PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : الموسيقا والعروض



علي ناجي
22-04-2008, 21:10
السلام عليكم

قرأت النص التالي في صفحة نوادر النصوص في شبكة الوراق. وهو نص يتناول فيه كاتبه بحر المديد فيبين لحنه وايقاعه بالنوطة الموسيقية، ويستعرض أشهر الأشعار التي كتبت على وزنه وغنت في عصرنا هذا وفي العصر الأولى. وهذا هو النص أنقله لكم كاملا، وأود من أحد الاخوة أن يشرح المقطع الملون بالأزرق. وسؤالي هو: كيف نربط بين النوطة الموسيقية المذكورة ووزن البحر المديد? وماذا تعني هذه النوطة? هل هي ايقاع للوزن أم لحن يمكن استخدامه عند الغناء بأبيات من وزن المديد? لعل أحدكم يمثل تلك النوطة بصوته? وسأكون شاكرا وممتنا.

دونكم النص بقلم زهير ظاظا:

أقول قبل الخوض في الكلام على قصة البحر المديد في التاريخ: إن الإيقاع الذي اكتشفته للبحر المديد يقتضي أن ينشد على النحو التالي (فاعلاتن فا) (علن) (فاعلا) (تن) بالسكوت مقدار حركة بين كل قوسين.

وهو حسب النوطة الموسيقية:

1: مي فا صول صول/ 2 صول صول صول/ 3 فا مي فا مي / 4 ري/ 5 ري مي فا فا / 6 فا فا فا / 7 مي ري مي ري / 8 دو/

(قصة البحر المديد): لم يتعرض بحر من البحور للإنكار والاستهجان كما كانت الحال مع البحر المديد والمضارع كما بينت ذلك في كتابي (موسوعة البحور). فأما المديد فقد قام من شيوخ الأدب من دعا لإسقاطه من قائمة بحور الشعر واعتبار كل ما كتب فيه مجرد امتهان وحذلقة. على أنه وجد في العروضيين قديماً وحديثاً من أثنى عليه وأطراه. وبينما ذهب حازم إلى وصفه بأنه يتميز برقة ولين مع رشاقة يشارك فيها الرمل ويجعلهما أليق بالرثاء منهما بغير ذلك ، فقد رأى فيه عبد الله الطيب عكس ذلك، ووصف المديد بأنه النمط الصعب ورأى فيه صلابة ووحشية وعنفاً ولم يستبعد أن تكون تفعيلاته قد اقتبست في الأصل من قرع الطبول التي كانت تدق في الحرب ، ذلك لأن تفعيلاته تتطلب كلمات متقطعة مما جعل الشعراء يتحامونه. وتعدى ذلك التنوخي في كتابه " إحياء العروض " فرأى أن الإبقاء على المديد في قائمة بحور الشعر العربي ما هو إلا تقليد أعمي سيعفّي عليه الدهر وقال ص160:

( إن من يكره بطبعه التقليد الأعمى ويشاهد بعينه وبموسيقية أذنه ما بين هذه الفصيلة العروضية من قرابة - أي بين الخفيف والرمل والمديد - يعجب لهذه الدوائر حين يرى أن الرمل من الدائرة الثانية والخفيف من الرابعة والمديد من الأولى ، ثم يعجب إذ يرى المديد وحده مجزوءاً وجوباً بحكم دائرته مع تمام الخفيف والرمل في دائرتيهما ، ونحن إذا عرفنا مع هذه القرابة الثابتة أن ما نظم على المديد من الشعر لا يكاد يذكر بالنسبة إلى غيره لا نتردد متورعين في الميل إلى حذف المديد وجزر مده إلى الرمل وفي ذلك من الاختصار واليسار ما فيه )

قال ص 156:

( ولم يستعذب الشعراء في الجاهلية النظم على هذا البحر لثقلٍ فيه ولذا قل في الشعر العربي قديمه وحديثه بالنظر إلى غيره )

وزاد إبراهيم أنيس مغالياً كل المغالاة في هجمته على البحر المديد ومشككاً في أصالة هذا البحر وعروبته فقال في كتابه " موسيقى الشعر " ص192:

( والذي يبعث على الحيرة والدهشة أن نرى بحراً كالمديد أعطاه الخليل في عروضه تلك العناية الظاهرة ، ومع هذا فلا نكاد نسمع له ذكراً في الأشعار القديمة ، ولسنا نعرف شاعراً من الأقدمين قد نظم فيه قصيدة طويلة وليس يكفي من تلك المقطوعات القصيرة التي رويت منه أن نحكم على أنه وزن عربي مألوف على أنه قد اشتهرت منه أبيات أربعة نسبت لمهلهل بن ربيعة مطلعها:


يا لبكرٍ انشروا لي كليبا *** يا لبكر أين أين الفرارُ

فإذا صحت رواية هذه الأبيات وأمثالها وجب أن تدرس دراسة مستقلة وأن يدرس وزنها لا على أنها مقياس عام من مقاييس الشعر العربي بل على أنها صورة محورة من البحر الرمل حاولها شاعر من الشعراء ثم لم يكتب لها النجاح وظلت في كل العصور مهملة لا تجد من الشعراء من يعنى بها في نظمه إلا حين يتفكه بمحاولتها في أبيات قليلة في عصر العباسيين ومن بعدهم ) انتهى كلام الأستاذ إبراهيم أنيس

وبإلقاء نظرة عابرة على جدول البحر المديد في الموسوعة الشعرية (إصدار المجمع الثقافي بمدينة أبو ظبي) سنكتشف إلى أي مدىً كان مجانباً للصواب في جرأته على البحر المديد. ولا أجد ههنا من الشفاعة لهؤلاء السادة إلا أن أعترف أيضاً أنني قد عانيت كتابة الشعر أكثر من خمسة وعشرين عاماً لم أستطع فيها كتابة قطعة واحدة من المديد بل لم يسوغ لي حفظ أي مقطوعة منه. وأثناء عملي في الموسوعة الشعرية وبينما كنت أراجع ديوان مطيع بن إياس استوقفني قوله:


قد مضى يحيى وغودرتُ فردا... بالذي سرَّ نفوس الأعادي

وأحسست بلحن غريب يطرق سمعي، فأنصت ملياً عسى أن اقتنص أصوله ، وسارعت لكتابته على النوطة، فكان لحناً بديعاً لا يستبعد أن يكون أساس البحر المديد فيما مضى من الزمن. ومازلت أكرر اللحن حتى تشربته روحي ولم تمض ساعات حتى كتبت أول قصيدة، على البحر المديد كانت سجلاً لهذا الحدث ولمواقف شيوخ الأدب من البحر المديد، وأولها:


أيها الناس اكتشفتُ المديدا *** سوف أشفيه جبيناً وجيدا

ولا بدَّ من أنه كانت للمديد ألحان مكنته من دخول عالم الموشحات انظر كتاب "دراسة أوزان الموشحات العربية " للدكتور حبيب حسين الحسيني ص 20 موشح ابن بقي:


لست من أسر هواك مخلا *** إن يكن ذا ما طلبت سراحا

وهو من المديد الصحيح وأما مجزوء المديد فقد رده معظم العروضيين إلى الرمل قال أبو العلاء في "الصاهل والشاحج" معلقاً على قصيدة أم السليك - ويقال أم أو أخت تأبط شراً - التي منها:


كل شيء قاتل *** حين تلقى أجلك

(وتحتمل أمرين أن تكون من الوزن المديد ، والأمر الآخر في هذه الأبيات أن تكون من الرمل ، وبذلك حكم عليها أهل العلم.)

قال التنوخي في " إحياء العروض " ص 150ـ 159:

(ذهب الزجاج إلى أن للرمل عروضاً ثالثة مجزوءة محذوفة وزنها " فاعلن " كقول أم السليك ترثيه:


طاف يبغي نجوة *** من هلاك فهلك)

وقد جعله الزمخشري من مشطور المديد وكان أبو العلاء أول من نبه إلى قصور المديد بقوله:


أليس الطويل نجيب البحور *** أخوه المديد ولم ينجبِ

وشبَّه منزلته من الطويل والبسيط في " الصاهل والشاحج " بمنزلة إبراهيم بن المهدي من أخويه الهادي والرشيد قال ص373 إصدار الوراق:

(وهو من أهل بيت المملكة في الشعر لأنه أخو الطويل والبسيط وإن كان مقصراً عنهما وهو معهما في دار الملك وعنيت بدار الملك الدائرة التي تجمعه وأخويه ، فمثله مثل إبراهيم بن شكلة خرج اسمه بالغناء وأخواه موسى وهارون الملكان)

وكل هذا الذي أسلفناه من الحنق على المديد إنما المراد به المديد الصحيح:


فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

حيث أن للمديد أنواعاً سارت بها الألحان ونافست أعرق البحور ، يأتي في مقدمتها المديد المحذوف المخبون وهو:


فاعلاتن فاعلن فعِلُن

والحذف سقوط السبب " تن " من آخر التفعيلة والخبن سقوط الحرف الثاني منها - فإذا سقط أول حروفه صار مجزوء الوافر وهذا النمط من المديد هو الذي دعا العياشي إلى استقلاله عن المديد وسماه ( الهارب ) وذلك في كتابه " نظرية إيقاع الشعر العربي " ص 263 قال:

(والخليل يضمه إلى المديد وليس منه في شيء ولكنه مستقل بنفسه ولونه وطابعه وبكمياته وكيفياته وبنوع تأثيره )

وقد ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد طائفة من أغاني هذا الوزن منها أغنية عروة بن أذينة - وكان كما يقول ابن عبد ربه شاعراً لبقاً يصوغ الألحان والغناء على شعره في حداثة سنه وينحلها المغنين:


يا ديار الحي بالأجمه *** لم يبن من رسمها كلمه

وأغنية طويس:


يا خليلي نابني سهدي *** لم تنم عيني ولم تكد

وهو أكثر أنواع المديد شيوعاً في شعر العرب وقد أكثر ابن عبد ربه في النظم عليه لشغفه بالأبحار القصار ومنه أغنية فيروز:


كلما قلنا صفا زمنٌ

ويليه المديد الأبتر وهو: فاعلاتن فاعلن فعْلن

والبتر اجتماع الحذف والقطع ، والقطع حذف ساكن الوتد المجموع " علا " وإسكان ما قبله - ومنها أغنية ابن صياد التي غناها لمعاوية من شعر عدي بن زيد:


يا لبينى أوقدي النارا *** إن من تهوين قد حارا

ويليه المديد المحذوف وهو: فاعلاتن فاعلن فاعلن

والحذف سبق تعريفه قبل سطور - ويليه المديد المقصور وهو: فاعلاتن فاعلن فاعلان

والقصر إسقاط ساكن السبب الخفيف " أي التاء من فاعلاتن" وإسكان متحركه ، أي النون - وقد أوصل الشيخ جلال حنفي أنواع المديد إلى أحد عشر نوعاً فضلاً عما عده من المتروك انظر " العروض وتهذيبه " 301 منها المديد الحادي عشر ( فاعلن فاعلن فاعلاتن ) ومثاله:


يا أحباي هل من جوابٍ *** بعد أن طال بي الانتظار

وأرى أن إلحاق هذا الوزن بمجزوء المتدارك أولى ومما عده من متروك المديد ( فاعلات فاعلن فاعلات ) وهو الذي غنته فيروز في أغنيتها "راجعون ":


أنت من ديارنا من شذاها

وقد فات الشيخ جلالاً أن يذكر ( فاعلاتن فاعلن علاتن ) وهو الذي غنته فيروز في أغنيتها "يا حبيبي" منها:


أزهر النرجس في الروابي *** وتغنى الطير في الهضابِ

انتهى

أبو علاء
22-04-2008, 23:41
أقول قبل الخوض في الكلام على قصة البحر المديد في التاريخ: إن الإيقاع الذي اكتشفته للبحر المديد يقتضي أن ينشد على النحو التالي (فاعلاتن فا) (علن) (فاعلا) (تن) بالسكوت مقدار حركة بين كل قوسين.

وهو حسب النوطة الموسيقية:

1: مي فا صول صول/ 2 صول صول صول/ 3 فا مي فا مي / 4 ري/ 5 ري مي فا فا / 6 فا فا فا / 7 مي ري مي ري / 8 دو/

مع جهلي بعلم التّرقيم الموسيقيّ فإنّ ما أعرفه أو أحسب أنّي أعرفه هو أنّ ترقيم الضّروب أو الأوزان الّتي تعادل في الموسيقى والغناء بحور الشّعر أو إيقاعاته على افتراض ترادف المصطلحين، وهو ما قد يكون محلّ نظر، ولا أرى وجها لهذا التّرقيم الّذي يصوّر البحر بدرجات موسيقيّة معلومة ويتحدّث صاحبه عن "لحن" البحر، وهو ما لا أرى له معنى ؛ ولي ملاحظة ثانية تخصّ ما أسماه صاحب المقال "السّكوت مقدار حركة بين كلّ قوسين" فالسّكوت أو السّكت هو نفسه كمّيّة إيقاعيّة تشغل حيّزا زمنيّا كشأن المقطع الصّوتيّ، وإضافة عدد من السّكتات إلى الدّورة الإيقاعيّة تغيّر حتما مقدارها الزّمنيّ وبنيانها وتحيلها حتما إلى قالب إيقاعيّ مختلف...
من الواضح أنّنا هنا إزاء خلط كثير (فضلا عن الخلط البدائيّ بين الإيقاع شعريّا كان أم موسيقيّا وبين النّغم) بين القصيدة في شكلها المكتوب، وهو ما تحاول تشخيصه نماذج الخليل الرّياضيّة المسمّاة بحورا والقصيدة حينما تلقى، وذاك ما قد لا تفي المنظومة الخليليّة بتشخيص أنساقه الإيقاعيّة وبين القصيدة حينما تلحّن وتغنّى، ممّا يخرجها في صيغة ثالثة تختلف عن الصّيغتين السّابقتين لا سيما من حيث المبنى الإيقاعيّ والكمّيّات اللّفظيّة والإيقاعيّة.