PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : الشيخ سلامة حجازى.. سيرة حياة



عصفور الجناين
04-12-2006, 02:09
سلامة حجازي .. سيرة و مسيرة
دكتور محمد فضل

(كان الدكتور محمد فضل من أشد المعجبين المتحمسين للشيخ سلامة حجازى، العاملين على تخليد ذكراه، ومن أهم الأعمال التى قام بها الدكتور فاضل من أجل الشيخ الكتاب الذى أصدره فى ذكراه الخامسة عشرة بعنوان "الشيخ سلامة حجازى" للدكتور محمد فاضل، وهو كتاب شامل عن سيرة حياة الشيخ وأعماله.. ونقدم هنا الحياة الكاملة للشيخ كما كتبها الدكتور فاضل منذ 69 عاماً حيث أنه المرجع الوحيد تقريباً الذى يتحدث عن الشيخ بهذا الشمول وهذه التفاصيل وهو مرجع نادر حالياً حيث لم يطبع مرة أخرى منذ عام 1932)

عائلة حجازى
كان حى رأس التين بالإسكندرية أغنى الأحياء وأوجهها وأعمرها سكاناً وحركة، وكانت المسحة الغالبة عليه فى منتصف القرن الماضى مسحة الوطنيين من العمال ومهد الملاحين والنوتية وقاصدى الثغر. كما أن ميناءه كانت ملتقى الجميع من النازحين من مختلف البلاد العربية المجاورة، يجد فيها القاصد ملجأ ومضيفا وخوانا، وكان الآيب من السلوم والقاصد إلى رشيد يستريح هناك ويقيم حتى يحين وقت الإقلاع منه.. وكان أهل هذا الحى يؤدون الفرائض فى زاويتين: (زاوية سلامة) وكانت لتهجد الليل وإقامة الأذكار، و(زاوية خطاب) وكانت لصلاة النهار والجمعة. وبين المسجدين كانت تقيم "دار حجازى" مقصد أهل الحى وملجأ العابر وذى الحاجة، وفعلاً كانت الدار هذه مضيفة الفقير والقاصد ودار الكرم والسماحة.
وما كان حجازى هذا عمدة الناحية أو أحد أعيانها، بل كان رجلاً أسبغ الله عليه الفضل واختصه بالكرم فشاع صيته وهابه كل من رآه. وما هو سوى "الريس" إبراهيم حجازى النوتى، الرشيدى مولداً، المقيم فى الإسكندرية، والنازح إليها من زمن بعيد، وكان قرياً عالى الهمة شهماً يحترمه الشيخ قبل الشاب، ويجله أهل السطوة من أبناء حيه ويتفاخرون بشجاعته ويتباهون بكرمه، كما كان ملاحاً مجداً، وتقياً مسلما، يعتقد بالقضاء ويؤمن بالقدر، فلقد كان أول أمره نوتياً بسيطاً فصبر وجالد وجاهد وكابد حتى كتب الله له النجاح وأصبح يملك سفينتين شراعيتين يحمل عليهما البضائع من رشيد إلى الإسكندرية ومنها إلى السلوم.
ومنذ ذلك الوقت اتخذ سكنه فى حى رأس التين، وفتح بابه على مصراعيه لكل لاجئ، ولما كان وحيد أمه وكانت وظيفته تتطلب الأسفار، فكان ينوب عنه وكيلاً صديقاً يدعى "محمد الكحلة" لتظل الدار مفتوحة والمنزل مأموماً.. وهكذا كان ينصرم العام يلى العام ولم يتأهل "الريس حجازى" بزوج، مما جعل نساء الحى يتشوقن إلى الاقتران به ويسارعن إلى مرآه كلما آب من سفر.
وحدث ذات يوم ما لم يكن فى بال أحد، إذ عاد "الريس حجازى" من سفرة طويلة فى السلوم يصحب زوجة عربية تدعى (سلومة) وسيمة الخلقة وعلى جانب من الجمال.
ولهذا الزواج قصة شيقة: كان "الريس حجازى" متعوداً أن يستضاف فى نجع شيخ العرب (سيف النصر الجرداتى) من كبار مشايخ السلوم كلما رسى بسفنه هناك، وكانت تربطه بشيخ القبيلة هذا فضلاً عن صداقة الود قرابة عائلية من جهة والدة المعلم حجازى إذ كانت من ذات القبيلة وتزوجت بأبيه الرشيدى منذ بعيد، وإذ هو فى أصيل إحدى الليالى جالساً على بساط الطبيعة أمام خيمة الضيافة إذ مرت أمامه عذراء مليحة الوجه، ما كادت تلمحه حتى احمرت وجنتاها وأدركها الخجل وانعطفت مسرعة فى خطواتها إلى خباء قريب توارت فيه بالحجاب.. فى هذه اللحظة خفق قلب "الريس إبراهيم" خفقة الحب لهذه الفتاة الخفرة وصمم على الاقتران بها، وفى خلوة من خلوات العرب ضمت كلا من الصديقين لم ير "الريس حجازى" بداً من مكاشفة صديقه بما استشعره من الحب لهذه الفتاة، فابتسم الشيخ وبعد قهقهة طريفة قال له: هى لك من الآن يا إبراهيم زوجة مباركة إن شاء الله.
"ولعمر الصدف ما كانت هذه الفتاة سوى ابنة صديقه الشيخ".
وفى الصباح جرت مراسيم الاقتران بها، ولم يطل مقام العروسين بعد هذا القران الميمون إلا أسبوعاً واحداً نزحا بعده إلى الإسكندرية حيث أضاءت بهما دار حجازى.
قالت تحدثنا قريبة لصاحب الترجمة (المقصود سلامة حجازى) إن سلومة كانت مضرب الأمثال فى الجمال العربى، وزينة رأس التين فى الكرم، وكانت ربعة أميل للقصر حمراوية الوجه مستديرته، فشغف الريس إبراهيم بها وافتتن، ولم يلبث أن أثمر حبهما وأولدت له الثمرة الأولى والأخيرة من حياتهما طفلاً ذكراً أسمياه سلامة، كان قرة عين والديه ومناط السلوة من نفسيهما.


يتبع,,

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:24
الطفل سلامة حجازى
ولد سلامة عام 1852 ميلادية بدار أبيه إبراهيم الكائنة بحى رأس التين بمدينة الإسكندرية، وظل يترعرع فى حجر أمه وحضانة أبيه ملحوظاً منهما باللهفة علية والعناية به.
ولما بلغ العام الثالث من مولده أصيب والده بالتهاب رئوى ذهب بحياته تاركاً وراءه سلامة وزوجه وأمه العجوز التى فارقت الحياة إثر صدمتها فى ولدها ولم يكد ينتهى الأسبوع الأول.
خلف "الريس" إبراهيم لعائلته مالاً كثيراً وعقاراً كبيراً، فكان ذلك مدعاة لأن تتخير زوجه سلومة زوجاً يقوم على إدارة أملاكها، فتزوجت من صديقه (محمود الكحلة) الذى كان يقوم مقامه وأقرب الناس إليه أيام حياته.
وكان الكحلة هذا رجلاً مستهتراً سكيراً شهوانياً، ولذلك لم يلبث إلا بضعة أشهر على وفاة صديقه الول حتى أبطل عادة الضيافة، وأقفل الباب فى وجه الزائرين والمريدين لأهل حجازى، مما أدى إلى غضب شيخ الطريقة الرأسية عليه.
وكان هذا الأخير شيخاً فاضلاً وعالماً ورعاً يرأس جماعة كبيرة من أصحاب الطرق، ويقضى بين الناس بالحق، وله نفوذ وسلطة دينية كبيرة بين قومه، واستعود الشيخ أن يزور ويتودد إلى عائلة حجازى ويقيم حفلات الذكر والصلاة فى بيتهم، وبلغ من شغف العائلة به أن أسمت مولودها باسمه "وكان يدعى سلامه الرأس" تيمناً وبركة، كما أن الشيخ اختص الطفل بحمايته وحبه.
فما كاد الكحلة يقفل باب البيت فى وجه زواره حتى نزع الشيخ سلامة الرأس الطفل سلامة من حضانة زوج أمه وألحقه بالمعلم (أحمد فراج) الحلاق أمام زاويته "المعروفة إلى اليوم باسمه بحى الميدان-1932" ليكون قريباً من عطفه وليتولى تربيته تحت سمعه وبصره.
بيد أنه ما انفك يدرج مع اخوته الذين رزقت بهم أمه من زوجها الثانى وهم فى ذلك (محمود وشفيقة) وهو لا يشعر بأن هذا الرجل الذى يدعوه باسم الأبوة أسوة باخوته كان يضمر له الكره ويخمر له الجفوة نظراً لحنو أمه الزائد عليه ولأنه الوارث الوحيد لمال أبيه.
ولما بلغ سلامة حوله السادس وعرف أن الرجل ليس أباه أخذته الكآبة وأدركه الكدر وأصبح معيرا من بقية الأطفال.
وفى أثناء هذه الفترات الكئيبة التى كانت تمر بالطفل بيع منزل العائلة ونزعت سفنهم، وبذلك ضاعت على الطفل ثروة كانت تقيه المسغبة لو كان ةتصرف وكيله وزوج أمه حسنا.
هنا توسلت الأم بالشيخ سمة الرأس واستنجدته، فما كان منه إلا أن أفرد لها منزلا فى حى زاويته "بحارة بزامه ومعروف بدار سلامة إلى الآن- 1932" وعطف عليها، وأجزل لها العطاء، وبعث بأولادها إلى المكاتب، واختص الطفل سلامة بأكبر جزء من عنايته، فأدخله مكتب سيدى عبد الرحمن ابن هرمز "معروف فى الحى نفسه" فكان يتلقى مبادئ القراءة والكتابة ويستظهر القرآن فى نصف يومه الأول، والنصف الأخير من اليوم يلاحظ مهنة الحلاقة فى دكان المعلم فراج.


يتبع,,

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:25
المقرئ سلامة
فى ذلك الحى الهادئ المشمول بالبركة الصوفية، والمخيمة عليه أناشيد العبادة الإلهية المتشعبة من زاوية الشيخ الرأس؛ حيث تقام حفلات الأذكار وتصدح موسيقية السماء بعد صلاة العشاء، كان يلجأ طفلنا سلامة إلى زاوية الشيخ قصد التفرج والنظر.
ولما كانت الأدعية تتماوج بشدة كأن يأتى الشيخ برهط كبير من منشدى عصره يتناوبون الإنشاد لتخفيف تلك التأججات النفسية والتوترات العصبية، وليوصلون على تبرات أصواتهم العبادة خالصة للملكوت العلوى.
أعجب الطفل منظر الذكر وأخذته حلقته المتماسكة بأعضاء الرجال، وأشجاه صوت (السلامية) فعكف فى غدواته وروحاته على تقليد صوتها منفرداً حتى ذهب به الشغف واشترى مثلها ليقلد صوت (العنانى) بنايه- وكان هذا مشهوراً بالتوقيع عليه.
حدثنى المرحوم (الشيخ محمد السيسى) رفيق صباه وزوج أخته شفيقة فيما بعد، أنه أتاه دامع العين ليلة، وطلب منه أن يشترى له (سلامية) ليوقع عليها، فاشترى له واحدة -بلغ ثمنها قرش صاغ- أخذها منه وصار يوقع عليها فى فراغ وقته وليله.
واظب طفلنا على الحضور إلى زاوية الشيخ، وكان يأخذ مكانه بجانب العنانى متزناً رزيناً، لا يبدو عليه ما يبدو على الصبيان من طائش الحركات وعبث الطفولة، فلفت بهذا الخلق أنظار القوم إليه فقربوه منهم وأدنوه من فرقة المنشدين ليسند العنانى بنايه.
أخبرنى الشيخ المترجم شخصياً أنه أخفق فى تجربة الناى وفى محاولة الاستمرار عليه لأن نفسه لم يكن قد قوى بعد، فلم يستطع مداومة النفخ، ولم يكد يمر عليه أسبوع حتى أصيب صدره فامتنع.
بيد أنه حاول إظهار وثبات نفسه فى شئ أبسط وأمتع، وهو أن يسند المنشد فى الآهات الطويلة، وكان المنشد وقتئذ الشيخ (كامل الحريرى) وقد آنس فيه صوتاً رقيقاً وغنة حلوة يصلح معها أن يكون ضمن البطانة، فضمه إليه محتفياً به من الزمرة.
وقد كان ما قدره الله له، وحمل الطفل سلامة وهو فى العاشرة من عمره مهمة قوية يؤديها لشعبه وهو لا يعلم، فعكف على عمله الجديد وتجلت على الناس مواهبه الغنائية شيئاً فشيئاً، فأعلوا درجته إلى أن وصل بعد مدة وجيزة إلى درجة منشد ابتدائى، ويفتتح الحفلة بما يتيسر من القرآن الذى قد حفظه أجمع وهو لم يكد يتجاوز الحادية عشر.
انتشر صيته فى الحى وشهر بحسن الصوت وترتيل القرآن، فتهافت على طلبه كبار الأٍسر من أهل حيه، ورتب "على حد تعبير العامة" فى منازلهم لتلاوة القرآن كراتب يومى مقابل جعل ارتفع عن بقية إخوانه المقرئين.
درت الوظيفة الجديدة على المقرئ سلامة الخير الجزيل، فاضطر آسفاً إلى ترك معلمه (أحمد فراج) ليتفرغ لعمله الجديد، ولينفق على عائلته التى أنهكها الفقر وخاصة بعد موت زوج أمه الكحلة.
وفى هذه الأثناء أصيب الشيخ الرأس فى عينيه فكف بصره واحتاج إلى من يقوده: ومن هناك أجدر من سلامة "ولده المتبنى" بهذه الوظيفة؟ ومن هناك محبب إلى قلب الشيخ الكبير من هذا الغلام الوديع الذى هذبه اليتم وثقفت نفسه محن الحوادث نفسه محن الحوادث وقسوة الأيام؟
لذلك تقدم سلامة إلى شيخه واختص به، وكانت فى الواقع خدمة الشيخ شاقة صعبة المزاولة، إذ قد عهد إليه بقيادته وتوضيئته ودعوة إخوان الطريقة كلما دعى الأمر، كل هذا فضلاً على قراءة رواتبه المنظمة فى المنازل.. وأنت إذ علمت أن نفس الصبى دائماً مرحة يغلب عليها النزق وحب الوثب، أدركت أن نفس سلامة فى حال طفولتها كانت قد عدت على أطوار الشباب وشارفت على حدود الكهولة، حيث لم يكد يبلغ هذا الطفل عامه الخامس عشر حتى مات الشيخ الكبير، واستخلف سلامة من بعده نائباً صالحاً ورجلاً تقياً وخلفاً مباركاً له.

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:27
مؤذن جامع الأباصيرى
سارت الطريقة الرأسية فى مهدها الجديد، يدير حلقاتها ويرأس إنشادها سلامة حجازى بشكل أدعى إلى البروز وأنشط فى القوة، لأن شيخها الشاب تملك حريته وقدر على التفنن فى ترويج دعوته بنظام ودعاية منوعة، وأظهر عبقريته حرة على فطرتها، وراح يغنى قومه وينشدهم، ويتفنن فى النغم والنشيد كما تريده سلطة الطبيعة لا قوة التعليم والموازنة.
أوحت إليه موهبته أن يبدع ويهتف بالنغم الجديد والغنة الحلوة، فيلهب مشاعر (الذكيرة) ويسموا بنفوسهم رويدا رويدا، حتى يتركهم صرعى الانفعالات والاحساسات الوجدانية الخفية، وهنا عظم الإقبال وكثر تهافت الناس على زاوية الرأس، وهرع القوم أفواجاً إلى الطريقة الرأسية لسماع صوت منشدها، فاضطر الإخوان تخفيفاً للزحام إلى تقسيم ليالى الذكر على عدة مساجد فى الحى نفسه، حيث يقام فى كل مسجد حفلة، نخص بالذكر منهم جامع الأباصيرى، زاوية الأعرج، وزاوية الرأس.
ولما كان منشد الطريقة يؤم الجمع فى صلاة الفجر، تبرع ليؤذن الصلاة فجراً على منائر المساجد، فأقام نفسه كمؤذن متطوع يؤذن الفجر. "ولا صحة مطلقاً لما يشاع فى كتب التاريخ من أن الشيخ كان يحترف مهنة التأذين ويتعاطى أجراً عنها".
وعلى المنائر بدأت ميزة المؤذن الكبرى فى صوته تبرز وتتجلى، وتمت نعمة الله عليه بهبة هى أغلى ما يرجوه المؤذن ويتمناه، فاشتهر أمره كمؤذن الأباصيرى وبعد صيته. حتى لكان الحشد من الناس يجتمع من رجال ونسوة وأطفال فى أوقات السحر والبكور على مقربة من المأذنة خارج أسوار المسجد ينتظرون ساعة الأذان للإنصات إلى هذا الوحى الذى كان يهبط عليهم من أعلى المأذنة ممثلاً فى صوت سلامة حجازى.
أصبح أهل الإسكندرية لا تهتف إلا باسم هذا المؤذن الملائكى، ولا يتناقلون إلا أخباره بالعجب والانبهار وجمال الصوت، حتى تكاثرت الوفود على الطريقة الرأسية بأشد مما كان، فلم ير الشاب بداً من أن يتقدم إلى عظيم المنشدين فى عصره ويؤممه الطريقة ويرئسه حلقتها ليتمكن بذلك من التلمذة عليه.
كان أول طلب طلبه (الشيخ أحمد الياسرجى) من سلامة أن يكف بتاتاً عن قراءة القرآن وأن يجتهد فى تقوية طبقة الأرضى (أو القرار) فى صوته، لأنه لاحظ أن صوت الشاب كان رقيقاً شديد الارتفاع لا قرار له، فزامل سلامة شيخه الياسرجى يلقنه الكثير من نظام الفن ويؤسس له نظمه ويعلمه وزن النغم إلى أن فارق الحياة.
وحدث فى مأتمه الذى كان يرتل فيه تلميذه سلامة القرآن، أن سمع صوته كبير منشدى القاهرة الشيخ (خليل محرم) وقد أتى خصيصاً للعزاء فى زميله السكندرى، فأعجب بالشاب إعجاباً حماسياً وصاح به يطلب المزيد.. وقد عن للشيخ أن يمكث بالإسكندرية بضعة أشهر لأمور خاصة فكانت فرصة انتهزها سلامة ليتلقى أصول الفن الإنشادى عليه. وتتلمذ الشاب على شيخ الفن الثانى، واجتهد فى التحصيل، وترك طبقات الصوت العالية (الجواب) بناء على طلب أستاذه الجديد الذى أشار عليه فى الوقت نفسه أن يكثر من استقبال الهواء النقى بصدره، وأن يبكر فى توقيع ما يسمونه (الاستغاثة) قبل الفجر ليتثنى له الانتفاع بصفاء الجو ورقة الهواء، فكان هذا خير علاج ربى فى صوته
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/3raby.jpg أحمد عرابى

قوة القرار وحلاوة الجواب.
وأتاحت الفرصة لصاحب الترجمة أن يتبحر على معلمه، فتلقى عليه الكثير من مبادئ فنى الغناء والإنشاد وبذل معه أستاذه من علمه الجزيل، ما جعل سلامة يرتكز على قواعد قوية من أسس الفن وعلم الغناء، وجعلت له رأياً يعتمد عليه ويعتد به، حتى أصبح الشاب فى نظر أهل فنه مرموقاً بالاعتبار، منظوراً بالهيبة، محسوداً على حظه، لذلك طار صيته وتكاثر على طلبه أهالى الثغر يدعونه فى أفراحهم وإحياء ليالى سمرهم وإقامة الأذكار فى منازلهم.
وقد حبب إليه هذا النوع من الغناء، فأبطلت عادة السهر الغنائى وأبدلت بإقامة حفلات النشيد الذكرى تحت رئاسة سلامة حجازى استمتاعاً بصوته وتغزلا بأناشيده.
دام الشاب سلامة يدير حركة إخوانه من أهل الطريقة الرأسية، ويثابر على آذان الفجر فى مساجد الإسكندرية لاسيما سيدى أبو العباس والأباصيرى وزاوية الأعرج حتى عام 1882 إذ هبت نيران الثورة العرابية.


يتبع,,

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:28
نزوح عائلة حجازى إلى رشيد
فى سن الثانية والعشرين من عمر صاحب الترجمة تزوج بفتاة من أهل الحى القاطن فيه اسمها (عائشة) رزق منها بأول أولاده (محمد). وعقب ذلك انتقل الشاب سلامة طفرة واحدة يغنى على "التخت" منافساً مطربى عصره. وأبت عليه مواهبه إلا أن يأتى بجديد من النغم فى عالم الغناء، فاعتلى التخت بتواشيح ومقاطيع عذبة مطربة وادمج صوته بنغمات الموسيقى والأعواد، وألف جوقة من الموسيقيين أخذ يتنقل بهم لإحياء الليالى والحفلات، واتسعت شهرته فى أنحاء المدينة وضواحيها.
وعندما هبت الثورة العرابية كان قد بلغ الثلاثين من عمره، فنزح مع عائلته إلى مسقط رأس أبيه حيث تقطن عمومته فى رشيد.
وبذلك اضطر الشاب سلامة (أو قل الشيخ سلامة حسبما أطلق عليه) إلى الإنفصال عن بقية زمرته التى شتتتها نيران الثورة، كما أقفلت الزاوية، وكما رحل الجميع عن الإسكندرية.
وبدأ الشيخ حياة جديدة فى رشيد، إذ وظف فى جامعها "جامع زعلول" مؤذناً وأسمع ناسها صوتاً عذباً هفت إليه القلوب.
وفى هذا الحين ابتدأ يفكر فى تأليف جوقة متنقلة تطوف فى البلاد المجاورة قصد الطرب والغناء، وتمكن فى مدة طوافه البسيطة أن يجمع مبلغاً ضخماً من المال كان له بمثابة رأس مال يدير به جوقة منظمة مرتبة كاملة، بيد أن القدر فاجأه بموت ولده البكر (محمد) فحزن عليه حزناً لم يستفق منه إلا عندما أبلغ بوفاة والدته (سلومة).
تشاءم الشيخ من رشيد وعمل على السفر منها فعاقه أبناء عمومته عن السفر وأبوا أن يتركوه حتى الأربعين بعد وفاة والدته، فأمر الشيخ أخاه (لأمه) محمود الكحلة (وقد كان مشهوراً بحجازى) أن يسرح أفراد تخته ويكافئهم بمرتب نصف شهر، فادعى هذا السفر إلى الأرياف قصد التحصيل وطلب مهلة أيام قليلة أجابه الشيخ إليها.
وقد كان محمود هذا يعاون أخاه فى أموره ويدير له أمر جوقته، وترتيب رجاله وتنظيم حفلاته، كما اختصه الشيخ بالإدارة المالية التى عاش طوال عمره لا يعرف عنها شيئاً، بيد أن محموداً هذا كان سكيراً، وكان مدمناً عربيدا، فما شكى منه أخوه يوماً، وما قابله إلا بالابتسام، وما أنبه إلا بالحسنى.
رحل محمود إلى حيث طاب له المقام فى الإسكندرية -التى كان قد استتب الأمن فيها وعاد الهدوء إليها بعد حوادث الثورة العرابية- يبعثر ما قد جمعه الشيخ من مال فى لهوه وملذاته، وانتظر الشيخ ومن معه فى رشيد رجوع محمود، ولكن عبثاً كان الانتظار، فاضطر الشيخ أن يعلن عن إحياء بضع ليال فى البلدة وهو لم ينته من حداده بعد لكى يتمكن من جمع بعض المال يرحل به جماعته، وقد تم له ما أراد رغم ما به من حزن وما أصابه من كمد على فقد ولده وأمه، ولم يسعه كذلك إلا أن يلبى دعوة أهل ادكو ويقيم فيها حفلة نشيد وذكر لذات الغرض الذى ألجأه إليه أخوه محمود، فقوبل هناك بحماس زائد، واكرم أهل البلد ضيافته، وأحلوه لديهم ضيفاً عزيزاً مبجلاً، وبعد ذلك قفل راجعاً إلى رشيد قبل أن يرحل بجوقته إلى الإسكندرية ليتزود بزيارة لقبر هذين العزيزين عليه فى يوم الأربعين، ثم قام بعد ذلك إلى الإسكندرية.


يتبع..

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:30
التجديد فى فن الإنشاد (الشيخ سلامة فى التخت)
أقام الشيخ سلامة حجازى عند رجوعه إلى الثغر عام 1883 بمنزله بجوار زاوية الرأس فى حى الميدان، ذلك المنزل الذى لا يزال يحمل اسمه إلى الآن- 1932- (فى حارة بزامة) وسعى لتأليف رجال قديرين فى فن الآلات إذ أنه اعتزم الظهور باحتراف المهنة وترك ليالى الزاوية والذكر.
وانضم إليه فى نهضته هذه بعض الأدباء والزجالين، وألفوا له قطعاً غزلية طريفة لحنها بصوته.. أصبحت فيما بعد آية فى الخلود والذيوع، واجتهد فى تنسيق القديم من القصائد وضربها من جديد وصوغها فى قالب بديع من الإنشاد، وهم دفعة واحدة لافتتاح التخت بمطلع القصيدة مباشرة من غير إطالة فى "الليالى" القديمة والآهات البالية. فجاءت تلك الحركة التجديدية طابعاً حديثاً فى فن الغناء اختص به الشيخ وحده كانت لها قيمتها وكان لها أثرها عند المغنيين فى ذلك الحين.
كان الشائع فى الأناشيد والقطع المستعملة للغناء إبان ذلك العصر أن يكون قالبها المفرغة فيه قالب العامية الركيكة، وتجدها بجانب كل هذا خالية من السمو الشعرى والمعنى السامى، وقد كانت هذه هى القطع التى لابد من أن يستعملها المغنى لإطراب سامعيه فى هذه العصور، غير أن مطربنا عندما هم فى ميدان التجديد أشار على إخوانه الأدباء أن ينتظموا له قطعاً غزلية رسم أساليبها ونماذجها، وأشعاراً وضعية حديثة ومقاطيع غرامية وصفية، تتفق والحالة التى تلائم سنة الانتقال.
كما اتخذ لنفسه موقفاً بإزاء القصائد المتداولة المعروفة والتى كانت تحسب أن لابد منها للفن، بأن نقح ضربها وأسبغ على معناها روحاً فياضاً بالنغم السامى والضرب الأخاذ...!
وبذلك أخذت طابعاً غير طابعها الول، استطابه الناس واستلذوا سماعها، حتى أنه حينما ينشد القصيدة المشهورة:
سلوا حمرة الخدين عن مهجة الصب


ودر ثناياكم عن المدمع الصب

على طريقته الحديثة وابتكاره الذى نوهنا عنه، بدت للسامع متلألئة اللفظ حلوة المعنى عذبة المنهل صافية الأديم.
وغنى أيضاً القصيدة القديمة:
سمحت بإرسال الدموع محاجرى


لما تزايد بالتجنى هاجرى

فأسبغ على كلامها روح السمو والعظمة، وأضفى عليها نغماً جليلاً وضوءاً شعرياً، يتجليان لك على الحرف الواحد منها.
وكذلك قل فى باقى القصائد المتعارفة فى فن النغم القديم مثل القطع الخالدة فى تلحينه الإنشادى والتى نسوق منها على سبيل المثل:
شكوتى فى الحب عنوان الرشاد
لا تلم صبا بغالى الدمع جاد


والجوى حظى ولذاتى السهاد
إن وجدى كل يوم فى ازدياد


والهوى يأتى على غير المراد


والقصيدة الرقراقة الوصفية:
سفر اللثام على دياجى الحندس


فأضاء صبح جبينه بتنفس

وكذلك المقطوعة الغرامية:
إن كان يوسف للجمال دعاكمو


فأبوه للأشواق فيه دعانيا

وفى الحق أن أمثال هذه القصائد كانت موقعة على طريقة من التلحين غثة عتيقة لا تأتلف مع ذوق الجيل ولا تتحد مع عواطفهم الناهضة، وكأنما مطربنا المرحوم أدرك بغريزته السليمة هذا التنافر الحادث بين ركود التقاليد القديمة ووثبة التقدم الحاضر، فعمل على ملائمة ذلك بهذا الابتداع الذى لجأ إليه وسبقت إليه الإشارة.
وكذلك كان الشيخ ينتقل بفن الغناء من درجة إلى درجة ومن طور إلى طور، حتى لنحسب أن عهده كان الحجر الأول فى أساس نهضة الطرب والغناء، وبذرة صالحة لغراس التقدم والتجديد.

التجديد فى أدوار التخت
عرف الشيخ فى كل أدوار حياته بالميل والسعى إلى التجديد فى نغمه، وملازمة الكد والاجتهاد فى سبيل تحسين الفن، فكانت حياته سواء أيام صباه أو شيخوخته، حياة عمل لا تعرف الجمود ولا الكلل أمام الجديد.
رأيناه يخرج فى أخريات أيامه على المسرح التمثيلى ألحاناً رصينة (فى رواية عظة الملوك) وألحاناً جحيمية (لحن الزبانية فى تليماك) وألحاناً نوتية (الأفريقية) وألحاناً استغاثية فى (أوديب)، وهو مشلول اليد والساق، مريض القلب والفؤاد، وليس بينه وبين قبره سوى بضعة أشبار، فما بالك وهو شاب يبسم للحياة ويفيض بالرجاء والأمل، ويهيم هياماً بجمال المستقبل؟
أجل. لقد جدد وانتقل بالأدوار والتواشيح الصغيرة من عالم السذاجة اللحنية، والوزن العقيم، إلى عالم النغم الثرى والأصول المحكمة، وابتدأ يلحن أدواراً جديدة تعد من الطراز الأول فى السمو الفنى، ومن الإعجاز التام فى عالم النغم.
لم يفتح ليلته "بيا ليل" كما هى عادة مغنيين عصره، بل آثر أن يبدأها بتوشيح أو مذهب من صنع نفسه، غير مبال بالجهد الذى كان يناله أفراد جوقته ليصل بذلك إلى تمكين مبادئ التجديد وإطراب السامعين، فكان يجد ليرضى الفن، لأن الفن تملك عليه مشاعره وسخره لنفسه، ولم يكن له فى نفسه أو فى رجاله ماله عليه من سيطرة وسبيل. وفعلاً بدأ "بمذاهب عشر" ملحنة تلحيناً دقيقاً من بواعث وجداناته وأودعها كل ما فى ذات نفسه من مشاعر وثابة لتعلية شأن الفن وأمر الغناء.
نسوق للقراء بدأ المذاهب العشر كثمرات جناها فن الموسيقى من تلحين الرجل فى القرن التاسع عشر أيام كانت العادة أن لا يسمع الشعب من المطرب سوى "يا ليل" ويمضى فى سماعها الساعات الطوال، ولكى نسجل نتيجة التجديد فى الأدوار الصغيرة (الطقاطيق) ونعرف منشأها لنضمها إلى فكرة شيخ الفن الغنائى فى مصر الشيخ سلامة حجازى.
1-
فؤادى يا جميل يهواك ... وفين بالوصل إحسانك
أصول مصمودى
مقام نهاوند
2-
ظريف الأنس والطلعة البهية ... ملك قلبى بألحاظه الذكية
أصول مصمودى
مقام حجاز كار
3-
الوجه مثل البدر تمام ... واللحظ يرمى فى قلبى سهام
أصول مصمودى
مقام بنجاه زائد
4-
يا بدر واصل عشاق جمالك ... بعد البعاد يا عينى وارحم
أصول مصمودى
مقام بوسلك
5-
لغير لطفك أنا اشكى لمين حالى ... يجوز يا بدر ليلى والنهار باكى
أصول مصمودى
مقام صبا اسلامبولى
6-
مجروح يا قلبى والله سلامتك ... ألفين سلامتك من الجراح
أصول مصمودى
مقام فرمناك اوج
7-
يا رشيق القد فؤادى ما بيده حيله.. ولكن اعمل إيه فى الوعد
أصول مصمودى
مقام بياتى
8-
بسحر العين تركت القلب هايم ... ولا فى الفكر غيرك كل يوم
أصول مصمودى
مقام بياتى
9-
الهوى لو شفت له يا اهل المحبة دوى... مانكوى قلبى ولا آسى الغرام
أصول مصمودى
مقام صبا عشيران
10-
ادر لى بكاس الطرب ... نديمى مذاب الذهب
أصول مصمودى
مقام كردان
11-
لموا العشيرة واسمعوا ندائيا ... يا نار قلبى والحبيب ما جانيا
ضرب شامى

12-
تاه الفكر منك يادلعونه ... ربى ظلمكم ياللى ظلمتونا
ضرب شامى

هذه الألحان الأثنى عشر تسرى فى سامعها، وتنساب إلى فؤاده كما يسرى البرء فى فؤاد المريض، فلقد بالغ فى إتقان تنغيمها حتى حاكت أنغام الأحلام، وهفوات الخيال، فبرزت هكذا هتافاً حنوناً يحكى لنا خلجات قلب ذلك الموسيقى ونبضات فؤاده المشبع بالغرام والفن.
ومن القوة العجيبة التى انطبع عليها الشيخ أن جعل كل هذه المذاهب من النوع المسمى بلغة الفنانين (أصول- مصمودى) مع اختلاف المقامات، بان لحن العشرة المذاهب على عشر أوزان مختلفة مع حفظ الأصل المتفق عليه بينهم كما هو ظاهر للقارئ.
وبواسطة هذه الألحان الأثنى عشر التختية، ظهر نبوغ الشيخ واضحاً فى عالم الموسيقى، وابتداء رجال الفن يعترفون له بالتفوق والعبقرية فيما يساهم فيه من التلحين والتنغيم.



يتبع..

عصفور الجناين
04-12-2006, 02:35
أداة التخاطب بالنغم
لوحظ أن أنغام الشيخ الغنائية قد ألبست قدرة عجيبة وروحاً خاصة كانت تفضى للسامع بالمعانى والمدلولات جملة وتفصيلاً عن طريق القوة الموسيقية التى امتاز بها مطربنا الشيخ، وقد كان السامع يتفهمها حقاً ويستظهرها جلياً، ولو لم يسمع لفظاً ولا يعى كلاماً.
وهى ظاهرة عجيبة فى لغة الكلام تتوارد خلال نغم الشيخ، وتنساب فى ثنايا ترانيمه، وتتجلى واضحة المرمى على تموجات صوته، وتلك الظاهرة نوع من أنواع اللغات الروحية لا يقوى على تعريفها إنسان وليس فى الاستطاعة تكيفها أو ردها إلى سبب علمى، أو ظاهرة طبيعية.
غير أن جل ما يقوله المؤرخ من الوصف، هو إن المنصت لأناشيد الشيخ وهو يصرفها فى مناحى نغمة ويوزعها على معارج فنه، يحس أن نفسه يشيع فيها انفعالات معينة لم تأت عن طريق اللفظ ولا عن طريق معناه، وإنما هى قد طفرت عن طريق النغم ذاته الذى تفرد به الشيخ واختصته به الطبيعة.
إذ المعروف أن أداة التخاطب بين الإنسانية وبعضها هو الكلام، وقد يمتاز بعض الناس بحسن التخاطب إذا كانوا من الخطباء الذين وهبتهم الطبيعة ميزة خاصة يؤدون بها المعانى التى تجول فى خواطرهم فى ثوب قشيب من حلاوة اللفظ وجميل المعنى.
ولابد للذين يسمعون أمثال هؤلاء، من معرفة الكلام الذى ينثرونه على أسماعهم كلمة كلمة، وجملة جملة، وإلا تعطلت موهبة الخطابة وحيل بين هؤلاء الخطباء وبين ما يشتهون.
بيد أن المدمن سماع أناشيد الشيخ يتبين هذه الظاهرة العجيبة ويختلج إلى نفسه هذا الخاطر الغريب (وهو أداة الخاطب بالنغم لأن الواقع يعضد نظريتنا) وهو أن هناك تبايناً كلياً بين ما تؤديه مدلولات الأناشيد اللفظية، وبين ما تؤديه روح الشيخ الموسيقية، فالقارئ لأناشيد الشيخ لا يمكن أن يحس منها المعنى الأدق، كما هو يحسها عندما تستحيل على لسانه وصوته نغماً وهتافاً، ولا يحس السامع أن نفسه يطفر عليها شتى الانفعالات من حزن ولوعة وفجيعة، ومن ضراعة ولهفة فحسب، بل تتجلى هذه الانفعالات فى أفق المخيلة صوراً تتمثل فيها كنه الحقيقة الواقعة لنفس المأساة بالشكل والموضوع.
وربما كان دليلنا إلى صحة ما نحن نأخذ فيه، هو أنه يستوى بلا ريب لدى السامع أن يفصح الشيخ عن القول أو يهمهم فيه، فالمعنى المأخوذ من مدلول اللفظ لابد واصل إليه فى هبوات الهمهمة والتمتمة، ولابد أنه يحسه فى سويدائه على معناه الصحيح وصورته الحقيقة.
ولا نعتبر مغالين إذا قررنا أن كثيراً من الإفرنج أسلموا سمعهم لأنغام الشيخ فشعروا فى قرارة نفوسهم بتأثير الفجيعة على المحبوبة المائتة، وأثر الأمل فى الحب الضائع، وأثر الفرح بلقاء المحبوب. وكم اندهشت عندما تحدثوا عما يزدحم على نغم الشيخ من آلام، وتأثرات وعواطف، مع جهلهم التام بالعربية، إذاً فالشيخ كان قادراً على أن يفهم الإنسان حتى الفطرى منه، إنه يتوجع، ويبكى، ويتألم أو يتلهف عن طريق النغم المصحوب بالقوة السحرية الغريبة التى قادت صوته ونغمه، إلى ذروة العلا من التأثير والفن، ولو لم يكن ذلك فى إفصاح من القول أو بيان من المعنى.

"التشخيص" بدعة لا يقبلها الشيخ سلامة
ظهرت بوادر التمثيل العربى قبيل الثورة العرابية بعامين -أى فى الفترة التى كان الشيخ منهمكاً فيها بتعديل ألحانه وتنسيق أنغامه الصوفية- وكان التمثيل إبان ذلك الوقت عبارة عن نوع مهذب من "الأراجوزات" التركية تضرب له الصواوين، وتصدح له موسيقية الشوارع، ويلبس الممثل حلة التمثيل ويقف على باب الدار بين جنده وحرسه.
كان ظهور هذا الفن فى مدينة الإسكندرية، حيث كانت أصوله الأدباء اسحاق والنقاش والخياط مخيمة فى ميدان المنشية، تقدم للشعب ما لديها من الروايات، وتعرض عليه ما عن لفكرهم من تآليفها، كذلك كان القرداحى والقبانى فى العاصمة يحذوان حذوهم، ألا أنهما كانا يمتازان عن الأولين بتمثيل بعض الأدوار الغنائية، وإلقاء المقاطيع الطربية خلال التمثيل.
وعلى هذا النمط ولد فن التمثيل فى الإسكندرية ضعيفاً ولم يشب عن طوقه بعد، إذ كانت الرواية وهى أصل أساسه ساذجة متهدمة، لا تكفى لاستغواء شعب لم يتعود هذا الشئ من قبل.
وكانت الرواية المنتقاة فى مسرح اسحق والنقاش أو الخياط عبارة عن مأساة تبتدئ بالحب ثم تختتم بالفجيعة، ما بين صرخات وأناة ومآتم، فمن روايات ذلك العصر مثلاً، كانت تمثل رواية (يوسف الصديق، فتح بيت المقدس، الملك الهارب، عناء المحبين) على المسرح، وقد كان لا يقبل على مشاهدتها إلا أفراد معدودة، لأن الشعب كان ينظر إلى "التشخيص" كبدعة سيئة تتنافى مع الحرمة الدينية، ومبادئ الخلق القومى.
ولما كان هذا الاعتقاد شائعاً، كان من أدب الكياسة أن لا يقبل أمثال الشيخ سلامة حجازى من الأتقياء والدينيين على هذا الفن المستحدث، فكان ذلك مدعاة لابتعاده عن الوسط المنافى للخلق والأدب، وظل هكذا لا يعرف عن التمثيل ولا عن القائمين به شيئاً، حتى يوم الاحتفال بزواج أخته (شفيقة) من أحد أعيان دسوق وإعلانه عن ليلة الفرح، التى ضمت الآلاف من المتشوقين والغاوين صوته. وقد كان ممن ضمتهم الحفلة بعض الممثلين فى جوقة اسحق والخياط، الذين لم يتمالكوا أنفسهم عند سماع صوت الشيخ فى قصيدة "سفر اللثام" حتى أتوا بأصحاب الفرقة وبدءوا يفاوضون الشيخ فى الانضمام إليهم.. غضب الشيخ وتألم من الوسطاء الذين بذلوا كل ما لديهم فى سبيل إقناعه بالانضمام إلى التمثيل، محسنين له فضائله، ومرغبين له فى مستقبله.
وقد ذهب الغضب بالشيخ أن هدد زوج أخته (السيد الخضرى) بسحب أخته من بيته إن استمر على الإلحاح عليه لأنه يأنف أن يصفه الناس بوصمة "المشخص".
أغرى بكل الطرق والضمانات المالية، وأثر عليه من كل وسطة، فأبى عليه هذا الطلب مؤثراً حالته التى هو فيها على أى شئ آخر، ورمى التمثيل بأنه وصمة غير شريفة لا يحب أن ينحدر إليها.
وما علم هذا الرجل ما خبأه القدر له.. وقد نلتمس العذر كله للشيخ فى هذا الإباء، لأن رأسه ملئت بأفكار عصره المحافظة، وإشاعات وسطه حول "التشخيص" وما يدور فيه من تمثيل المنكرات والمبتدعات، وعلى ذلك لم تنفع فيه الشفاعة ولم تتأثر نفسه بالرجاء.
وفعلاً تغلب الشيخ على مفاوضيه، وظل قانعاً بتخته مستمراً فى إحياء لياليه مواظباً على عمله. ومما زاد فى دهشته أنه ما كادت تخلو حفلة يحييها إلا وكان الخياط أو زميله النقاش أول السابقين لسماعه.
أجل، عز على هذين الأديبين أن لا يتفهم الرجل كنه صوته، وأنه خفى عليه أن صوته ما جعل إلا للتمثيل والتفهم، لا للتخت والآلات.
عرف الأديبان فى نغمه التقلب وفى حنجرته الاهتزاز، ونظرا إليه نظرة فنية، كيفاه تكييفاً صادقاً، وتبينا فيه موضع الحاجة الماسة للتمثيل، ورأيا فى صوته فوق ذلك الميزة الكبرى، حيث تأدية المعنى المطلوب بالنغم وتقلباته، لا من حيث الولوج إلى القوة ورفع الحسام.
عرف الرجلان من صوت الشيخ، أن للألم نغماً، وللحزن وتراً، وللفرح رنة، وللهدير شدواً، وأحسا أن لكل ما فى الحياة من مظاهر، نغماً تطفر به نفس هذا المطرب، وتخرجه للملأ كما هو مترجماً أدق ترجمة كأنه الخلقة الحقيقية لا تصنع فيها ولا كلفة.
أكبر الصديقان قوة الشيخ السحرية فى اللفظ وإبداعه فى إخراج مرماه، فأعادا الكرة عليه وألحا فى طلبه إلحاحاً عظيماً، واستعانا عليه بكل ما وسعها إحضاره من أقاربه وإخوانه وأصدقائه، فلم يزد الشيخ هذا إلا نفوراً وتهرباً ومراوغة، مما دبب اليأس إلى قلبى الزميلين واكتفيا بسماعه وهز الرأس حسرة على أملهما المفقود.
بيد أن تردد الشيخ لم يطل أمام الحيلة التى دبرها المرحوم الأديب خياط، إذ تعاقد معه على القيام بحفلة غناء أسبوعية فى مسرحه، ينشد فيها نظارته ويطربهم بصوته الساحر، وذلك بين فصول الرواية التمثيلية.
وبهذا ضم الخياط الشيخ إلى فرقته وهو لا يشعر، وانتصر فى الوقت نفسه على فرقة الأديبين اسحق والنقاش التى رحلت مباشرة من الثغر بعد هذا الاتفاق، وحلت محلها فرقة الخياط، وصار ميدان المنشية ملتقى رواد الشيخ والمتعشقين صوته.
وقد يعتبر -ولو من باب التاريخ- أن الاتفاق الذى تم بين الصديقين عام 1884 كان بمثابة اعتلاء صاحب الترجمة للمسرح.
ولكننا نعتبره اعتلاء غير مباشر، لأن الشيخ لم يحترف مهنة التمثيل مع الخياط قط، بل كان يذهب إلى المسرح بتخته ورجاله لترويج نوع جديد من الأنشودة الخيالية أدمجت هذه فيما بعد، وأدخلت فى التمثيل الإنشادى "الأوبريت". وهذا لم يحدث أيام المرحوم الخياط بل حدث بعده بعام كما سيمر بك.

المحاولة الناجحة (نزوح الشيخ إلى القاهرة)
سبق لنا القول عند الكلام على نزوح عائلة حجازى إلى رشيد، أن الشيخ كان مفطوراً على عدم التدخل فى الشئون المالية أو الاقتصادية لجوقته، بل كان لا يعرف من أمر مساعديه شيئاً من جهة الصرف او الدخل، وكان الذى يدير أمره الاقتصادى أخوه محمود أو من يقوم مقامه من الأخصائيين، وقد كان هؤلاء هم الذين يتعاقدون ويتفقون مع المؤجرين ويتصرفون كما يشاؤون فى إقامة وتنظيم الحفلات.
هذه حقيقة كنا نعلمها جميعاً عن الشيخ حتى فى أواخر أيامه، فإنه لم يدع لسلطة المادة أى تأثير عليه، ولم يترك لها سلطاناً على نفسه.
تسامع أهل العاصمة بشهرة الشيخ، وتسابق أغنياؤها لدعوته فى إحياء ليالى سمرهم فكان يرفض بادئ بدء لكثرة أشغاله فى الثغر وضواحيه، إىل أن أتت له دعوة من أسرة ذات ثراء لإحياء حفلة زواج فتوجه لإقامتها، وما أسرع ما تهافت الناس عليه، ما أبلغ ما وصل إليه من الإقبال.


http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/abdo.jpgعبده الحمولى


الأمر الذى ذهب بصيته إلى الأوساط الحاكمة، وقد كان هذا سبباً لاتصاله بمطرب المعية المرحوم (عبده الحمولى) وقد حداه هذا الاتصال لأن يشترك معه فى إحياء حفلة غنائية كبرى لمناسبة زواج إحدى كريمات العائلة الخديوية فى هذا الوقت.
وقد كان ضمن المدعوين فرقة تمثيلية على رأسها الممثلان (سليمان الحداد وسليمان القرداحى) التى افتتحت الحفلة بتمثيل رواية جديدة شهدها الشيخ وتتبع فصولها مبتهجاً طروباً.
أعجب الشيخ بالتمثيل وخاصة بالقرداحى الذى مثل دور البطل فى رواية (السر المكنون) وأيقن أن "التشخيص" هذا لا يتنافى والدب او الدين فى شئ ما كما كان يدور فى خلده.
ولقد كان من إجادة الفرقة للتمثيل ما أدخل على الشيخ مشاعر الاستهواء لهذا الفن وجعلته يفكر جدياً بأن هذا التمثيل ليس فيه من الهنات ما قد صوره له الوسط.
كان هذا هو شعور الرجل عند النظرة الولى لمشاهدة التمثيل، وقد حدثنى عن ذلك فى معرض السؤال عن سبب احترافه المهنة التمثيلية بعد رفضه الأول.

جاء دور الشيخ فى الغناء عقب التمثيل مباشرة وغنى الحضور توشيح "يا رشيق القد" واختتمه بسلام "صفا الأوقات" من تلحين (الشيخ أبو خليل القبانى) الذى أخذ ضربه عليه وأدمجه فى صوته. فأطرب الجمهور واهتز تأثراً لنغمات ذلك المطرب الجديد، حتى لقد يؤثر عن المعية المرحوم (عبده الحمولى) أنه قام فى هذا الجمع وصاح فى وجه الشيخ قائلاً: "حنجرتك يا شيخ موتتنا؛ الله يجازيك". وقد سر المطرب بهذا التشجيع والتوفيق، الذى لقيه فى هذه الليلة،
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/tawfyk.jpgالخديوى توفيق

سيما وأن المرحوم (الخديوى توفيق) قد شارك الناس فى سرورهم وطربهم، فكان هذا من البواعث التى فتحت أمام عينيه أبواب الأمل وحدته إلى مضاعفة العناية والمجهود لإبراز فنه وقدرته الغنائية.
ومن غريب المصادفات أن زعيمى الفرقة التمثيلية فى القاهرة قد لاحظا على صوت الشيخ ما لاحظه من قبل المرحومان اسحق والنقاش، فعرضا عليه احتراف التمثيل شارحين له فوائده الأدبية ومزاياه الاجتماعية، وقبل الشيخ ذلك مبدئياً على شريطة أن يمهلاه شهراً ليرجع إلى نفسه؛ ولعل هذا النزوع إلى هذا القبول المبدئ يرجع إلى ما تأثرت به نفسه فى تلك الليلة من مظاهر التمثيل.
حدثنى الشيخ عليه الرحمة فى هذا الموضوع قائلاً: أسرعت لزميلى عبده الحمولى، الذى كنت أعزه واجه كثيراً وكان معه المرحوم (محمد عثمان) فى قهوة نزهة النفوس الكائنة بحى وجه البركة، واستشرتهما فى أمر انضمامى إلى التمثيل، فلم يسع زميلنا الشاب (محمد العقاد القانونجى) إلا أن صرخ فى وجهى قائلاً: واين يكون شرف عمامتك عندما تمثل التقبيل أمام الناس؟.. فضحك المرحوم عبده ورد عليه قائلاً: يكون فى بيتكم. ثم نظر إلىّ ملياً وببطء وقال: يا شيخ سلامة إن التمثيل يمازجك وهو المخرج الوحيد لصوتك، والأداة الحرة لإظهار نغمك، فانضم إليه ليكون منا فرداً نفخر به فى ناحية جديدة من الغناء. فعزمت منذ تلك الليلة على احتراف التمثيل والعمل نهائياً فيه.
كان توظيف الشيخ فى فرقة من الفرق بطبيعة الحال لا يرضى قط أخاه محموداً، الذى كانت له السيطرة العليا والأمر فى إدارة أعمال أخيه الحرة وخصوصاً المادية منها. فعندما استشار أخاه لم يقبل، وطفق ينقص له من قيمة هذا العمل الجديد ويسوئ له الدخول فى هذا الباب، فوجد الشيخ أن من اللياقة الأدبية أن لا يحزن أخاه فى بلاد الغربة، وقرر إرجاء البت فى هذا الموضوع حتى يستشير بقية أهله وأخلائه فى الثغر.
ما كان يعلم الشيخ أن أخاه هذا كان نفعياً أو مادياً أو مستهتراً، وما كان ليعلم أن رفض أخيه لمهنة التمثيل يضيع عليه ما كان يستغله من حفلاته والانتفاع بها.
إذ الواقع أن الشيخ قد كان حسن الظن بأخيه وما كان ليذهب يوماً ما أن أخاه لا يبت فى الأمر إلا لمصلحته.
وعلى ذلك فكر محمود فى أن يؤجر عدة ليال طويلة الأجل ويتعاقد مع طلابها، ظنا منه أن الشيخ قد يتلهى أو يتناسى اعتزامه الجديد، وروج فى الوقت نفسه إشاعة ترك الشيخ للتخت واستعداده للدخول فى مهنة التمثيل رجاء أن يتهافت الناس عليه ويبيع لهم ليال كثيرة ليتمتع بمالها.
وبينما كان الشيخ يقيم حفلة غناء فى الثغر، إذ رأى شجاراً قائماً بين أخيه وصاحب الحفلة مداره مؤخر أتعاب الحفلة، ورأى من أخيه الإصرار على إبطال الحفلة إن لم يدفع لفوره القدر المتأخر.
هذا الحادث والذى سبقه فى رشيد أفهما الشيخ بوضوح أن أخاه هذا هو من الجشع والشراهة وعدم مراعاة واجب المهنة والأخوة بحيث لا يجب الركون إليه فى عمل ما، ولذلك فقد اعتزم أن لا يلحقه بأعماله وأجرى له مرتباً يكفله.
وبعد هذا الحادث سافر إلى العاصمة وقبل انضمامه نهائياً إلى جوقة الحداد والقرداحى.



يتبع ..

أبو علاء
04-12-2006, 11:00
شكرا على هذه المبادرة الطّيبّة.
هل استخدمت المصوّر الحاسوبيّ (scanner) في نقل صفحات الكتاب ؟
أسأل لأنّ الفكرة قد تكون مفيدة في نقل محتويات كتب أخرى من هذا القبيل.

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:09
عفوا أخي أبوعلاء

لا يا أخي ماحدث هو أنني عثرت بالمصادفة على هذا الكتاب على أحد مواقع الأنترنت الغير متخصصه بالموسيقي فأحببت نقلة كي تعم الفائده

شكرا لك على مرورك

أبو علاء
05-12-2006, 01:19
حسنا فعلت، ولكن في هذه الحالة يستحسن ذكر المصدر (عنوان الموقع المذكور).

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:30
حسنا فعلت، ولكن في هذه الحالة يستحسن ذكر المصدر (عنوان الموقع المذكور).


حسنا مجلة أمواج الإسكندرية (http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/2.asp)

تحياتي

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:31
تابع ..

انضمام الشيخ إلى الحداد والقرداحى 1885-1889
جبل الشيخ فى جميع أطوار حياته على حب الانفراد والعزلة، فكان ينفرد بنفسه ليستلهم الطبيعة ويستوحى بمشاعره ما أعد له من تأدية الرسالة الفنية التى جعلته يغيب دائماً عن ذات نفسه ليظفر فى ناحية أخرى هى ناحية الخيال والسمو الذاهب إلى أعلى طبقات الفن والجمال، فقد كان لا يأنس فى وحدته إلا لحنجرته التى اتخذها مزهرا يوقع عليها همسات الفن ودبيبات النغم.
ولهذا نظر إليه من باقى أفراد الجوقة نظرة هو برئ منها، إذ رموه بالكبرياء، خصوصاً وأنه كان يتقاضى مرتباً ضخماً لا يحلم بمثله أحد، إذ كان يتقاضى شهرياً عشرين جنيهاً مصرياً.
وهذا النصيب -وإن يكن ضئيلاً فى نظرنا الآن- بيد أنه كان مجازفة كبيرة من جوقة القرداحى التى ملأت القاهرة إعلاناً، وذيوعاً بانضمام الشيخ إليها، كما أعلنت فى الوقت نفسه عن ظهور أكبر مسرحية غنائية يقوم بأهم أدوارها الشيخ سلامة.
ولما كان انضمام الشيخ بصفته المصرية إلى جوقة سورية اغتنم مديرا الفرقة الفرصة وطالبا الحكومة المصرية بالسماح لهما بتمثيل رواية "مى وهوراس" على مسرح الحكومة الرسمى.
افتتاح الأوبرا الخديوية
ولنا هنا وقفة تاريخية نستميح القارئ عذراً إذا استطردنا لها، لما لها من الأهمية فى تاريخ حياة شيخنا. فقد رأت فرقة القرداحى أنها أصبحت ذات قوة فنية بانضمام الشيخ إليها تمكنها من المطالبة بدار الأوبرا الخديوية التى كانت لا تفتح فى أوجه الممثلين المصريين إذ ذاك، بل ظلت وقفاً على الفرق الأجنبية التى تنزح إلى القاهرة، فطلب القرداحى من الحكومة المصرية أن يقيم عدة حفلات بدار الأوبرا الخديوية، وجعل الشيخ كوسيط أو شفيع لدى الحكومة، وقد قام الشيخ بهذه الواسطة فكانت الإجابة، وكان الرضى والسماح من جانب الحكومة. واعتبر هذا القبول بمثابة فتح جديد للمسرح المصرى، واتبعت عادة إلى يومنا هذا، وحتى لقد غدت هذه الدار أثناء كل موسم تمثيلى تعطى للمباراة التمثيلية بين فرقنا المصرية كل عام، وللآن فنحن نشاهد هذه العادة كسنة متبعة حتى هذا اليوم، ونظن أن الناس قد لا يعرفون السبب الول لإقدام الحكومة على هذه المنحة.
اشتغل الشيخ بتنقيح ألحان هذه الرواية (مى وهوراس) وصوغها فى قالب يتفق وما راض عليه نفسه من أساليب النغم والغناء المسرحى، وأعلنت الجوقة عن تمثيل الرواية وأعطى الشيخ فيها دور البطل "كورياس" كما أعطى دور "مى" لممثلة الفرقة الأولى ومطربتها القديرة السيدة "ليلى" ذات الصوت الحلو الجميل.
وكان مدير الفرقة يرتقب بقلق نتيجة عملهم فى هذه الدار العظيمة، لكنه لم يلبث أن عادت إليه الطمأنينة وملأه الفرح والاغتباط لنجاح الرواية وما لاقته عند الجمهور من الإعجاب، وما أحدثته فى نفوس القوم من بواعث التأثير والتفوق النادر، سيما تلك البدائع الغنائية التى فوجئ بها الجمهور مفاجأة لم يكن له بها عهد من قبل.
والواقع أن الناس لم يكادوا ينفضوا من مشاهدة الرواية حتى لهجت ألسنتهم بالحديث عن هذا الممثل وما فاجأهم به من روائع نغمة وباهر صوته العجيب المقتدر.
وكذلك طار خبر هذا المطرب فى أنحاء العاصمة كل مطار وراح الناس يتناقلون أخباره ومآثره الغنائية حتى لقد تجلى أثر هذا الاهتمام فى صحف ذاك الوقت، ونسرد على سبيل المثال ما كتبته إحدى الصحف السيارة إذ قالت: "مهما يتكرر سماع الإنسان لهذا المطرب الجديد الشيخ سلامة حجازى، فإن صوته مؤثر فى نفسه بنفس القوة التى أثر فيها من قبل" ولقد أصابت هذه الجرائد كبد الحقيقة، إذ تكرر تمثيل هذه الرواية نحواً من ثلاثين مرة فى نفس دار الأوبرا، وعلى الرغم من هذا التكرار فإن النظارة ما انفكوا يتهافتون على مشاهدتها فى كل مرة بأكثر من المرة التى قبلها حتى لقد زاد عدد الزوار والمشاهدين على عدد مقاعد الدار زيادة كبرى، كان يضطر من أجلها مدير الدار إلى إغلاق الباب فى وجوه الجم العديد من الطلاب والراغبين فى سماع الشيخ.
وإذا حدثك محدث يوماً عن امتلاء مسرح تمثيلى فى هذا العصر، فكأنما يحدثك عن المحال، إذ كانت ثنايا مديرى الأجواق إبان هذا العصر تفتر فرحاً عندما يرون أن ربع دارهم قد ملأته النظارة.
بيد أن الأمر قد بدل تبديلاً كلياً عندما اعتلى الشيخ منصة المسرح، فأصبحت دور التمثيل تغص بالحضور وتزدحم جوانبها، بعد أن لا يحلم أرباب التمثيل بقسط ضئيل من هذا الإقبال.
ولا تسل عن الطرب والسرور الذى دخل قلبى القرداحى والحداد إثر ذلك، مما جعلها يشمران عن ساعد الجد ويضاعفان مجهودهما فى إخراج الروايات العديدة من النوع الغنائى الذى أدخله الشيخ معه على المسرح، فمثلت رواية عائدة، وجنفياف وهارون الرشيد والظلوم وليلى إلى غير ذلك مما لا تسعه الذاكرة.
امتلأت القاهرة بسمعته وأخذ الناس يهرعون إلى دار القرداحى بالعتبة الخضراء أفواجاً ليستمتعوا بذلك الصوت الساحر الذى ينبعث من حنجرة الشيخ سلامة، لما كانوا يرون فيه من السلوى لنفوسهم والترويح لأفئدتهم، وانحنت لعظمة مطربنا الرؤوس إعجابا لفنه، وقدرته الناس تقديراً لم يحظ به أحد من أبناء مهنته.
ظل الشيخ يزامل صديقيه فى جوقتهما حوالى أربع سنين، حتى تمكن من فن التمثيل، بفضل القرداحى الذى كان ممثلاً قوياً ومخرجاً فنياً كبيراً.
وقد شعر من ناحيته بعد هذا الحين بمقدرته ومنزلته العظيمة عند الجمهور، فأحب أن ينزل نفسه منزلتها من المكانة اللائقة به، فطلب إلى القرداحى أن يتولى هو تمثيل أدوار البطولة فى بعض روايات جديدة شرعوا فى إخراجها، ولكن القرداحى نفس على صاحب الترجمة هذا الطلب ولم يشأ أن يتمشى معه إلى هذه الغاية، مما كان ذلك داعية انفصاله عن عمله معهما.

فكرة الحب الأولى (الشيخ بالملابس الأفرنكية)
نزع الشيخ زيه العربى وأبدله بزى "أفرنكى" فى العام الثانى لاحترافه مهنة التمثيل.
وذهب الناس فى هذا الحدث مذاهب شتى، فبعضهم علل ذلك لاحتراف الشيخ مهنة التمثيل، وعلل آخرون بأن الذى حدا بالشيخ إلى هذا التغيير إنما هو ذلك التهامس الذى كان يتهامس به بعض الطبقات عليه!
كما علل ذلك فريق ثالث بأن هذا يرجع إلى أن الشيخ قد استهوته غادة فرنسية اعتزم الزواج منها!
أما الحقيقة فإن الشيخ قد تفتحت عواطفه فى حياته الجديدة بمشاعر الحب والاستهواء لغانية افتتن بها وعلق بجمالها، وهذه الغانية من بيت لأكبر أسرة من الأسر المصرية مجداً وحسباً وثراء، ورأى أن العمامة زى لا يمكن أن يروق فى نظر أمثال هاتك الغوانى الناشئات فى هذه البيوت الراقية، ففضل تغييره بالزى المألوف عند هذه الطبقات.
ولقد كان لهذا الحب أثر فى نفس الرجل وفى حياته الإنشادية، جعلته يخرج على الناس ببديع النغم وشجى الألحان، فألحان رواية (أنيس الجليس)، و(أبى الحسن)، و(على نور الدين)، و(خليفة الصياد)، كتبت فى بدء هذا الحب الزاهر، ولذلك تضوعت بشذا الغرام الساكن، وتأرجت بأريج الحب الخالد.
وقد لحن الشيخ غير هذه الروايات رواية "مجنون ليلى" فجاءت ثورة فى عالم الفن التلحينى، بما أودع فيها من الترانيم والتغريد بنغمة الأمل.
ولقد سمعنا منها لحن اللقاء "دنا الحبيب القاسى، فدنا السرور إلى فؤادى" الذى فيه يغازل المحبوبة الحقيقية والتمثيلية معاً، مغازلة تكاد تفصح عن وجد الرجل وغرامه بحبيبته (التى كانت تتدله هى من الناحية الأخرى فى نفس المسرح) فى صوته ونبرات نغمه.
ولقد كان لهذا الحب الذى سبقت الإشارة إليه، أثره النفسانى وانفعالاته القوية فى نفس الشيخ. إذ كانت ألحانه التى يشدو بها فى رواية (مجنون ليلى) ساعة الوداع باكياً حزيناً، كانت لا تدع السامع يتمالك نفسه من البكاء والتأثر، ومشاطرته فى مشاعره المكتئبة، لأن الدمع كان ينهمر من عينيه حقاً، فجيعة على قلبه الدامى.
ولم يقف أثر هذا الحب عند إبداع التلحين فحسب، بل تعدى إلى حياته وجسمه وخصوصياته، فجعلته يرتدى الأنيق من اللباس الأفرنكى، ويهش فى وجه محدثه، ويضحك لأقل الأسباب، وينكت على كل شئ.
منذ ذلك الوقت الذى يسميه الشيخ "عهد الحب" نحفظ عنه الكثير من نوادر غرامياته التى ملأت الأسماع وانتشرت انتشارا عظيما، وصارت مضرب الأمثال، فيما يبعثه الحب المضطرم فى النفس الثائرة من عواطف متلاطمة يظهر أثرها فى الإنتاج الذهنى والفكرى.



يتبع

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:33
الشيخ سلامة واسكندر فرح (1889-1905)
كان إخراج المسرحية المصرية قد تطور تطوراً مشكوراً بفضل مجهود الشيخ الذى بذله فى هذه الأعوام الأربع مع فرقة القرداحى. ولقد لفت بهذا أنظار الشعب، إلا أن هناك أنواعاً من التمثيل العربى -غير ما ألفوه من حركات وصراخ وقوة ومبارزة- يجب أن تسود وتحتل مركزاً لائقاً بها، ضارباً لهم المثل برواية "مى وهوراس" وغيرها من الروايات التلحينية الغنائية، التى قسم أناشيدها على كثير من أبطالها، كما وزع على "الحاشية" أنغاماً أخرى.
هذا النوع من التمثيل التلحينى (الأوبريت) لم يكن قد خلق بعد، وما حاول أحد أن يدخله لفقدان ذلك الصوت والقدرة الغنائية لاستظهاره، إلى أن قام به الشيخ ووجد إقبالاً من الشعب بعثه إلى المضى به فى معارج التقدم والسير به إلى مدى أوسع تطوراً، خاصة عند انضمامه إلى الفرقة الناشئة إدارة (اسكندر فرح).
وهنا عمد إلى إظهار المرشات والسلامات الخديوية يغنيها بدء الرواية، وختامها، وعمد إلى إلقاء النوع المهذب من المنولوجات الحماسية المنطوية على المبادئ العصرية والأخلاق القويمة.
وهذه المنولوجات نوع من موسيقى الخيال والوصف (التى تقوم عليها الآن الأوبرات المسرحية) كان الشيخ يطرب بها المتفرجين بين فترة الفصول، ولم تكن معروفة من قبل، ولم يعهدها الجمهور إلا على يد الشيخ.
كل هذه الألحان التمثيلية كانت من تصوير الشيخ وحده، وهو الذى ابتكر لها تلك الطرائق الخالدة التى عرفها منه الجمهور المصرى وسمعها.
وإذاً فمن حق التاريخ أن يسجل للشيخ فخر هذا الابتكار دون أن يجرؤ أى مؤرخ على أن ينسب هذه التلحينات إلى أى ناحية تقليدية فى الرجل، بل كان ذلك خلقاً جديداً من عبقريته وموهبته.
ولم يكن لأى نوع من طرائق الأوبريت الأوروبية عليه من سبيل، إذ كلنا نعلم أن الرجل كان بعيداً عن الأوساط الأوروبية ولم يكن له من مؤهلاته العلمية ما يمكنه الإطلاع على أنواع الفن هناك. كما أنه لم يطف فى البلاد الأوروبية يوماً ما قبل هذا الابتكار.
ونحب أن نقول أن موضوع الرواية فى ذاته لم يكن ليهم الجمهور، وما كان جهد الممثلين ليلفت نظره، بل إن الدعاية التى كانت تقتضيها طرائق الترويج والتشويق لم تكن كذلك لتؤثر على نفسه، بل كان جل أمل المتفرج أن يسمع وينظر للممثل الشيخ سلامة حجازى، الذى كان من حسن توفيق الله عليه أن قيض له ممثلة حاذقة تشاركه فى أدواره وتمثل بجانبه، وقد كان لها صوت رنان حلو يأخذ بالقلوب. فكان هو والسيدة (لبيبة مانيللى) مطمح كل قاصد، ولذة كل ناظر، كما كان هو والسيدة ليلى فى الجوقة القرداحية.
افتتح اسكندر فرح مسرحه بشارع عبد العزيز (مكان سينما أوليمبيا الآن) واتفق مع ممثله الأول الشيخ سلامة على إجراء راتب قدر بثلاثين جنيهاً شهرياً، علاوة على دخل ليلة شهرية لحسابه الخاص، وبذل الشيخ من جهته كل ما أمكنه لرفعة شأن فرقة صديقه وتقدمها.
وقد كان لأواصر الإخلاص المتبادل بين هذين الصديقين أثرها الفعال فى نجاح الفرقة والإقبال عليها، إذ راح كل منهما تحت تأثير هذا الإخلاص يخرج الجديد ويبدع فى ما عنَّ له لإعلاء شأن الفن.
ساير الشيخ فى هذه الفرقة الجديدة روح الجمهور، وطموح نفسه، وأخرج له أنواعاً طريفة من فن التمثيل التلحينى قابله بالإكبار والإجلال مسبغاً عليه كل عطف وتقدير، وكانت السيدة مانيللى مازالت تعمل بجانبه فى جميع ما أخرجه من الروايات التى أجهد مؤلفوها ومعربوها نفوسهم فى إيجاد دور آخر يمكن إسناده لهذه الممثلة الناضجة لتشاركه بصوتها فى إشجاء الجمهور ومسرته.
أخرج رواية (الإفريقية)، (تليماك)، (الطواف)، (ملك المكامن). ولحنها تلحيناً طريفاً، جنى الجوق ثمارها ودرت الخير الجزيل على اسكندر فرح، حتى لقد بلغ أقل أجر للحفلة التى يمثل فيها الشيخ "ثلاثين جنيهاً" وهو قد يعتبر من الكثرة بمكان إذا قيس بدخل الحفلات التمثيلية فى ذاك الوقت.
حدا هذا النجاح بالشيخ لأن يشجع أدباء عصره ليتمكن من إيجاد مورد جديد للمسرحية، ولذلك أخذ يدر عليهم المال الكثير حتى تمكن من الحصول على ما يقارب العشرين رواية منسجمة التلحين، منتقاة الموضوع، نذكر منها على سبيل المثل: ضحية الغواية، القضاء والقدر، غانية الأندلس، غرام وانتقام، مظالم الآباء، البرج الهائل، مغائر الجن، ابن الشعب، هملت، وغير ذلك مما لا تسعه الذاكرة من المسرحيات العظيمة المؤلفة والمعربة.
وكانت هذه الروايات فتحاً جديداً، شجع الشيخ على المضى فى ترقية الأدب المسرحى وتنمية العاطفة المصرية، ودفعها إلى المبادئ الاجتماعية العصرية.

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/tanys-abdo.jpgطانيوس عبده


وأحدث اتصاله بطوائف الأدباء وحدبه عليهم أن التفوا حوله وعقدوا خناصرهم على مؤاتاته بالطريف والجميل من بنات أفكارهم وعذارى قرائحهم، وقد عضده السوريون منهم قبل المصريين، نذكر منهم إنصافاً لحقهم وتشييداً لذكرهم: إلياس فياض- طانيوس عبده- فرح انطون- انطون سركيس- خليل مطران. وظلوا هكذا يناصرونه ويؤازرونه ردحاً من الزمن. وهنا كان المستقبل يتمخض عن نابغة من نوابغ الأدب المسرحى ذلك هو المرحوم (الشيخ نجيب الحداد) الذى خدم التمثيل العربى برواياته التى لا يزال يذكرها الكثير من المعاصرين، وقدمها للشيخ ليمثلها فى فرقة اسكندر فرح، فاهتمت بها الجوقة وأخرجها إخراجاً متقناً دقيقاً، وأنفقت عليها عن سعة إنفاقاً جعل الأمل لدى صاحب الفرقة قوياً فى النجاح والربح المنتظرين، وكان له ما أراد فعلاً.
بيد أن الفرقة لم تمثل من هذه المسرحيات سوى رواية: شهد الغرام- صلاح الدين الأيوبى- السيد- البخلاء. وبعض روايات لم تعها ذاكرتنا.
وهنا دب دبيب الخلاف بين الشيخ وبين مقسم الأدوار فى رواية على إسناد أدوارها لبعض أشخاص الفرقة دبيباً تداخل من أجله الحداد فحسمه بمد أجل تمثيل الرواية لفرصة أخرى، وسحب الرواية من الجوقة، فظن مدير الجوق وكان إذ ذاك قيصر فرح (شقيق اسكندر) أن هناك اتفاقاً ما بين الشيخ والمؤلف، ولكنه كتم الأمر فى نفسه حتى تم الاستعداد لظهور رواية أخرى هى رواية عظة الملوك التى أنفق على مناظرها وملابسها حوالى أربعمائة جنيه.
ظهرت الرواية وكان ظهورها فى ليلة مطيرة شديدة الزوابع والإعصار فلم يتيسر الإقبال عليها من المتفرجين كما كان يتوقع أصحاب الفرقة، وبذلك جاء دخلها بما لا يوازى جزء مما أنفق عليها.
هاج ذلك خواطر قيصر فرح وأحنقه، مما دعاه لأن يدخل مع الشيخ فى مناقشة فضولية بدرت فيها بعض ألفاظ اعتبرها الشيخ ماسة بكرامته، فلم يسعه إلا أن ينفصل انفصالاً نهائياً عن هذه الجوقة.
وتوجه بالفعل إلى المرحوم الأستاذ محمد بك صادق المحامى، فكتب له إشعاراً قانونياً بالانفصال وطلب من اسكندر فرح اعتماده، ولولا هذا الخلاف ما فكر الشيخ قط فى ان يترك صديقه اسكندر فرح، وتمت مراسيم الانفصال فى اليوم الرابع عشر من يناير سنة 1905.
وإلى القراء نص الخطاب الذى كتبه المرحوم اسكندر فرح بيده إلى محامى الشيخ معترفاً فيه بانفصاله عنه، نأتى به هنا كذكرى تاريخية مشوقة لما كان بين الرجلين من الصداقة والود المتين:
عزتلو افندم محمد بك صادق!
بناء على طلب سعادتكم، إعطاء ورقة تعلن ما أفدتمونيه، من أن حضرة صديقى المحترم الشيخ سلامة حجازى مدير جوقتى ورئيس عملى سيترك الشغل فى الجوق فى 14/1/1905، أظهر هنا أسفى الشديد وحزنى البالغ بأن أحرر هذه بمعلوميتى برغبة حضرة عزيزى الشيخ الموما إليه وتقديمها لحضرتكم افندم.

كاتبه/ اسكندر فرح

يتبع..

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:34
النهضة التأليفية ومآثر الشيخ عليها
لا نكران فى أن دخول الشيخ إلى حظيرة التمثيل كان بمثابة الحجر الأساسى والدعاية القوية فى بناء نهضته وتقدم المسرح المصرى، وليس هناك من ينكر أيضاً أن الفضل فى إقبال الجمهور على مسرح شارع عبد العزيز أو على المسارح المصرية عامة، إنما يرجع إلى ميزات الشيخ ومواهبه التى اشتهر بها، ثم وإلى مجهوداته المشكورة ونشاطه المحمود.
ولكى نوفى التاريخ حقه نريد أن نسرد القليل عن هذا العهد الذى فيه أشرق فجر التمثيل، وقام على منصات مسرح فرح، والذى كان صوت الشيخ سر نجاحه وسر الإقبال عليه.
قلنا لك فيما سبق أن صاحب الترجمة كان يتألف إليه الأدباء، وكان لا يبخل عليهم بما يسعه من المنح وأنواع العطف الشامل رجاء أن يستدر قرائحهم ويحول مسالك تفكيرهم فى المنشآت القلمية حيال الفن المسرحى، ليأخذ مكانه اللائق بنهضة الأمة الأدبية، بعد أن كانت هذه الناحية من الأدب تعتبر فى حكم العدم والإهمال.
ولا أخال أحداً من كتاب عصره الذين كتب لهم الحياة إلى اليوم، ينكر أن هذا الرجل كان يشجعهم تشجيعاً لم يظفروا بمثله إلى يومنا هذا، فكان يعامل حملة الأقلام سواء كانوا معربين أو مؤلفين أو صحفيين، معاملة يندر أن تجد لها مثيلاً بين الطرفين المتعاملين، إذ أنها كانت فى الواقع معاملة تنطوى على منتهى السخاء والتقدير.
ونحن إذا قارنا بين ما يربحه الأدباء المشتغلون للمسرح فى عهده، وما يربحونه الآن، لوجدنا أن الأدباء معاصرى الشيح كانوا أحسن حظاً وأوفر رفاهية من إخوانهم المتأخرين. فمثلاً كان الشيخ يدفع للأديب مائة جنيه على الأقل ثمناً لرواية يعهد هو إليه بترجمتها، أو تأليفها، وينفحه فى الوقت نفسه بالهدايا الكثيرة، ويترك له المجال مفتوحاً لكى يكتسب من المسرح ما استطاع، وكان الكثير من الكتاب يؤثر أن يتناول عن روايته دخل الليلة الأولى أو الثانية من الرواية، فيربح بهذه الطريقة ما يزيد عن مائتى جنيه أو أكثر.
فالشيخ نجيب حداد لم يتناول ثمناً لرواية من رواياته الكثيرة، أقل من مائة وخمسين جنيهاً نقداً، علاوة على ما كان ينفحه به الشيخ من الهدايا التى كانت مضرب الأمثال فى أيامهم.
بهذا السخاء وبتلك الأريحية عامل الشيخ كل المؤلفين وجميع أدباء عصره أمثال من ذكرت أسماءهم من قبل، فدروا عليه من منتجات أفكارهم بالروايات التى تتوافق والتقدم المسرحى.
إخفاق التراجيديا
ويحلو لنا أن نذكر هنا أن الشيخ مال إلى تجربة نوع جديد من الفن المسرحى هو النوع الدرامى الصرف "التراجيديا"، وفى الحق أنها كانت محاولة جريئة أثبتت لنا أن نفس الشيخ كانت تميل دائماً إلى الطفور والوثوب فى سبيل ارتقاء دولة المسرح وإنعاش فنه.
وقلنا محاولة جريئة لأن الجماهير كانت قد ألفت من الشيخ النوع التلحينى (الأوبريت) فأراد أن يجرب تأثير النوع الأول، فطلب إلى الأديب الذائع الصيت المرحوم فرح انطون، أن يترجم له طائفة من الروايات بقصد تمثيلها، فقدم له (البرج الهائل) و(ابن الشعب) كما قدم له طانيوس عبده (هملت) فأخرجها الشيخ من غير تلحين، ومثلها تمثيلاً رائعاً خالياً من الأناشيد التى تعود الناس سماعها منه فى تمثيله.
مثلت الروايات الثلاث ومثل الشيخ فيها دور البطل، ولكن لم تكتب الحياة لهذه الروايات بأكثر من تمثيلها مرة واحدة، لأن الشعب جبل على غناء الشيخ، وعلى تمثيله التلحينى، ولم يتعود أن يراه كما أحب أن يكون فى بعض الأحيان.
كان الجمهور يتساءل على باب مسرح عبد العزيز عن قصيدة الليلة؟
فإذا ما أجيب بأن رواية الليلة درامية لا لحن فيها، فلشد ما كان يلوى السائل بوجهه راجعاً.
فأدرك الشيخ أن لابد من مرضاة الجمهور، وأن لا مندوحة من النزول على أمياله ورغباته، فاضطر أن يدخل التلحين عليها، وطلب إلى أصحابها وضع أناشيد مطابقة لوقائعها، فقبل بعضهم وأبى الآخر أن ينزل على إرادة الشيخ، فما وسع الشيخ إلا أن يلجأ إلى بعض أصدقائه من الشعراء الذين وضعوا له ما أراد، ومن ثم فقد عادت هذه الروايات واسترجعت إقبال الجمهور، حتى لقد شهرت بشهرته قصائدها وأناشيدها، ومن منا لا يذكر قصيدة "شوقى" فى رواية "هملت" التى مطلعها:
دهر مصائبه عندى بلا عدد لم يجن أمثالها قبلى على أحد
والتى لولاها ما عرفت الرواية ولا ظهرت إلى يومنا هذا على خشبة المسرح، على أننا بالرغم من هذا لابد أن نعترف بالحقيقة المجردة لكى ننصف التاريخ والحق معاً، ذلك أن هذه الروايات وأمثالها من النوع التراجيدى على ما أدخل عليها من أغانى، لم تلق النجاح الذى كان يتوقعه الشيخ، لأنها لم تكن تفيض بكثرة النغم والأناشيد كما فى الروايات الأخرى.
وإذ ذاك أيقن ان محاولته هذه لاشك خافقة إذ هو استمر عليها، ولذلك تركها مؤقتاً لفرصة أخرى حتى تتهيأ مدارك الشعب لإيلاف وجودها، بيد أنه كان يمثلها ما بين حين وحين تدريباً للشعب على الإقبال عليها.
حقيقة تاريخية
ونحن حيال هذا المجهود الذى بذله الشيخ وذكرنا لك طرفاً منه، نحب أن نستطرد هنا إلى حقيقة تاريخية نرى من الواجب علينا أن نفصح عنها لنرد كل شئ إلى نصابه، فلقد قصر البعض، على أن نهضة التمثيل يرجع فضلها أو جلها إلى المرحوم اسكندر فرح، ونحن فى الحق لا نميل إلى أن نغمط الرجل حقه، ولا نحب أن ننكر عليه مجهوده المشكور فى الإدارة المالية لجوقته، لكننا من الجهة الأخرى نرى أن الشيخ كان فى الواقع يعيش للفن وللفن وحده، ولذلك فقد انصرفت مجهوداته بل حركاته وسكناته إلى الطموح والسمو لتعلية درجة هذا الشئ الذى أسلس عليه قياده، فإذا كان ثمة من مجهود فنى، ومن تطور وتقدم فى سبيل إعلاء شأن المسرح، فإنما ذلك راجع إلى مشاعر الشيخ ووثبات نفسه الطموحة، وهى التى سمت بالفن وأعلت مكانته.


يتبع..

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:34
جوقة الشيخ سلامة حجازى.. تياتر سانتى بالحديقة (فبراير 1905- يناير 1906)
افتتح الشيخ بعد انفصاله من المرحوم اسكندر فرح عمله المستقل، بروايات عين أدباء عصره المأسوف عليه الشيخ نجيب الحداد، فبدأ بمسرحية صلاح الدين الأيوبى فى صالة سانتى -وكانت إذ ذاك واقعة فى الجهة القبلية من الحديقة مكان المسرح الموجود بها الآن- وأنفق على ظهورها ما قد توفر لديه إذ ذاك من مال.
وقد حدثنى الشيخ قائلاً: أعلنت عن الرواية بعد أن فقد كل مالى ولم يتبق لدى منه سوى بعض ريالات وزعتها على الكمبارس، الذين تطوعوا لارتداء ملابس الجند فيها، ولكن دهشتى كانت عظيمة حين علمت قبل رفع الستار لتمثيل هذه الرواية فى اليوم المحدد لها، أن "إيراد الشباك" وحده قد بلغ مائتين من الجنيهات، رغم أن جمعاً غفيراً من الجمهور قد رجع دون أن يتمكن من مشاهدة تمثيلها، وقد كتب النجاح لهذه الرواية فأعيدت أربعين ليلة متوالية نزولاً على إرادة النظارة.
أعقب الشيخ قائلاً هذه برواية (اليتيمتين) ولم يكن قد سبق تمثيلها من قبل، فكانت فتحاً آخر ميموناً، ونجاحاً فائقاً أحرزهما الرجل، إذ كان الإقبال يتزايد عليه ويتكاثر على غير المألوف، ولم يبق عند الجمهور شك فى قوة الرجل واطراد نشاطه وحسن ذوقه فى انتفاء الرواية. واشتغل الممثل بكد وجلد فى أن يجلب المسرة كلها فى مسرحه الجديد، ودر المال الوافر على مشجعيه وأفراد جوقته.
فاستتب له الأمر وملك ناصية الفن ولم يبق له منافس فى ميدان عمله، سيما بعد أن حلت فرقة فرح وخلا منها شارع عبد العزيز وانضم أفرادها إلى فرقته فتعهدهم بعطفه يغدقه عليهم ويشملهم به.
وبذلك استولت جوقة الشيخ سلامة الجديدة على جميع أبطال الفن التمثيلى الذين كرسوا أنفسهم وحياتهم فى سبيل إعلائه، نذكر فى مقدمتهم: أحمد فهيم، أبو العدل، محمود حبيب، أحمد فهمى، حسين حسنى، محمد بهجت، محمود رحمى، عمر وصفى، عبد المجيد شكرى، منسى فهمى، عبد العزيز خليل.
وفضلاً عن هؤلاء الرجال، ممثلات الفرقة المشهورات بالتفوق والنبوغ أمثال:
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/c-fahmy.jpg منسى فهمى

لبيبة مانللى، مريم سماط، وردة ميلان، ألمظ استاتى، ميليا ديان.
طلعت الفرقة على الجمهور بعد ذلك برواية (شهداء الغرام) الجديدة، بما فيها من الألحان الموسيقية الفتانة فكانت تحفة طريفة فى عالم الفن التمثيلى، واحتلت مركزاً خالداً جعلها فى مقدمات روايات الشيخ أيام حياته، وأتبعها بروايات شيقة من المرحوم الشيخ نجيب الحداد أمثال: حمدان، السيد، اجاممنون. كما أعاد تمثيل بعض الروايات التى كادت تقبر بعد انحلال الفرق التمثيلية الأخرى، وبسم له الحظ وساعده القدر فذاع صيته وتألق نجمه فى سماء مصر.
وأضاف إلى ميزاته وعظمته الفنية، ميزة أخرى هى قوة دعاية الرجل ذى العقيدة الراسخة المتعلقة فى نفسه. فرجل بجوقته إلى كل عواصم الأقاليم المصرية ليرفع فيها علم فنه الخفاق ولينشره على الناس كفن جميل مهذب، وبعد أن تم له ما أراد وعاد إلى مقره، انقطع لتلحين المقاطيع الغزلية وابتكار المروشات الخديوية التى أحرزت شهرة فائقة فى فن النغم ودرت عليه بالربح الوافر، إذ تقدمت إليه (شركة أوديون) وتعاقدت معه على ملء اسطوانات من هذه الأناشيد وغيرها، مقابل مبلغ شهرى قدره اثنى عشر جنيهاً ينقده طوال حياته وينتقل بعده كحق مكتسب لورثته.
فملء ما يربو على العشر الاسطوانات بأناشيده، كما ملء قصيدة شهداء الغرام وصلاح الدين، وانتظر حتى يخرج غيرهما من القطع التمثيلية الخالدة التى ملأها فيما بعد.
عمت الشهرة اسطوانات الشيخ وتهافت الشعب على شرائها، ولم تكد تخرج الشركة طبعتها الأولى حتى نفذت، وألحقتها بثانية وثالثة إلى أن بلغ ما طبع منها فى عام واحد ما يربو على عشرين ألفاً، مما دعى الشركة إلى الإلحاح على الشيخ لملء اسطوانات جديدة أخرى، فلحن القصائد الغزلية القديمة وزاد عليها بعض قصائد ألفت خصيصاً، كما أخرج بعض مقطوعات رواياته التمثيلية مثل ألحان عظة الملوك، ومغائر الجن، وضحية الغواية، ولقد صادفت هذه من النجاح الفائق ما صادفته الاسطوانات السابقة.
مضى الشيخ فى طريقه يبدع فى إخراج طرائق الفن التمثيلى والتلحينى على أساس من نوثيق عرى روابط الأخوة بين أفراد جوقته الذين كان شعورهم نحوه ونحو بعضهم كالشعور المتبادل بين أفراد الأسرة الواحدة، يوزع عليهم المال فى المواسم والأعياد، كما كان يخصهم بإيراد حفلة شهرية على سبيل المعونة.
ومع ما كان يسيل به خلقه من رقة وشعور، فقد كان بجانب ذلك صارماً أبياً لا يقيم على ضيم ولا يحنى رأسه لفظ غليظ.
حدثنى المرحوم أحمد فهيم ممثله الأول، أن بعض أصدقائه اغتنموا فرصة تعلقه وحبه للعرش الخديوى وحاولوا أن يجعلوه سبيلاً إلى استغلال هذا الرضى، فامتنع الشيخ بإباء، وذهبت محاولتهم هذه سدى لأن الرجل كان يحمل بين جنبيه نفس حر تسمو عما يريدونه عليه.
وهذه ناحية كان رجلنا عاكفاً على عمله فى مسرح الحديقة إذ تقدم إليه الخواجه فردى صاحب الصالة المعروفة باسمه (بشارع الباب البحرى) يأجره صالته هذه كدار كبيرة تتفق وذلك الزحام الذى لا تسعه صالة سانتى فقبل الشيخ ما عرض عليه وافتتحها فى عام 1906 باسم دار التمثيل العربى.



يتبع

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:35
دار التمثيل العربى (عصر التمثيل الذهبى 1906-1908)
لا حاجة بى إلى التحدث إليك عما لاقاه صاحب الترجمة يوم شيد داره فى مثل هذه الفترات المظلمة، ويكفينى أن أقول لك أن الجماهير كانت ترى التمثيل المغرق فى الخيال ضرباً من ضروب الشرك، وأن ما يتجلى على خشبة المسرح من رعد وبرق يعتبر تحدياً لقدرة الفنان الأعظم.
ولقد قاسى الرجل كثيراً فى سبيل مقاومة هذه الفكرة ومحاربة تلك المعتقدات، وكلنا نتذكر ما عاناه يوم أن أخرج "عظة الملوك" ودافع عنها وعن مناظر الجحيم والطبيعة فيها، فلقد كادت الجماهير تحكم عليه بالخروج على العقيدة، ولكن حسبك أن عرفت أن الرواية مثلت ونجحت كما مثل غيرها ونجح، وحسبك أيضاً أن تتعرف كيف كانت مشقة التمثيل فى مهمته، وكيف كان جهده إزاء مسرحه.
أعجبت الشيخ داره الجديدة، وراق اتساقها فى نظره، واستملح نظامها عن داره الأولى، فكان من ذلك باعثاً حفزه إلى الاستزادة فى المجهودات التمثيلية التى يجب أن تتكافئ وعظمة هذه الدار، فضم إليه طائفة من ذوى الأصوات الرخيمة كان فى مقدمتها (أبناء عكاشة) وهم (عبد الله وزكى وعبد الحميد).
وغير نظام العمل بأن اكتفى بتمثيل ثلاث ليال فى الأسبوع، قسمها على مساء الخميس، والسبت، والثلاثاء، ليتمكن أفراد جوقته من التمتع بقسط وافر من الراحة، وليستزيدوا فى هذه الأثناء من حذق أدوارهم وامتزاجهم بالشخصيات التمثيلية.
واستطاع الشيخ بعد ذلك أن يخرج على الناس بروايات: السر المغطى، بائعة الخبز، صاحبة الشرف، الحرم الخفى، تسبا، عواطف البنين، اللص الشريف، مطامع النساء، ثارات العرب. وغيرها من الروايات العصرية التى أسبغ عليها عظمة فنه وأغرق فى الإنفاق عليها إغراقاً كلفه من الأموال الطائلة ما لا يكاد يصدق به إنسان، إذ بلغت تكاليف إخراج رواية عواطف البنين ما يربو على الـ 400 جنيه.
واتفق أن تعرف ممثلنا بالمرحوم (إسماعيل بك صبرى) وشكا إليه خلو المسرح العربى من الرواية المصرية، ونعى على الأدباء عدم إقبالهم على تأليف هذا النوع المصرى الذى يجب أن يقدم على منصة مسارحنا عن غيره من أنواع المسرحيات، إذ أن الشيخ فى الواقع كان يجول بذهنه هذا الخاطر من يوم أن اعتلى خشبة المسرح، وكان يتمنى دائماً أن يبث الدروس الاجتماعية، والمبادئ الأخلاقية، والعظات الوطنية فى ثوبها المصرى وردائها القومى، ولذلك فاتح المرحوم عاصم بك بهذه الرغبة التى تعمل على تلبيتها فأنشأ يؤلف له هذه الروايات المصرية، وقدم له منها ثلاث روايات هى: صدق الإخاء، حسن العواقب، هناء المحبين.
ووضع فيها بعض مقاطيع غنائية لحنها الشيخ وسجمها بطابعه، ملاحظاً فى ذلك رغبة الجمهور من مزج الروايات بالأناشيد حتى ولو كانت تراجيدية بحتة.
وبعد هذه التجربة الجديدة أحب الشيخ أن يعاود الكرة لاستدراج النظارة نحو الفن الدرامى الصرف الذى لا لحن فيه، وبخاصة بعد أن استتب له الأمر وأصبحت داره يخفق فوقها لواء الزعامة التمثيلية فى مصر، حتى بلغ صافى دخله الشهرى ستة آلاف جنيه من غير مبالغة، فأخرج رواية: القضية المشهورة، صاحب معامل الحديد، سارقة الأطفال.
وقسمت الأدوار تقسيماً موفقاً طابق شخصيات أصحابها، واستطاع بذلك أن يمتلك مشاعر النظارة وأن يجعلهم يسيغوا هذا النوع ويتعودوا رؤية الرواية خالية من الغناء والتلحين.
ولكى لا يفلت الجمهور من بين يديه أو يصرف عن مشاهدة هذا النوع من التمثيل، صار لا يحرم المشاهدين من بعض المقطوعات الغنائية ينشدها لهم خلال فصول الرواية، وبذلك استطاع أن يقبض على ناصية الأمر تماماً وأن يخضع الجمهور لإرادته بتلك المهارة وهذا الابتكار.
ومن هنا بدأت الجماهير تدرك أن التمثيل لم يكن ليقصد منه سلوى النفس فحسب، بل إنه كذلك فن يرمى إلى تثقيف العقل وتهذيب النفوس وترويضها بالعظة التاريخية والعبرة الاجتماعية.
وظل صاحبنا عاملاً على نشر الثقافة بين جمهوره، باثاً روح النشاط فى عماله، حتى استتب له الأمر وأصبح مسرحه فى مركز يغتبط عليه، وهنا خالجت نفسه فكرة الارتحال خارج القطر وانتهى من التفكير إلى التنفيذ، فأعد عدته لرحلته إلى الأقطار السورية صيف عام 1906.



يتبع

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:36
المطرب فى ربوع الشام.. غرامياته
غرام الشيخ بالرحلات وراثى يرجع إلى الظاهرة التى جبل عليها والده من حب الأسفار وكثرة التنقل، ولذلك ما كاد يستتب له أمر مسرحه، حتى ولى وجهه شطر البلاد المجاورة ليؤدى لأبناء هذه البلاد بعض الخدمات وفاء لما فى عنقه من أنواع المساعدات الجديرة بالذكر والتى لاقاها من أدباء سوريا كما قد علمت.
ولقد كان اختيار الشيخ فى الواقع حسناً حين بدأ بهذا القطر الشقيق، إذ ما كاد يطلع على أبنائه بمسرحياته الرائقة وصوته العذب الحنون، حتى أحاطوه بهالة من الإعجاب والتقدير.
ونحن إذا علمنا أن ما يصبو إليه إخواننا السوريون لكل شئ يمت إلى الفنون والآداب، بالميل والتحبيذ والتشجيع أيضاً، أدركنا على الفور مقدار ما لقيه شيخ التمثيل بين ربوعهم من آيات الإكبار والإعظام، وبلغ بهم هذا الشعور الجميل إلى أن ادعوه لأنفسهم ونسبوه إلى أصل سورى وعائلة سورية نزحت إلى القطر المصرى.
وما كان غرام الشيخ بالرحلات للتريض، بل لأنه كان يعلم أن الفتاة السورية تؤازر التمثيل وتولع به، فأمل أن يظفر ببعض الأوانس الهاويات ليساعدنه فى تمثيل مسرحياته الكثيرة، الأمر الذى كانت المرأة المصرية تعافه ولا تشترك فيه، وهو من جهة أخرى كان يود أن يستمتع بأوساط أكثر ملاءمة للحرية وأفسح صدراً للاختلاط العام، وأكثر تقديراً لحقوق المرأة.
وفعلاً لم يلبث أن اندمج فى وسطهم اندماجاً خاله السوريون أنه ليس بغريب عنهم فى الأصل والتقاليد والعوائد.
وللشيخ فى سوريا ولبنان نوادر مشهورة نقف بك على واحدة منها لتتبين إلى أى حد وصل بالناس إلى الشغف به، فلقد أعلن فى بيروت عن (صلاح الدين الأيوبى) فهرع الناس إلى مشاهدتها، ولكن تذاكر الحفلة نفذت ولا يزال جمهور كبير راغباً فى الاستمتاع بها، وبينما هم وقوف يتدبرون فى الأمر إذ مر الشيخ بهم فاستوقفوه فى عرض الطريق وشكوا إليه جملة حالهم.
ولما لم يجد الشيخ مخرجاً من ذلك تبسط لهم فى الكلام ثم استأذنهم لينصرف، غير أن شغفهم بالشيخ جعلهم يتشبثون به، ويطلبون إليه فى صرامة أن ينشدهم قصيدة الرواية فى وسط الطريق، وعبثاً حاول صاحبنا أن يفلت منهم ولم يسعه إلا الإذعان لهم والنزول على إرادتهم فغناهم القصيدة المشهورة (إن كنت فى الجيش).
ولقد أخذ بلبه جمال البلاد الشامية ووداعة أبنائها، وراقه على الخصوص جمال الفتيات السوريات وجميل أدبهن وعذوبة منطقهن، مما جعله يقع تحت تأثير بعض الانفعالات الغرامية التى سمعنا من أنبائها وحوادثها ما أعاد إلينا ذكرى غرامياته الأولى أيام اشتغاله بجانب الممثل المشهور القرداحى بمصر.
مكث أربعة أشهر فى ربوع الشام زود جوقته فى خلالها بممثلات سد بهن رتقاً كبيراً كان لا يزال موجوداً فى الوسط التمثيلى.
***
كان من أثر الروايات التى أخرجها الشيخ بعد إيابه من ربوع الشام إن شمله خديوى مصر بعطفه السامى، مما جعل الأوساط الأرستقراطية من أمراء البلاد وعظمائها تقبل على داره، ولعل إظهار تلك الروايات بذلك التخريج الذى لفت سمو الخديوى يرجع إلى بواعث الغرام الأخير الذى ارتشفه الشيخ عذباً صافيا فى مهاد تلك البلاد الشامية.
ولا يدهشك هذا إذا علمت أن الفنان أياً كان فنه وأياً كانت مذاهبه، فهو دائماً فياض الشعور ملتهب الإحساس، جياش قلبه بحب كل ما يتألق فى سماء الطبيعة، وفى وجوه المخلوقات من جمال، سواء أكان هذا الجمال مرتسماً بريشة القدر على لوحة الكائنات، أم كان مجسماً فى وجوه العذارى أو قدود الغانيات.
وإذا فقد كان الشيخ يجب، وكان يهيم ويغرم، لكن ذلك لم يكن من النوع الذى يلجأ إليه غلف القلوب ميت المشاعر إلا عن الأغراض المادية، ولكنه حب كان يضطر إليه اضطراراً تحت تأثير مشاعره التواقة لمرأى صور الجمال، وتحت تأثير ما كانت تسفر به الغوانى عن عواطفهن وميولهن نحو شخصيته ونحو الإعجاب بمقدرته كممثل ومطرب وفنان، وتلك عوامل من الحب قوية ما كان ليقدر على مغالبتها، سيما وأنها عوامل مشتركة ومشاعر حبية متبادلة.
ونحن إذ نحب أن ننصف التاريخ فلا نحب أن نقول بأن هذا الحب كان عذرياً مجرداً، كما لم يكن صوفياً تفنى فيه الشهوة وتتلاشى إزاءه الميول الإنسانية، بل فى الواقع كان حباً تتلافى فى ساحاته مشاعر غامضة يتجلى فيها السمو آنا، كما يتجلى فيها الاسترواح آناً آخر.
وفى صدد هذا نقول أن الذى كان مشاعاً على الشيخ من أنه كان كثيراً ما يستهوى ألباب النساء، حتى إذا ما استأثر بعواطفهن واستخلص منهن جوهرة الحب والميل، عاد فتركهن دون أن يعبأ بتلك الصلات والمودات التى كان يتبادلها وإياهن فى السابق من الأيام، لم يكن يتلاقى والواقع فى شئ، وإذا كان قد قطع ما بينه وبين بعض من أحب من صلات، فإن ذلك لم يكن عن غدر ولا خبث فى طوية الرجل، إذ أن هذا يتنافى مع ما كان عليه الشيخ من طيبة قلب وما عرف عنه من رقة العاطفة ولطف الشعور وهواتف الرحمة والحنان، وإنما كان ذلك آتياً من ناحية العبقرية التى تسلم صاحبها دائماً إلى مناط الشذوذ والتقلب، وتنزل به أحياناً إلى ما لا يأتلف مع عرف الناس، ويتمشى مع ما تواضعوا عليه من التقاليد والاصطلاحات والعوائد.
أجل فقد كان الشيخ وفياً، ووفياً إلى الدرجة القصوى، فهو إذا مال أو أحب أخلص كل الإخلاص وأسدى لمن أحب كل معانى الوفاء، وإنه لحب جليل عظيم ذلك الحب الذى تصفه إحداهن فى قولها:"كان حبه لى أعظم من حبى إياه، رغم ما يعرفه عنى من الميول.." والشيخ كان مرحاً فى الحب، طرباً بالحياة، جميل المعاشرة، لم يتخلل حياته الغرامية شئ من الطيش والجنون الهيامى، بل أنه ظل فى أدوار حبه هادئاً وديعاً، فكان يستهويه عامل الغرام دون أن ينزلق به إلى حيث الاستخفاف والنزق.
وإذ قد وصلنا بك إلى هذا الحد، فيجب علينا أن لا ننسى أين كنا بالشيخ، كما يجب أن لا يغيب عنك أننا تركناه قافلاً من رحلته ببلاد الشام للمرة الثانية صيف عام 1907، وعند أوبته هذه علم أن الممثلة الفرنسية سارة برنار اعتزمت زيارة القاهرة ولابد معرجة على داره لتتعرف ما وصل إليه المسرح المصرى فى ترقية فن التمثيل، فأراد الشيخ إذ ذاك أن يبرهن على تقدم المسرح المصرى فى تخريج الروايات الفرنسية وخاصة الرواية التى اشتهرت بالتفوق فيها وهى "غادة الكاميليا" التى أعد لها عدتها ومثلها فى دار الأوبرا الملكية.



يتبع..

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:37
سارة برنار والشيخ سلامة (رواية النجم الآفل)

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/sara-banar.jpgسارة برنار فى غادة الكاميليا

ولقد ظهر أن لتسمية (غادة الكاميليا) بالنجم الآفل نصيباً من هذا الاسم، عاد على مستقبل ممثلها بالشؤم وتوالى المحن، إذ بدأت الحوادث تعبس فى وجهه ويتجهم له الزمن بذلك الحادث المفجع الذى سيمر بك ذكره عندما يأتى وقت الكلام عليه.
أما تمثيل الرواية فسنقص عليك كيف تم تخريجها فى دار الأوبرا الخديوية بحضور الممثلة سارة برنار. فلقد بلغ ما أنفق على ملابس الرواية ومنظرها خمسمائة جنيه، وعرضت أمام الأنظار فى مسرح دار التمثيل العربى ليعرف الجمهور كم يبذل الممثل المصرى من تضحية فى سبيل إعلاء شأن الفن وترقيته.
مثلت الرواية فى دار الأوبرا تمثيلاً أدهش الممثلة العظيمة ولم تتمالك من التصفيق مراراً لدى رؤيتها زعيم المسرح وهو يمثل أمامها بجانب مرجريت جوتيه التى قامت به السيدة ميليا ديان.
وما كانت سارة تعتقد أن فى مصر ممثلاً يبلغ به الفن إلى أن يخرج مثل هذه الرواية الخالدة بمثل هذا الاتقان المدهش الذى اعتقدت أنه لا يوجد إلا فى مسارح أوروبا، ولذلك ما كاد تمثيل الفصل الأول من الرواية ينتهى حتى قامت من لوجها وارتجلت الخطبة التى تاتى على بعض منها كدليل قاطع على نبوغ صاحبنا وتفوقه.
"إن أكثر الناس استعداداً للكمال هم الفنانون أصحاب النفوس الثائرة والأذهان المتوقدة، وهم لا يتقيدون بوسط أو بيئة، وكفانى أن علمت الليلة أن العبقرية فى الشرق أشد تحمساً وإنتاجاً من البلاد الغربية، فتمثيل الشيخ سلامة هذه الرواية أمام عينى، زادنى تأكيداً لفكرتى وإصابة لنظريتى، فلقد هز أعصابى رغم عدم تفهمى العربية، وظهر أثر الألم فى قلبى مع جهلى التام بما يقول، والشيخ سلامة على ما أعتقد ليس ممثلاً مدرسياً، أو خريج معهد تمثيلى، بل هو ممثل فطرى أنتجت فطرته هذه القدرة وتغلب على المصاعب، حتى أبرز مقدرته واضحة جلية على المسرح. وإنى لمغتبطة به أشد الاغتباط إذ تذكرت قرناءه الممثلين فى فرنسا الذين نبغوا وتفوقوا على قرنائهم بالموهبة الحساسة والقوة الخارجة التى ليس لأية مدرسة عليها من فضل، ولى أن أفخر بأن أحيى ممثلته العبقرية التى قامت بدور مرجريت، فأخرجت دورها بنجاح عظيم وتفوق أكبر.
وأملى عظيم فى أن يردوا الزيارة لنا فى باريس ليتسنى لنا أن نقوم لأشخاصهم ببعض ما يجب علينا من التكريم والتشجيع".
هذا ما قالته ممثلة فرنسا العظمى على شيخنا العظيم يوم شاهدت رواية غادة الكاميليا.
ظهرت الرواية بعد ذلك على مسرح دار التمثيل العربى، وحضرها بعض الأمراء وكبار الأمة الذين قابلوها بالتقدير والإعجاب أيضاً، وأثر ذلك اعتزم السفر للمرة الثالثة كعادته إلى ربوع الشام.
***
ويحق لنا فى هذا المقام أن نعرج قليلاً على صناعة الشيخ كممثل مسرحى، فلقد أساء بعضهم إلى ذكراه بعد وفاته كما أساء إليه حياً بأن نسب إليه تشويه بعض الروايات الخالدة من مؤلفات شكسبير، وأنه جعل منها خليطاً من الموسيقى والتمثيل لعجزه عن القيام بالدور التمثيلى فيها، وبذلك أضعف من قوة المأساة وجنى على الفن الدرامى.
ولقد رددنا على هذه النظرية الخاطئة فى الفصول السابقة واعتبرنا أن المزج الذى عمله الشيخ كان من باب الفتح الذى انتواه ذلك الممثل لترغيب النظارة، وقلنا أنه عمد مراراً للتغلب عليه حتى نجح أخيراً.
أما حكمنا على الشيخ كممثل فنى مسرحى، فيكفى إيراد ما قالته ممثلة فرنسا العظمى فيه، ولقد قال مثلها الممثل الفرنسى الأشهر منوسيللى: "لقد تعلمت عن الشيخ كيف أمثل دور هملت".
قالها لعدة أشخاص لا يزالوا أحياء، منهم الأستاذ جورج أبيض والأستاذ فؤاد سليم والأستاذ حمدى وغيرهم.
ومن منا ينكر على الرجل تفوقه النادر فى أدوار:
بوريدان (البرج الهائل)- أوفى (ابن الشعب)- الأعرج فى (اليتيمين)- أو الأعمى فى (الجرم الخفى)- روجيه فى (عواطف البنين) أو هملت أو أو..إلخ
فلقد سار فى هذه الأدوار مسير البطل، وبلغت جهوده التمثيلية مبلغاً عظيماً لم يبلغها ممثل فى عصره أو بعده فى هذه الأدوار، حتى اعتبرت وقفاً عليه ماتت بموته.





يتبع..

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:38
كارثة الفالج (صيف 1909)
حط الشيخ رحاله فى البلاد الشامية، وبينما كان الحظ يبسم له والحوادث تؤاتيه وكل شئ رائق حسن جميل، وبينما كان مغتبطاً مزهواً بنعمة النجاح التى أفاضتها عليه يد القدرة، إذ نزل به القضاء وأبرم فيه حكمه القاسى العتيد، فإذا ذلك الرجل الذى غالب الحوادث وصارع المحن وظفر على الأيام بعزيمته الحديدية وإرادته الثابتة الصلبة، يصاب فجأة وعلى غير انتظار بذلك الداء الوبيل داء الفالج.
هاجمه الداء ساعة نزهة بدا فيها نجم المسرة عابساً، ووقف فيها الأمل فجأة وسكن عندها كل صحبه سكوناً يخلع القلب ويهز الأعصاب.
وعلى حين غرة صرخ الجميع فى هلع: مات الشيخ، مات الفن، مات الأمل، وتغلبت قوة الألم فجاشت بالصدور فبكى الجميع أسى وحسرة، ورفع الجميع يده نحو السماء يستمدون من الله النجدة، ويطلبون منه الصبر والرجاء.
ولكن القضاء كان قد أمضى حكمه وأبرم امره، فلم تعد تنفع الحيلة ولم يعد يجدى الرجاء، وحمل الرجل على الأيدى بعد أن كان يسير بين الناس فى صحة وعافية.
أما كيفية إصابة المطرب الكبير بالمرض فقد حدث بالتدريج وتنبأ به الشيخ قبل وقوعه، لأنه بدأ فى عام 1908 يشكو من ضعف ينتاب قواه وفتور يستولى على أعصابه، مع أن الشيخ ما كان يشرب الخمر ولا يدخن التبغ ولم يذقها طوال حياته (هذه حقيقة لا مراء فيها).
فراح يسعى فى علاج هذا الضعف الذى استولى على أعصابه فأشار عليه أحد الأطباء بأن يعالج نفسه بالأشعة التى عولج بها فعلاً فعاد إليه النشاط وزالت عنه الهواجس والوساوس. بيد أن العلاج أحدث أثراً سيئاً، فقد نبه الأعصاب تنبيهاً غير عادى فأصبح دائم التفزز سريع الحركة قوى الانتباه قليل النوم.
وعندما حطت الفرقة رحالها فى دمشق طلبت منه جمعية الاتحاد والترقى -صاحبة الحول والنفوذ فى تلك الأيام- أن يقيم حفلة تمثيلية لمساعدة مدرسة مدحت باشا الخيرية فأقامها الشيخ على نفقته الخاصة ولم يأخذ عليها أجراً، بل تبرع للمدرسة بمائة جنيه، فكانت منة حفظتها له الجمعية وقررت اعتباره عضواً فيها، وفى صباح اليوم التالى لتمثيل رواية (عائدة) فى مسرح زهرة دمشق خرج الشيخ للنزهة، فشعر فى أثناء الطريق بتوعك اضطره إلى الرجوع فرجع، وعندما أمسى المساء ذهب فى صحبة بعض أصدقائه إلى باب توما وهى ضاحية من ضواحى دمشق، فيها بعض ملاهى للغناء والرقص، فجلس ومن معه فى إحدى القهوات لاستماع الأغانى، وبينما هم جلوس إذا انحنت رأس الشيخ إلى الأمام وسال اللعاب من فمه، فنبهه الأستاذ عمر وصفى فتنبه فجأة وقال:"لست أدرى ما بى.. يخيل إلىّ أننى مريض وسيغشى علىّ.. وجسمى ثقيل لا أستطيع تحريكه".
وكان الشيخ يتكلم بفزع واضطراب ثم وقف فجأة وصرخ (سأموت، أغيثونى بطبيب) فركب هو ومن معه إلى أقرب طبيب فلم يسعفهم، حتى حضر بعض أطباء الجيش وأخذوا فى فحصه، وعلى حين فجأة نظر الشيخ إلى الجميع محملقاً وقد علت وجهه صفرة شديدة وقال:خلاص!
ثم خارت قواه وأغمضت عيناه وانطبق فمه واستولت عليه غيبوبة عميقة.
قال الأطباء: لقد أصيب بشلل، ولن يستعيد رشده ونطقه إلا بعد ثلاثة أسابيع.
وأجمع الأطباء على القول بأنه يجب ألا يتحرك المريض أو يحرك من مكانه، فإن أقل حركة تؤدى به للموت العاجل.
ومرت الأيام والشيخ فى غيبوبة لا يعى ولا يفطن، واقتصر العلاج على وضع ألواح من الثلج حول جسمه طول الوقت، فكانت أصدقاؤه تتناوب السهر حوله لوضع الثلج حتى بلغ ما استهلك من الثلج فى الأسبوع الأول مائتى قنطار.
وانقضت الثلاث أسابيع العصبية والكل يراقب ذلك الجسد الصامت الجامد حتى أراد الله به الخير وعادت الحياة تدب إليه، واستطاع أن يحرك جسده ويسير ببطء مشلول اليد والساق لا يقدر على تحريكهما.
تناقلت صحف مصر كارثة الفالج التى ألمت بالشيخ فى دمشق، فاهتزت لها مصر، وتزلزلت قلوب المصريين، إذ كانت المصيبة فى الرجل عامة من كل الوجوه، فما كاد خبرها ينتشر حتى استسلم الجمع لقوة الحزن وأخذتهم دهشة الذهول والألم.
بقى المريض فى الشام بضعة أشهر للاستشفاء، أما فرقته فقد عادت إلى مصر مع مديرها المالى المرحوم عبد الرازق بك عنايت) وقد تشتتت عقب وصولها إلى مصر، ولكن عنايت بك عز عليه هذا الحادث فعمل إلى لم شعثها ثانية، واختار (عبد الله عكاشة) وكان أكرم الملحنين صوتاً ليقوم بأدوار الشيخ الغنائية، كما أسند أدواره التمثيلية الأخرى إلى المرحوم الأستاذ (محمد بهجت).
وبذلك، وبفضل جهود عنايت بك عادت الجوقة سيرتها الأولى فى دار التمثيل العربى، وإذ هى جادة فى عملها عاد الشيخ من البلاد السورية إلى وطنه ولكنه كان يائساً من نفسه فاقد الأمل فى العودة إلى المسرح مرة أخرى، فأسر إلى الأخصاء من أصدقائه برغبته فى عدم الإعلان عن رجوعه، وعكف فى داره (ببركة الفيل) يستعيد ما فقد من صحته، غير أن الجمهور علم بعودته رغم هذا الكتمان، فوفد عليه أفواجاً يعوده ويواسيه ويتمنى له عاجل الشفاء.
ولكن القدر شاء ألا تطول محنته فى هذا المرض حتى أوجس الناس خيفة على حياته، وذهبوا فى ظنونهم كل مذهب، وكادوا يقطعون الأمل فى عودته إلى مزاولة عمله، وهكذا ظل الرجل طريح الفراش ما يقرب من الحولين أنفق فى خلالهما على مرضه كل ما بقى له من حطام دنياه.
وغذا كان لابد لنا أن نستوفى كل الحقائق التاريخية فلا مناص من القول بأن هذا القليل من ماله قد استنفذه العام الأول من مرضه، واصبح بعد هذا التاريخ يعانى من ضيق ذات يده ومن عنت الأيام، وشدة البأساء ما لا قبل لامرئ باحتماله، وزادت الأيام فى تجهمها له فانفض من حوله أقرب الناس إليه حتى زوجه، ولم يكن دخل فرقته ليمكنه من علاج نفسه، إذ بلغ من القلة درجة لم تكن تكفى لمرتبات أفرادها..
وجملة القول أن هذا الرجل الذى كان فى أيام إسعاده محط الرحال لكل لاجئ، ومعقلاً لكل عائذ، أضحى معدما لا يملك حتى ما يسد به رمقه، ولشد ما آلم نفسه وهو فى هذه المحنة أن أعرضت عنه زوجه متأثرة بأوهام جسمها لها الخيال الكاذب من عوامل الغيرة النسوية مما سنبينه لك فيما بعد.
ولو كان هماً واحداً لاحتمله الشيخ، ولكنه كان طائفة من الهموم تتلو الواحدة الأخرى، إذ أنكره بعض رجال جوقته، كما انفض من حوله ذووا صحابته واحداً بعد واحد، ولم يبق له إلا الدهر يمعن فى إعناته وشدة الكلب عليه، وذاق المريض الأمرين، وأمسكت الخطوب بخناقه، وبطش القدر به.
ومع ذلك فإن تعجب فعجب من أن هذا المريض الذى ضاع كل أمل لدى الناس فى شفائه، كان يتلظى حمية ويتحفز للعودة إلى مزاولة عمله فوق مسرحه، ولكن أنى يكون لهذا المسكين ذلك وقد عطل الفالج نصفه؟
على أنه لبث رغم هذا صابراً يعمر الإيمان قلبه، ويرجو من الله رحمته، وينتظر بفارغ الصبر لطف القدر لانتهاء ما به من محنة، وادع النفس مطمئن القلب يحول إباؤه وشممه العاليين بينه وبين أن يلجأ إلى عظيم من الناس ليأخذ بيده مما هو محوط به من الكوارث والمحن.
وهنا نستاذنك فى أن ندع شيخنا المحطم على سريره هنيهة، ونذهب بك إلى ما كان يجرى فى جوقته التى كانت تمثل فى داره، لنكون قد وفينا لك المقام والتاريخ حقهما من الاستقراء والتمحيص.

يتبع..

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:41
جوق الشيخ سلامة إدارة عنايت
وإذا أردنا أن ننوه بذكر المصريين الذين جاهدوا فى ساحة التمثيل ووقعوا شهداء فى ميدانه، فليكن أول من ننوه به هذا الرجل الذى ضحى بجميع ثروته وقدرها سبعون ألف جنيه فى سبيل إنهاض التمثيل ورفعته.
ولم يكن للممثلين ولا لغيرهم أن يقوا بمتانة أى فرقة مالياً إلا بوجود ذلكم الرجل المالى المقطوع النظير، ذلك الرجل المجهول الاسم وهو فى الواقع اليد الفعالة، اليد المالية، اليد المشيدة لصرح التمثيل فى مصر.
وأرى حقاً من المؤلم أن يظل المصرى غافلاً عن ذكرى المرحوم عبد الرازق عنايت بك، هذا الرجل الصامت الذى كان يواصل ليله بنهاره وبغير إعلان فى الإدارة الفعلية لشئون الفرق التمثيلية فى مصر.
فلقد أنشأ المسرح المصرى (للقبانى) وأنفق على تأليفه ما لا يقدر من المال، ولم يكد يبسم له المستقبل حتى فوجئ بإحراق المسرح، فلم يثنى ذلك من عزمه، بل ظل يعمل مع طوائف كثيرة من الممثلين إلى أن ألف (جوق التمثيل العربى) وبطله الشيخ سلامة حجازى، وهو ايضاً مؤسس (فرقة جورج أبيض) فى سنة 1912، كما أنه أسس فرقة (أبيض وحجازى) وأيضاً جوق (ترقية التمثيل العربى لعكاشة). وكان فى الحقيقة العماد المالى الذى كانت تركن إليه جميع الفرق فى تكوينها، وقد تكبد بسبب ذلك خسائر جمة فى سبيل الفن.
وكان عنايت بك فى أخلاقه ومعاملاته إنساناً كاملاً رزئت مصر بفقده رزءاً لا يقل عن مصابها بفقد الشيخ سلامة.
ولما وقع بطلنا صريع مرضه لم يشأ أن يترك رجال الشيخ تلعب بهم أهواء التفرقة، فجمعهم تحت رعايته وسار بفرقة الرجل كما لو أن الشيخ مهيمن عليها.
وقد دخل عنايت بك التمثيل ومعه ذلك المال الوفير الذى طفق ينفقه بسخاء فى سبيل إنهاض فنى التمثيل والموسيقى ولم شعث المحترفين بهما، ولبث يرعى جوقة الشيخ المريض بماله وجهوده فيعيد بها تمثيل ما سبق من الروايات الاجتماعية الكبرى، كما أخرج غيرها مما استلزم مالاً وافراً، دون أن يقابله الجمهور بتشجيع...
والمهم هنا أن نقرر أن الشيخ أثناء هذه الفترة لم يكن يباشر التمثيل، بل كان متفرغاً لتلحين روايات هذه الجوقة العظيمة، وتلحين بعض مقاطيع غنائية أخرى وضعت للمسرح، وكان يتعاطى مرتباً شهرياً قدره خمسون جنيهاً مقابل هذا الغرض.
وهكذا سارت الجوقة والخسائر المالية تترى حتى تململ الشيخ ونسيبه، وتأفف أيضاً جورج ابيض، مما دعى إلى حل هذه الجوقة العظيمة وانفصال أفرادها وتشعب رجالها. وقد تشعبت إلى ثلاث فرق:
فرقة الشيخ سلامة حجازى- فرقة عبد الله عكاشة وإخوته- فرقة جورج أبيض.
فافتتح الشيخ بفرقته مسرح (تياترو دى بارى) عام 1913، واتخذت فرقة عكاشة دار التمثيل العربى مسرحاً لها، وظل جورج أبيض يتنقل من مسرح لآخر.
واستمر الشيخ طوال عام 1913 يمثل فى (تياترو دى بارى) بجوقته، وظل كسابق عهده ينشد نظارته خلال فصول الرواية بعض مقاطيع غنائية من نوع (المنولوج) لحنها خصيصاً لهذا الغرض، نذكر منها علاوة على (حديث قديم) (المأساة)، (الطفلين)، (المتشرد). وهذه المنولوجات روايات غنائية صغيرة من نوع الأوبرا، ذات فصول ومغزى، ينشدها الشيخ بمفرده، ويعبر عن أفرادها بتموجات صوته واهتزازات نبراته.
ولسوف يأتى الوقت الذى يدرك الموسيقار المصرى فيه جوهرة هذه الألحان العظيمة ويسعى إلى نشرها من قبرها الموقوت إلى عالم الخلود متداولة فى الحناجر مرفرفة حول الأسماع.
تقدم شيخ التمثيل وسط هذه المنافسات القوية، وذلك التنازع الشديد بقدم راسخ وعزيمة قوية، وهو وإن كان إذ ذاك لا يملك من المال، ولا من مقومات الحياة، ما يملك الآخرون، لكن ذلك الصوت الفريد الذى وهبته إياه القدرة جعل منه بطلاً لا ينافس، وصنديداً لا يضارع، مهما تألب الخصوم واحتدم ميدان المنافسة، واشتدت عوامل التزاحم.
وظل شيخنا مرفوع الرأس، قوى العارضة، كما ظل مسرحه كعبة القصاد، والمنارة التى يأتى على ضوئها عشاق الفن ومحبوا التمثيل.
واعتزم طفرة واحدة العودة إلى مباشرة التمثيل بشخصه، وذلك بعد رجوعه من رحلاته التى أعلن عنها فى عواصم مديريات القطر.
وقد طاف الشيخ بأقاليم الوجهين، مكتفياً بأن يظهر نفسه بين فترات الفصول للملء المتعطش لمرآه، وكان يمكث بضعة أسابيع فى البلاد ذات الجو الملائم له، إلى أن أنهى رحلته التمثيلية بنجاح تام.
وتقدمت صحته نوعاً ما وأصبح يقدر على القيام بالدوار التمثيلية البسيطة التى لا تحتاج إلى جهد، فرجع إلى القاهرة عاقداً العزم على إعادة تمثيل أدواره القديمة، وفعلاً ضم إليه نخبة من الممثلين الأقطاب أمثال: على يوسف، أمين عطا الله، أحمد حافظ، عبد المجيد شكرى، أحمد صادق، توفيق ظاظا، فضلاً عما كان عنده من الممثلين والممثلات.
وأعلن عن تمثيل أول رواية يقوم هو بأهم أدوارها وكانت رواية (اليتيمتين).
وقد اختار الشيخ قصداً هذه الرواية لملاءمة بطلها له، لأن بطلها وهو (السنان) كان أعرجاً، والشيخ بطبيعة حالته المرضية كان هو.
وقد استقبله الشعب فى هذه المسرحية بتشجيع لم ينله فنى قبله عرف حقيقة كيف يجتذب نظارته ويملأ مركزه ويصادق على حسن ظن الجمهور به، فزاد حركاته التمثيلية بالدربة والمثابرة، وتقدم يجر قدمه بحركات خفية لا يكاد يلحظ الناظر أنها من نتيجة الشلل، كما تفنن فى موسيقاه الخافتة وابتكر لها قواعدا وأصولاً تتفق مع حالة مركزه المرضى الجديد.




يتبع ..

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:42
رحلة تونس وطرابلس ونابلى سنة 1914
أحب الشيخ بعد الذى قاساه من طول المرض وآلامه المبرحة أن يستبدل هواء بلاده بهواء آخر، وأن ينتجع أرضاً ومناخاً غير أرضه ومناخه، وقد كانت بلاد الشرق الأدنى أول بلاد فكر فيها، خصوصاً وقد حسنها له الأطباء، فنفذ فكرته وبعث بمدير جوقته (على أفندى يوسف) لإجراء التمهيدات الأولية قبل ذهاب الجوقة إلى هذه البلاد النائية.
ويذهب بعض العارفين إلى أن من الأسباب التى حدت بالشيخ إلى هذه الرحلة هى قلة المسارح فى عاصمة القطر إذ ذاك، وأنه لم يكن لديه مسرح يليق بمقامه أو ترتاح له نفسه، ومن جهة أخرى فقد أحب الشيخ أن يطفر بالتمثيل طفرة أخرى وأن يحدث به حدثاً جديداً، وكان هذا يستلزم من الأموال والنفقات ما لم يكن ميسوراً لديه، فأمل من وراء هذه الرحلة أن يحصل على الأموال التى تساعده على إنفاذ فكرته الجديدة.
وفى شهر مايو رحل الشيخ إلى تونس مصطحباً معه أبطال مسرحه، فقوبل فى هذه البلاد العربية مقابلة حماسية حارة، ولقى هناك من علمائها وكبرائها ووجوهها كل حفاوة وإجلال، وحظى بمقابلة الباى (لقب أمير تونس) مقابلة رسمية حضرها الوزراء وكبار الحاشية، فتقدم الشيخ يقبل يده فأبى عليه الباى ذلك، وقال بعد أن استغفر الله: "شفاك الله مما قد ألم بك، وبقدرة الله سترجع من عندنا إلى وطنك وأنت فى كامل صحتك متمتعاً بأحسن ما كنت" وأنزله ضيفاً كريماً فى قصره، وأبلغه رغبته فى أن تقام ليلة ساهرة فى القصر يمثل فيها الشيخ رواية "صلاح الدين الأيوبى" التى مثلت فعلاً فى يوم 21 يونيو سنة 1914 فى مسرح السراى بحضور سمو الباى والحاكم التونسى وجميع ممثلى الدول فى تونس والوزراء والأعيان، فأعجب الجميع بما رأوا وسمعوا، وتفضل سمو الباى وأنعم فى هذا الحفل الجامع بالوسام الثانى من درجة (اوفسييه) على شيخنا فتقبله شاكراً، وتغلغل بعد ذلك الشيخ فى داخلية البلاد التونسية، فمثل بضع روايات عربية، وأفرنكية نالت استحسان القوم وإعجابهم. هذا ما كان من أمر تونس.
أما رحلته فى طرابلس فتتلخص فى أن حاكمها قد أتته أخبار الشيخ وتقدير التونسيين له من جهة صوته وفنه، فدعاه رسمياً لزيارة بلاده زيارة تمثيلية، لم يسع الشيخ إزاء هذه المكرمة إلا أن يلبى طلبه، وأعد عدته للتمثيل هناك بضع روايات استغرقت عدة أسابيع لقى فيها من التبجيل والتعظيم ما بقى أثره فى نفسه عالقاً حتى آخر أيامه.
وقد قطع الشيخ فى هذه الرحلة حوالى ستة أشهر وجد فيها من حسن الضيافة والكرم ما فاض به قلبه بشراً، وخف عنه وطأة ما به من مرض وبأساء، وعادت له الابتسامة النضرة على شفتيه، وشاعت فى نفسه وروحه قوة النشاط والفتوة.
وحوالى أكتوبر سنة 1914 فارق المغرب، هو شديد الرغبة فى العودة إليه، وقد سافر على باخرة إيطالية عرجت به على نابولى.
وحدثت له فى هذا البلد حادثة، نحب استيفاءها هنا لما لها من العظة والعبرة بتقاليد الغربيين وتقديرهم للفن أيا كان.
فعندما وصل الشيخ إلى نابلى كانت "فرقة الأوبرا الملكية بروما" مدعوة هناك لإحياء ليال فيها، وجمعت الصداقة الغريبة بينه وبين الأستاذ (براندانى) مغنى الفرقة فى فندق "ناشيونالى" فتعارفا، ولم تكد تعقد بهما أواصر المعرفة ويخوضا فى حديث الفن الموسيقى حتى وقع الشيخ له بعض مقاطيع من تلاحينه انبهر لها صاحبه ودهش لما فيها من قوة النغم، واتفق معه على أن يجمع له فى اليوم الثانى فرقة التلحين ليقيد منها بعض ألحان أعجبه ضرب الشيخ لها.
وقد أجابه شيخنا إلى طلبه واجتمعت الفرقة، فأسمعها لحن الاستغاثة فى رواية (أوديب الملك) ولحن الموت والحيات (عظة الملوك)، ولحن الجحيم (تليماك)، وما كان اشد دهشتهم من سماع هذه الألحان لما استشعروه من كنه المعانى المودعة فيها وإن لم يفقهوا لغتها ومدلول ألفاظها، غير أنهم لم يستطيعوا تلحينها لارتفاع طبقاتها وتقلبات الصوت فيها، فاستزادوه فى تكرارها حتى يتمكنوا من رطها وتقييدها فكررها لهم وهو باسم جزلا.
وكان من أثر ذلك أن قدر الإيطاليون فيه النبوغ والعبقرية فأقاموا له حين اعتزم مبارحة بلادهم حفلة تكريمية كبرى جمعت عظماء نابلى وفنانيها، وقام كل بقسطه فى مديح الشيخ كفنان عالمى يستحق من الجميع الثناء والتقدير، وخطب الشيخ فى هذا الجمع شاكراً عواطفهم، وأسمعهم بعض أناشيد شرقية أخذت بلبهم واستعذبوا ضربها واستعادوها منه مراراً.
وقد أخذت له صورة مكبرة بالحجم الطبيعى حفرت على لوحة تذكارية أودعت فى متحف هذا البلد وخط فى أسفلها هذه الجملة: (تذكاراً لزيارة المغنى والممثل المصرى الشيخ سلامة حجازى عام 1914).
ولا زالت هذه الصورة التذكارية موضوعة إلى يومنا هذا فى نابلى أمام كل سائح ومتفرج، تشعر بعظمة بطل المسرح المصرى وترى إكبار الغربى لشيخ الفن الشرقى.
وعقب هذه الحفلة رحل الفنان المصرى آيباً إلى وطنه.



يتبع ..

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:43
الخديو عباس والشيخ سلامة حجازى

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/abas-helmy.jpgعباس باشا والى مصر


إذا كان من حق الفنان على أماه أن تلحظه بعنايتها وأن تحوطه بهالات التبجيل والاحترام، فمطربنا العظيم الشيخ سلامة حجازى هو أول من يستحق هذا الاحترام وهذا التبجيل، وأن أول من يجب أن ينهض بهذا الحق هم عظماء الأمة وكبراؤها وعلى رأسهم ولى نعمة البلاد.
وأنه إذا كان من حق التاريخ علينا أن نذكر أن نجم الشيخ سلامة إنما تألق على عهد الأمير عباس حلمى الثانى، وأن عبقريته الغنائية والتمثيلية إذ ذاك قد أحدثت هذه الفتوحات الجديدة فى عالم المسرح المصرى، واسترعت أنظار الأمة ولفتتها إلى دوى هذه الشهرة القوية التى حظى بها ذلك الفنان، فقد كان من المفهوم لدى بعض الخاصة أن سمو الأمير لابد مغدق عليه من نعمه، أو على الأقل من وسائل التشجيع الذى يجب أن تبذل لأمثال هؤلاء الفنانين العباقرة.
ولكننا نذكر مع شئ من الأسف والحسرة أن مرور الأيام أثبت لنا مقدار التغاضى الذى لحق الشيخ من جانب سمو الأمير، وخلصت لنا نتيجة لا يمكن للسان التاريخ أن يحمد أثرها أو يتغاضى عن سوآتها، وهى أن الأمير وقف حيال هذا النابغة موقفاً أقل ما نقول فيه أنه تناكر مؤلم لجهود ذلك الذى عشقته الأمة، وطار به شعبه سروراً وابتهاجاً، كان منه موضع التقديس.
بيد أن الشيخ رغم ذلك لم يغضب ولم تأخذه الحفيظة على مولاه تلقاء هذه الجفوة وهذا التناكر الذى لا مسوغ له، بل ظل على ولائه، ثابتاً على إخلاصه لسدة أميره، وما فتئ يعلن هذا الولاء ويظهر هذا الإخلاص فى تلك المروش الخالدة التى كان يلحنها لصاحب العرش ينوه فيها بعظمته ومظاهر ملكه وآثار عدله وبدائع أياديه وجميل آثاره.
وحسبنا أن نذكر لك أن اثنى عشر مرشاً كانت فى صيغها ونغمها طرفة فنية ذات جمال وذات جلال فضلاً عما أسبغ عليها الشيخ من روحه الموسيقية ومن إلهامه الفنى، ما جعلها خالدة على الأيام باقية على الأزمان والدهور. وليس منا من ينسى من تلك المروش:
حبذا عصر سعيد زانه عبد الحميد
دام لنا الخديو دوام رب الندى والنوال
للخديو محاسن جمة ظاهرة للعيان ما لها نظير
إلى آخر ما هنالك من ابتكارات فنية جديدة.
وإذا كانت هناك حقيقة مؤلمة يصح لنا أن نذيعها فهى أن الشيخ إذا كان قد فقد لدى سمو الأمير معنى التقدير والتعضيد، فقد وجد لدى أمته أولاً، وعند باى تونس ثانياً، رغم كون سموه لم يشهد له سوى رواية واحدة أكبره من أجلها الإكبار كله، وأنعم عليه كما سبق القول بذلك الوسام الرفيع تشجيعاً واعترافاً بفضله.
ويخيل لنا أن ذلك الإنعام أحدث أثره فى نفس الأمير المصرى، أو أنه كان حافزاً لتلك العاطفة الخامدة نحو ممثلنا، فكان أن تفضل سمو الأمير عباس فأنعم أخيراً على صاحبنا بالوسام المجيدى الرابع، وهى على كل حال مكرمة كنا نود أن تكون سابقة على مكرمة الأمير الأجنبى مولاى باى تونس المعظم.

جوق أبيض وحجازى 1914-1916
ولم يكن اشتراك الشيخ مع جورج أبيض إلا بناء عن مساعى عبد الرازق بك عنايت التى بذلها لتأليف الجوقتين وضم البطلين على مسرح واحد، لاسيما بعد أن رأى الأستاذ جورج أبيض من ناحية الجمهور فتوراً نحو الدراما الصرفة، فقصدا الشيخ وكونا فرقتهم الجديدة، التى بأليفها جمعت شيخ المسرح وفتى التمثيل فى فرقة واحدة. وقد سر الشيخ بانضمام جورج أبيض إليه ليترك له أدواره التمثيلية التى ما كان ليقدر على تمثيلها نظراً لحالته الصحية، وللعرج الخفيف الذى أصابه من مرضه.
وألفت الجوقة الجديدة فى نهاية عام 1914 فكان تأليفها بمثابة عهد جديد للناس، رأوا فيه شاب التمثيل الحديث، وشيخ المسرح العتيد، ذلك الذى ألهم زميله الشاب وحى الفن وأذاقه لذة الانتصار.

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/abas.jpgعباس فارس

وكان من نتيجة انضمام الرجلين أن التحق بجوقتهما من الهواة والناشئين فى التمثيل من هم على رأس الحركة اليوم أمثال: زكى طليمات، محمود رضا، فؤاد سليم، حسن ثابت، عباس فارس، حسن فائق، وغيرهم من رجال الفن المعروفين وبجانبهم السيدات: المظ، ابريز، صالحة قاصين، سرينا إبراهيم، مارى إبراهيم، نظلة مزراحى.
وتقدمت فرقة أبيض وحجازى إلى الشعب المصرى بأرقى التمثيل وأبدع أنواع الرواية، ودخل المؤلف المصرى بمسرحياته المصرية، وحصل انقلاب عظيم فى كل أنواع التمثيل فى مصر، إذ شاهدنا على مسرح البطلين أنواعاً لم نشاهدها من قبل، مثل رواية (مصر الجديدة)،(قلب المرأة) للأستاذ "لطفى جمعة". كما شاهدنا (الحاكم بأمر الله) للمؤلف الكبير " إبراهيم رمزى"، و(إخناتون) للمقتبس الأستاذ "بشارة داود"، وغير ذلك من الروايات التى نتذكر منها: فى سبيل الوطن، البريد، اجاممنون، المرسيلة الحسناء، ابنة حارس الصيد، مدام سانجين، عيشة المقامر، عواطف البنين، عبرة الأبكار، المجرم البرئ. وغيرها من الروايات التى لا تزال ذكراها عالقة بأذهاننا إلى الآن.
ورتبت الفرقة إحياء ثلاث ليال فى الأسبوع الواحد، فأحدها ينفرد فيها الشيخ بالتمثيل، والثانية يختص بها الممثل جورج أبيض، وأما الثالثة فيجتمع فيها زعيما التمثيل معاً، وقد لوحظ أن الإقبال لم يكن شديداً إلا فى حفلات الشيخ المنفردة، أو فى الحفلات التى تضم البطلين، ويرجع ذلك إلى ما سبق أن نوهنا عنه غير مرة من أن الجماهير كانت لم تزل منصرفة إلى المسرحية الغنائية غير ناظرة إلى كنه الرواية.
وقد كان هم النظارة الوحيد سماع (سى الشيخ سلامة) والاستمتاع بصوته العذب الجميل، كما كان سوادهم الأعظم يلح فى طلبه وظهوره للغناء حتى فى روايات أبيض الدرامية التى لم يكن له فيها دور.
وقد بدأت الفرقة عملها متنقلة بين مسرح (الكورسال) و(تياترو دى بارى) و(تياترو عباس) و(الكوزموجراف) ثم انتهى بها المطاف إلى مسرح برنتانيا (البلوك باسك الآن) فاتخذته مقراً للفرقة ومركزاً لإدارتها وظلت تعمل فيه حتى صيف عام 1915 إذ اعتزم البطلان الرحيل بفرقتهما إلى عواصم القطر.
العيد الفضى:
وفى نفس العام أقامت الأمة للشيخ حفلة العيد الفضى بمدينة الإسكندرية فى 4 يوليو لمناسبة انقضاء خمسة وعشرين عاماً عليه فى مهنة التمثيل، وهى مبرة وطنية نسجلها للذين قاموا بها بمداد الإعجاب والثناء معاً.
نجاح الدراما:
ولبث أبيض وحجازى يعملان متضامنين فى سبيل نهضة الفن، وما برحا يطلعان على الجماهير بمنتجات أخصب القرائح المصرية، ويمثلان على مسرحهما منتخب الأفكار الأوربية، ويرغمان الجمهور على التسمع لمغزى الدراما والترقب لموضوعها، لتتربى فيه ملكة الموضوع المسرحى من غير تلحين، حتى أن كثيراً من رواد المسارح بدأ فى مشاهدة الأعمال الدرامية كاملة من غير إلحاف فى طلب المطرب.
وفعلاً أخذ الجمهور يقبل على القصة المسرحية ويأخذ بمجامع قلبه روعة الموضوع ويسترعى سمعه وبصره معانى الرواية، فانزلق رويداً إلى أن ألف القصة المسرحية وصادفت هوى فى نفسه، واصبح يطلب من الممثل إعادة المواضيع المسرحية من غير طرب لإرواء غلته.
وفى أواخر عام 1915 انفصل الممثل جورج ابيض عن زميله، ويجب أن لا نغفل عن ذكر الأسباب التى حدت به إلى هذا الانفصال، ذلك أن تأليف الجوقة فى الواقع لم يكن متناسباً ولا متناسقاً فيما بين الممثلين وبعضهم، وقد كان هناك فى داخلية أفراد الفرقة تنافر نفسانى جعل البعض يتكلف فى مهمته والبعض الآخر ناقماً على هذا التكلف، زد على هذا أن رجال الشيخ الذين تفردوا بالأعباء الغنائية، وأصحاب جورج الذين ليس لهم نصيب أو حظ فى ذلك، كان كل منهم يجتهد فى معايرة الآخر، والانتقاص من كفاءته الفنية، وهذا أمر بطبيعة الحال يجعل بقاء الجوقة مستحيلاً، وبخاصة بعد أن ظهرت فرق تمثيلية فتية أخرى أخذت تغرى الممثلين من جوقة أبيض وحجازى بباهظ المرتبات، مما كان مدعاة إلى تخليهم الواحد بعد الآخر.
وبذلك تشتتت هذه الفرقة ولم يتبقى للشيخ منها غير رفاقه الأقدمين الذين شاركوه فى أيامه الأولى، وأبوا أن يتركوه عند الشدائد وما زالوا يعملون معه حتى آخر نسمة من حياته.
ونذكر من هؤلاء الرفاق المخلصين: أحمد فهيم، توفيق ظاظا، أحمد حافظ، عبد المجيد شكرى، محمود رضا، أحمد ثابت، حسن ثابت، حسين حسنى، محمود رحمى. وغيرهم من أبطال الفن الذين لا تسعهم الذاكرة.
ونحن وقد أشرفنا على حدود العام الخير لحياة الشيخ، نرجو أن يتوجه القارئ معنا قليلاً إلى ما كان عليه الرجل من أخلاقه الخاصة ومعاملاته العائلية لنتفحصه من جميع نواحيه.



يتبع..

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:44
حياة الشيخ الخاصة والعائلية
قضى شيخنا حياته كلها غير مكترث بنفسه، ولا عابئ بما ينال شخصه من الأضرار، لأنه فى الواقع إذ كان يعيش لشئ آخر غير ذاتيته، ذلك الشئ هو الفن وحده الذى ملك عليه كل مذاهب الحياة، كما ملك عليه جميع مشاعره واحساساته، وكان يعيش كذلك ليؤدى فرائض الجود والسخاء الذى انطبعت عليه نفسه، فكانت مسرته أن يكفل الجم العديد من أقربائه وأصهاره، واللائذين به من ذوى الفاقة والخصاصة.
وفى الحق أن الشيخ كان مثلاً أعلى للسخاء والجود وهمة النفس، إذ كان مولعاً بإغاثة الملهوفين وإعانة الفقراء وتضميد جراح المكلومين الذين خدشتهم محن الزمن سراً وفى غير علانية دون أن يمكن أحداً من العلم بذلك حتى لا تتأذى مشاعر أولئك المنكوبين من الناس.
وكان أشد ما يؤلم نفسه أن يطلع أحد على دخيلة أمره فيشكره على صنيعه هذا، اعتقاداً منه أن عمل المحسنين ينقلب سيئة إذا وصلت العلانية إليه، كما أن الشكر عليه مجلبة للخيلاء والمباهاة فيستحيل بذلك رياء.
وقد عد بعض معاصريه كرمه هذا نوعاً من الإسراف، لأنهم لم يجدوا سخاء من إنسان كهذا السخاء، فكان إذا علم أن إرهاقاً أو خسارة لحقت بأحد مستأجرى حفلاته بادر إلى إسعافه بتنازله عن بقية الأجر المتفق عليه، بل وبرد شئ مما أخذه منه مقدماً، فيعيد الطمأنينة إلى قلبه مكتفياً هو بما أخذه من أجر زهيد، فإذا لامه من الناس أحد على ذلك أجابه فى بساطة ورفق بأن المستأجر يقصد من ورائنا الربح فلا يجب علينا أن نرده خاسراً.
ولا يفوتنا هنا أن نذكرك بأن القدر ابتلاه بأخيه محمود، وكان مسرفاً سفيهاً، فما تبرم الشيخ به، ولا لامه على مال أضاعه، رغم أنه كان ينفق فى أغلب الأحايين عشر جنيهات فى الليلة الواحدة، وكل ما فعله ليوقف ذلك التيار الذى اندفع فيه أخوه إشفاقاً عليه ورحمة به أن نظم له طريقة إسرافه بأن اشترى له سلسلة ذهبية ذات عشر حلقات يبلغ ثمن كل حلقة منها جنيهاً وأعطاها إليه ليرهنها وقت الحاجة حلقة حلقة، حتى إذ تم رهنها جميعاً طالع الشيخ بالخبر فيعود إلى شرائها ثانية من راهنيها ويردها إليه وهكذا دواليك.
وبالجملة فلو أردنا أن نعدد لك نوادر كرم الشيخ وحوادث سخائه لضاق بنا المقام، غير أننا نريد أن نجتزئ عن هذا بالشئ القليل مما نراه أنسب للموضوع الذى نحن نأخذ فيه.
فلقد كان لا يأبه للمادة ولا يتنزل إلى معاناة جمعها أو رصدها، ولذلك فقد كان يترك أمرها لمدير جوقته يجمعها ويصرفها فى النواحى التى يراها دون أن يفكر يوماً فى الاطلاع عليها.
ويحلو لنا فى هذا المقام أن نذكر لك تلك النادرة الطريفة التى تدل على ما فى نفس الشيخ من رقة العواطف ومشاعر الخير، وهى التى وقعت له فى طنطا مع أحد المترفين فيها وكان قد أخنى عليه الدهر وسلبه نعمته، فاستأجر فرقة الشيخ تمثل على حسابه فى المدينة، وبينا هى فى عملها إذ أقبل إلى مدير الجوقة شخص يحمل من الشيخ مكتوباً يأمره فيه بصرف مائة جنيه لحامله، فارتاب المدير فى الأمر واستمهل حامل المكتوب ريثما يراجع الشيخ فى ذلك. وكم كانت دهشة المدير غريبة حين استطلع رأى الشيخ فعلم أن ليس فى الأمر ريبة، وأنه يرغب فى صرف المبلغ لهذا المستأجر، وعبثاً حاول المدير أن يفهمه أن ليس فى رصيد الفرقة غير المبلغ الذى يأمر بصرفه، فقد صمم الشيخ على ضرورة تسليم المبلغ للرجل مبيناً له أنه فى حاجة ملحة إليه، وقد تم له ما أراد. وأصبحت جوقته لا تملك نفقاتها الخاصة، فعمد الشيخ إلى إحياء ليلة ينفق من دخلها على ممثليه وترحيلهم، وحدث أثناء التمثيل أن قام شخص وسرد أمام الحاضرين أنباء تلك المكرمة التى أسداها الشيخ، ولم يكن هذا الشخص سوى صاحب تلك الحفلات، غير أن الشيخ استولى عليه ألم نفسانى شديد من فعلة هذا الرجل فلم يستطع البقاء صبراً وترك التمثيل مولياً وجهه شطر العاصمة.
وكان يجمع إلى السخاء حسن المعاملة وحب التعاون حتى لقد كان يبعث بممثلى فرقته إلى الأجواق ليمدوا إليها يد المساعدة وقت الحاجة، كما كان كريم الأخلاق إلى حد كبير بحيث لو ترك أحد ممثليه الفرقة من غير علمه ثم رغب فى العودة إليها قبله دون أن يلومه ويؤنبه، ومما يؤثر عنه أنه لم يهن أحداً من موظفيه أو يتسبب فى فصله.
وكان إلى جانب ذلك كله متواضعاً لا يأنف أن يجالس من دونه، يطالعه بقطعة لحنها أو نغم ابتكره وهو مع هذا حسن البزة نظيف الثوب، كثير التأنق، شديد الولع فى ترسم التقاليد الأوروبية، وتلمح عليه هدوء الطبع واتزان الحركة، لا تكاد تحس منه خفة أو نزقاً أو تسرعاً فيما يزمعه من أمور، يشهد بذلك ما كان يرى عليه من سكون صوته وانخفاض نبراته ورقة أسلوبه، يتأذى لأقل حركة أياً كان مبعثها وخاصة إذا كانت أثناء التمثيل.
وأثر عنه فى هذا الصدد حكايات كثيرة كان فيها مثالاً للأدب الاجتماعى ورقة الشعور، فكان إذا سمع صوتاً فى أثناء التمثيل تركه واقترب من حافة المسرح ليلفت صاحب الصوت إلى ما يجب عليه فى المجتمعات العامة! فإذا أبى إلا الاستمرار لجأ الشيخ إلى إسدال الستار تاركاً تأديبه وردعه إلى الحضور.
وكان يحظر على المشاهدين أن يتناولوا شيئاً من أنواع التسالى خلال التمثيل، كما حرم على الباعة الوقوف أمام داره، وعرفت عنه هذه النزعة فلم يجسر أحد على حمل هذه الأشياء معه خوفاً من إثارة غضب الشيخ وتعطيل الرواية.
وانطبع الرجل على خلتى الإقدام والجرأة وتطرف فيهما تطرفه فى الكرم، حتى لقد أقدم مرة على فتح مسرح الحديقة وهو لا يملك إلا قليلاً من المال لا يكفى للعمل، ومع ذلك فقد حالفه النجاح والتوفيق، وكذلك أقدم على مبادهة الشعب بتخريج روايات غريبة فى نوعها، ما كان غيره ليجرأ على إخراجها أو مجرد التفكير فيها.
وبالجملة فقد كان ذهن الرجل مشحوناً بشتى الأفكار والميول الواسعة فضلاً عن النزعات التى لا تأتلف فى كثير من الأحايين مع العوائد القومية، ومن ثم فقد كان من الصعب على زوجه أن تتفهمه أو تدركه على وجه صحيح، مما جعل الخلاف يدب بينهما فيقعان تحت انفعالات شتى أصبحت بها الحياة الزوجية غير مستطاعة، فاضطر الشيخ أن يهجرها، ولكنه كان جميلاً فى هجره، إذ أفرد لها منزلاً خاصاً بها وبأولادها وأجرى لها مرتباً يكفلها، ولم ينقطع عنها بالزيارة الحين بعد الحين مزوداً بكثير من الهدايا، وظل الأمر هكذا إلى أن توفيت الزوجة فى حياته.
أما نجله الذى عاش له بعد فقد أولاده جميعاً فقد خرج على طاعته بعد وفاة أمه، ويعلل المتصلون بأسرة الشيخ أن سبب هذا الخروج كان يرجع إلى تأثيرات أمه، وما كانت تبثه فيه من أنواع الكره والضغينة نحو والده، وشب هذا الولد وهو لا يحمل بين جنبيه المحبة البنوية إزاء أبيه، وقد حاول الوالد أن يسترجع ولده إلى حظيرته ويدخله تحت كنفه، وبذل فى ذلك ما بذل من الوسائل والوسائط، إلا أن الولد كان عنيداً وكان على جانب كبير من قوة الشكيمة، ففشل الوالد فيما حاول، واندفع الولد فى طريق غوايته، ومازال يشطح على أراجيح اللهو والعبث حتى أغرم بفتاة إسرائيلية (يقصد يهودية) حباً أنساه نفسه، فتزوج منها، وكان هذا الزواج مقابل شرط أليم هو أن يرتد عن دينه ويعتنق دين حبيبته.
وكانت أنباء هذا الولد العاق تصل إلى مسامع والده فكان يحزن وتتملكه مشاعر الألم وبواعث الأسف العميق، لكنه بالرغم من هذا كله كان يعمل على إنهاضه ومساعفته بالأموال على يد وسطاء يفهمونه أن هذه الأموال ليست عن طريق والده وإنما هى عن طريق آخر كانوا يزورونها عليه.
وبقدر ما كان الشيخ يتأفف من الأسرات المصرية، كان يعجب بالأفرنكيات منها، ويميل إليها ميلاً لم يكن يذهب به إلى التفكير فى مصاهرة إحداها، ولذلك رأيناه بعد أن ترك حياة أسرته يسرع إلى الإقامة بمصر الجديدة مندمجاً فى أسرة أوروبية يساكنها قصد الحظوة بنظامها والتمتع بحياتها الأفرنجية.
وللشيخ فى الحياة الاجتماعية المرحة وقائع كثيرة مأثورة عنه، لا نرى بأساً من إيراد بعضها لندلك على حاضر بديهته وشيق نكاته الطريفة، فقد حدث أن كان الشيخ يغنى فى حفلة عامة، بلغ من حماس متفرجيها أن رمت إحدى السيدات بكوب ماء وقع على طربوشه وكان بجانبه، فغضب الشيخ لذلك، فما وسع السيدة غير الاعتذار وأسرعت تلتقط الطربوش لتجففه، ثم ألقت فيه منديلاً أودعت به مائة جنيهاً ذهباً، فلما أحس الشيخ بذلك دس المنديل فى جيبه ورد الطربوش إليها مدعياً أنه لا يزال به بلل!!
وأسمعته السيدة "منيرة المهدية" ذات يوم لحن الجند فى رواية "كرمن" وشكت إليه أن الجند لا يبدو عليهم آثار الحماس أو القوة فيه، فأجابها على البديهة (لأن عساكرك لمامة)!! فضحكت وعتبت فى ذلك واضع اللحن وهو الأستاذ "كامل الخلعى".
وانتقد تمثيله الغنائى أديب فى حفلة عامة، وكان الشيخ حاضرها، فانتظر حتى النهاية وقام الشيخ على أثره شاكراً للأديب غيرته على الفن الدرامى ملفتاً نظره إلى قول الله تعالى "ورتل القرآن ترتيلا" فما دام القرآن يرتل فمن باب أولى التمثل!!
وإنك لتسمع الكثير جداً مما يرويه أصحاب الشيخ عنه مما يؤكد لك خفة روحه وسرعة بديهته وحلاوة نكتته.



يتبع..

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:46
عام الوداع
وفى سنة 1916 تقدمت صحة الشيخ كثيراً وأصبح لا يشكو داء ولا يحس ألماً، ولئن كانت آثار العلة لا تزال ظاهرة فى عرجه الخفيف برجله اليسرى، فإن ذلك لم يكن ليحول بينه وبين أداء جميع أدواره بالمهارة المعهودة فيه، واسترد الرجل كل ما فقده فى أيام محنته، فأصبح لا يرى إلا طروباً باسم المحيى، وبلغ من قدرته التمثيلية أنه كان يخفى عرجه عن النظارة بما كان يبديه من الدل والاتزان فى مشيته فوق مسرحه.
ولقد حدثناك فيما سبق عن انفصال الممثل أبيض عن الشيخ، قد قابله بشئ كثير من الأسف إلا أنه لم يفت فى عضده وحمل العبء منفرداً بما هو منطبع عليه من صدق العزيمة وقوة الإرادة، وجعل يبذل ما فيه من جهد فى إدخال الأنظمة المستحدثة وكل ما يخطو بالتمثيل إلى درجات الكمال والرقى.
وبث الشيخ روح النشاط فى أفراد فرقته وأعاد إليهم ما كان مختطة معهم من الاقتصار على إحياء ثلاث ليال فى كل أسبوع، ومنحهم دخل حفلة فى كل شهر، وأعلن عن العمل بجوقته فى مسرح برنتانيا، وأقام الأستاذ المرحوم (جورج طنوس) مديراً عليها، وأخذا ينتقيان معاً الجديد من المسرحيات ليظهر بها على الناس فى عهده الجديد.
وشاءت عبقرية الشيخ وموهبته الفطرية وقد ترسمت الأجواق أثره فى تقليد ألحانه وأغانيه، إلا أن يبتكر أنواعاً جديدة من الضروب والتواقيع ينشد بها أغانى رواياته القديمة، وكذلك فعل وبرهن بعمله هذا على قوة فنية كبيرة يستطيع أن يطفر بها إلى حيث تشاء له عبقريته وموهبته من الفن الفياض الساحر بما يصرع به مقلديه ويوقفهم به عند حد العجز والتسليم.
وبذلك سار بهذه الابتكارات فى ناحية، وبقى المقلدون بقديمه فى ناحية أخرى.
أدخل على رواية عظة الملوك ألحاناً من النغم المغربى الممزوج بلهجة الصين جاءت آية فى تطور الفن التلحينى، نذكر منها لحن:
أى إلى تاج العلا الفرد أى وشمس الفضل والمجد
واتبعها بالإريقية ثم بصلاح الدين، وشهداء الغرام، وتليماك حيث أدخل على لحن زبانية الجحيم فيها لحن البخلاء، والمتكبرين، والقتلة، ودأب الشيخ على تنقيح ألحانه القديمة واستبدالها بنوع جديد جعل منافسيه لا يتمكنون من اللحاق به أو الجرى فى حلبته، وبذلك قهرهم فى أول شوط المنافسة واضطرهم أن يلجأوا إلى روايات أخرى غير تلك التى اقتفوا فيها أثره الغنائى، فأخرجت فرقة (منيرة المهدية رواية "كرمن" و"تاييس" إلخ، كما ذهب "عكاشة" إلى تخريج أنواع أخرى من التمثيل.

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/obra.jpgميدان الأوبرا مدخل حديقة الأزبكية سنة 1880

وهكذا ظل زعيم التمثيل متفوقاً فى عالم المسرح منفرداً بالجميل والجليل من المبتدعات والمبتكرات إلى أن دخل عليه موسم الأوبرا شتاء 1916 فافتتح الدار وحضر حفلتها الأولى عظمة السلطان حسين، ومثل الشيخ بين يديه يلحن له نشيداً ملكياً ألفه خصيصاً لهذه الزيارة ومطلعه:
يا جلال الملك يا بدر الزمن يا حياة الشعب يار روح البلاد
فنال قبولاً عظيماً من لدن السلطان أجازه عليه بمبلغ من المال كبير، ودعاه إلى تناول الغذاء على المائدة السلطانية صباح اليوم التالى، حيث أهداه ساعة ذهبية ثمينة.
وقد تخير مدير الجوقة لموسم هذا العام فى الأوبرا نوعاً (حاداً) من التآليف العصرية جله مترجم ومؤلف بواسطة كبار كتابنا المصريين أمثال الأستاذ: علام، رمزى، حافظ، السباعى.
وبذلك ظهر على مسرح الأوبرا نوع من التمثيل الحديث المتماشى مع روح العصر الحالى والذى يدور حول محور الإصلاح الاجتماعى.
ويكفى أن نذكر من بين هذه المجموعة الروائية العظيمة التى أخرجتها فرقة الشيخ ذاك العام رواية: قسوة الشرائع، الغانية، الحارس، فقراء باريس، شقاء العائلات، العذراء المفتونة، البريئة المتهمة، الولدين الشريدين، الطفلين. وبهذا يكون ممثلنا قد أضاف مجموعة حسنة من النوع الروائى المتمشى مع التقاليد الاجتماعية والمتلائم مع روح العصر.
وفى صيف عام 1917 رحل الشيخ إلى عواصم الوجه القبلى حتى بلغ أسوان، حيث مثل فى كل عاصمة أربع حفلات، وأتبع هذه الرحلة بمثلها فى الوجه البحرى إلى أن بلغ الثغر، ويظهر أنه أحس بدنو اجله فمثل بع عشر حفلات على غير عادته.
وقد رافقه النجاح فى عامه الأخير هذا على طول الطريق مما دل على أن الشعب مازال يحتفظ له بوافر الحب وكبير التقدير رغم محنته التى عطلت نصفه حيث كان لا يكاد يعلن عن التمثيل فى بلد ما حتى يهرع الناس إليه أفواجاً يبتاعون تذاكر حفلاته، فإذا نفذت لجأت بقية المتشوقين إليه إلى الوقوف لدى فرج المكان الذى يمثل فيه متلهفة أن يصلها من خلالها صدى صوته الملائكى الساحر، وكان إذا ظهر على مسرحه قابله الناس بالتكبير والتهليل، حتى إذا بدأ يغنى عادت لهم السكينة ولابسهم الهدوء، وأخذوا يستمعون لشدوه وينصتون لتطاريبه، فإذا فرغ من تمثيله وأخذ سمته إلى حيث يبيت، اطوف الناس به يلتمسون مرآه وانهالوا على يديه تقبيلاً وشيعوه بنظرات التبجيل والإكبار.
وفى سنة 1917 استعد الشيخ لتمثيل أربع روايات يحيى بها ليالى العيد الأكبر فى العاصمة، ثلاثة منها بمسرح الكورسال، والرابعة بمسرح برنتانيا، وقد وقع اختياره على روايات: مغائر الجن، العفو القاتل، الأفريقية، شهداء الغرام. ليمثلها فى هذه الليالى الأربع، وكان له ذلك.
ونقسم أننا ما فزنا بطرب روحى ونغم جليل من روايات الشيخ بمثل ما فزنا به فى هذه الروايات الأربع، فلقد كان أثنائها يتنقل على المسرح كما يتنقل الكنار الصداح على أغصان دوحته، ويهتف فينا كما تهتف الورقاء، ويشدوا فتتجلى همسات الأبد على نبراته، موحية إلى نفوسنا أصدق الشعور وأعمق الاحساسات، بأنغام الجمال وصوت الملائكة الأعلين، حتى أن الجماهير على مختلف طبقاتها كانت تتصعد آهاتها وصرخاتها بما يشبه هزيم الرعد عند كل وقفاته الغنائية، ولقد أخذ علينا الشيخ بوثبته الجديدة كل مشاعرنا، حتى أذهلنا عن وجودنا، وتلاعب بنا كما شاءت له أغاريده، وأرادت بنا نبراته، فكنا نبكى كما كان يبكى، ونشاطر عواطفه الروائية كما لو كنا نشاطر عواطفه الحقيقية.
كذلك فعل الشيخ بالكورسال وكذلك كنا، ولم نستطع إلا أن نرافقه إلى مسرح برنتانيا لنحظى منه برواية شهداء الغرام فى مساء الأحد 30 سبتمبر سنة 1917، وكان الشيخ مبدعاً فى هذه الليلة أيما إبداع، حتى لم نتمالك إلا أن نصيح بصوت منبعث من قرارة النفس أمزجت فيه القوة والحماسة هاتفين:
(ليحيى الشيخ سلامة)
وكان هذا الهتاف أول نداء قيل لممثل مصرى منذ عرف التمثيل فى مصر.
ويظهر أن الطبيعة كانت تحفزنا إلى هذا النداء الحار الجديد، علماً منها أن هذا البلبل موشك أن يسكت، فظللنا نهتف ونردد النداء بحياته عالياً، ولكن القدر لم يجب مطلبنا فلم نداؤنا بحياته مجاباً.
أجل، صحنا بحياة الشيخ ساعة أن ذابت أرواحنا تحت نغمات صوته فى هذه الرواية الخالدة، التى كانت من أسباب رفعته، وكانت آخر من لفته بين طياتها، لقد قدحت أيدينا شرراً، وبحت أصواتنا من النداء، وكان الشيخ يجيبنا إلى إعادة ما نطلب، حتى كانت الساعة الواحدة، إذ جلس على قبر جولييت يرثى حبيبته حياله، وأنشأ يرثى "أجولييت" بصوت فزع، فأوقد فى قلوبنا ناراً حامية انبعثت قطرات غليانها من أفواهنا، ومع ذلك استعذبناها، فطلبنا إليه المزيد، فزاد وزاد، وأعاد وترنم، حتى كان آخر الفجيعة وكان ختام المأساة.
وكأننا بالأقدار القاسية أرادت أن تجعل من فجيعة هذه الرواية الغرامية ختاماً لحياة الشيخ، يسدل عليه ستار العدم والفناء، كما أسدل من قبل على حياة الحبيبين الروائيين روميو وجولييت.

إيذان الشمس بالمغيب
فى صباح اليوم التالى لتمثيل رواية شهداء الغرام (أى يوم الأثنين أول أكتوبر) قصد الشيخ مع صديقه جورج طنوس دار الحماية لأمور تتعلق بجوقته، إذ كان قد اعتزم رحلة تمثيلية إلى السودان.
ثم عاد منها إلى مسرح برنتانيا ليرأس "بروفة" (فزان البندقية) وليقيد ألحان "فوست" الذى كان عازماً على فتح موسم الأوبرا بهما فى الشتاء المقبل، ومكث فى المسرح إلى الساعة الثانية، ثم ذهب إلى منزله بمصر الجديدة على أمل أن يعود بعد عصر يومه إلى المسرح لإعداد رواية اليتيمتين التى ستمثل مساء الغد، ولكى يعد العدة للرحيل بفرقته صباح الأربعاء إلى مدينة المنصورة حيث كان مزمعاً تمثيل رواية شهداء الغرام بها.
غير أن القوم انتظروه فلم يحضر، فخاطبوه تليفونياً فاعتذر عن الحضور لصداع ألم به، وأمرهم أن يستبدلوا رواية اليتيمتين برواية أخرى لا دور له فيها، وفعلاً مثلت رواية (عبرة الأبكار) بدلها، واستعدوا للسفر إلى المنصورة صباح الأربعاء على أن يلحقهم الشيخ فى نفس اليوم بقطار الليل، كما أمرهم بذلك، وعند صباح اليوم المحدد تقابلت الفرقة معه قبل رحيلها ثم سافرت.
بيد أن الصداع لم يفارق الشيخ طوال يومه، مما عاقه عن اللحاق بفرقته، ودعى إليه طبيبه الخاص فعاده، وأمر له بالعلاج وبالراحة التامة.
وقد بلغ الخبر إلينا فلم نتشاءم أو نتوجس خيفة عليه، لأن مرضه لم يكن إلا صداعاً بسيطاً، ولكن الشيخ شعر بسآمة وملل، (وقد كنت الوحيد الذى لازمته وهو على فراش مرضه الأخير) فطلب إلى أن أعيد على سمعه بعض اسطواناته، وفيما كان صوت الحاكى منبعثاً والهدوء شاملاً، إذ نهنه المريض واجهش فى البكاء، فأسرعت إلى سريره استطلع الخبر، فأومأ إلى طالباً أن أعينه على القيام فأعنته! غير أنه لم يقو على تمالك نفسه، فسقط على سريره ثانية، وكان الوقت ظهراً ونحن على انفراد، فاستنجدت بصاحبة المنزل (وكانت مدام ماركو) فحضرت وتركته بين يديها، وفزعت إلى الطبيب أستدعيه.
ولكنى وجدت الرجل عند عودتى ملقى على وجهه فى أرض غرفته، ينتحب بكاء ويشير بيده فاغراً فاه كمن يريد أن يتكلم فلا يقدر، فتفقدت السيدة فلم أجد لها أثراً بالمنزل، فحملت المريض إلى سريره وأخذ الطبيب فى فحصه، ولكن اليأس أدركه إذ أيقن أن المريض نكس، وأن الشلل قد عاد ففاجأه.
وهنا جال سوء الظن بالمرأة فى خاطرى، فتفقدت الثمين من متاع الشيخ فلم أجده، كما لم أجد خاتمه الماسى فى أصبعه، ولا ساعته الذهبية فى جيبه، فجلست إلى جانبه أنتظر قضاء الله فيه، وما كان اشد آلام نفسى أن اسمع حشرجة الشيخ وأرى حركاته العصبية غير المفهومة، وليس فى وسعى أو وسع الطبيب أن نساعده!
ولبثت معه على هذا الحال حتى الساعة التاسعة من مساء الخميس إذ حضر بعض خلصائه، وما كادت أبصارهم تقع عليه حتى انهلعت قلوبهم وانعقدت ألسنتهم فلم يستطيعوا إلا ضرب الأكف بالأكف من هول الفجيعة وشدة المصاب.
وهكذا مكثنا نرقب ختام هذه المأساة الهائلة بقلوب تتقطع، وعيون تفيض بالدمع، حتى صباح الخميس.
وفى منتصف الساعة الحادية عشرة أبرم القضاء فيه حكمه وتغلغل سهمه فيه إلى نصابه.
وقد كانت ساعة رهيبة رأينا فيها كيف تطوى الصحائف وهى قيمة، وتدك الجبال وهى شوامخ، وتأذن شمس حياة هذا العبقرى الموهوب بالمغيب.

يوم الفجيعة الكبرى 4 أكتوبر 1917
أجل، فى هذا اليوم ذهبت روح الفنان إلى بارئها، وانطفأ نجم كان منيرا فى سماء مصر، وسراج وهاج كان يتلألأ فوق منائر الفن، وهو ذلك الشهاب الثاقب الذى ملأ الكنانة بنوره، وبهر الناس سناه.
سكن ذلك الصوت السماوى الحنون، وخبت نبراته، وغيب الشيخ عن الأنظار إلى ما شاء الله، وانتشر الخبر، وضرب الحزن على جميع الناس، وخيمت الرهبة على شعب مصر وعمه الأسى والحزن.
مات الشيخ سلامة حجازى، وتلاشت تلك الموسيقية السماوية وارتفع أثرها، وتحطم مزمار القدر التى أسبغت عليه الطبيعة روائع الآيات وبدائع النغم.
مات الشيخ سلامة فما حسبت فجيعة من الفجائع التى منيت بها مصر كانت أشد وقعاً على النفوس من فجيعتها فى مطربها الوحيد.
وما رأيت رجلاً أشفق لفقده خصومه قبل أصدقائه كما أشفقوا على رحيل فقدنا، إذ كان الحادث عاماً جللاً، اشترك فيه الجميع بتوديعهم للراحل الكريم إلى مقر الأبدية ومثوى الذاهبين.
أما أنا إن نسيت فلن أنسى ساعة إذ بصرت الشيخ مسجى على سرير موته، محوطاً برجاله يذرفون عليه دماء قلوبهم، والرجل يتململ بينهم طالباً الغوث، ولكن أنى لنا أن نجيب ما ليس فى وسع البشر.
ولن أنسى الذهول الذى أصابنا يوم أن حملنا الشيخ على أعناقنا، والكل صارخ فزع لهول الفجيعة ووقع المصاب، فلقد برح بنا الحزن واشتد الجوى، حتى لقد كنا نصيح صياح الثكالى ونعول عويل المفقودين، ناسين مع هذا أننا رجال قبل كل شئ، وأن الرجل مهما بلغت به الفجيعة يأنف دائماً أن يحاكى النساء فى عويلهن.
لكن فقدنا للراحل كان أعظم من أن يتسق معه شعور أو تتزن وإياه حركة، ومن كان ذلك الرجل؟ لقد كان الأنشودة المطربة لمصر، وكان بلبلها الصادح الذى طالما غرد لأمته فأزاح عن قلوبها الترح وأذهب عن فؤادها الأحزان، وجلب لها كل معانى المسرة والابتهاج.
أجل، لقد فزعت كل مصر لخطب الرجل، وتخاطفت نعشه الآلاف من المشيعين، وهاج الشعب وماج، وكيف لا يتألم هذا الشعب على فقد بلبله وكلٌ له من الخطب نصيب؟
وفى يوم الجمعة 5 أكتوبر شيعت الجموع جثمان الشيخ إلى مقره الأخير فى مدافن السيدة نفيسة، والكل مترنح من هول الفجيعة وشدة الأسى، وبلغ الحزن ببعض المشيعين مبلغاً سقط به على الأرض إعياءً فاضطر الناس إلى حمله.
وأشرفنا بالفقيد على القبر، وما تناولت جثمانه الأيدى لتودع هذا الكنز الثمين فى مقره الأخير، حتى علا الضجيج، وارتفع الشهيق، فكاد يبلغ عنان السماء، وتدافع الناس يتزاحمون بالمناكب، وقد غشيهم ما غشيهم من أثر الألم، يبتغون أن يحولوا بين الشيخ وقبره، واحتاطوا الجثمان وانهالوا عليه تقبيلاً وطفقوا يخطون بدموعهم على صفحات الكفن عبارات الوداع.
ولعمر الشيخ، لقد كانت تلك المواقف المريعة لحظات تاريخية غرب عندها نوره، واحتجب فيها من كان يرى الفن أسمى من الحياة، وأقدس مما فى الوجود، وورى التراب فى قبر بسيط كتب عليه:
فنم فى جوار الله مؤتنساً به يا خير مرتحل لخير جوار
فنم فى جوار واهنأ بقربه وحسبك منا طيب الحمد والذكرى
*****
تلك حياة الشيخ نتلوها على القارئ، وما كانت إلا رسالة طيبة الأثر بدأها منذ أيفع، ولم ينصرف عنها إلا إلى عالم الخلود، وقد حملها جسمه، وأدتها روحه كاملة غير منقوصة، ففاض على الناس رحيقها، وساغ منهلها عذباً صافياً للواردين.
*****



تم بعون الله ...

عصفور الجناين
05-12-2006, 01:52
قصائد.. مذاهب.. طقاطيق من أعمال الشيخ سلامة حجازى





أولاً: من القصائد المقيدة بميزان والملحنة على الواحدة.. وهذه لإنشادية:



قصيدة




(أصول- واحده= مقام سيكاه)

ودر ثناياكم عن المدمع الصب

لسيف إلى قلبى وسحر إلى لبى

فأنت أحبائى على البعد والقرب





سلو حمرة الخدين عن مهجة الصب

ولا تنكروا لحظ العيون فإنه

بعدتم عن العينين فازداد حبكم



***

لأبعد شئ فى الغرام عن القلب

فلم يعترف قلبى بشئ سوى الحب

سألتكم بالله لا تغفروا ذنبى





أعاتب روحى فى هواكم فإنها

وأسأل قلبى أى ذنب جنيته

فإن كان ذنبى شدة الحب عندكم



***

فأصبحت ولهانا وأمرى إلى ربى

على الحب أم عينى القريحة أم قلبى

وإن لمت عينى قالت الذنب للقلب

فيارب كن عونى على العين والقلب

ويارب لا تحكم على الناس بالحب





وكنت خليا أعزل الناس فى الهوى

فوالله ما أدرى أروحى ألومها

فإن لمت قلبى قال لى العين أبصرت

فقلبى وعينى فى دمى قد تشاركا

ويارب لا تحرم محباً حبيبه



***






قصيدة





(بياتى على الحسينى)




فأضاء صبح جبينه بتنفس


ورد الخدود من الشفاة اللمس

وعن اللحاظ ترى الجوارى الكلس

واحذر محاربة العيون النعس





سفر اللثام على دياجى الحندس

يمحى ويحرس إن تناعس جفنه

عن قده المياس فليحمى النقا

دع ما يقال عن الأسنة والظبا









قصيدة




(أصول واحده = مقام عراق)

لما تزايد بالتجنى هاجرى

وبحسنه تاه على وآمرِ

حفظ العهود ولم أكن بالغادر





سمحت بإرسال الدموع محاجرى

يا مالكاً مهج الورى

جد بالوصال فإننى باقٍ على



***



والدمع باح بما تكن سرائرى

فوقعت فى شرك الغزال النافر

هلا ترق لمستهام ساهر

من حسنها قد رصعت بجواهر

تحيا وتحظى بالجمال الباهر





والقلب ذاب من التجنى والقلى

عجباً لظبى صادنى بلحاظه

ناديته يا ساكنا فى مهجتى

فأجابنى متبسماً بمراشف

مت فى الغرام بحبنا يا مدعى



***









قصيدة




(أصول- واحده = مقام بياتى)

فأبوه للأشواق فيه دعانيا

فأنا الذى قطعت لك أحشائيا

فأنا الذى برضاى بعت فؤاديا

فأنا الذى بالقرب أصل غراميا

فرج فصبرى فيك أصل بلائيا

قد شق بحر مدامعى وبكائيا

فأنا بخدكموا وجدت بلائيا





إن كان يوسف للجمال دعاكمو

إن كان يوسف قطعت أيد له

إن كان إخوته تعمدوا بيعه

إن عاد يعقوب بحزن فراقه

إن كان أيوب له فى صبره

يا ليت موسى حين شق بحاره

إن كان فى النيران قد وجد الهدى



***



قصيدة

(أصول واحده = مقام بياتى)

والجوى حظى ولذاتى السهاد

إن وجدى كل يوم فى ازدياد





شكوتى فى الحب عنوان الرشاد

لا تلم صبا بغالى الدمع جاد





والهوى يأتى على غير المراد





سقمه والنوح ما دام الجوى

يا عذولى لا تلمنى فى الهوى





نزهة الولهان فى حال النوى

إن سقانى بالغضا ظبى اللوا





ليس مما قضاه الله راد





مغرم بالغيد قلبى مدنف

منتهى الآمال عندى أهيف





أعينى كاسى ودمعى قرقف

لست أصغى أن تغالى واصف





ودلالاً قد نفى عنى الرقاد





وخدود تتلظى جمرة

وشفاه قد سقتنا خمرة





وقدود قتلتنا جهرة

وجبين قد زانته غرة





وعيون زانها ذاك السواد





مت وجداً ولكم طول البقا

أنا إن لم أهوى غزلان النقا





سادتى إن لم تمنوا باللقا

إن تكن عينه عين الشقا





أى فرق بين قلبى والجماد





***









ثانياً: من المذاهب والأدوار الخاصة بالتخت






مذهب





(أصول- مصمودى= مقام نهاوند)


وفين بالوصل إحسانك

حرام يا حلو هجرانك





فؤادى يا جميل يهواك

وليه تهجر وأنا أهواك



***

دور

وشوف وارحم ضنى حالى

وأنا غير الوصال مالى





حبيبى جود بوصلك يوم

وتاه فكرى أنا فى اللوم



***









مذهب




(أصول مصمودى= مقام حجازكار)

ملك قلبى بألحاظه الزكية

عشق قلبى وليه يتقل علىَّ





ظريف الأنس والطلعة البهية

يا ناس أنا أشكى لمين والحب حاكم






طقطوقة




(من النوع الشامى والضرب السورى)

يا نار قلبى والحبيب ما جانيا

أنعم عليه بالوصل واكسب أجره

ما يبتليه بالوصل ياما يعانى

قضيت جميل اللى بحاله يعلم





لمو العشيرة واسمعوا ندائيا

اللى يريدك ايه يفيدك هجره

فى شرع مين يستنظر آل طول عمره

أفديك بروحى يا جميل لو ترحم





أصل اشتباكى بالمحبة









طقطوقة




(من النوع السابق ضرب مختلف)

ربى ظلمكم ياللى ظلمتونا

والورد من فوق الخدود شئ يهوس

كل الصبايا والهادى يهدى

والليل أقضيه فى هواكى ساهر

احنا عبيدك نرضى حكمك فينا





تاه الفكر منك يا دلعونه

فايته على البستان تلم النرجس

ياربى تحمى لها جمالها وتحرس

حالى صبح فى الحب أمره ظاهر

وحياة عيونك والجبين الزاهر





ياللى حويت الظرف ارحم عبدك







(المرجع: كتاب "الشيخ سلامة حجازى" للدكتور محمد فاضل- مطبعة الأمة بدمنهور- سنة 1932)

عصفور الجناين
05-12-2006, 02:01
ألبوم الــصـــــــــــــــــــــــور


http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s10.jpg

بين ربوع الشام


[CENTER]
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s2.jpg
فى الستين من عمره


http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s3.jpg
فى الخمسين من عمره


http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s4.jpg
فؤاد عنايت افندى صهر الشيخ مع كريمته عائشة حفيدة مطربنا الاكبر وهى الباقية من نسله

عصفور الجناين
05-12-2006, 02:03
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s5.jpg

سلامة حجازى
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s6.jpg

سلامة حجازى فى زيه الأفرنجى الجديد عام1877
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s7.jpg

سلامة حجازى فى الثلاثين من عمره
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s8.jpg

سلامة حجازى فى 45 من عمره

عصفور الجناين
05-12-2006, 02:04
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s9.jpg

كريمة المرحوم سلامة حجازى
المرحومة الست سيده حرم فؤاد عنايت


http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s1.jpg

آخر صورة قبل الوفاة
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s11.jpgأمام قبر الشيخ سلامة حجازى
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/s12.jpg

عصفور الجناين
05-12-2006, 02:06
اليوم يموت شيخ الفن
محمود بك تيمور



http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/taymor.jpg
اليوم تذبل أول زهرة ناضرة كانت نامية فى مسارحنا بعد أن استنفدنا أرجها العطرى، واستنشقنا أنفاسها الزكية. اليوم تفنى النغمة السابحة فى سماء ملاهينا بعد أن روت أرواحنا العطشى، وأيقظت قلوبنا النائمة. اليوم تنكسر الكأس التى كنا نرتشف منها أفاويق المسرة ونستمرئ منها لذة الفن. اليوم تهوى الإرادة أمامنا تعبةً واهية بعد أن أخرجت للناس فناً وليداً وسارت به طفلاً وأسلمته إلينا شاباً. اليوم يتحطم سيف الجهاد فى سبيل التمثيل بعد أن شق له إلى الرقى طريقاً وتغلب على صعاب الحياة دهراً، ولكنه وقف أمام صعاب المرض عاجزاً ضعيفاً. اليوم يصمت ذلك الصوت الرنان الذى طالما تغلغل فى القلوب فنزل إلى أعماقها، واستكن بين جوانحها. اليوم تطفئ تلك الجذوة المتقدة على مسارحنا. اليوم يهدأ ذلك النسيم السابح فى حقل مسرتنا. اليوم يهبط ذلك الفلك المنير من عليائه إلى مستوينا. اليوم تسكن تلك الروح العاملة فى طريق مجدنا. اليوم يخبو ذلك النور المتلألئ فى ميدان حياتنا.
أيتها الروح الراحلة، قفى فأسمعك حزناً دفيناً يحطم قلبى، قفى برهة أناجيك بصمتى واحساسى، هنا فى ذلك القلب يجرى دمى ممزوجاً بشجى نغماتك. هنا فى ذلك الجسد تأتنس روحى بلذيذ طيفك. هنا فى تلك الرأس يستلذ فكرى بتصفح رواياتك. هنا فى ذلك الصدر يزلزل مهجتى شديد آلامك.
أيها الرجل الكريم، كنت تتألم لنتسلى، وكنت تبكى لنطرب، وكنت تشقى لنسعد، وكنت تنوح لنشجى، وكنت تموت ليحيا الفن بعدك، فما أكبر التضحية التى قدمتها للفن، وما أعظم الأثر الذى تركته لخلفك.
أيها العبقرى المتفنن، لقد علمتنا الغرام فى (شهدائك) فهل يذكرك الحب اليوم بعد أن استلذ بعذب ملفظك؟ لقد أطربت الليل برخيم صوتك، فهل تسمع نواحه عليك فى قبرك؟ لقد كنت تتلاعب بالموت وتهزأ بالأقدار فى ملعبك، فهل جاءك الموت اليوم يمثل لك الحقيقة أمامك، أم غضبت الأقدار فاقتصت من مهارتك؟
وأنت أيها الفن العابس الظلوم، أنظر إلى فريستك تحت قدميك، تلك هى التى جاهدت فى سبيل رقيك، تمتع أيها الغشوم بمصرع تلك الروح العاملة التى كانت تسير بك إلى مجدك، أنظر تلك الضحية التى قضت فى ملهاك لتعلى من شأنك.
فوالله إن وجدنا اليوم أبواب المسارح بعدك مغلقة فقلوبنا مفتوحة بذكراك، وإن وجدنا الأنوار خابية مطفأة فدموعنا مشرقة بمرآك، وإن وجدنا المسرح قفراً من صورتك فأفئدتنا ملأى بالنواح عليك.


انصبوا علما فوق هذه المقبرة
جورج أبيض

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/gorg.jpg
ستقوم جوليت من بين الأموات وستبكى على قبره ثلاثة أيام، وفى اليوم الثالث تغرس عوداً من النرجس وعوداً من الياسمين، لقد بكى عليها فى حياته كثيراً، أما هى فستروى مقبرته بالدموع وتغرس حول مقبرته الزهر الذى كان يحبه..
إن الدموع التى تسفكينها اليوم يا جوليت لا توازى شيئاً بجوار دموعه.. لقد ناح عليك ثلاثين عاماً أو أكثر،وأما أنت فستنوحين ثلاثة أيام. كم ليلة صرفها بجوار لحدك يا جوليت وهو يلطم على خده كالثواكل وينوح وينوح وينوح حتى تنوح الناس، لقد كنت أنوح معهم حتى أنسى أننى فى مشهد جنازتك فأصفق بيدى وتصفق الناس من حولى، وتدوى الجنازة بالتصفيق، ثم يمر بنا المارون فأسمعهم بأذنى يقولون "يا لهم من مجانين يصفقون فى جنازة"، ثم لا ألبث أن أراهم وقفوا على مقربة منا ثم ناحوا وناحوا ثم صفقوا.
لقد كانت جنازتك حلوة، وكان النواح عليك شهياً أحسن من نواح العود والناى، لقد كسر العوادون أعوادهم وجاءوا يلطمون فى جنازتك ثلاثين عاماً، ونحن نبكى وراءه، ولم يكن أشهى إلينا من ذلك البكاء ولا تلك الدموع، لقد سفك عليك أول دمعة عندما كان غلاماً، أما الآن فسنبكى وستبكين معنا ثلاثة أيام، وإنه لأمد قصير. أنت لا تعرفين الجميل يا جوليت فقد كنت تحبينه وهو حى.. لو كنت مصرية مثلنا لبكيت على قبره ثلثمائة عام أو أكثر. لقد أحبك حتى جاء إلأيك بنفسه وأصبحت بقربه تحدثينه وهو يحدثك، وسيفرح روميو به كثيراً، لقد أبلى فى المدافعة عنه أحسن بلاء وشرح أمره للناس، لقد مات وهو يتحدث عنكما.
إذا أتيت لقبره فاستصحبى روميو معك، وعندما تعودين فانقليه معكما ففى النعش متسع له..
وإذا أبى روميو فقولى له لقد بكيت كثيراً حتى ضنى جسمى، وأصبحت أنحف من ذى قبل، وعدا ذلك فهو نحيف القد وأقصر من روميو كثيراً.
وإذا لم تجدى العلم منصوباً فستجدين الحمائم والأطيار. لقد كانت تحييه عندما كان حياً لأنه علمها الغناء والنواح، وهى تحفظ الجميل كالمرأة المصرية تماماً، وستجدين الزهور مبعثرة فى كل مكان ومطأطئة برأسها إلى الأرض شأنها عندما تقف أمامه..
لقد كان زهرة تتكلم، أما هى فكانت كلها زهوراً صامتة.
لا تلوموا جوليت يا رفاق! ستنوح ثلاثة أيام فقط على مقبرته لتعود إليه على عجل، لقد أوصاها روميو بذلك، قد أحبت الحياة بقربه، أما الآن فتحب الممات.
انصبوا علماً فوق هذه المقبرة.
(المرجع: كتاب "الشيخ سلامة حجازى" للدكتور محمد فاضل- مطبعة الأمة بدمنهور- سنة 1932)

عصفور الجناين
05-12-2006, 02:09
سلامة حجازى.. ويدعونه الشيخ..!!
زكى بك طليمات
http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/zaky.jpg
من حلقات الذكر وتلاوة القرآن قفز إلى الغناء، ثم قفز بعد ذلك إلى المسرح، وقد خلع العمامة وزى الشيوخ ليصبح بلباسه العصرى مرآة الزى الحديث، ومطرب المسرح العربى بلا منازع مدى ربع قرن من الزمن.
كان صوته مرآة عصره، عصر ثورة عرابى، ما جاء بعدها من هزات وفورات وطنية فى عصر اللورد كرومر، إذ كان الشعب خلالها فى نضال مستمر لتحطيم قيود التقاليد البالية، وأغلال الاحتلال البريطانى.
كان صوته، على رخامته ولطافته، شديداً يهدر، وفى نبرة تمرد ودعوة إلى العصيان، إلى إدراك شئ عسير المنال، فلم يكن عجيباً أن تلحظ أن هذا الصوت الثائر يكسر أحياناً المألوف والموروث فى طرائق الأداء لينطلق صداحاً مشحوناً بمختلف الانفعالات ويهز المستمعين هزاً قوياً.
كنت ألقاه كل يوم، ولكن لا أذكر متى حدث أول لقاء!!
وكنت ألقاه طيلة سنى مراهقتى وفى مدارج الشباب الأول.. إلا أننى لم أكن ألقاه وجهاً لوجه، كنت ألقاه صوتاً فى (الحاكى) أو صورة فى نشرات الدعاية التى تصدرها فرقته، كما كنت ألقاه ممثلاً فوق منصة المسرح.
وكنت شديد التأثر بهذه اللقاءات، كنت أعيشها بكل جوارحى، ولهذا كان أمراً مقضياً أن يلعب سلامة حجازى دوراً فى تشكيل ناحية من مزاجى الفنى، وفى تقرير نظرتى الأولى ما يصح أن يكون عليه الممثل، على الرغم من أننى لم أكن أعى إذ ذاك من فن المسرح إلا ما يستهوى مراهقاً، وهى السن التى تنزع فيها نفس الصغير نزوعاً شديداً إلى المحاكاة والتقليد.
لم أكن أرى من فن المسرح إلا أنه متعة تخاطب العين والأذن من غير استئذان.. ثم ارتداء ملابس غريبة فى الزى واللون، ورفع الصوت عالياً بالكلام، وإبداء حركات وإشارات كنت اباشر تقليدها أمام المآة فأحس بخفقات شديدة فى القلب وميل إلى أن أفرك الحجر بين أصابعى لأحيله تراباً.
ثم...
ثم كانت لى أذن تميل إلى استماع الغناء، فإذا أنا أدندن بما يدخل عليها، ولعل مرجع هذا الميل فطرة جامحة لا تقنع فى التعبير عن طريق الكلام فحسب.. أو لعله كان أمرا لا منجاة منه لكل من يدمن سماع سلامة حجازى، أن يطلق صوته يغنى مقلداً ما دخل على أذنه من غناء هذا المنشد اللاهب الملتهب، حتى ولو كان هذا الصوت يدخل بجدارة ضمن أصوات الحمير أو الماعز أو الغربان.. كنت إذ ذاك أغنى ولا أعرف لماذا أغنى!!
ولم أكن وحدى فى هذه الهواية، كان لسلامة حجازى أفواج من المقلدين والمتطاولين..
وكنت لا أغنى غير ألحان سلامة حجازى بعد أن أجيد حفظها سماعاً من المسرح، ثم من اسطوانات الحاكى أقلد أداءها تقليداً دقيقاً كما يؤديها صاحبها، وأشد ما كان يحلو لى هذا داخل الحمام، حيث الصوت بفعل الصدى حتى بت أعتقد أننى على صوت جميل.
صوت قوى
أفدت من هذا أن استقام لى صوت قوى لين المكاسر ينتقل بيسر بين درجات السلم الموسيقى من الطابق الغليظ الأجش، إلى المتوسط المعتدل، إلى الحاد الصارخ.. ولكننى لم أفد مما كان عليه صوت سلامة حجازى من رخامة وسحر نافذ.
ولا عجب فالمقلد دائماً لا يأخذ من الشخص الذى يقلده إلا بعض ما عنده، وليس أحسن ما عنده.
أيام كنت أغنى
وخرجت من الحمام إلى الشارع أفرض على الناس غنائى.. كنت أغنى بين الرفاق والزملاء، وقد نضجت مشاعرى بتأثير هوايتى المسرح...
وكان المستمعون إلى ينصتون فى صمت ثم يمصمصون شفاهم،وهى ظاهرة عرفت فيما بعد
أنها تعبر عن القرف كما تعبر عن الاستحسان،وكان المستمعون تارة أخرى يمتدحون هذا الصوت بأنه قوى لا ينشز،ثم هو يراجع ألحان"الشيخ"صورة طبق الأصل.
وكانت لى "شلة"من هواة التمثيل ومغامرات الصبا الباكر..وكان لى من بينهم صديق يعجبه صوتى، وكان يخصنى بأسرار قلبه، وحدث أن تعلق قلب هذا الصديق بحب بنت الجيران.. وسرعان ما أخذت تلعب بقلبه لعب القط مع الفأر.. وكان لا يلقاها إلا حائما حول منزلها فى ساعة معينة من الليل.. تطل هى من نافذة عالية، ويشب هو بقامته يريد أن تطول حتى تصل إليها.. ثم تجرى همسات وتمتمات تنتهى بأن يعانق كل منهما نفسه وقد خيل إليه أنه يعانق صاحبه!!
وحدث أن وقع بينهما سوء تفاهم.. وكان أن أمضى المسكين عدة ليال يقف تحت نافذتها، ولكن النافذة لم تكن تفتح، وأخيراً اقترح على أن أصاحبه إلى هناك، وأن أغنى تحت نافذتها، وصحبته إلى هناك وقد ملأنى الزهو والتيه، كيف لا وقد أصبحت أدعى للغناء تحت نوافذ العشاق!!
وهناك أطلقت صوتى يعكر هدأة الليل.. وأنشدت (يا غزالاً صاد قلبى حسنه) وهى نفس القصيدة التى ينشدها الشيخ على المسرح وهو يمثل دور "روميو" لكى تطل عليه "جولييت" من نافذتها.. وغنيت بحرارة وشوق وهو واقف إلى جانبى يراقب النافذة المغلقة..
وأخيراً فتحت النافذة فشببت على أصابع قدمى، وشب معى صوتى بدوره، وصاح صاحبى يتأوه وكأنه يستقبل "جولييت" التى ستطلع علينا كالقمر.. وفجأة..
وفجأة رأينا القمر "يدلق" علينا سيلاً من الماء..
وقبل أن نفيق، سمعنا باب المنزل يفتح، ورأينا عملاقاً فى يده عصا غليظة، فانطلقنا نجرى والعملاق وراءنا يجرى وشتائمه تضرب فى ظهورنا، ولم ينقذنا من العصا إلا قطط الحى التى نفرت من الجلبة فانطلقت تجرى وتمرق فيما بيننا وبين صاحب العصا!!
ومع هذا لم أتب عن الغناء!
إن ألحان سلامة حجازى كانت غذاء الشباب، يستجيب إلى إنشادها كل ذى وجدان يقظ، وكل من يريد أن ينفس عن نفسه.
كنت تسمع هذه الألحان أينما وليت وجهك فى حين أن الإذاعة والتليفزيون لم يكونا قد انشق عنهما الوجود.. بل كثيراً ما كنت تسمع هذه الألحان وهى تجرى على أصوات منكرة.. لقد ملأ (سلامة حجازى) الهواء ألحانا مشبوبة كانت تفتح شهية الناس للغناء.
ويقع أحياناً أنه لا يعجبك صوت المنشد ولكنك لن تنصرف بسهولة عن الإنصات إليه لأن ما ينشده يفيض بشحنات من الانفعالات القوية، ولأن قوة التعبير تزرى بحلاوة التطريب.
المسرح وحده
أقول إن المسرح فى ذلك الوقت، أوائل القرن العشرين، كان يؤلف الملهى الوحيد الذى يبعث فينا شيئاً.. نمتطيه إلى دنيا الخيال، إلى الهروب من واقع الحياة، ونحن أصحاء وفى كامل وعينا وصحونا، وكان المسرح إذ ذاك يبهر بحداثته وبطرافته، وبأنه مكان ينفرد بأن ما يجرى فيه لا يقع فى مكان آخر، وفى مقدمته المرأة.. كانت المرأة قد اعتلت المسرح تمثل..
المرأة سافرة تجادل الرجل فوق المسرح فى مواقف البطولة وفى مواقف الحب.. وكانت المرأة المصرية إذ ذاك محجبة لا تقع عليها أنظار الرجال فى الطريق إلا وهى تتعثر فى إزار له لون الغراب..
لم يكن هناك فى المجتمع المصرى مكان لاختلاط الجنسين..
وفوق ما تقدم فإن المسرح يقدم ألواناً من الألحان والإنشاد تختلف كل الاختلاف فى المظهر عما ألف الجمهور سماعه فى حلقات السمر و (الصهبات) والأعراس، حيث يتربع المغنى فوق التخت ينشد جامداً ألحاناً يبدؤها بمناجاة الليل حتى يسأم الليل سماع اسمه.
وعلى المسرح ينشد سلامة حجازى فإذا هو يحيل بأدائه العجيب الألحان العربية العريقة شيئاً جديداً، هذا فى حين أنها لم تغير من طبيعتها وأوضاعها شيئاً.
سحر المسرح
ولاشك فى أن المسرح بأضوائه وأستاره الملونة ومجتمعه الصاخب كان يكسب هذه التلاحين طرافة وجدة، وواقعاً مرئياً يزيد من قوة تأثيرها على المستمعين، كما يعمل على سرعة انتشارها، وتقديم دعاية واسعة لمنشديها من الممثلين.
ثم أن أكثر هذه التلاحين يجرى تقديمه فى مواقف أكثرها للحب وللهزات العاطفية العنيفة.
ويزيد فى تجسيم أثرها الأداء التمثيلى الذى يصاحب إنشادها، فهى تلاحين تخاطب الأذن كما تخاطب العين بالرؤية فيتضاعف تأثيرها فى النفس.
ولعل هذه الظاهرة تفسر لنا السر فى اندفاع الكثير من المنشدين الدينيين، وقارئى القرآن إلى خلع العمائم وارتقاء منصة المسرح ينشدون ويمثلون، أو هم يؤلفون تلاحين يؤديها غيرهم ولكن فوق المسرح.
أخيراً اللقاء الأول!!
هكذا كنت ألقى سلامة حجازى خلال عدة سنوات، ألقاه فى ألحانه، وفى صوره، وأخيرا جاء يوم ولقيته وجها لوجه..
فى المقهى الملحق بمسرح "دار التمثيل العربى" [كان يقع فى حى وجه البركة بالأزبكية، تولى سلامة حجازى أمر هذا المسرح الذى كان يحمل اسم (مسرح فردى) وأنشأ فيه أول فرقة تحمل اسماً مصرياً هو اسمه، وليس اسما لبنانيا أو سوريا، وكان ذلك عام 1905م] كنا نحن معشر هواة التمثيل نحتشد من وقت لآخر لنرى الممثلين عن قرب، لنشم رائحتهم، لنتصيد أخبارهم، ولم تكن هناك حين ذاك صحافة تهتم بهذه الأخبار.
وكنا نستقى أخبار سلامة حجازى من عجوز صاحبه فى مختلف أدوار حياته، ولا يعرف أحد ماذا كانت مهمته على وجه التحقيق..
نجلس إلى هذا العجوز، أو هو يجلس إلينا.. ونطلب إليه فنجان القهوة، ثم نشترى علبة السجاير، لنثير شهيته بالرد على أسئلتنا، فإذا تردد -وكثيراً ما كان يتردد أو هو يتظاهر بهذا التردد- طلبنا له كأساً من الخمر الرديئة.
عرفنا منه كيف احتفظ سلامة حجازى بلقب الشيخ على الرغم من أنه استبدل الطربوش بالعمامة، والزى الأفرنجى بالجبة والقفطان، أتى كل هذا قبل تركه الإسكندرية مسقط رأسه.
لاشك فى أن تمسكه بهذا اللقب، بعد أن تجرد من كل مظاهره وقطع ما بينه وبين مضمونه أمر يدعو إلى التأمل والتساؤل!! أهو حنين إلى الماضى؟ أهو تمسك بشارة يتميز بها على من يعملون فى المسرح؟؟
وعرفنا أن السبب الأول فى شهرته أنه كان يتطوع كل يوم بتأدية أذان الفجر بجامع (الأباصيرى) بالإسكندرية، فيجتمع الناس فى الطرقات بالجامع ليستمعوا إلى الصوت الفريد يشق أجواز الفضاء.
وعرفنا منه أن الشيخ يخلب قلوب الحسان بصوته وطلعته.. وأن له حريماً منهن يزيد عددهن عن عدد حبات المسبحة التى يقلبها دائماً بين يديه!!
وجلسنا فى ذلك اليوم الذى وقع فيه أول لقاء لى مع سلامة حجازى ننصن إلى العجوز، وكان يتحدث عن مهابة الشيخ وكيف أن له عينين ثاقبتى النظر فيهما مغناطيسية قوية بحيث إذا صوبهما إلى قط أو سبع فإن كليهما يفقد الحركة ويسمر فى مكانه!!
وفجأة أمسك العجوز عن الكلام والحركة وتسمرت نظراته ناحية الباب..
والتفتنا نحو الباب فإذا نحن نطالع رجلاً متوسط القامة حسن اللباس وقد تلفع بكوفية داكنة حول عنقه، أبرزت معالم وجهه وعرفناه فى الحال..
إنه سلامة حجازى بلحمه ودمه ونظراته الحادة الثاقبة، ولا أعرف لماذا وقفنا جميعاً دفعة واحدة وبحركة آلية..
ولا أعرف لماذا أطرقت ساكناً وقد لفنى حياء شديد وبدأ العرق يتصبب من جبينى!!
وسمعت العجوز يتمتم: محاسيبك اللى بيحبوك يا سيدنا الشيخ
وسمعت الشيخ يقول: أهلاً.. أهلاً.. بالشباب.. أنا الشيخ
انطلقت هذه الكلمات من فمه وكأنها تغنى وتنشد فى نبرات حلوة.. هل هو يغنى أو هو يتكلم؟؟
إلا أن كلمة "الشيخ" خرجت من فمه وهى تحمل الكثير من الزهو والاعتداد بالنفس.. وسادنا صمت منغم تخللته ضحكات من جانب الشيخ مليئة بالترحيب والدفء والسماحة.
وفجأة رأيناه يستدير ليخرج وهو يقرئنا تحية المساء، وبقينا نحن صامتين لا نرد التحية، ونحن ننصت إلى وقع أقدامه وهى تبتعد وقد خيل إلينا أن لهذه الأقدام موسيقى تصدح.
وارتفع صوت الشيخ من جديد يخاطب شخصاً لا نراه وهو يقول فى لهجة الآمر المقتدر: قل لهم إن الشيخ عاوز كده.
وخرجت كلمة (عاوز) تحمل نبراً قاطعاً وحاسماً.
وأدرت رأسى نحو رفاقى، فإذا هم بدورهم شاحبو الوجوه.. وتحسست وجهى بيدى، وارتميت على الكرسى، بينما أخذ العجوز يرسل ضحكات كريهة فصحت به أن يصمت ثم شفعت هذا بأن طلبت له كأساً من الخمر الرديئة.
الكلام.. غناء
ما كنت أعرف أن سلامة حجازى ينغم فى كلامة إذ يتحدث مع الناس فى واقع الحياة حتى ليكاد كلامه ينقلب غناء صريحا!!
عرفت هذا فيه قبلا وهو فوق منصة المسرح يتبادل الحوار مع من حوله من الممثلين.. ولكن هل هو دائماً يجرى على هذه الحال فى مختلف مواقف حياته الواقعية؟
أو أن الموقف الذى جمعنا فى هذه المقابلة، وقد تم فى بناء "دار التمثيل العربى"، دفعه من غير وعى إلى أن يتخذ هذه اللهجة الغنائية فى كلامه العادى ليشعرنا بأنه هو بعينه الممثل المغنى والعكس بلا منازع؟ وبأننا جميعاً فوق المسرح؟؟
سلامة حجازى الممثل
ومن هنا يبدأ أول الطريق إلى سلامة حجازى الممثل.
لم يكن أمرا عجيبا أن تغلب على أدواره نزعة إلى التفخيم والتجميل والتنعيم..
وبعض هذا يرجع ولاشك إلى تلك الرومانسية التى كانت تسود الأدب والفنون وتخلع عليها رواء وجمالا، كما أن هذا أيضا يعود لأن سلامة حجازى يريد من غير وعى أن يجعل كل ما يبدو منه فوق المسرح ألحانا متتابعة لا ينقطع لها عزف.
إن الجمهور لم يكن يطيق إلا أن يرى سلامة حجازى منشداً وذلك فى مختلف ألوان وجوده فوق المسرح!!
إلا أن اتزان الطبع وسلامة الفطرة فى هذا المطرب النابغ كانا يردانه أثناء أدائه التمثيلى عن ركوب المبالغة فى إيراد الصوت وفى إصدار الحركة والإيماءة، وقد كانت هذه وتلك ملامح الأداء التمثيلى لدى معاصريه من الممثلين.
فقد كان امتلاؤه بالإحساس وبصدق الانفعال فيما يقوله يدفعه دائماً إلى أن يكون مؤثراً فى التعبير على الرغم من جهله بدقائق فن الإلقاء وفن التمثيل، هذا الجهل الذى يعتبر من صفات أكثر الممثلين فى أواخر القرن الماضى..
إلا أن محاولته أن يظهر فوق المسرح إنساناً سوياً باعدت بينه وبين التكلف وأحاطت وجوده فوق المسرح بالقبول من جانب الجمهور.
وكانت له خاصية فى إلقائه وهى أن حرف القاف يجرى على لسانه وكأنه حرف الكاف ولا فارق بينهما فى النطق، فحبيبة قلبى تتحول على لسانه إلى حبيبة كلبى!
والعجيب أنك تسمع هذه العبارة تجرى على هذا النحو ولا يهيجك الضحك لأن الانفعال العاطفى الذى يجرى بغزارة فى جميع حروفها يملك عليك نفسك وكأنك منوم مغناطيسيا.
هذا إلى جانب أن إنشاد سلامة حجازى المطرب الفريد يمسح أخطاء سلامة حجازى الممثل، ويخلع على ما يجئ باهتاً فى أدائه ألوانا مشرقة من البهاء.
أقوى من المرض
ونزل مرض الفالج بمن كان إذا مشى فإنه يمشى وثبا وقفزا، ويترك الشيخ المسرح محزونا، ولكن سرعان ما دقت البشائر بأنه عائد إلى المسرح بفن جديد.
وعاد الشيخ وهو يجر إحدى ساقيه، ليغنى وينشد ولكن على أسلوب جديد..
إنه الآن ينزع إلى الاعتدال فى إصدار الصوت، ويختار من الأنغام ما فيه يسر وسهولة، إنه يجنح إلى البساطة والسهولة فى الأداء أكثر من أن يكون للجزالة والعنف، وهو الآن يصل إلى نفوس المستمعين بأهون الوسائل، وبأقل عدد من الأنغام.. ثم
ثم هذا العمق فى تفهم معانى الكلام الذى ينشده، وفى الانفعال به ثم فى اختيار الأنغام وفى وسائل الأداء!!
وهذا من البلاغة.. بلاغة الأسلوب الموسيقى، ثم إنه يغنى وكأنه لا يغنى!!
آخر لقاء
ومشيت أجر ساقى فى موكب جنازته.. من مسكنه بمصر الجديدة إلى مدافن الإمام.. شقة طويلة، ورفضت الركوب إذ اعتبرته اخفاظا لشأنه.. بل هو حرام، وسعيت وأنا أسترجع تلاحينه فيما بينى وبين نفسى على وقع طبول وأبواق..
صدى السنين
واليوم حينما يحلو لى أن أهرب من الحاضر إلى الماضى فإننى أدير الحاكى لأستمع لألحان سلامة حجازى، ولكن سرعان ما يأخذنى العجب العاجب لأن ما أسمعه لا يزيد عن كونه أصداء باهتة من صوت مجلجل جبار، كان إذا ارتفع بالغناء تجاوز مداه جدران المسرح إلى حيث احتشد جمهوره من المارة فى الخارج يستمعون إليه بالمجان، أنصت.. وتنصت أنت معى، فإذا امتلأت عجباً بكل جوارحك بقوة هذا الصوت ونفاذه ورخامته وهو يعلو ويهبط، يشتد ويلين فى مدارج التعبير عن الكلام..
إذا راعك هذا الصوت يقفز فى يسر وتناسق ورشاقة فوق درجات السلم الموسيقى مبتدئاً من أسفل إلى أعلى، وبالعكس...
فإن شيئاً آخر سيثير انتباهك فوق ما تقدم.. هو هذا القلق وذاك التحفز فى الإنشاد، أو بعبارة أخرى، هذا السعى من جانب سلامة حجازى إلى ان يعتصر النغمات والتراكيب الموسيقية يستقطر كل ما تقدر عليه من قوة التعبير وكأنه يحس فى وعيه الباطن بأن هذه التراكيب لا تؤدى ما يريده من التعبير بحيث يجئ وفقاً لما تمتلئ به نفسه من المعانى.
والمعنى المباشر لما تقدم أن سلامة حجازى كان يعيش ثورة لأنه يرى الموسيقى العربية تجرى وراء التطريب أكثر مما تعمل على التعبير.. وهو يحاول أن يهتدى إلى السبيل الذى يحقق هذه الثورة من غير أن تفقد الموسيقى العربية أصالتها وعطرها.

(ذكريات ووجوه- زكى طليمات- الهيئة المصرية العامة للكتاب-1981م)

عصفور الجناين
05-12-2006, 02:14
سلامة حجازى.. رائد المسرح الغنائى
عبد النور خليل

مجتمع الإسكندرية فى القرن التاسع عشر كان يختلف تماماً عن مجتمع العاصمة فى القاهرة، فهى أشهر موانى البحر الأبيض المتوسط، ورئة مصر التى تتنفس بها فى علاقتها بالعالم الخارجى فى وقت لم يكن العالم يعرف فيه من وسيلة ترحال وتنقل وسفر غير ركوب البحر والبواخر التى تعبره، وكانت عراقة الإسكندرية تعطيها طعماً خاصاً، ومكانة خاصة، بين كل المدن.. كانت أحياؤها الشهيرة، التى لم تزل شهيرة، مثل الأنفوشى وأبو قير والأزاريطة ورأس التين أقرب إلى برج بابل يختلط فيها اليونانى بالطليانى والفرنسى بالتركى بالمالطى بالليبى بابن بحرى، وتمتزج فيها كل ألوان التراث والعادات والتقاليد والنغمات التى تشكل شخصية كل شعب من هذه الشعوب، بل إن الهجرة من الوجه البحرى وعواصم محافظاته فى تلك الفترة، منتصف القرن التاسع عشر، لم تكن تسعى إلى القاهرة كما يحدث الآن، بل كانت كلها تتجه إلى الشاطئ الفسيح حيث تربض الإسكندرية.
وقد هبط الإسكندرية رئيس البحارة إبراهيم حجازى قادماً من مدينة عريقة أخرى، لها دور وتاريخ فى حياة مصر هى مدينة رشيد، وكان قد بدأ يعمل نوتياً، لكنه بدأ يحلم بركوب البحر ككل البحارة الشبان الذين عاشوا فى الإسكندرية، واستقر فى حى رأس التين، أصبح بالفعل بحاراً مرموقا، وتزوج من سيدة أعرابية من مدينة السلوم، وأنجبت له ابناً وحيداً عام 1852 أسماه سلامة تيمناً باسم الشيخ سلامة الراس أحد مشايخ الطرق الصوفية، طريقة الراس فى ذلك الوقت، والتى كان ينتمى إليها الأب، وفى ليلة سبوع سلامة الوليد شهد حى رأس التين كرنفالاً قل أن يشهده أتباع الراس وهم يحملون راياتهم وأعلامهم وبوادرهم وينشدون قصائد المديح النبوى وأناشيد الصوفية وأهازيجهم، وتفتحت أذان الطفل الوليد سلامة إبراهيم حجازى، ولم تكتحل عيناه بالعالم المحيط به، بتلك الترانيم الصوفية وقصائد المديح.
المنشد شيخ الطريقة
ولم تمض ثلاث سنوات فقط حتى مات الأب البحار إبراهيم حجازى، وأصبح الطفل الصغير سلامة وحيداً يتيماً، فكفله الشيخ سلامة الراس وبسط عليه جناحه واعتبره ابنا، وأدخله حياته فى رعاية كاملة.
وفى هذا الجو الغنى بالروحانية والزهد والتصوف، وبين مئات من أتباع الشيخ الراس، تربى ونشأ سلامة الطفل، واعتبر الشيخ الراس الأب الروحى له وهو يشب عن الطوق.
كان التعليم الذى تلقاه الطفل سلامة حجازى بالطبع تعليماً دينياً خالصاً، فقد بدأ فى كتاب ملحق بزاوية الشيخ سلامة الراس تمارس فيها حلقات الذكر، ويلتقى فيها أتباعه وجمهرة من مريدى طريقته الصوفية، والتحق بأحد المعاهد الدينية ليكمل تعليمه بعد أن حفظ القرآن الكريم وجوّده حفظاً بأساليب القراءات المتعددة. ولما شب عن الطوق بدأ يخالط رواد زاوية الشيخ الراس من الصوفيين، ويأخذ مكانه بينهم، ويشاركهم الإنشاد، والتصق أكثر بأبيه الروحى الشيخ سلامة الراس حتى أصبح راويته ومنشده ومحدثه إلى أن مات الرجل، وكان من الطبيعى جداً أن يخلفه الشاب سلامة حجازى فى خلافة الطريقة الراسية الصوفية، وارتدى الشيخ سلامة الجبة والقفطان والعمامة، وأصبح شيخاً للطريقة الراسية، وذاع صيته كمقرئ للقرآن الكريم، وكان من الطبيعى جداً أن يتحول إلى الإنشاد الدينى، لكنه فضل أن يدرس أصول الإنشاد على أيدى أساتذة من أشهر المنشدين فى تلك الفترة مثل الشيخ الحريرى والشيخ أحمد المعايرجى والشيخ خليل محرم. وكان من أبرز نصائحهم له أن ينشد فقط من طبقة القرار، وأن يحرص على أن يخرج إلى شاطئ البحر فى الفجر لكى يملأ صدره بهواء البحر المشبع باليود لكى يزداد صوته نقاوة وحلاوة.
وعلا صيت الشيخ سلامة حجازى فى الإنشاد، واستمر ينشد القصائد والمدائح الدينية وأشعار الصوفيين، ويؤذن الأذان بأحلى صوت بصفة مستمرة من فوق مئذنتى جامع الأباصيرى وأبو العباس المرسى بالإسكندرية. وتجاوز صيته الإسكندرية إلى المناطق المجاورة لها من الوجه البحرى، وعلى الرغم من أنه أصبح من أشهر المنشدين فى تلك الفترة وتفوق على أساتذته الذين تلقى على أيديهم أساليب الإنشاد وطرقه، إلا أنه عندما قرر أن يكمل نصف دينه بالزواج، وتزوج فعلاً، ترك الإنشاد واتجه إلى الغناء مع التخت لكى يصبح نجماً للحفلات والأفراح والموالد ومناسبات الأسر العريقة الثرية لا فى الإسكندرية وحدها بل فى الوجه البحرى كله بمدنه وقراه.
وعندما ضرب الإنجليز الإسكندرية بالمدافع من أسطولهم الذى حاصرها عام 1881، اصطحب أسرته إلى رشيد ليبقى فيها إلى أن انتقلت جنود الإنجليز من الإسكندرية ورشيد إلى منطقة القناة، وبعد عام واحد عاد بالأسرة من رشيد إلى الإسكندرية.
غنى بين الفصول
وفى عام 1884 كان الشيخ سلامة حجازى قد قضى حوالى ثمانى سنوات يغنى فى الأفراح ويحيى مع التخت الحفلات فى الأعياد والمواسم، وحدث أن جاء يوسف خياط وفرقته التمثيلية إلى الإسكندرية لكى تعرض الفرقة بعض مسرحياتها، ونصح بعضهم صاحب الفرقة أن يسعى إلى الاتفاق مع الشيخ سلامة حجازى لكى يظهر كمطرب مع فرقته حتى يضمن أن تقبل الجماهير على الفرقة، وذهب يوسف خياط لمقابلة الشيخ سلامة فى محاولة لضمه إلى الفرقة، لكنه فوجئ برفضه.. وقال له الشيخ سلامة حجازى: إن التشخيص الذى تقومون به على المسرح مكروه عند الأئمة ورجال الدين، وتحرم على نشأتى وتربيتى الدينية قبول المشاركة فى فرقتكم والتحول إلى مشخصاتى.
ويرد عليه يوسف خياط بقوله: يا شيخ سلامة نحن نمثل أمام الملوك والأمراء والباشوات، ولم يقل أحد من قبل أن التمثيل حرام، نحن نقدم فناً راقياً ولا يقل عما تقدمه أنت مع التخت من إنشاد أو غناء.
ويهز الشيخ سلامة حجازى رأسه نفياً ويقول فى إصرار: لا تنس أننى شيخ الطريقة الراسية، وكنت مقرئاً ومؤذناً ولا يمكن أن أنزل إلى مستوى المشخصاتية.
ويصر يوسف خياط على طلبه، ويقول للشيخ سلامة حجازى: يا شيخ سلامة أنت تغنى فى الأفراح وفى الموالد ولا تجد فى هذا عيباً، وصدقنى أن الغناء على المسرح أرقى وأفضل من هذا.
وأمام إلحاح يوسف خياط وإصراره قبل الشيخ سلامة حجازى أن يجرب حظه مع الفرقة على المسرح، لكنه اشترط ألا يشترك فى "التشخيص" وأن يقدم أغانيه فقط بين فصول المسرحية التى تقدمها الفرقة وبطريقة تجعل ظهوره منفصلاً تماماً عن الفرقة، ونجح سلامة حجازى على المسرح، وأطربه الأثر الذى تركه فى نفوس الناس وهم يهتزون طرباً عندما غنى لهم أغنيته المشهورة "سمحت بإرسال الدموع محاجرى".

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/isma3yl2.jpgالخديوى إسماعيل

وفى إحدى الليالى جاء إلى المسرح عبده الحامولى، وكان فى زيارة للإسكندرية، وقد كان عبده الحامولى أمير الطرب فى عصره، وكان المطرب الخاص للخديوى إسماعيل فى بلاطه، وكان حبه للمطربة "المظ" وزواجه منها حديث الناس، وقد سمع الشيخ سلامة حجازى فى أغانيه التى قدمها على المسرح بين فصول المسرحية، وأطربه غناؤه، فاستعاده المرة بعد المرة، وذهب يقابله فى كواليس المسرح ويبدى إعجابه بصوت الشيخ سلامة وبأغانيه وأدائه، ومنذ تلك المقابلة أصبحا صديقين، وعندما سأل الشيخ سلامة حجازى الحامولى عن رأيه فيما قدمته الفرقة، أخبره أن المسرح والتشخيص فن جميل خاصة إذا امتزج فيه التمثيل بالغناء كما يحدث فى الأوبرا والروايات الغنائية التى تقدمها الفرق القادمة من الخارج فى دار الأوبرا.
أول "هاملت" مصرى على مسرح الأوبرا

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/abdo2.jpgعبده الحامولى

أثر حديث عبده الحامولى فى نفس الشيخ سلامة حجازى، خاصة وقد افترقا صديقين وجمعت بينهما صداقة وطيدة فى مستقبل الأيام، إلى حد أنه لم يتردد فى أن يقبل عرض سليمان القرداحى بالظهور مع فرقته المسرحية التى جاءت هى الأخرى تعمل على مسارح الإسكندرية، وكانت فرقة القرداحى تقدم مسرحية اسمها "السر المكنون"، وفى حفل افتتاحها غنى الشيخ سلامة حجازى أغانيه بين فصولها، لكن ما أن أسدل الستار على المسرحية حتى بحث سليمان القرداحى عن الشيخ سلامة فلم يجده، لكنه لم ييأس وظل يطارده حتى تمكن من إقناعه بالانضمام إلى فرقته كمطرب وممثل فى نفس الوقت، وكانت تلك هى البداية الحقيقية للمسرح الغنائى المصرى.
كانت الأوبرا المصرية حديثة عهد بالإنشاء، منذ افتتحها الخديوى إسماعيل فى أسبوع الاحتفالات بافتتاح قناة السويس (1865) ولا تعمل على مسرحها غير الفرق الأجنبية التى تجئ من أوروبا لتحيى المواسم الأوبرالية الغنائية والتمثيلية أحياناً، وبذلت محاولات عديدة من الفرق المسرحية المصرية لكى تحتل موسماً من مواسم دار الأوبرا، وكانت هذه المحاولات تقابل دائماً بالمقاومة والرفض فى أغلب الأحوال ، ولكن حدث، كما قلت، أن نجح سليمان القرداحى فى ضم الشيخ سلامة حجازى إلى فرقته ليغنى ويمثل ويصبح نجم الفرقة، ويجمع المؤرخون لنشأة المسرح المصرى على أن ظهور الشيخ سلامة حجازى مطرباً وممثلاً وبطلاً لفرقة القرداحى كان هو البداية الأولى للمسرح الغنائى، فعلاوة على شهرة الشيخ سلامة كمطرب أصبحت له شهرته الغنائية إلى جانب عبده الحامولى والمظ ومشاهير الطرب، وقد لعبت الصداقة التى توطدت بين عبده الحامولى والشيخ سلامة حجازى دورها فى نجاح المساعى لدى الخديوى أن يسمح للفرق العربية، وبألحان عربية، بالعمل على مسرح دار الأوبرا، ففى عام 1885 سمح لفرقة سليمان القرداحى بدخول الأوبرا لتقديم مسرحية "مى وهوراس" وهى مقتبسة وممصرة عن مسرحية شكسبير الخالدة "هاملت"، وكانت أغلب مقاطع الحوار مغناه، صيغت شعراً غنائياً لكى يناسب صوت الشيخ سلامة حجازى كمطرب، وقد لعب فيها دور هوراس "هاملت"، وكان له فضل السبق فى الوقوف على خشبة مسرح الأوبرا والغناء فيها، واستحق بهذا أن يعتبره الدكتور محمود الحفنى فى مؤلفه التاريخى عن المسرح الرائد الأول للمسرح الغنائى العربى.
وترك الشيخ سلامة حجازى مكانه فى فرقة القرداحى وانضم إلى فرقة اسكندر فرح لكى يصنع مسرحاً خاصاً به، وينتقل بين العديد من الأدوار الغنائية والمسرحيات العالمية التى تواترت الفرقة على تقديمها طيلة أربعة عشر عاماً.
رائد المسرح الغنائى
على أن العصر الذهبى للشيخ سلامة حجازى كمطرب وممثل وصاحب فرقة بدأ عام 1905 عندما ترك فرقة اسكندر فرح لكى يكون فرقته الخاصة التى توفرت على تقديم المسرحيات الغنائية لكى تتيح للجماهير أن تستمتع بصوته وأدائه الموهوب وعبقريته الفنية التى لم يسبقه أحد إلى التفوق فيها، وكان يهتم اهتماماً خاصاً بالإطار الفنى الذى يقدم فيه المسرحيات للجماهير، فكان ينفق بسخاء وبذخ على المناظر التى تجرى فيها أحداث المسرحية والملابس التى تتطلبها المشاهد والأحداث. وفى فرقته ولدت عبقريات من مخرجى المسرح الأوائل مثل عزيز عيد. وأسهم فى خلق جيل من الكتاب المتفوقين الذين استطاع أن يجتذبهم إلى كتابة الروايات المسرحية لفرقته، إذ كان يدفع عن كل رواية مسرحية مكتوبة باللغة العربية الفصحى 150جنيهاً ذهبياً، وهذا المبلغ يمثل ثروة ضخمة فى مطلع هذا القرن.
واستطاع الشيخ سلامة حجازى على امتداد أربع سنوات قادمة أن يجعل من فرقته المسرحية درة المسرح الغنائى فى مصر، إلى أن أصيب بالشلل عام 1909 وسقط على المسرح وهو يؤدى واحداً من أدواره الغنائية المشهورة، لكنه أبى أن يغلق الفرقة أو يعتزل العمل على المسرح، فكان يقف على المسرح مسنوداً إلى مقعد ويؤدى دوره فى المسرحية وكأنما هو سليم معافى تماماً.

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/obra.jpgميدان الأوبرا مدخل حديقة الأزبكية سنة 1880


وكان حادث السقوط مريضاً بالشلل على المسرح مؤشراً إلى بدء النهاية فى حياة المطرب الشيخ سلامة حجازى رغم أنه لم يستسلم لليأس لحظة، وبدأ يقاوم السقوط فى زوايا النسيان، والبقاء على القمة ملء أسماع الناس وأبصارهم، ولكنه اضطر فى عام 1911 إلى اللجوء إلى فرقة جورج أبيض "جوق التمثيل العربى" ليكون نجماً للمسرحيات الغنائية التى بدأت تقدمها على مسرح دار الأوبرا، وظل يعمل فيها حتى عام 1914 عام الحرب العالمية الأولى، ثم انسحب تحت ضغط المرض وقعد فى انتظار النهاية الوشيكة إلى أن توفى فى الرابع من أكتوبر عام 1917 وبجواره واحد من تلاميذه الشبان يسمعه اسطوانة له غنى فيها قصيدة لشاعر القطرين خليل مطران بعنوان "حديث قديم" كان الشاعر الكبير قد أطلقها امتداحا له ولمواهبه وعبقريته.

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/7'lyl.jpgخليل مطران
ورحل الشيخ سلامة حجازى، الشيخ المنشد المقرئ الذى كان صوته يوصف بأنه الصوت الذهبى لحلاوته وجزالته، وترك وراءه تراثاً ضخما، واعتبرت أغانيه: "بسحر العين تركت القلب هايم" و"سمحت بإرسال الدموع محاجرى" و"صوت الحمام عالعود" و"سلوا حمرة الخدين".. إرهاصة الغناء العاطفى فى قمة رومانسيته، وخرج من تحت عباءته عبقرى الموسيقى الشيخ سيد درويش الذى غنى لأول مرة فى حياته فى مسرح الشيخ سلامة حجازى الذى قال عنه: هذا هو خليفتى.
رحل ولم يبق من مجده الآن غير اسمه الذى أطلق على "شارع الحوض المرصود فى القاهرة".
(المرجع: المعممون فى ساحة الغناء والطرب- عبد النور خليل- كتاب الهلال- العدد 608 أغسطس 2001م).

عصفور الجناين
05-12-2006, 02:16
عبد الوهاب يغنى ألحان الشيخ سلامة حجازى



غنى عدد كبير من مطربى مصر فى العقود الأولى من القرن العشرين ألحان الشيخ سلامة حجازى بل وسجلوها على اسطوانات.. من أشهر هؤلاء المطربين السيدة منيرة المهدية، ومطرب الأجيال الفنان محمد عبد الوهاب الذى غنى له:
- ويلاه ما حيلتى ويلاه ما عملى.. من رواية غانية الأندلس، وسجلها على اسطوانة.
- أتيت فألفيتها ساهرة.. من رواية حديث قديم، وسجلها على اسطوانة أيضاً.

(المرجع: كتاب "الشيخ سلامة حجازى" للدكتور محمد فاضل- مطبعة الأمة بدمنهور- سنة 1932)

عصفور الجناين
05-12-2006, 02:17
خليل مطران وبديع خيرى قصيدتان فى رثاء الشيخ


http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/images/motran-khlil.jpgخليل مطران





خليل مطران
رثى شاعر القطرين خليل مطران الشيخ سلامة حجازى بالقصيدة الآتية:





عم البلاد أسى ونال النيلا
يا ليت حظك منه كان قليلا
قتل العقوق كم استباح قتيلا
أجل الفتى لا يقبل التأجيلا



ما اختص فاجع خطبك التمثيلا
يا محييا فناً وميتاً دونه
أصبحت موجده وبت فقيده
أبت السلامة أن تعيذك باسمها




***

آناً وآناً عذرها المقبولا
فى عالم أبدعته تخييلا
كان الزمان ببعض ذاك بخيلا
حتى استمر ولم مملولا



ذهبت ليال كنت بلبل أنسها
والمستحب سماعه ولقاؤه
هيهات يرجع بعض ذاك وربما
عهد غنمنا الحلو من أوقاته




***

من بعدك الصبر الجميل جميلا
فى فنه ما جاوز المأمولا
ما يقتضيه فنه تبديلا
متعاقبين تذكرا وذهولا
فتعيده نوحا عليه طويلا



وليت مصطحباً قلوبا لا ترى
تبكى أبياً لوذعياً بالغا
غنى وناح شجا وسر مبدلا
ظلت تردد شدوه أو شجوه
يعتادها من لحنه ما استسلفت




***

فلك تهادى موسعا تبجيلا
بحر تغصص بالشجى محمولا
للأكرمون على الوفاء قبيلا
فى عفوه وكفى به مسئولا
تروى به ظمأى النفوس غليلا
ليس التحية فيه إلا قيلا
وتجيبها بنطيره ترتيلا



لله نعشك فى السناء كأنه
يطوى العنان ضحى ونحسبه على
أرضى الولاء مشيعوه وأنهم
فى رحمة الرحمن فى رضوانه
رد فى جنان الخلد أصفى مورد
واغنم جواراً للملائك طاهراً
تصغى إلى العلوى من ترتيلها





رثى بديع خيرى الشيخ سلامة حجازى بزجل قال فيه:


والزمان يسمح ويوجد لك مثيل
شئ ما يتعوضشى فى الدهر الطويل
والحقيقة لو لقوا عنك بديل
إلا أن الفضل فضل المستحيل



كانوا يفتكروا أنهم حايعوضوك
لما خاب الظن خالص والتقوك
النهارده بس قاموا يكرموك
كانوا نسيوك يا سلامة واهملوك




***

سادت الفوضى وعم الجهل فيه
والجهاد ياللأسف تعتز بيه
والزمايل كل من فيهم نسيه
مش عجيب- الفضل من فاضل شبيه



عشت للمسرح تجاهد فى أوان
واصطبرت سنين على الحرب العوان
طايفه من بعدك- وقبرك فى هوان
لم عطف إلا الطبيب عالكروان




***

من عواطفك فطفت عنها الهموم
نورها عن مصر احتجب بين الغيوم
كنت وردة مزهزهه فى ظل الكروم
وانهى شمعه فى ليالى طوال تدوم



كم أيادى صفقتلك كم قلوب
كنت شمس ولما مالت للغروب
كنت بلبل رغم أحزانك طروب
كنت شمعه وكلما احترقت تدوب




***

مهما يجرى الدمع م العين أو يفيض
فى الشلل تقسى على السبع المريض
إنت حى مافيش لأفضالك نقيض
فى نعيم الله وفى جاهه العريض



يرحم أيامك فى (روميو) لم تعود
يرحم أيامك فى (هملت) والجهود
طول ما لحن إن كنت فى الجيش فى الوجود
يا كريم النفس يهنيك الخلود

عصفور الجناين
05-12-2006, 02:19
المطرب الذى وزع نصف مليون اسطوانة



احتكرت شركة "أوديون" تسجيل أعمال الشيخ سلامة حجازى على اسطوانات، وقد بلغ ما وزعته اسطواناته خلال عشرين عاماً أكثر من نصف مليون اسطوانة، وهو يعد المطرب الوحيد فى عصره الذى وزع هذا العدد من الاسطوانات فى بدايات القرن العشرين..
والأعمال التى سجلها الشيخ على اسطوانات هى:


القصائد الغزلية:

اسطوانة
سمحت بإرسال الدموع محاجرى 1

اسطوانة
سفر اللثام
2

اسطوانة
سلو حمرة الخدين
3

اسطوانة
بدر حسن لاح لى- شكوتى فى الحب
4

اسطوانة
إن كان يوسف للجمال دعاكمو
5




أدوار التخت والتواشيح:

اسطوانة
بسحر العين 6

اسطوانة
أصبحت من وجدى بعدك
7

اسطوانة
مجروح يا قلبى والله سلامتك
8

اسطوانة
فؤادى يا جميل يهواك
9

اسطوانة
لغير لطفك أنا أشكى لمين
10

اسطوانة
ظريف الأنس والطلعة البهية
11

اسطوانة
لمو العشيرة واسمعوا ندائيا
12

اسطوانتين
قده المياس زود وجدى
13

اسطوانتين
يا رشيق القد
14

اسطوانتين
يا بدر واصل عشاق جمالك
15

اسطوانة
الوجه مثل البدر تمام
16

اسطوانة
تاه الفكر منك يادى العونه
17

اسطوانة
أدر لي بكأس الطرب
18




المواقف التمثيلية:

اسطوانتين
صلاح الدين (إن كنت فى الجيش) 19

اسطوانتين
شهداء الغرام (سلام على حسن)
20

اسطوانتين
شهداء الغرام (يا غزالا- عليك سلام الله)
21

اسطوانة
شهداء الغرام (دنت فدنا السرور- إن هذا اليوم يبدى)
22

اسطوانة
شهداء الغرام (يا حياتى لقد وفانى زمانى)
23

اسطوانة
تليماك (الحمد لله قد زال العنا)
24

اسطوانتين
ضحية الغواية (سلى النجوم يا شرلوت)
25

اسطوانتين
عائدة (أيا ليت لم أعرفك يوما)
26

اسطوانة
عظة الملوك (لحن الموت والحياة)
27

اسطوانة
مغائر الجن (هل عاد عندك يا زمان بعادى)
28

اسطوانة
تسبا (ماتت شهيدة حب لم تنل أمل)
29

اسطوانة
الجرم الخفى (ذبول شبابى وفقد البصر)
30

اسطوانة
رواية حمدان (هيا أيا شمس الكمال: بالله مرحمة وصبرا)
31

اسطوانة
رواية مظالم الآباء (قد حلا نظمى ورق الغزل)
32





سعيد باشا والى مصر

المارشات والسلامات:

اسطوانة
الصفا قد زاد والهنا قد عاد 33

اسطوانة
حبذا عصر سعيد زانه عبد الحميد
34

اسطوانة
بلبل السعود الزاهر
35

اسطوانة
أيها القمرى غرد
36

اسطوانة
دام سلطان الوجود
37

اسطوانة
قد علا إلى ربا العلا
38

اسطوانة
صفا الأوقات وفانى زمانى
39

اسطوانة
يا سامعا منى الندا
40




رثاء مصطفى باشا كامل:

اسطوانتين
من نظم أمير الشعراء شوقى بك 41

Hattouma
07-12-2006, 13:43
شكرا يا عصفور نرجو دائما ذكر مصدر الصور و المقلات مراعاة للحقوق


من مجلة أمواج الاسكنرية

http://www.amwague.net/amwague/9/shakhsyet/2.asp

Hattouma
07-12-2006, 14:42
من أعمال سلامة حجازي
من نفس المصدر

zeryab
09-06-2007, 01:10
مقالة هامة ومختصرة عن كتاب د. محمد فاضل ولكن وفرت علي عناء تحويل الكتاب إلى ملف بي دي أف وخصوصا ان النسخة عندي من القطع الكبيرة وليست العادية أي أكبر من حجم جهاز السكانر مما كان سيعذبني بالنقل , لذلك كان هذا الموضوع إنقاذ لي فشكرا جزيلا
قمت هنا بتحويل كل الموضوع من كتابة إلى ملف واحد بصيغة بي دي أف مما يسهل على القارئ الإطلاع والقراءة , ملاحظة مهمة بأن جميع القصائدة الواردة كانت مقلوبة أي العجز ثم الصدر والأصل هو الصدر ثم العجز كذلك قمت بالقليل من التعديلات التي لا تؤثر على صيغة الموضوع الأصلي وتحياتي