الله عليه الفضل واختصه بالكرم فشاع صيته وهابه كل من رآه. وما هو سوى "الريس" إبراهيم حجازى النوتى، الرشيدى مولداً، المقيم فى الإسكندرية، والنازح إليها من زمن بعيد، وكان قرياً عالى الهمة شهماً يحترمه الشيخ قبل الشاب، ويجله أهل السطوة من أبناء حيه ويتفاخرون بشجاعته ويتباهون بكرمه، كما كان ملاحاً مجداً، وتقياً مسلما، يعتقد بالقضاء ويؤمن بالقدر، فلقد كان أول أمره نوتياً بسيطاً فصبر وجالد وجاهد وكابد حتى كتب الله له النجاح وأصبح يملك سفينتين شراعيتين يحمل عليهما البضائع من رشيد إلى الإسكندرية ومنها إلى السلوم.
ومنذ ذلك الوقت اتخذ سكنه فى حى رأس التين، وفتح بابه على مصراعيه لكل لاجئ، ولما كان وحيد أمه وكانت وظيفته تتطلب الأسفار، فكان ينوب عنه وكيلاً صديقاً يدعى "محمد الكحلة" لتظل الدار مفتوحة والمنزل مأموماً.. وهكذا كان ينصرم العام يلى العام ولم يتأهل "الريس حجازى" بزوج، مما جعل نساء الحى يتشوقن إلى الاقتران به ويسارعن إلى مرآه كلما آب من سفر.
وحدث ذات يوم ما لم يكن فى بال أحد، إذ عاد "الريس حجازى" من سفرة طويلة فى السلوم يصحب زوجة عربية تدعى (سلومة) وسيمة الخلقة وعلى جانب من الجمال.
ولهذا الزواج قصة شيقة: كان "الريس حجازى" متعوداً أن يستضاف فى نجع شيخ العرب (سيف النصر الجرداتى) من كبار مشايخ السلوم كلما رسى بسفنه هناك، وكانت تربطه بشيخ القبيلة هذا فضلاً عن صداقة الود قرابة عائلية من جهة والدة المعلم حجازى إذ كانت من ذات القبيلة وتزوجت بأبيه الرشيدى منذ بعيد، وإذ هو فى أصيل إحدى الليالى جالساً على بساط الطبيعة أمام خيمة الضيافة إذ مرت أمامه عذراء مليحة الوجه، ما كادت تلمحه حتى احمرت وجنتاها وأدركها الخجل وانعطفت مسرعة فى خطواتها إلى خباء قريب توارت فيه بالحجاب.. فى هذه اللحظة خفق قلب "الريس إبراهيم" خفقة الحب لهذه الفتاة الخفرة وصمم على الاقتران بها، وفى خلوة من خلوات العرب ضمت كلا من الصديقين لم ير "الريس حجازى" بداً من مكاشفة صديقه بما استشعره من الحب لهذه الفتاة، فابتسم الشيخ وبعد قهقهة طريفة قال له: هى لك من الآن يا إبراهيم زوجة مباركة إن شاء الله.
"ولعمر الصدف ما كانت هذه الفتاة سوى ابنة صديقه الشيخ".
وفى الصباح جرت مراسيم الاقتران بها، ولم يطل مقام العروسين بعد هذا القران الميمون إلا أسبوعاً واحداً نزحا بعده إلى الإسكندرية حيث أضاءت بهما دار حجازى.
قالت تحدثنا قريبة لصاحب الترجمة (المقصود سلامة حجازى) إن سلومة كانت مضرب الأمثال فى الجمال العربى، وزينة رأس التين فى الكرم، وكانت ربعة أميل للقصر حمراوية الوجه مستديرته، فشغف الريس إبراهيم بها وافتتن، ولم يلبث أن أثمر حبهما وأولدت له الثمرة الأولى والأخيرة من حياتهما طفلاً ذكراً أسمياه سلامة، كان قرة عين والديه ومناط السلوة من نفسيهما.


يتبع,,

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:24
الطفل سلامة حجازى
ولد سلامة عام 1852 ميلادية بدار أبيه إبراهيم الكائنة بحى رأس التين بمدينة الإسكندرية، وظل يترعرع فى حجر أمه وحضانة أبيه ملحوظاً منهما باللهفة علية والعناية به.
ولما بلغ العام الثالث من مولده أصيب والده بالتهاب رئوى ذهب بحياته تاركاً وراءه سلامة وزوجه وأمه العجوز التى فارقت الحياة إثر صدمتها فى ولدها ولم يكد ينتهى الأسبوع الأول.
خلف "الريس" إبراهيم لعائلته مالاً كثيراً وعقاراً كبيراً، فكان ذلك مدعاة لأن تتخير زوجه سلومة زوجاً يقوم على إدارة أملاكها، فتزوجت من صديقه (محمود الكحلة) الذى كان يقوم مقامه وأقرب الناس إليه أيام حياته.
وكان الكحلة هذا رجلاً مستهتراً سكيراً شهوانياً، ولذلك لم يلبث إلا بضعة أشهر على وفاة صديقه الول حتى أبطل عادة الضيافة، وأقفل الباب فى وجه الزائرين والمريدين لأهل حجازى، مما أدى إلى غضب شيخ الطريقة الرأسية عليه.
وكان هذا الأخير شيخاً فاضلاً وعالماً ورعاً يرأس جماعة كبيرة من أصحاب الطرق، ويقضى بين الناس بالحق، وله نفوذ وسلطة دينية كبيرة بين قومه، واستعود الشيخ أن يزور ويتودد إلى عائلة حجازى ويقيم حفلات الذكر والصلاة فى بيتهم، وبلغ من شغف العائلة به أن أسمت مولودها باسمه "وكان يدعى سلامه الرأس" تيمناً وبركة، كما أن الشيخ اختص الطفل بحمايته وحبه.
فما كاد الكحلة يقفل باب البيت فى وجه زواره حتى نزع الشيخ سلامة الرأس الطفل سلامة من حضانة زوج أمه وألحقه بالمعلم (أحمد فراج) الحلاق أمام زاويته "المعروفة إلى اليوم باسمه بحى الميدان-1932" ليكون قريباً من عطفه وليتولى تربيته تحت سمعه وبصره.
بيد أنه ما انفك يدرج مع اخوته الذين رزقت بهم أمه من زوجها الثانى وهم فى ذلك (محمود وشفيقة) وهو لا يشعر بأن هذا الرجل الذى يدعوه باسم الأبوة أسوة باخوته كان يضمر له الكره ويخمر له الجفوة نظراً لحنو أمه الزائد عليه ولأنه الوارث الوحيد لمال أبيه.
ولما بلغ سلامة حوله السادس وعرف أن الرجل ليس أباه أخذته الكآبة وأدركه الكدر وأصبح معيرا من بقية الأطفال.
وفى أثناء هذه الفترات الكئيبة التى كانت تمر بالطفل بيع منزل العائلة ونزعت سفنهم، وبذلك ضاعت على الطفل ثروة كانت تقيه المسغبة لو كان ةتصرف وكيله وزوج أمه حسنا.
هنا توسلت الأم بالشيخ سمة الرأس واستنجدته، فما كان منه إلا أن أفرد لها منزلا فى حى زاويته "بحارة بزامه ومعروف بدار سلامة إلى الآن- 1932" وعطف عليها، وأجزل لها العطاء، وبعث بأولادها إلى المكاتب، واختص الطفل سلامة بأكبر جزء من عنايته، فأدخله مكتب سيدى عبد الرحمن ابن هرمز "معروف فى الحى نفسه" فكان يتلقى مبادئ القراءة والكتابة ويستظهر القرآن فى نصف يومه الأول، والنصف الأخير من اليوم يلاحظ مهنة الحلاقة فى دكان المعلم فراج.


يتبع,,

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:25
المقرئ سلامة
فى ذلك الحى الهادئ المشمول بالبركة الصوفية، والمخيمة عليه أناشيد العبادة الإلهية المتشعبة من زاوية الشيخ الرأس؛ حيث تقام حفلات الأذكار وتصدح موسيقية السماء بعد صلاة العشاء، كان يلجأ طفلنا سلامة إلى زاوية الشيخ قصد التفرج والنظر.
ولما كانت الأدعية تتماوج بشدة كأن يأتى الشيخ برهط كبير من منشدى عصره يتناوبون الإنشاد لتخفيف تلك التأججات النفسية والتوترات العصبية، وليوصلون على تبرات أصواتهم العبادة خالصة للملكوت العلوى.
أعجب الطفل منظر الذكر وأخذته حلقته المتماسكة بأعضاء الرجال، وأشجاه صوت (السلامية) فعكف فى غدواته وروحاته على تقليد صوتها منفرداً حتى ذهب به الشغف واشترى مثلها ليقلد صوت (العنانى) بنايه- وكان هذا مشهوراً بالتوقيع عليه.
حدثنى المرحوم (الشيخ محمد السيسى) رفيق صباه وزوج أخته شفيقة فيما بعد، أنه أتاه دامع العين ليلة، وطلب منه أن يشترى له (سلامية) ليوقع عليها، فاشترى له واحدة -بلغ ثمنها قرش صاغ- أخذها منه وصار يوقع عليها فى فراغ وقته وليله.
واظب طفلنا على الحضور إلى زاوية الشيخ، وكان يأخذ مكانه بجانب العنانى متزناً رزيناً، لا يبدو عليه ما يبدو على الصبيان من طائش الحركات وعبث الطفولة، فلفت بهذا الخلق أنظار القوم إليه فقربوه منهم وأدنوه من فرقة المنشدين ليسند العنانى بنايه.
أخبرنى الشيخ المترجم شخصياً أنه أخفق فى تجربة الناى وفى محاولة الاستمرار عليه لأن نفسه لم يكن قد قوى بعد، فلم يستطع مداومة النفخ، ولم يكد يمر عليه أسبوع حتى أصيب صدره فامتنع.
بيد أنه حاول إظهار وثبات نفسه فى شئ أبسط وأمتع، وهو أن يسند المنشد فى الآهات الطويلة، وكان المنشد وقتئذ الشيخ (كامل الحريرى) وقد آنس فيه صوتاً رقيقاً وغنة حلوة يصلح معها أن يكون ضمن البطانة، فضمه إليه محتفياً به من الزمرة.
وقد كان ما قدره الله له، وحمل الطفل سلامة وهو فى العاشرة من عمره مهمة قوية يؤديها لشعبه وهو لا يعلم، فعكف على عمله الجديد وتجلت على الناس مواهبه الغنائية شيئاً فشيئاً، فأعلوا درجته إلى أن وصل بعد مدة وجيزة إلى درجة منشد ابتدائى، ويفتتح الحفلة بما يتيسر من القرآن الذى قد حفظه أجمع وهو لم يكد يتجاوز الحادية عشر.
انتشر صيته فى الحى وشهر بحسن الصوت وترتيل القرآن، فتهافت على طلبه كبار الأٍسر من أهل حيه، ورتب "على حد تعبير العامة" فى منازلهم لتلاوة القرآن كراتب يومى مقابل جعل ارتفع عن بقية إخوانه المقرئين.
درت الوظيفة الجديدة على المقرئ سلامة الخير الجزيل، فاضطر آسفاً إلى ترك معلمه (أحمد فراج) ليتفرغ لعمله الجديد، ولينفق على عائلته التى أنهكها الفقر وخاصة بعد موت زوج أمه الكحلة.
وفى هذه الأثناء أصيب الشيخ الرأس فى عينيه فكف بصره واحتاج إلى من يقوده: ومن هناك أجدر من سلامة "ولده المتبنى" بهذه الوظيفة؟ ومن هناك محبب إلى قلب الشيخ الكبير من هذا الغلام الوديع الذى هذبه اليتم وثقفت نفسه محن الحوادث نفسه محن الحوادث وقسوة الأيام؟
لذلك تقدم سلامة إلى شيخه واختص به، وكانت فى الواقع خدمة الشيخ شاقة صعبة المزاولة، إذ قد عهد إليه بقيادته وتوضيئته ودعوة إخوان الطريقة كلما دعى الأمر، كل هذا فضلاً على قراءة رواتبه المنظمة فى المنازل.. وأنت إذ علمت أن نفس الصبى دائماً مرحة يغلب عليها النزق وحب الوثب، أدركت أن نفس سلامة فى حال طفولتها كانت قد عدت على أطوار الشباب وشارفت على حدود الكهولة، حيث لم يكد يبلغ هذا الطفل عامه الخامس عشر حتى مات الشيخ الكبير، واستخلف سلامة من بعده نائباً صالحاً ورجلاً تقياً وخلفاً مباركاً له.

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:27
مؤذن جامع الأباصيرى
سارت الطريقة الرأسية فى مهدها الجديد، يدير حلقاتها ويرأس إنشادها سلامة حجازى بشكل أدعى إلى البروز وأنشط فى القوة، لأن شيخها الشاب تملك حريته وقدر على التفنن فى ترويج دعوته بنظام ودعاية منوعة، وأظهر عبقريته حرة على فطرتها، وراح يغنى قومه وينشدهم، ويتفنن فى النغم والنشيد كما تريده سلطة الطبيعة لا قوة التعليم والموازنة.
أوحت إليه موهبته أن يبدع ويهتف بالنغم الجديد والغنة الحلوة، فيلهب مشاعر (الذكيرة) ويسموا بنفوسهم رويدا رويدا، حتى يتركهم صرعى الانفعالات والاحساسات الوجدانية الخفية، وهنا عظم الإقبال وكثر تهافت الناس على زاوية الرأس، وهرع القوم أفواجاً إلى الطريقة الرأسية لسماع صوت منشدها، فاضطر الإخوان تخفيفاً للزحام إلى تقسيم ليالى الذكر على عدة مساجد فى الحى نفسه، حيث يقام فى كل مسجد حفلة، نخص بالذكر منهم جامع الأباصيرى، زاوية الأعرج، وزاوية الرأس.
ولما كان منشد الطريقة يؤم الجمع فى صلاة الفجر، تبرع ليؤذن الصلاة فجراً على منائر المساجد، فأقام نفسه كمؤذن متطوع يؤذن الفجر. "ولا صحة مطلقاً لما يشاع فى كتب التاريخ من أن الشيخ كان يحترف مهنة التأذين ويتعاطى أجراً عنها".
وعلى المنائر بدأت ميزة المؤذن الكبرى فى صوته تبرز وتتجلى، وتمت نعمة الله عليه بهبة هى أغلى ما يرجوه المؤذن ويتمناه، فاشتهر أمره كمؤذن الأباصيرى وبعد صيته. حتى لكان الحشد من الناس يجتمع من رجال ونسوة وأطفال فى أوقات السحر والبكور على مقربة من المأذنة خارج أسوار المسجد ينتظرون ساعة الأذان للإنصات إلى هذا الوحى الذى كان يهبط عليهم من أعلى المأذنة ممثلاً فى صوت سلامة حجازى.
أصبح أهل الإسكندرية لا تهتف إلا باسم هذا المؤذن الملائكى، ولا يتناقلون إلا أخباره بالعجب والانبهار وجمال الصوت، حتى تكاثرت الوفود على الطريقة الرأسية بأشد مما كان، فلم ير الشاب بداً من أن يتقدم إلى عظيم المنشدين فى عصره ويؤممه الطريقة ويرئسه حلقتها ليتمكن بذلك من التلمذة عليه.
كان أول طلب طلبه (الشيخ أحمد الياسرجى) من سلامة أن يكف بتاتاً عن قراءة القرآن وأن يجتهد فى تقوية طبقة الأرضى (أو القرار) فى صوته، لأنه لاحظ أن صوت الشاب كان رقيقاً شديد الارتفاع لا قرار له، فزامل سلامة شيخه الياسرجى يلقنه الكثير من نظام الفن ويؤسس له نظمه ويعلمه وزن النغم إلى أن فارق الحياة.
وحدث فى مأتمه الذى كان يرتل فيه تلميذه سلامة القرآن، أن سمع صوته كبير منشدى القاهرة الشيخ (خليل محرم) وقد أتى خصيصاً للعزاء فى زميله السكندرى، فأعجب بالشاب إعجاباً حماسياً وصاح به يطلب المزيد.. وقد عن للشيخ أن يمكث بالإسكندرية بضعة أشهر لأمور خاصة فكانت فرصة انتهزها سلامة ليتلقى أصول الفن الإنشادى عليه. وتتلمذ الشاب على شيخ الفن الثانى، واجتهد فى التحصيل، وترك طبقات الصوت العالية (الجواب) بناء على طلب أستاذه الجديد الذى أشار عليه فى الوقت نفسه أن يكثر من استقبال الهواء النقى بصدره، وأن يبكر فى توقيع ما يسمونه (الاستغاثة) قبل الفجر ليتثنى له الانتفاع بصفاء الجو ورقة الهواء، فكان هذا خير علاج ربى فى صوته http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/3raby.jpg أحمد عرابى

قوة القرار وحلاوة الجواب.
وأتاحت الفرصة لصاحب الترجمة أن يتبحر على معلمه، فتلقى عليه الكثير من مبادئ فنى الغناء والإنشاد وبذل معه أستاذه من علمه الجزيل، ما جعل سلامة يرتكز على قواعد قوية من أسس الفن وعلم الغناء، وجعلت له رأياً يعتمد عليه ويعتد به، حتى أصبح الشاب فى نظر أهل فنه مرموقاً بالاعتبار، منظوراً بالهيبة، محسوداً على حظه، لذلك طار صيته وتكاثر على طلبه أهالى الثغر يدعونه فى أفراحهم وإحياء ليالى سمرهم وإقامة الأذكار فى منازلهم.
وقد حبب إليه هذا النوع من الغناء، فأبطلت عادة السهر الغنائى وأبدلت بإقامة حفلات النشيد الذكرى تحت رئاسة سلامة حجازى استمتاعاً بصوته وتغزلا بأناشيده.
دام الشاب سلامة يدير حركة إخوانه من أهل الطريقة الرأسية، ويثابر على آذان الفجر فى مساجد الإسكندرية لاسيما سيدى أبو العباس والأباصيرى وزاوية الأعرج حتى عام 1882 إذ هبت نيران الثورة العرابية.


يتبع,,

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:28
نزوح عائلة حجازى إلى رشيد
فى سن الثانية والعشرين من عمر صاحب الترجمة تزوج بفتاة من أهل الحى القاطن فيه اسمها (عائشة) رزق منها بأول أولاده (محمد). وعقب ذلك انتقل الشاب سلامة طفرة واحدة يغنى على "التخت" منافساً مطربى عصره. وأبت عليه مواهبه إلا أن يأتى بجديد من النغم فى عالم الغناء، فاعتلى التخت بتواشيح ومقاطيع عذبة مطربة وادمج صوته بنغمات الموسيقى والأعواد، وألف جوقة من الموسيقيين أخذ يتنقل بهم لإحياء الليالى والحفلات، واتسعت شهرته فى أنحاء المدينة وضواحيها.
وعندما هبت الثورة العرابية كان قد بلغ الثلاثين من عمره، فنزح مع عائلته إلى مسقط رأس أبيه حيث تقطن عمومته فى رشيد.
وبذلك اضطر الشاب سلامة (أو قل الشيخ سلامة حسبما أطلق عليه) إلى الإنفصال عن بقية زمرته التى شتتتها نيران الثورة، كما أقفلت الزاوية، وكما رحل الجميع عن الإسكندرية.
وبدأ الشيخ حياة جديدة فى رشيد، إذ وظف فى جامعها "جامع زعلول" مؤذناً وأسمع ناسها صوتاً عذباً هفت إليه القلوب.
وفى هذا الحين ابتدأ يفكر فى تأليف جوقة متنقلة تطوف فى البلاد المجاورة قصد الطرب والغناء، وتمكن فى مدة طوافه البسيطة أن يجمع مبلغاً ضخماً من المال كان له بمثابة رأس مال يدير به جوقة منظمة مرتبة كاملة، بيد أن القدر فاجأه بموت ولده البكر (محمد) فحزن عليه حزناً لم يستفق منه إلا عندما أبلغ بوفاة والدته (سلومة).
تشاءم الشيخ من رشيد وعمل على السفر منها فعاقه أبناء عمومته عن السفر وأبوا أن يتركوه حتى الأربعين بعد وفاة والدته، فأمر الشيخ أخاه (لأمه) محمود الكحلة (وقد كان مشهوراً بحجازى) أن يسرح أفراد تخته ويكافئهم بمرتب نصف شهر، فادعى هذا السفر إلى الأرياف قصد التحصيل وطلب مهلة أيام قليلة أجابه الشيخ إليها.
وقد كان محمود هذا يعاون أخاه فى أموره ويدير له أمر جوقته، وترتيب رجاله وتنظيم حفلاته، كما اختصه الشيخ بالإدارة المالية التى عاش طوال عمره لا يعرف عنها شيئاً، بيد أن محموداً هذا كان سكيراً، وكان مدمناً عربيدا، فما شكى منه أخوه يوماً، وما قابله إلا بالابتسام، وما أنبه إلا بالحسنى.
رحل محمود إلى حيث طاب له المقام فى الإسكندرية -التى كان قد استتب الأمن فيها وعاد الهدوء إليها بعد حوادث الثورة العرابية- يبعثر ما قد جمعه الشيخ من مال فى لهوه وملذاته، وانتظر الشيخ ومن معه فى رشيد رجوع محمود، ولكن عبثاً كان الانتظار، فاضطر الشيخ أن يعلن عن إحياء بضع ليال فى البلدة وهو لم ينته من حداده بعد لكى يتمكن من جمع بعض المال يرحل به جماعته، وقد تم له ما أراد رغم ما به من حزن وما أصابه من كمد على فقد ولده وأمه، ولم يسعه كذلك إلا أن يلبى دعوة أهل ادكو ويقيم فيها حفلة نشيد وذكر لذات الغرض الذى ألجأه إليه أخوه محمود، فقوبل هناك بحماس زائد، واكرم أهل البلد ضيافته، وأحلوه لديهم ضيفاً عزيزاً مبجلاً، وبعد ذلك قفل راجعاً إلى رشيد قبل أن يرحل بجوقته إلى الإسكندرية ليتزود بزيارة لقبر هذين العزيزين عليه فى يوم الأربعين، ثم قام بعد ذلك إلى الإسكندرية.


يتبع..

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:30
التجديد فى فن الإنشاد (الشيخ سلامة فى التخت)
أقام الشيخ سلامة حجازى عند رجوعه إلى الثغر عام 1883 بمنزله بجوار زاوية الرأس فى حى الميدان، ذلك المنزل الذى لا يزال يحمل اسمه إلى الآن- 1932- (فى حارة بزامة) وسعى لتأليف رجال قديرين فى فن الآلات إذ أنه اعتزم الظهور باحتراف المهنة وترك ليالى الزاوية والذكر.
وانضم إليه فى نهضته هذه بعض الأدباء والزجالين، وألفوا له قطعاً غزلية طريفة لحنها بصوته.. أصبحت فيما بعد آية فى الخلود والذيوع، واجتهد فى تنسيق القديم من القصائد وضربها من جديد وصوغها فى قالب بديع من الإنشاد، وهم دفعة واحدة لافتتاح التخت بمطلع القصيدة مباشرة من غير إطالة فى "الليالى" القديمة والآهات البالية. فجاءت تلك الحركة التجديدية طابعاً حديثاً فى فن الغناء اختص به الشيخ وحده كانت لها قيمتها وكان لها أثرها عند المغنيين فى ذلك الحين.
كان الشائع فى الأناشيد والقطع المستعملة للغناء إبان ذلك العصر أن يكون قالبها المفرغة فيه قالب العامية الركيكة، وتجدها بجانب كل هذا خالية من السمو الشعرى والمعنى السامى، وقد كانت هذه هى القطع التى لابد من أن يستعملها المغنى لإطراب سامعيه فى هذه العصور، غير أن مطربنا عندما هم فى ميدان التجديد أشار على إخوانه الأدباء أن ينتظموا له قطعاً غزلية رسم أساليبها ونماذجها، وأشعاراً وضعية حديثة ومقاطيع غرامية وصفية، تتفق والحالة التى تلائم سنة الانتقال.
كما اتخذ لنفسه موقفاً بإزاء القصائد المتداولة المعروفة والتى كانت تحسب أن لابد منها للفن، بأن نقح ضربها وأسبغ على معناها روحاً فياضاً بالنغم السامى والضرب الأخاذ...!
وبذلك أخذت طابعاً غير طابعها الول، استطابه الناس واستلذوا سماعها، حتى أنه حينما ينشد القصيدة المشهورة:
سلوا حمرة الخدين عن مهجة الصب


ودر ثناياكم عن المدمع الصب

على طريقته الحديثة وابتكاره الذى نوهنا عنه، بدت للسامع متلألئة اللفظ حلوة المعنى عذبة المنهل صافية الأديم.
وغنى أيضاً القصيدة القديمة:
سمحت بإرسال الدموع محاجرى


لما تزايد بالتجنى هاجرى

فأسبغ على كلامها روح السمو والعظمة، وأضفى عليها نغماً جليلاً وضوءاً شعرياً، يتجليان لك على الحرف الواحد منها.
وكذلك قل فى باقى القصائد المتعارفة فى فن النغم القديم مثل القطع الخالدة فى تلحينه الإنشادى والتى نسوق منها على سبيل المثل:
شكوتى فى الحب عنوان الرشاد
لا تلم صبا بغالى الدمع جاد


والجوى حظى ولذاتى السهاد
إن وجدى كل يوم فى ازدياد


والهوى يأتى على غير المراد


والقصيدة الرقراقة الوصفية:
سفر اللثام على دياجى الحندس


فأضاء صبح جبينه بتنفس

وكذلك المقطوعة الغرامية:
إن كان يوسف للجمال دعاكمو


فأبوه للأشواق فيه دعانيا

وفى الحق أن أمثال هذه القصائد كانت موقعة على طريقة من التلحين غثة عتيقة لا تأتلف مع ذوق الجيل ولا تتحد مع عواطفهم الناهضة، وكأنما مطربنا المرحوم أدرك بغريزته السليمة هذا التنافر الحادث بين ركود التقاليد القديمة ووثبة التقدم الحاضر، فعمل على ملائمة ذلك بهذا الابتداع الذى لجأ إليه وسبقت إليه الإشارة.
وكذلك كان الشيخ ينتقل بفن الغناء من درجة إلى درجة ومن طور إلى طور، حتى لنحسب أن عهده كان الحجر الأول فى أساس نهضة الطرب والغناء، وبذرة صالحة لغراس التقدم والتجديد.

التجديد فى أدوار التخت
عرف الشيخ فى كل أدوار حياته بالميل والسعى إلى التجديد فى نغمه، وملازمة الكد والاجتهاد فى سبيل تحسين الفن، فكانت حياته سواء أيام صباه أو شيخوخته، حياة عمل لا تعرف الجمود ولا الكلل أمام الجديد.
رأيناه يخرج فى أخريات أيامه على المسرح التمثيلى ألحاناً رصينة (فى رواية عظة الملوك) وألحاناً جحيمية (لحن الزبانية فى تليماك) وألحاناً نوتية (الأفريقية) وألحاناً استغاثية فى (أوديب)، وهو مشلول اليد والساق، مريض القلب والفؤاد، وليس بينه وبين قبره سوى بضعة أشبار، فما بالك وهو شاب يبسم للحياة ويفيض بالرجاء والأمل، ويهيم هياماً بجمال المستقبل؟
أجل. لقد جدد وانتقل بالأدوار والتواشيح الصغيرة من عالم السذاجة اللحنية، والوزن العقيم، إلى عالم النغم الثرى والأصول المحكمة، وابتدأ يلحن أدواراً جديدة تعد من الطراز الأول فى السمو الفنى، ومن الإعجاز التام فى عالم النغم.
لم يفتح ليلته "بيا ليل" كما هى عادة مغنيين عصره، بل آثر أن يبدأها بتوشيح أو مذهب من صنع نفسه، غير مبال بالجهد الذى كان يناله أفراد جوقته ليصل بذلك إلى تمكين مبادئ التجديد وإطراب السامعين، فكان يجد ليرضى الفن، لأن الفن تملك عليه مشاعره وسخره لنفسه، ولم يكن له فى نفسه أو فى رجاله ماله عليه من سيطرة وسبيل. وفعلاً بدأ "بمذاهب عشر" ملحنة تلحيناً دقيقاً من بواعث وجداناته وأودعها كل ما فى ذات نفسه من مشاعر وثابة لتعلية شأن الفن وأمر الغناء.
نسوق للقراء بدأ المذاهب العشر كثمرات جناها فن الموسيقى من تلحين الرجل فى القرن التاسع عشر أيام كانت العادة أن لا يسمع الشعب من المطرب سوى "يا ليل" ويمضى فى سماعها الساعات الطوال، ولكى نسجل نتيجة التجديد فى الأدوار الصغيرة (الطقاطيق) ونعرف منشأها لنضمها إلى فكرة شيخ الفن الغنائى فى مصر الشيخ سلامة حجازى.
1-
فؤادى يا جميل يهواك ... وفين بالوصل إحسانك
أصول مصمودى
مقام نهاوند
2-
ظريف الأنس والطلعة البهية ... ملك قلبى بألحاظه الذكية
أصول مصمودى
مقام حجاز كار
3-
الوجه مثل البدر تمام ... واللحظ يرمى فى قلبى سهام
أصول مصمودى
مقام بنجاه زائد
4-
يا بدر واصل عشاق جمالك ... بعد البعاد يا عينى وارحم
أصول مصمودى
مقام بوسلك
5-
لغير لطفك أنا اشكى لمين حالى ... يجوز يا بدر ليلى والنهار باكى
أصول مصمودى
مقام صبا اسلامبولى
6-
مجروح يا قلبى والله سلامتك ... ألفين سلامتك من الجراح
أصول مصمودى
مقام فرمناك اوج
7-
يا رشيق القد فؤادى ما بيده حيله.. ولكن اعمل إيه فى الوعد
أصول مصمودى
مقام بياتى
8-
بسحر العين تركت القلب هايم ... ولا فى الفكر غيرك كل يوم
أصول مصمودى
مقام بياتى
9-
الهوى لو شفت له يا اهل المحبة دوى... مانكوى قلبى ولا آسى الغرام
أصول مصمودى
مقام صبا عشيران
10-
ادر لى بكاس الطرب ... نديمى مذاب الذهب
أصول مصمودى
مقام كردان
11-
لموا العشيرة واسمعوا ندائيا ... يا نار قلبى والحبيب ما جانيا
ضرب شامى

12-
تاه الفكر منك يادلعونه ... ربى ظلمكم ياللى ظلمتونا
ضرب شامى

هذه الألحان الأثنى عشر تسرى فى سامعها، وتنساب إلى فؤاده كما يسرى البرء فى فؤاد المريض، فلقد بالغ فى إتقان تنغيمها حتى حاكت أنغام الأحلام، وهفوات الخيال، فبرزت هكذا هتافاً حنوناً يحكى لنا خلجات قلب ذلك الموسيقى ونبضات فؤاده المشبع بالغرام والفن.
ومن القوة العجيبة التى انطبع عليها الشيخ أن جعل كل هذه المذاهب من النوع المسمى بلغة الفنانين (أصول- مصمودى) مع اختلاف المقامات، بان لحن العشرة المذاهب على عشر أوزان مختلفة مع حفظ الأصل المتفق عليه بينهم كما هو ظاهر للقارئ.
وبواسطة هذه الألحان الأثنى عشر التختية، ظهر نبوغ الشيخ واضحاً فى عالم الموسيقى، وابتداء رجال الفن يعترفون له بالتفوق والعبقرية فيما يساهم فيه من التلحين والتنغيم.



يتبع..

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:35
أداة التخاطب بالنغم
لوحظ أن أنغام الشيخ الغنائية قد ألبست قدرة عجيبة وروحاً خاصة كانت تفضى للسامع بالمعانى والمدلولات جملة وتفصيلاً عن طريق القوة الموسيقية التى امتاز بها مطربنا الشيخ، وقد كان السامع يتفهمها حقاً ويستظهرها جلياً، ولو لم يسمع لفظاً ولا يعى كلاماً.
وهى ظاهرة عجيبة فى لغة الكلام تتوارد خلال نغم الشيخ، وتنساب فى ثنايا ترانيمه، وتتجلى واضحة المرمى على تموجات صوته، وتلك الظاهرة نوع من أنواع اللغات الروحية لا يقوى على تعريفها إنسان وليس فى الاستطاعة تكيفها أو ردها إلى سبب علمى، أو ظاهرة طبيعية.
غير أن جل ما يقوله المؤرخ من الوصف، هو إن المنصت لأناشيد الشيخ وهو يصرفها فى مناحى نغمة ويوزعها على معارج فنه، يحس أن نفسه يشيع فيها انفعالات معينة لم تأت عن طريق اللفظ ولا عن طريق معناه، وإنما هى قد طفرت عن طريق النغم ذاته الذى تفرد به الشيخ واختصته به الطبيعة.
إذ المعروف أن أداة التخاطب بين الإنسانية وبعضها هو الكلام، وقد يمتاز بعض الناس بحسن التخاطب إذا كانوا من الخطباء الذين وهبتهم الطبيعة ميزة خاصة يؤدون بها المعانى التى تجول فى خواطرهم فى ثوب قشيب من حلاوة اللفظ وجميل المعنى.
ولابد للذين يسمعون أمثال هؤلاء، من معرفة الكلام الذى ينثرونه على أسماعهم كلمة كلمة، وجملة جملة، وإلا تعطلت موهبة الخطابة وحيل بين هؤلاء الخطباء وبين ما يشتهون.
بيد أن المدمن سماع أناشيد الشيخ يتبين هذه الظاهرة العجيبة ويختلج إلى نفسه هذا الخاطر الغريب (وهو أداة الخاطب بالنغم لأن الواقع يعضد نظريتنا) وهو أن هناك تبايناً كلياً بين ما تؤديه مدلولات الأناشيد اللفظية، وبين ما تؤديه روح الشيخ الموسيقية، فالقارئ لأناشيد الشيخ لا يمكن أن يحس منها المعنى الأدق، كما هو يحسها عندما تستحيل على لسانه وصوته نغماً وهتافاً، ولا يحس السامع أن نفسه يطفر عليها شتى الانفعالات من حزن ولوعة وفجيعة، ومن ضراعة ولهفة فحسب، بل تتجلى هذه الانفعالات فى أفق المخيلة صوراً تتمثل فيها كنه الحقيقة الواقعة لنفس المأساة بالشكل والموضوع.
وربما كان دليلنا إلى صحة ما نحن نأخذ فيه، هو أنه يستوى بلا ريب لدى السامع أن يفصح الشيخ عن القول أو يهمهم فيه، فالمعنى المأخوذ من مدلول اللفظ لابد واصل إليه فى هبوات الهمهمة والتمتمة، ولابد أنه يحسه فى سويدائه على معناه الصحيح وصورته الحقيقة.
ولا نعتبر مغالين إذا قررنا أن كثيراً من الإفرنج أسلموا سمعهم لأنغام الشيخ فشعروا فى قرارة نفوسهم بتأثير الفجيعة على المحبوبة المائتة، وأثر الأمل فى الحب الضائع، وأثر الفرح بلقاء المحبوب. وكم اندهشت عندما تحدثوا عما يزدحم على نغم الشيخ من آلام، وتأثرات وعواطف، مع جهلهم التام بالعربية، إذاً فالشيخ كان قادراً على أن يفهم الإنسان حتى الفطرى منه، إنه يتوجع، ويبكى، ويتألم أو يتلهف عن طريق النغم المصحوب بالقوة السحرية الغريبة التى قادت صوته ونغمه، إلى ذروة العلا من التأثير والفن، ولو لم يكن ذلك فى إفصاح من القول أو بيان من المعنى.

"التشخيص" بدعة لا يقبلها الشيخ سلامة
ظهرت بوادر التمثيل العربى قبيل الثورة العرابية بعامين -أى فى الفترة التى كان الشيخ منهمكاً فيها بتعديل ألحانه وتنسيق أنغامه الصوفية- وكان التمثيل إبان ذلك الوقت عبارة عن نوع مهذب من "الأراجوزات" التركية تضرب له الصواوين، وتصدح له موسيقية الشوارع، ويلبس الممثل حلة التمثيل ويقف على باب الدار بين جنده وحرسه.
كان ظهور هذا الفن فى مدينة الإسكندرية، حيث كانت أصوله الأدباء اسحاق والنقاش والخياط مخيمة فى ميدان المنشية، تقدم للشعب ما لديها من الروايات، وتعرض عليه ما ع