PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : Ghada Shbeir live



Burhan
08-02-2007, 11:51
annahar, today


سهرة طرب لها على مسرح قصر المؤتمرات
غادة شبير بين أكاديمية الأداء وجمال الموهبة الصوتية

أبعد من أن يقال عن صوت غادة شبير إنه جميل أو عذب (وهو ما قد يقال عموماً عن أيِّ صوت)، هو القول عنه إنه "صوت مثقف"، وهذا ما لا يقال في كلّ صوت.
والقول عنه إنه مثقّف (بمعنى الثقافة التي هي التهذيب والصقل) يعني أنه صوت "عارف" و"مدرك" ومن هنا صفته الوثقى بـ"ما" يؤدي وبـ"كيف" يؤدي. وهذا هو الأساس.
وكون غادة شبير أُستاذة جامعية للغناء الشرقي (في الجامعة اللبنانية، وجامعة الروح القدس/ الكسليك، والكونسرفاتوار) لا يقدِّم لها من الموهبة إلاّ الصقل التقني (أستاذ العَروض الناجح ليس بالضروري شاعراً مبدعاً)، من هنا انّ ما تتحلّى به من موهبة طبيعية (الصوت) زادتها علماً ومعرفة (التقنية)، جعل أداءها يطير بجناحين متوازيين يعصمانها من السقوط: الموهبة والتقنية، هاتين الصفتين اللتين لا نجاح للأداء الغنائي بدونهما معاً متوازيتين (الموهبة وحدها غناء متخبط عفوي لا يصل، والتقنية وحدها جفاف أدائي سليم من دون إقناع تأثيري).
بهذا الجو تطل غادة شبير على جمهورها كل مرة، بالإقناع التقني الذي يغلّف التأثير الصوتي، فيتلقّاها جمهورها بحماسة الفرح لسماع الأصول العالية، وبنشوة الطرب لسماع التراث الأصيل. وبهذا الجو نفسه تلقاها جمهورها أول من أمس على مسرح قصر المؤتمرات (ضبيه - بدعوة من "جمعية أندية الليونز الدولية").
ولأنها آتيةٌ من الوسط الجامعي الثقيف (حاملة ليسانس في العلوم الموسيقية، ودبلوم في الغناء الشرقي، وماجستير في العلوم الموسيقية، وجميعها من جامعة الروح القدس/ الكسليك)، عصمت حضورها على المسارح، منذ البداية، بالمستوى العالي الذي يوفر على جمهورها أن يحار كيف يصنفها أو يصنف احترامه لها، موقناً أنها لن تنحو (ولا يمكن لها، هي الأكاديمية، أن تنحو) صوب درك لا يشبهها أو يؤدي بجمهورها الى الخيبة من جنوحها الى المستهلكات المتوافرة في هذا الجو الساقط من الأغنية التي دخلت عليها موضة "الفيديو كليب" لتزيد من سقوط الساقط وتدني الرخيص.
أمسيتها الثلثاء، أعلنتها منذ البداية تحية الى أميرين للشعراء: أحمد شوقي (وهي كانت قبل ثلاثة أشهر شاركت في مؤتمر عنه وعن لامارتين في باريس – تشرين الثاني 2006) والأخطل الصغير.
والى هذين الكبيرين شاءتها تحية الى كبير آخر: محمد عبدالوهاب، مروراً بكبيرين: محمد القصبجي ورياض السنباطي. والى عمل واحد من فيلمون وهبه، كانت للسهرة مساحة احترام ووفاء للأخوين رحباني.
هذا هو الجوُّ العام الذي وسم أمسية غادة شبير، والذي أخذت إليه جمهوراً بات يعرفها ويحب أداءها ويتابع ما ترفده به من ريبرتوار ثقيف رصين خالد لا جدال معه حول المستوى لأن مستواه بات أرفع من كل جدال.
من الافتتاح بـ"يا ليل الصب"، الى الرائعة الخالدة "يا جارة الوادي" (أحمد شوقي/ محمد عبدالوهاب) أدّتها في إحساس رهيف وتنوعات صوتية راقية تخلّلتها فروقات أدائية واضحة أشارت الى ما تتمتع به غادة شبير من السيطرة على صوتها وتطويعه الى أعلى الجواب وأعمق القرار.
وبالمرور على "طقطوقة" (بالمعنى المصري) "على بلد المحبوب" (وما كان لها من رفض أم كلثوم غناءها ثم عدولها عن ذلك وغناؤها إياها بعدما صدرت بصوت السنباطي)، ثم على "دار البشاير مجلسنا" (كتبها أحمد شوقي لعرس ابنه وغناها عبدالوهاب ليلة العرس)، كانت "فرّق ما بيننا ليه الزمان" بأداء خاص جداً احترم الأصل لكن غادة شبير طرّزته بتنويعات صوتية "ذكية"، ثم "بليل وشتي" (قصيدة جوزف حرب التي لحّنها فيلمون وهبه) وهي جاءت "شخصية" الغناء "الشبيري" فأضافت الى نغمة فيلمون وهبه الشعبية مسحة من أكاديمية ابتعدت عن الحدود العلمية لتطير الى فضاء من الجماليا الصوتية.
ومن إطلالة "يا عاقد الحاجبين" (للأخطل الصغير والأخوين رحباني) كانت "مضناك جفاه مرقده" في سعي الى التطريب الجميل الذواقة، من دون الترداد النيرفاني ومن دون شطحات تنحو غالباً الى وجديات مصطنعة، ثم "إيمتى الزمان يسمح يا جميل" في ركن خاص من الأداء السليم الراقي، وصولاً الى رائعة الأخطل الصغير "أسقنيها بأبي أنت وأمي" وهي جاءت مع غادة شبير عالية الإحساس عالية الأداء عالية الحضور في تماسُك جعلها متينة الوقع في الجمهور.
وكان الختام في موشحين من الأخوين رحباني "يا حبيبي كلما هبّ الهوى"، و"يا من حوى ورد الرياض"، استعادهما الجمهور لما جاءا في صوت غادة شبير غنيّين بالثمرة الناضجة من النتاج الناضج، وبما أضافه الأخوان رحباني على هذين الموشحين من مذاهب وتنويعات نغمية جعلتهما خالدين على كل زمن.
هكذا، بين القصيدة والموشح و"الطقطوقة" (مرة أخرى: بالقاموس المصري)، سهر جمهور غادة شبير ساعة وبعض الساعة في جو آخر بعيد عن الذي جاء جمهورها منه (مضرّجاً بقرقعات نشرات الأخبار) فخرج ناعماً بشعور غبطة لا يعطيها إلاّ الفن الراقي الذي شحت ملامحه في الفترة الأخيرة بعدما شوّهته نطنطات صيصان المطاعم وقبابيط المقاهي وخفافيش الـ"فيديو كليبات" التي يقف الجمهور حيالها بين القرف والـ"يا عيب الشوم".
ولكن، إذا كانت تلك أعلاه مزايا غادة شبير، في أدائها الراقي السليم الممتاز لروائع الآخرين والأخريات (عبدالوهاب، أسمهان، فيروز،...)، بما يجعلها إحدى أندر من يؤديها على هذا المستوى العالي والراقي، فلماذا لا تبدأ غادة شبير بتأسيس "ريبرتوارها" الشخصي، فتكون لها أعمال خاصة ذات نصوص مكتوبة (أو مختارة) لها، وذات ألحان موضوعة لصوتها الذي يغبط كل شاعر أن يكتب له وكل ملحن أن يضع موسيقى له بهذا الأداء السائغ الذي يجمع الموهبة الأصيلة الى التقنية الأصيلة، فتتّحد عناصر العمل الناجح سلفاً بالنص واللحن والأداء.
الساحة شبه خالية من الأعمال العالية، الرصينة الراكزة، والساحة مفتوحة في الوقت نفسه لكل رقي وافد، فشعراء لبنان مبدعون، وملحنو لبنان مبدعون.
غادة شبير: الساحة لك.