PDA

: ......



iraqimaqaam
08-10-2007, 10:54
رَشــيد أفـنــدي القــُندرُچـي ...... العالِـم الأميّ
في منتصف الربع الأول من القرن العشرين, حصلت هزّة في تاريخ المقام العراقي حملت معها ما هو قريب من ذاكرة ذلك الوقت, و ما مدوّن في التسجيلات الصوتية على القوان و الذي نحتفظ به حتى هذه اللحظة, بما يصنّف بالطريقة الكلاسيكية لقراءة المقام العراقي...اختلط فيها الفن العراقي العتيق بأصوله الممتدة الى ما قبل الثلاثمائة سنة بفن عصر تلك الفترة الذي استمر الى منتصف القرن العشرين تماما.....هذه الظاهرة اسمها رشيد أفندي القندرجي.
للأسف لم يذكر لنا تأريخ الموسيقى العراقية أية تفاصيل عن هذا العالـِم بفن المقام العراقي, الذي لا يضاهيه من فن في المنطقة, في ذلك الوقت...أثناء بزوغ فجره, و رغم تكوين قالبه في أرض بلاد الرافدين و الدول المجاورة و الدول المتاخمة لها...ألا أننا نستطيع ان نحلل من خلال سماعنا للتسجيلات المحدودة التي أدى فيها رشيد بعض المقامات بحسب ظروف تسجيلها, و التي لا تعتبر المراجع الوحيدة لأداءه الحقيقي خلال الفترة التي تألق فيها هذا العملاق حيث لا تمثل تلك التسجيلات طاقاته الحقيقية و التي لا يمكن أن تحصر في أربعة دقائق لكل وجه من الأسطوانة التي سجل فيها هو و سائر قراء المقام العراقي في ذلك العصر.
الصفة التعبيرية في أداء رشيد أفندي القندرجي هي من المهام الأولى في توصيل المعلومة الفنية للمتلقي, و هي أوسع و أكثف من كونها متقولبة... بعيدةً عن الحاجة في تسييس استخدامها كأداة, عندما تقف أمام السلطان المتأتي عليها, و الأعجاز الذي يفوق الصنعة في توصيل النغم الى الأثير الغير مهئ لهذه الهزّة التعبيرية لتوليف ذلك في أذهاننا كي يكون المكنون مقاماً بعد خروجه من الشخوص المتمثلة في أستاذ المقام العراقي... الفنان الخالد...الواسع المتواضع..الخبير رشيد أفندي القندرجي.
لا أعلم كيف تتبيّن الأمور في كيفية... انصهار صوته في أداءه و اللذان لا يمكن فرزهما عن بعضهما, كالماء عن الماء...و من ثم يتحول كل ذلك الى صنفين من الأصوات التعبيرية المتباعدة الطبقات عن بعضها البعض و التي لا يمكن فهم كونها تتأتى من شخص واحد (و قد عاش و مات في عصر قبل تطور أجهزة التسجيل الحديثة الحالية التي بدأت تبتكر مثل هكذا إبداع في عصرنا هذا) حيث لا يحتسب هذان البعدان على الإنجاز البشري المتمثل بشخص واحد.
ان تحول صوت القندرجي وفق ما يحتاجه من تعبير و أداء, يحتاج الى آذان بشرية خبيرة تستوعب هذا الابتكار المتلاعب به في تشكيلة خلقية و إبداعية من الصعب تكرارها...و أؤكد صعوبة تكرارها لما فيها من ابتكار إبداعي كبير..وليد اللّـحظة, يصعب صبه في (قوالب) ♦, كما ذكر بعض الرواد في المقام العراقي الذين يتعبهم فهم و تنفيذ مثل هكذا أداء... البعيد عن الاسترسال و القريب من التطور الآني حين ينحدر تياره في الارتجال الذي لا مناص من كونه غير قابل للتكرار, لأنه مترجـِم اللحظة التي يشعر فيها و يحسّها الفنّان... فيصبُّ فيها روحه, لتكن مكنوناً آخراً لا يمكن تشبيهه في المعالجات الأخرى, حينما لا تتوفر ذات الخلطة و لو مرتين في قراءة رشيد أفندي القندرجي لأنفراديـّة تركيبها.
هو يستخدم مفردات أكاديمية بحت....... كذلك يستخدم الاختزال ...و يُعَدّ الاختزال من المفاهيم الكشتالتية الحديثة التي كانت تستخدم كعوامل أساسية في تطـويــر الفنون التشكيلية و الموسيقية في العقود الأولى من القرن العشرين, فتجده يعوض مقاما كاملاً في لفظة واحدة (كما في صيحة التفليس عند مقام الحليلاوي).
لقد سبقت عصرك بعشرات السنين يا أبا حميد.أ عليك أن تُظهر لنا يا رشيدنا العزيز بأنـّك سعيد بمحاورتك مع (نگوله) في (لابس ضريبي)... بسـتة العـجم عشيران....! من أين يـأتي أداءك يا أخي...هل هو مكنون ملموس.....؟ أم محسوس...؟ هل تشعر بأن قراءتك تهيمن على مشاعرنا..؟ ثق أن أحاسيسنا أسيرةً لارتجالك الصّوفيّ الآني يا أبا حميد. يُـزَيـِّرُ أبو حميد صوتـَهُ لكي ينتقل الى الطبقات العليا حيثُ أنَّه لا يتمكّن فيزياوياً من الدّفع بصوته الى الطبقات العليا بشدّة و الحصول على (أوكتاﭭين) كما يريد, و هذا لا يعني بأنه غير قادر على الوصول الى الطبقات الصوتية العليا (نرى أنه يقرأ الرست عالياً نسبيا ً, كذلك الحجاز و غيره مع الأخذ بالأعتبار زيادة نصف الدرجة, كسرعة في التسجيلات القديمة)... يُـزَيـِّرُ صوتهُ من العالي الى المنخفض تدريجيا كوقع الفرشي المرطوب بالماء...سحرهُ, أَنَّ ليس أحداً مثله بهذا الوقع... حينما يستحدث في مخيلتنا المكان و الزمان الذي يقرأ هو فيه.
القـُـندرُچـي... يَـقـطـَع الكلمة..و يُطعّمُها باللَّحنِ تطعيماً, كواضع العاج في منحوتة من الأبَنوس...اللَّحن هنا يطبخ الكلمات ..رشيد أفندي يُرضِخ الشِّعر الى سِحرِ أداءهِ الذي ليس في مثلهِ مثيل. لقد صنعت أُمِّـيَتَـهُ نُدرة أداءِهِ الأَخـّاذ.
قـَطعِهِ الحادّ في الجملة اللَّحنية أَرَقٌّ من أيّ لحنٍ شجيِّ فيها..تذوب قراءاته في اللّحن ..و هو يُذيبها في أداءهِ كالثلج في الخمر..كلاهما يـُذيب الآخر...كلاهما مُسكِر.
لا أعلم لماذا...؟ و لكنني استنتجت بأن العملاقين (يوسف بتو) عازف السنطور, و (صالح شُـمّـيل) عازف الكمانة جوزة لا يعملان السّحر الاّ مع الحاوي..هل كانوا يعزفون له من زمن الأموات الغامض ..؟ أم أمواتاً يعزفون لهم, فيصحبونهم الى حقولهم حيثُ العتيق...و نشمُّ رائحة الصدأ, فَنَستفيق...؟؟
ينصهر الكلام عند رشيد في الّلحن...فيخرج لنا مخلوقاً مُخَضـّباً بالسلطان...يُحبَس في صُدورِنـا كالجنّ...فنغرق في غناءه حتى ينتهي منهُ...حينئذٍ يخرج الجنّ...و يُرينا أنَّ الأزمان العتيقة هي التي تُديم لنا الحياة بسحر الغناء الجميل....شكراً أبا حميد...الآن فهمت بأن المقام العراقي هو الفن الذي يُـعَشِّق (يُعَشّق = يُشبك) الأمواتَ بالأحياء...

في منتصف الربع الأول من القرن العشرين, حصلت هزّة في تاريخ المقام العراقي....هذه الظاهرة اسمها رشيد أفندي القندرجي.

♦ ذكر أحد روّاد و قرّاء المقام المنافسين لرشيد أفندي, أنّ رشيداً يقرأ في قوالب موضوعة أساساً في المقامات...لا يستطيع تخطـّيها, و يعيد تكرارها كلما قرأ ذات المقام..و لم يكن هذا الرأي صحيحاً.
----------------
د. جمال العطوي
الباحث في المقام العراقي و الموسيقى البابلية