ovide
26-03-2008, 22:42
مع تحفظاتي الشخصية على بعض ما ورد، من الأصل أو من النقل، إليكم هذا الموضوع القيّم المنشور في 22/03/ 08:
سيد درويش أعاد قراءة أساتذته ولم يبدأ الثورة الموسيقية
مصطفى سعيد: موسيقى الاستهلاك ليست ما يريده الجمهور
مصطفى سعيد موسيقي مصري شاب، يقيم حاليا في لبنان، يدرس علوم الموسيقى في الجامعة الانطونية، كما يدرّس فيها مادة العود وعلوم الارتجال والغناء وموسيقى المجموعة. سعيد ضرير، لا يبصر سوى الموسيقى كجمال وعلم وفن واصالة، حفله في «مسرح بابل» بمناسبة ذكرى مرور مئة وستة عشر عاما على ولادة سيد درويش، أجل، عن درويش وموسيقاه الذي يهتم بها سعيد كان هذا الحوار.
لماذا اقامتك في لبنان، أنت الآتي من مصر، بلد الموسيقى والغناء. ما هو نوع الدراسة الموسيقية التي ينشدها في لبنان؟
∎ اتيت الى لبنان طلبا لتعلم علوم الموسيقى، وطلبا للتواصل الموسيقى الذي آثرته واخترته عن كل الاجواء الموسيقية الاخرى. التواصل الموسيقي مع الاجواء العربية الذي وجدته هنا. اصبح الجو السائد في معظم هذه الانحاء العربية خاضعا لمؤثرات خارجية غير منسجمة مع هذا التقليد، او لاغية له، او شعورا بالدونية تجاه الغرب او الاخر، والتقليد الذي اعنيه هو المرادف لكلمة العطاء، وليس المرادف لكلمة التكرار او المحاكاة. فلقد اجريت دراسات، على الفنون المختلفة وتعاملت مع هذه الفنون على انها لغة. فإذا اخذنا هذا بالاعتبار وتعاملنا مع الموسيقى على انها لغة، فإن هذه اللغة تتطور من زمن الى زمن، من الداخل اي من داخل تلك اللغة. اي بمعنى آخر اتيت الى لبنان لدراسة علوم الموسيقى اي علاقة الموسيقى بمختلف العلوم الإنسانية (تاريخ، فلسفة أدب، اجتماع الخ). اي علاقة الموسيقى وأساليب التحليل المختلفة.
هل وجدت مبتغاك في الجامعة الانطونية، حدثنا عن تعاملك الجاد والمميز مع الموسيقار نداء ابو مراد؟
∎ بدأت العلاقة بيني وبين ابو مراد موسيقية اذ سجلت معه في ألبومي الاخير تحقيقه للنماذج الموسيقية التي تركها ميخاييل مشاقة، (لبناني من القرن التاسع عشر) كتابه اسمه «الرسالة الشهابية» انسجمنا اذن موسيقيا، ثم وجدت فيه استاذا ومرشدا (اعني نداء ابو مراد) ذا تفكير علمي وضح لي سبلا في ما كنت افكر فيه وامارسه موسيقيا ووجدت عنده تفسيراً علميا ومنطقيا، فاخترت ان اكون طالبا في المعهد العالي للموسيقي (الانطونية) تحت إشرافه. كما انني ادرّس في الوقت نفسه في المكان نفسه، مادة العود وعلوم الارتجال، والغناء وموسيقى المجموعة.
لماذا وحيداً وبعيداً عن الأهل ومصر؟
∎ بادئ ذي بدء، ارتباطي ليس ارتباطا مكانيا وانما ارتباطي بالإنسان. وليست هذه المرة الاولى التي اكون فيها وحيدا وبعيدا فلقد اخترت ذلك وأنا في مصر. تعودت صغيرا ان أدبر اموري بنفسي واتحمل مسؤولية عيشي بعيداً عن بيت الأسرة. اعيش حاليا في بيروت ويبدأ نهاري بممارسة العزف على العود «آلتي» او بشكل تقني صاف او اذا كانت السلطنة موجودة فإن النهار يبدأ جيدا، وتمرين الاصابع والريشة ويخلو الجو للتقاسيم والارتجال او جوهر الموسيقى. ادرس صباحا دروسي الجامعية وأقرأ قراءاتي العادية، تبدأ في الثانية ظهرا وتنتهي في الثامنة مساء ما بين تدريس ودراسة.
الثورة الموسيقية
كان اساس هذه المقابلة، حفلك الذي كنت تزمع اقامته في «مسرح بابل» عازفا على عودك ومغنيا بمناسبة ذكرى سيد درويش. ماذا عن الحفل وتأجيله الى موعد لاحق.
∎لا اعرف تحــديداً لمــاذا تأجل ولعلها امور تتعلق بمواعيد مسبقة، ويجـدر سؤال ادارة المسرح عن ذلك، والحفلة لم تلغ بل سيعلن عنها في حينه.
أنا أرى ان الثورة الموسيقية لم تبدأ عند الشيخ سيد درويش. أنا اجمالا لا تعنيني موسيقى أفراد. ولا حتى موسيقاي الشخصية. ان ما يعني لي في الموسيقى هو ما تؤثر به على سامعها، والحالة التي وجدت فيها هذه الموسيقى. ان النهضة الموسيقية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد فترة ركود طال امدها، كانت دلالة على ثورة حقيقية لواقع اجتماعي ظل لمئات السنين مستسلما لواقع سياسي متخاذل وواقع اجتماعي منغلق باسم الدين. لم تبدأ هذه الثورة الاجتماعية موسيقيا، وانما جاءت ثورة فكرية تامة ناتجة عن الاستقلال العثماني آنذاك. فكانت ثورة فكرية حقيقية على يد جمال الدين الافغاني وعبد الله النديم ومحمد عبده وقبلهم رفاعة الطهطاوي الخ. وتبلورت هذه الثورة في الادب والشعر مثل احمد شوقي والبارودي وحافظ ابراهيم... الخ. وعليه كانت ايضا النهضة الموسيقية التي بدأت بكتابة الكتب مثل كتاب محمد شهاب الدين «نفيسة الفلك وسفينة الملك» وكتاب خليل مشاقة في «الرسالة الشهابية». واللذان صورا الحالة او الوضع الموسيقي في المشرق العربي قبيل وإبان النهضة الموسيقية. ثم جاء دور الاستنهاض من الداخل على يد عبده الحامولي ومحمد عثمان ومن كان معهم. فقد اخذت هذه المدرسة اصول نهضتها من الواقع الموسيقي الموجود والموروث وطورت على اساسه تطويراً من الداخل قائما اصلا على دعائم الارتجال والابداع الآني وليس اعادة ما سبق.
وجاء من بعدهم من كمل هذه المسيرة. المنيلاوي، او العلا محمد، عبد الحي حلمي، سلامة حجازي... الخ. وكانت بعد ذلك محطة سيد درويش، في وقت كادت الموسيقى ان تعود فيه الى سابق عهدها من التكرار لظرف الحرب العالمية والتخبط في فهم الواقع والنزاع ما بين السلفية والتطور. فأعاد درويش قراءة اساتذته ومشى او سار على خطين موسيقيين. وهنا تبدأ الاشكالية.
الاشكالية بأي معنى؟
∎ هناك خط موسيــقي تقليـدي مشرقي، تمثل في اعمال سيد درويش من الموشحات والادوار واغاني الطوائف (العمالية) المأخوذة من الموروث الشعبي، وألحانه للمنشــدين المأخـوذة من التراث الانشادي (المأخوذة بمعنى مطورة من الداخل) والتي كان يفضلها درويش كما ورد في كتاباته. اما الخط الثاني: فهو مخاطبة الواقع الجديد الناتج عن الشعور بالضعف والخزي نتيجة لنتائج الحرب العظمى ووقوع المنطقة تحت الاستعمار.
فكان ما عرف بأغاني المسرح الغنائي والتي اخذت طابع غــربيا وتغريبا او عسكريا في الأناشيد الوطنية. والشائــع ان جــل اغــاني سيد درويش الوطــنية هي من النمط الآخر، والواقع غير ذلك. فإن اغاني درويش الوطنية المأخوذة من نبض الشارع والتقليد الموسيقي الموجود بالمنطقة، تفوق عدداً وجودة الاغاني الاخذة بالطابع العسكري. وانما ظرف الثورة، وارادة الوعي الوطني هي التي فرضت عليه مخاطبة كل طبقات الشعب على اختلاف ثقافاتها وانتماءاتها.
أين نحن
أين نحن الآن فنياً، من المفهوم الجميل للموسيقى والغناء، الفنون عموماً؟
∎ اهمل معظم الموسيقيين في منطقتنا الاشتغال والتطوير في الجانب الاول (الموسيقي التقليدي) حاسبين ان تطور الموسيقى والفنون في مجتمعنا لن يكون إلا بالاعتماد على الوارد الخارجي، كما هي الحال في السلفية الدينية. فوقع المتلقي في ازمة لا يشعر هو بها. فلقد اعتاد على هذا النوع الاخر من الموسيقى وحسبها تعبّر عنه. غير ان دواخله لا توافق ظواهره في هذا. فهذه ليست لغته يحكيها، لذا وقع فريسة للنشوة الاضطرابية بديلا عن النشوة الهدوئية المفترض وجودها. وذلك نتيجة، لاستسلامه للمعروض من موسيقى الاستهلاك اليومي، ولــيس ما يـروّج ان هذا ما يريده الجمهور.
اما موسيقيا، فإن النشوة الاضطرابية تمثل في حالتنا: الصخب وارتفاع الصوت، الاهتمام بالايقاع الظاهر سريعا كان ام بطيئا، وغياب التخاطب بين المبدع والمتلقي والذي كان يرتكز على الارتجال. فكانت الهوة بين الموسيقي ومستمعيه فأخذ الموسيقي فنه مهنة واخذها المستمع تسلية، فقعدت ما بها من جمال، واكتسبت روح المهنية والتجارة. فلا نرى سؤالا عن موسيقي إلا عن شكله الخارجي، وان كان عازفا فعن مهارته التقنية، غير مكترثين بما لديه من مواهب روحية وابداعية.
ماذا عن النشوة الهدوئية، ما الذي يعنيه هذا المرادف؟
∎النشوة الهدوئية هي الوصول للراحة النفسية عبر التخاطب في حالتنا بين الموسيقي والمستمع. ففي النشوة الاضطرابية يكون الرد بالصوت العالي والحركة «اوه... برافو» اما النشوة الهدوئية فيكون الرد بالهدوء والسكينة: «آه... يا سلام... يا روحي... الله...» وتكون نتيجة للفهم المتبادل بين الموسيقي ومستمعــه بالعمل الثابت او بالارتجال.
أين دور الاعلام في هذا التهافت والرخص؟
∎ ليس الجمهور هو الطالب لهذا الفن الرخيص والتجاري. وانما استسهال الطريق عند اصحابه، والرغبة في الكسب السريع المباشر من وسائل الانتاج والاعلام. وهنا يجدر الخطاب لوسائل الاعلام مقرؤة كانت او مسموعة او مرئية، وخاصة الهادف منها والمحترم ان يلقوا نظرة على الواقع الفني لهذه المنطقة للمساعدة في اصلاحه. فالفن خلق، وما صلحت أمة الا بصلاح أفرادها.
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=894&ChannelId=20220&ArticleId=2284
سيد درويش أعاد قراءة أساتذته ولم يبدأ الثورة الموسيقية
مصطفى سعيد: موسيقى الاستهلاك ليست ما يريده الجمهور
مصطفى سعيد موسيقي مصري شاب، يقيم حاليا في لبنان، يدرس علوم الموسيقى في الجامعة الانطونية، كما يدرّس فيها مادة العود وعلوم الارتجال والغناء وموسيقى المجموعة. سعيد ضرير، لا يبصر سوى الموسيقى كجمال وعلم وفن واصالة، حفله في «مسرح بابل» بمناسبة ذكرى مرور مئة وستة عشر عاما على ولادة سيد درويش، أجل، عن درويش وموسيقاه الذي يهتم بها سعيد كان هذا الحوار.
لماذا اقامتك في لبنان، أنت الآتي من مصر، بلد الموسيقى والغناء. ما هو نوع الدراسة الموسيقية التي ينشدها في لبنان؟
∎ اتيت الى لبنان طلبا لتعلم علوم الموسيقى، وطلبا للتواصل الموسيقى الذي آثرته واخترته عن كل الاجواء الموسيقية الاخرى. التواصل الموسيقي مع الاجواء العربية الذي وجدته هنا. اصبح الجو السائد في معظم هذه الانحاء العربية خاضعا لمؤثرات خارجية غير منسجمة مع هذا التقليد، او لاغية له، او شعورا بالدونية تجاه الغرب او الاخر، والتقليد الذي اعنيه هو المرادف لكلمة العطاء، وليس المرادف لكلمة التكرار او المحاكاة. فلقد اجريت دراسات، على الفنون المختلفة وتعاملت مع هذه الفنون على انها لغة. فإذا اخذنا هذا بالاعتبار وتعاملنا مع الموسيقى على انها لغة، فإن هذه اللغة تتطور من زمن الى زمن، من الداخل اي من داخل تلك اللغة. اي بمعنى آخر اتيت الى لبنان لدراسة علوم الموسيقى اي علاقة الموسيقى بمختلف العلوم الإنسانية (تاريخ، فلسفة أدب، اجتماع الخ). اي علاقة الموسيقى وأساليب التحليل المختلفة.
هل وجدت مبتغاك في الجامعة الانطونية، حدثنا عن تعاملك الجاد والمميز مع الموسيقار نداء ابو مراد؟
∎ بدأت العلاقة بيني وبين ابو مراد موسيقية اذ سجلت معه في ألبومي الاخير تحقيقه للنماذج الموسيقية التي تركها ميخاييل مشاقة، (لبناني من القرن التاسع عشر) كتابه اسمه «الرسالة الشهابية» انسجمنا اذن موسيقيا، ثم وجدت فيه استاذا ومرشدا (اعني نداء ابو مراد) ذا تفكير علمي وضح لي سبلا في ما كنت افكر فيه وامارسه موسيقيا ووجدت عنده تفسيراً علميا ومنطقيا، فاخترت ان اكون طالبا في المعهد العالي للموسيقي (الانطونية) تحت إشرافه. كما انني ادرّس في الوقت نفسه في المكان نفسه، مادة العود وعلوم الارتجال، والغناء وموسيقى المجموعة.
لماذا وحيداً وبعيداً عن الأهل ومصر؟
∎ بادئ ذي بدء، ارتباطي ليس ارتباطا مكانيا وانما ارتباطي بالإنسان. وليست هذه المرة الاولى التي اكون فيها وحيدا وبعيدا فلقد اخترت ذلك وأنا في مصر. تعودت صغيرا ان أدبر اموري بنفسي واتحمل مسؤولية عيشي بعيداً عن بيت الأسرة. اعيش حاليا في بيروت ويبدأ نهاري بممارسة العزف على العود «آلتي» او بشكل تقني صاف او اذا كانت السلطنة موجودة فإن النهار يبدأ جيدا، وتمرين الاصابع والريشة ويخلو الجو للتقاسيم والارتجال او جوهر الموسيقى. ادرس صباحا دروسي الجامعية وأقرأ قراءاتي العادية، تبدأ في الثانية ظهرا وتنتهي في الثامنة مساء ما بين تدريس ودراسة.
الثورة الموسيقية
كان اساس هذه المقابلة، حفلك الذي كنت تزمع اقامته في «مسرح بابل» عازفا على عودك ومغنيا بمناسبة ذكرى سيد درويش. ماذا عن الحفل وتأجيله الى موعد لاحق.
∎لا اعرف تحــديداً لمــاذا تأجل ولعلها امور تتعلق بمواعيد مسبقة، ويجـدر سؤال ادارة المسرح عن ذلك، والحفلة لم تلغ بل سيعلن عنها في حينه.
أنا أرى ان الثورة الموسيقية لم تبدأ عند الشيخ سيد درويش. أنا اجمالا لا تعنيني موسيقى أفراد. ولا حتى موسيقاي الشخصية. ان ما يعني لي في الموسيقى هو ما تؤثر به على سامعها، والحالة التي وجدت فيها هذه الموسيقى. ان النهضة الموسيقية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد فترة ركود طال امدها، كانت دلالة على ثورة حقيقية لواقع اجتماعي ظل لمئات السنين مستسلما لواقع سياسي متخاذل وواقع اجتماعي منغلق باسم الدين. لم تبدأ هذه الثورة الاجتماعية موسيقيا، وانما جاءت ثورة فكرية تامة ناتجة عن الاستقلال العثماني آنذاك. فكانت ثورة فكرية حقيقية على يد جمال الدين الافغاني وعبد الله النديم ومحمد عبده وقبلهم رفاعة الطهطاوي الخ. وتبلورت هذه الثورة في الادب والشعر مثل احمد شوقي والبارودي وحافظ ابراهيم... الخ. وعليه كانت ايضا النهضة الموسيقية التي بدأت بكتابة الكتب مثل كتاب محمد شهاب الدين «نفيسة الفلك وسفينة الملك» وكتاب خليل مشاقة في «الرسالة الشهابية». واللذان صورا الحالة او الوضع الموسيقي في المشرق العربي قبيل وإبان النهضة الموسيقية. ثم جاء دور الاستنهاض من الداخل على يد عبده الحامولي ومحمد عثمان ومن كان معهم. فقد اخذت هذه المدرسة اصول نهضتها من الواقع الموسيقي الموجود والموروث وطورت على اساسه تطويراً من الداخل قائما اصلا على دعائم الارتجال والابداع الآني وليس اعادة ما سبق.
وجاء من بعدهم من كمل هذه المسيرة. المنيلاوي، او العلا محمد، عبد الحي حلمي، سلامة حجازي... الخ. وكانت بعد ذلك محطة سيد درويش، في وقت كادت الموسيقى ان تعود فيه الى سابق عهدها من التكرار لظرف الحرب العالمية والتخبط في فهم الواقع والنزاع ما بين السلفية والتطور. فأعاد درويش قراءة اساتذته ومشى او سار على خطين موسيقيين. وهنا تبدأ الاشكالية.
الاشكالية بأي معنى؟
∎ هناك خط موسيــقي تقليـدي مشرقي، تمثل في اعمال سيد درويش من الموشحات والادوار واغاني الطوائف (العمالية) المأخوذة من الموروث الشعبي، وألحانه للمنشــدين المأخـوذة من التراث الانشادي (المأخوذة بمعنى مطورة من الداخل) والتي كان يفضلها درويش كما ورد في كتاباته. اما الخط الثاني: فهو مخاطبة الواقع الجديد الناتج عن الشعور بالضعف والخزي نتيجة لنتائج الحرب العظمى ووقوع المنطقة تحت الاستعمار.
فكان ما عرف بأغاني المسرح الغنائي والتي اخذت طابع غــربيا وتغريبا او عسكريا في الأناشيد الوطنية. والشائــع ان جــل اغــاني سيد درويش الوطــنية هي من النمط الآخر، والواقع غير ذلك. فإن اغاني درويش الوطنية المأخوذة من نبض الشارع والتقليد الموسيقي الموجود بالمنطقة، تفوق عدداً وجودة الاغاني الاخذة بالطابع العسكري. وانما ظرف الثورة، وارادة الوعي الوطني هي التي فرضت عليه مخاطبة كل طبقات الشعب على اختلاف ثقافاتها وانتماءاتها.
أين نحن
أين نحن الآن فنياً، من المفهوم الجميل للموسيقى والغناء، الفنون عموماً؟
∎ اهمل معظم الموسيقيين في منطقتنا الاشتغال والتطوير في الجانب الاول (الموسيقي التقليدي) حاسبين ان تطور الموسيقى والفنون في مجتمعنا لن يكون إلا بالاعتماد على الوارد الخارجي، كما هي الحال في السلفية الدينية. فوقع المتلقي في ازمة لا يشعر هو بها. فلقد اعتاد على هذا النوع الاخر من الموسيقى وحسبها تعبّر عنه. غير ان دواخله لا توافق ظواهره في هذا. فهذه ليست لغته يحكيها، لذا وقع فريسة للنشوة الاضطرابية بديلا عن النشوة الهدوئية المفترض وجودها. وذلك نتيجة، لاستسلامه للمعروض من موسيقى الاستهلاك اليومي، ولــيس ما يـروّج ان هذا ما يريده الجمهور.
اما موسيقيا، فإن النشوة الاضطرابية تمثل في حالتنا: الصخب وارتفاع الصوت، الاهتمام بالايقاع الظاهر سريعا كان ام بطيئا، وغياب التخاطب بين المبدع والمتلقي والذي كان يرتكز على الارتجال. فكانت الهوة بين الموسيقي ومستمعيه فأخذ الموسيقي فنه مهنة واخذها المستمع تسلية، فقعدت ما بها من جمال، واكتسبت روح المهنية والتجارة. فلا نرى سؤالا عن موسيقي إلا عن شكله الخارجي، وان كان عازفا فعن مهارته التقنية، غير مكترثين بما لديه من مواهب روحية وابداعية.
ماذا عن النشوة الهدوئية، ما الذي يعنيه هذا المرادف؟
∎النشوة الهدوئية هي الوصول للراحة النفسية عبر التخاطب في حالتنا بين الموسيقي والمستمع. ففي النشوة الاضطرابية يكون الرد بالصوت العالي والحركة «اوه... برافو» اما النشوة الهدوئية فيكون الرد بالهدوء والسكينة: «آه... يا سلام... يا روحي... الله...» وتكون نتيجة للفهم المتبادل بين الموسيقي ومستمعــه بالعمل الثابت او بالارتجال.
أين دور الاعلام في هذا التهافت والرخص؟
∎ ليس الجمهور هو الطالب لهذا الفن الرخيص والتجاري. وانما استسهال الطريق عند اصحابه، والرغبة في الكسب السريع المباشر من وسائل الانتاج والاعلام. وهنا يجدر الخطاب لوسائل الاعلام مقرؤة كانت او مسموعة او مرئية، وخاصة الهادف منها والمحترم ان يلقوا نظرة على الواقع الفني لهذه المنطقة للمساعدة في اصلاحه. فالفن خلق، وما صلحت أمة الا بصلاح أفرادها.
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=894&ChannelId=20220&ArticleId=2284