PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : أزهريون حرّروا الموسيقى وجدّدوا الغناء



Burhan
07-03-2007, 08:46
أزهريون حرّروا الموسيقى وجدّدوا الغناء../ رشاد أبو شاور



مع نهاية القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، حدثت ( انتفاضة ) غنائيّة عربيّة في مصر.
عربيّة لأنها بحسب الناقد الفنّي عبد النور خليل، حرّرت الموسيقى العربيّة من هيمنة الموسيقى الفارسيّة، والغجريّة، وأسهم فيها الشيوخ : عبده الحامولي، سلامه حجازي، السفتي، المنيلاوي، سيّد درويش...
هؤلاء أرسلهم ذووهم ليتعلّموا القراءة في (الكتّاب ) عند ( مشايخ ) لا يجيدون سوى قراءة القرآن، وتجويده، ومن يسعفه الحّظ منهم ويفلح في حفظ ما يلقّنه له شيوخ الكتاتيب، ينتقل إلى القاهرة، ليتعلّم في ( الأزهر) ويتخرّج شيخاً معمماً...

الكتب التي تؤرّخ لفّن الغناء العربي والموسيقى العربيّة قليلة، وجيّدها نادر، ولكن بعضها يشكّل مراجع ككتابات الياس سحاب، والدكتورة رتيبة الحفني و.. منها كتابات عبد النور خليل، ولا سيّما كتابه ( المعممون...) الصادر عن منشورات دار الهلال المصريّة.
نادرون من سمعوا باسم مؤلّف أغنية ( زوروني كل سنة مرّة )، مع إنه مثري الغناء العربي بأجمل الأغاني، والأدوار، والطقاطيق: الشيخ يونس القاضي...

من كتاب ( المعممون في ساحة الغناء العربي ) عرفت الكثير عن رحلة الغناء العربي، فكّل هؤلاء الذين ارتقوا بالموسيقى العربيّة، والذوق الفنّي العربي، هم معممون، رجال دين أتقياء لم يروا في الغناء فسقاً وخروجاً على أصول الدين، وهم عادوا إلى ( المقام ) العربي، وأصّلوا للموسيقى العربيّة، واستعادوا ( الموشّح) بمفرداته الراقية، وموسيقاه الطربيّة.

لم تكن رحلتهم سهلة، فهم مرّوا في ظروف صعبة، وأحيانا هجروا بيوت ذويهم وهاموا في ( الشوارع ) إلى أن وجدوا من يؤمّن لهم العمل ولقمة العيش الكريم، ويفتح أمامهم الأبواب لتعريف الجمهور المتلهّف بهم.
حكاياتهم عجيبة أحياناً، في العشق، وفي الحياة وتصاريفها.

خذ مثلاً سيرة الشيخ عبد الحامولي، الذي وقع في حب سكينة سليم صغرى أربع بنات لأب سوري مهاجر،حضر بهنّ والدهن إلى مصر، ولكنه مات وتركهن ليتربين في كنف صديق له ( شيخ) أحسن تربيتهن، فبرعت منهن سكينة في الغناء حتى ذاع صيتها وحملت اسم ( ألمظ)...
بدأ نجم الحامولي والمظ في الصعود إبّان حكم الخديو إسماعيل المعجب بالغرب، ونهضة أوربة، والمنفتح على الفنون.

كانت ( المظ) تغنّي في ( الحرملك )، فيسمعها الرجال من وراء حجاب، فعشقها الشيخ الحامولي من صوتها و.. تزوجا، ولشدّة غيرته عليها حرمها من الغناء، رغم تدخّل الخديو إسماعيل للتاثير عليه والسماح لألمظ بالغناء. ألمظ تخلّت عن الشهرة واستجابت لأوامر ( سيّدها) ورغباته، وكانت تكتفي بالغناء له وحده، وسماع ما يلحّن ويغني وتبدي رأيها فيه.

قبل اعتزالها واحتجابها اشتهرت لها أغنية يقول مطلعها :
خبط الهوا عالباب قلت الحلو جالي
انتشرت أغاني الشيخ الحامولي، وهي عن الحب والهجر والخصام والحنين إلى المحبوب، والتي غنّاها مجدّداً في موسيقاها وأدائها، وليس على طريقة الغناء في الحرملك والقصور...
يكتب عبد النور خليل: يمكن أن يؤرّخ لميلاد الأغنية المصريّة الأصيلة بدءاً من عبد الحامولي، ومن جاء بعده، وحاكوه، وساروا على دربه.

إذا كان الحامولي علامة البداية في الأغنية العربيّة المصريّة، فإن الشيخ سلامه حجازي يعتبر مؤسس المسرح الغنائي. منحه والده اسم سلامة تيمناً بشيخ طريقة صوفيّة اسمه الشيخ سلامه الراسي. توفي والده وهو في الثالثة من عمره، فكفله الشيخ سلامه الراسي، واعتبره إبناً له، ومنحه رعايته الكاملة. أدخل معهداً دينيّاً في إسكندرية، ليتعلّم القرآن بالقراءات السبع، ثمّ أخذ يشارك بطانة الشيخ الراسي في الإنشاد الديني، ومن بعد خلف شيخه، ولكنهّ ترك الإنشاد الديني واتجه إلى الغناء مع ( التخت) ليصبح نجماً للغناء في أفراح الأسر الثريّة، ولينتقل للغناء بين الفصول في الفرق الغنائية المسرحية.

سلامه حجازي هو أب ورائد المسرح الغنائي، فهو أوّل من وقف على خشبة دار الأوبرا التي كانت وقفاً على الفرق الأجنبيّة في زمن الخديو إسماعيل المتشبّه بتقاليد قصور ملوك أوربة...
الشيخ سيّد درويش ( فنّان الشعب )، هو الذي نزل بالفّن إلى الشارع، وتفاعل مع البسطاء، والصنايعية الغلابة، وبموسيقاه ارتفعت أصوات ملايين المصريين في ثورة ال19 :
بلادي بلادي لك حبّي وفؤادي...

يكتب عبد النور خليل : كثير من المؤرخين يعتبرون أن ثورة ال19 كان لها زعيمان : سعد زغلول باشا، وسيّد درويش الذي أجج الغضب، والشعور بالكرامة، ونخوة الثار للوطن الجريح، في نفوس كل المصريين. ( فنّان عضوي جماهيري دون تنظير ).
حتى يومنا هذا ما زلنا نطرب لموسيقى وألحان سيد درويش، ترقص قلوباً فرحاً بها، فهو ابن عصره، وسابق عصره بتجديده للموسيقى، وغوصه عمياً في روح الشعب في لحظات توثّب وتحوّل تاريخيّة...

كان طبيعيّاً أن يفصل الأزهر الشيخ سيّد بتهمة الغناء في الأفراح، وأن يشترط عليه زوج شقيقته العمل معه في منجرته وإلاّ فالطرد من البيت، فيستجيب، ولكنه بعد سنتين يغادر مع فرقة أبناء عطاالله المسرحية إلى بلاد الشام في رحلة امتدت سنتين، فتّحت وعيه، وأضافت لخبرته وتجربته، فعاد أكثر دراية وبراعة.

من تابعوا مسلسل ( أم كلثوم) حفظوا اسم الشيخ أبو العلا محمّد، الذي رعا أم كلثوم ولقنها مبادئ الموسيقى الشرقيّة، وارتقى بذوقها وثقافتها، ووجهها لغناء القصائد الشعريّة الفصحى التي كان رائد تلحينها، ومنها ( أراك عصي الدمع ) لأبي فراس الحمداني.

يرى عبد النور خليل أن ( أم كلثوم) هي أعظم إنجاز له، هي التي ذهلت عن نفسها يوم وفاته، فسارت في جنازته بين الرجال حافية القدمين!
الشيخ علي إبراهيم القصبجي، العوّاد الملحّن، المنشد المتمكّن، ورث عنه ابنه محمّد عشق الموسيقا، غضب منه عندما علم بأنه يروغ من الأزهر ليدرس العزف على العود، فكسر العود، وحرمه من العزف، ولكن هيهات!

الشيخ زكريا أحمد، الذي كان الإبن الوحيد لأب فقد 21 ولداً قبله ماتوا في أسبوعهم الأوّل، أيضاً أزهري، طرده الأزهر، ونبذه والده، فتحمّل من أجل التلحين والغناء...

(المعممون) المؤسسون أسهموا في النهضة الفكريّة في زمن الأفغاني، والكواكبي، والشيخ علي عبد الرازق، وأحمد شوقي، وأججوا الحماسة لنيل الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي، لم يحرّموا الغناء والمسرح، غنّوا وأنشدوا للوطن والشعب، وارتقوا بالذوق الفنّي، وبشرّوا بحياة حرّة، جميلة، كريمة...

الخليج

luay
10-03-2007, 00:23
Thanks Burhan.
Based on this, Zakariya Ahmad's father was very productive :D

Luay