PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : «قبس من روح مصر»



Burhan
23-07-2008, 12:05
«
الحياة» تنشر وثائق «قبس من روح مصر» (1 من 3) ... ديبلوماسي سعودي ينقذ أم كلثوم وعبد الوهاب
سمير غريب الحياة - 23/07/08//



يعود الفضل الأول في تجميع الوثائق إلى صديقي الفنان التشكيلي الكويتي جعفر إصلاح الذي يهوى جمع الوثائق والصور، فقد أمدني بكثير منها بغرض عرضها وتحليلها والتعليق عليها في كتاب يلقي ضوءاً جديداً على تاريخ مصر الثقافي في النصف الأول من القرن العشرين، وان كان من بينها وثائق قليلة من النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أضفت الى وثائق جعفر وثائق أخرى - أقل - تجمعت لدي وأطلقت على الكتاب الذي لم ينشر بعد عنوان: «قبس من روح مصر» لأنه احتوى على وشائج متنوعة من تاريخها الحي في مساحة زمنية من أهم المساحات عبر تاريخها، حين حاولت مصر الخروج من الظلمات إلى النور.
الوثائق الجديدة التي لم تنشر من قبل تتناول أحداثاً وشخصيات مصرية مشهورة في مجالات مختلفة. يجمع بينها أنها كانت مؤثرة في المجتمع المصري. تفاوتت مجالات تأثيرها من العقل إلى القلب. وتفاوت حب الناس لها تبعاً لما فعلت فيهم. هنا لا نصدر أحكاماً. بل نساعد القراء على الاقتراب منهم، ومعرفة جوانب في شخصياتهم، ومعرفة حقيقة كل منهم، وربما الحكم عليهم. هناك بالطبع أجيال شابة لم تعاصر أحداث وشخصيات تلك الوثائق، وهناك أيضاً شباب لا يعرفون شيئاً عن بعض من هذه الشخصيات. افترضت أنني أقدم الكتاب للأجيال الجديدة أساساً، وبالتالي فهو سياحة متنوعة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر. واخترت العودة إلى الكتابة في جريدة «الحياة» - بعد انقطاع ثماني سنوات تقريباً - ببعض من فصول الكتاب قبل نشره، وفضلت أن تنشر نصوص الوثائق كما كتبها أصحابها بأخطائهم النحوية والإملائية، فتلك الأخطاء جزء أيضاً من شخصية كتابها.

من يعرف اليوم أن حكومة ثورة 23 تموز (يوليو) 1952 في مصر كانت ستصادر في عامها الأول أموال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وتحدد إقامتهما؟ وأن الذي أنقذهما من ذلك المصير هو الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية.
أعتقد أن لا أحد يعرف اليوم السر الذي نكشف عنه هنا للمرة الأولى. فالمعروف هو العكس: أن عبد الوهاب غنى ولحن عشرات الأغاني للثورة، كما غنت أم كلثوم للثورة كثيراً. وبعد هزيمة مصر في حزيران (يونيو) 1967 في الحرب مع إسرائيل، أقامت أم كلثوم حفلات في دول عدة خصصت دخلها للمجهود الحربي. وأن حكومة الثورة كرمت أم كلثوم وعبد الوهاب.. كان زعيم الثورة جمال عبدالناصر يحضر حفلات أم كلثوم ومعه كل أو أغلب أعضاء مجلس قيادة الثورة. وهناك تسجيلات في الاذاعة والتلفزيون المصريين لمثل هذه الحفلات ما زالت تبثها إذاعة الأغاني في الإذاعة المصرية التي كان اسمها من قبل محطة إذاعة أم كلثوم. وقد حصلت أم كلثوم على جائزة الدولة التقديرية - عندما كانت للجائزة قيمة - عام 1968، مثلما حصل عبد الوهاب عليها عام 1971، كما حصل على قلادة النيل في العام التالي وهي أرفع القلادات المصرية، وسلمها له خليفة عبدالناصر الرئيس السابق أنور السادات الذي منحه أيضاً رتبة لواء.
لكن، يبدو أن كل ذلك الحب المتبادل بين أم كلثوم وعبد الوهاب وحكومة الثورة حدث بعد العام الأول للثورة، وبعد أن تدخل سعودي باشارة من الملك عبدالعزيز الذي نجح في إنقاذ العلاقة. فالوثيقة التي بين أيدينا والمؤرخة في 4 حزيران 1953 تكشف عن أن مجلس قيادة ثورة يوليو في مصر كان يعد لقرار بمصادرة أموال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وتحديد إقامتهما.


الوثيقة رسالة كتبها محمد الطبيشى على ورق رسمي للسفارة السعودية في مصر بخط يده، من دون ذكر لتسمية منصبه في السفارة السعودية. فهل كان السفير أم القائم بالأعمال؟ ذلك لأن لديّ صورة من دعوة رسمية موجهة من محمد الطبيشي على ورق السفارة، مطبوعاً عليها أنه السكرتير الأول في السفارة، على رغم وجود خاتم على الدعوة باسم «وكالة نجد والحجاز». ومؤكد أن هذه الدعوة كانت سابقة على الرسالة التي نحن في صددها هنا، لأن دعوة محمد الطبيشي كانت موجهة في 14 آذار (مارس) من دون ذكر السنة، إلى سيد قطب أحد أقطاب الإخوان المسلمين الذي أعدمته حكومة ثورة يوليو في ما بعد. كانت الدعوة لمناسبة الاحتفاء بـ «حضرة صاحب المعالي وزير الدولة السعودية ورئيس الخاصة الملكية الشيخ عبد الرحمن الطبيشي». وواضح من الاسمين صلة قرابة بين السكرتير الأول للسفارة والضيف السعودي المحتفى به. ويبدو أن الشيخ الطبيشي كان كثير الحضور لمصر، لأن هناك دعوة أخرى من محمد الطبيشي موجهة «لفضيلة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد» لتناول «الفطور»، يوم الاثنين 25 رمضان الساعة الخامسة، احتفاء بحضرة صاحب المعالي.. الخ. وذلك على العنوان: 12 شارع الكامل محمد بالزمالك - القاهرة. ويبدو أن هذه الدعوة أحدث من الدعوتين السابقتين لأن الشيخ عبد الباسط عبد الصمد بدأ شهرته متأخراً عنهما، لكن، لا نستطيع الجزم هنا، إذ يبدو أنه كان من عادة السيد محمد الطبيشي أن لا يذكر الشهر والسنة على الدعوات التي يوجهها. ويبدو أن لدى كثير منا العادة نفسها حتى اليوم. فلقد رأيت رسائل من مسؤولين كبار في العشرين سنة الأخيرة غفلاً من التاريخ.

المهم ان محمد الطبيشي كتب الرسالة المقصودة إلى اللواء محمد نجيب الذي أعلن أنه قائد الثورة في بدايتها، وعين أول رئيس للجمهورية المصرية، ثم انقلبت عليه الثورة وسجنته في بيته في المرج بعد اتهامه بالانقلاب على الثورة حتى مات. كانت سفارة السعودية في ذلك الوقت تسمى «وكالة المملكة العربية السعودية بمصر». وكتب الطبيشي هذه الرسالة بتكليف غير رسمي من الملك عبد العزيز شخصياً للتدخل لمصلحة عبدالوهاب وأم كلثوم. ويبدو من الرسالة أن الطبيشي قابل الرئيس السابق محمد نجيب أو حدثه شخصياً في قرار مجلس قيادة الثورة المزمع قبل يومين من كتابة الرسالة. وأنه كتبها لأن محمد نجيب قال له أنه يريد أن يعرف الموضوع كله.
توضح الرسالة أن الثورة كانت تريد مصادرة أموال أم كثلوم ومحمد عبدالوهاب وتحديد إقامتهما لأنهما - على حد نص الرسالة - «كانا مقربين من العهد البائد»، أي عهد الملك فاروق. وأن «الأستاذ عبد الوهاب له غنوة خاصة للملك ويطلق عليها اسم الفن، وأن السيدة أم كلثوم لها غنوة باسم (حبيبي يسعد أوقاته) وهي أيضاً خاصة للملك السابق. وأنهم يدينون بالولاء له إلى الآن». أي إلى وقت كتابة الرسالة بعد قرابة عام من قيام الثورة.
حرص الطبيشي في رسالته على أن لا يتدخل في أي قرار يكون في مصلحة الأمة، ولكنه يبدي رأياً ومشورة. ورأى المسؤول السعودي - وربما كان ذلك أيضاً رأي الملك عبد العزيز - أن تصرف الثورة ضد عبد الوهاب وأم كلثوم «سيكون له أثر بالغ القوة على الشعوب العربية والمصرية خاصة، ويعطي انطباعاً سيئاً جداً عن الثورة وأهدافها المقدسة».
تكشف الرسالة أن عبد الوهاب وأم كلثوم حضراً بنفسيهما الى المسؤول السعودي وقالا له: «هل كان لدينا أو لغيرنا اتخاذ قرار حر في ذلك الوقت. لقد كان يفرض علينا الأمر فرضاً وإلا كنا نستطيع أن نرفض».

ولا أعلم مدى صحة كلامهما، لكنني اشك فيه، فلقد كانت في مصر الملكية صحافة حرة ونشر حر للكتب والمؤلفات. وصلت هذه الحرية إلى سب الملك علناً، والى نشر كتب جنسية، وأخرى عن الإلحاد وغير ذلك. فلا أتخيل أن نظام الملك فاروق الضعيف كان يمكن أن يفرض شيئاً على قامتين مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وصلت شهرتهما إلى كل الشعوب العربية إلى درجة رأى فيها المسؤول السعودي أن الإساءة إلى الفنانين سيكون لها وقع «بــالغ القوة». كما كتب بخط يده.
لكن الأمر عندي هو أن الفنانين - مثل كثير غيرهما من الفنانين - لم يكن لهما رأي ولا موقف سياسي، ولم يكن يهمهما أن تسود في مصر الملكية أو أن تحل محلها جمهورية. كان يهمهما أولاً الشهرة والمجد. كانت الرعاية الملكية وسيلة من وسائل الشهرة والمجد، كما كانت وسيلة للثروة، بدليل أنهما أقرا للسفير السعودي أنهما حصلا على هدايا ذهبية ومجوهرات من الملك. مثلما كانت الرعاية الرئاسية الثورية بعد ذلك استمراراً للوسيلة ذاتها، مع الفارق أنهما لم يحصلا من الثورة على مجوهرات، ولكن على أوسمة ورتب مثل رتبة اللواء العسكرية التي حصل عليها محمد عبد الوهاب!. ولم يكن الفنانان يتوقعان حدوث ثورة يوليو ونجاحها. ولكن، بعدما قامت، غنيا للثورة ولعبدالناصر حتى مات عام 1970.


كان التمهيد «لانقلابهما على الملك» بعدما قلبته الثورة أن ذهبا إلى المسؤول السعودي ولم يكتفيا بالكلام، بل كتب كل منهما رسالة بخط يده يقر فيها بأنه «إننا الآن قلباً وقالباً مع الثورة المباركة، ونحن على استعداد للتنازل عن جميع الهدايا الذهبية والمجوهرات التي أخذناها في ذلك العهد وذلك عن طيب خاطر، وعلى استعداد للتبرع ليس بأعمال ولكن بالدم في سبيل الوطن ونجاح الثورة».
هكذا يمكن القول أن الفنانين اشتريا أنفسهما من الثورة من طريق السفير السعودي الذي نجحت مهمته بالتأكيد بدليل انقلاب العلاقة بين عبد الوهاب وأم كلثوم والثورة إلى علاقة حب.
وهذا لا ينفي إطلاقاً عبقرية كل منهما، وحلاوة ما أبدعاه للثورة في ما بعد...
علاقة أم كلثوم بالعهد الملكي لم تقتصر على أغنيتها للملك فاروق في الحفلة التي أحيتها في النادي الأهلي ليلة عيد الفطر 17 أيلول (سبتمبر) 1944، التي حضرها الملك فاروق حيث انعم على أم كلثوم بنيشان - وسام - الكمال. ففي وصلتها الثانية غنت أغنيتها الشهيرة «يا ليلة العيد» التي أصبحت لازمة كل عيد. دخل الملك فاروق إلى الحفلة أثناء الأغنية فغيرت من كلماتها لتذكر اسم فاروق: «يا نيلنا ميتك سكر وزرعك في الغيطان نوّر.. يعيش فاروق ويتهنى ونحي له ليالي العيد».. كما غنت للملك فاروق في أغنية «حبيبي يسعد أوقاته» في الحفلة ذاتها وفيها:
«الليلة عيد ع الدنيا سعيد.. عز وتمجيد لك يا مليكي»..
وبعد انتهائها من الغناء استدعاها الملك ليصافحها فقبلت يديه، وأبلغها أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي بالإنعام عليها بنيشان الكمال من الدرجة الثالثة. فهرع الصحافي مصطفى أمين إلى الميكروفون ليذيع نبأ منحها الوسام، فتقدمت أم كلثوم إلى الميكروفون وشكرت الملك على هذا الإنعام. ليس ذلك فقط، بل ذهبت في اليوم التالي، صباح أول أيام عيد الفطر، على رأس وفد من نقابة الموسيقيين بصفتها كانت النقيب، إلى القصر الملكي في عابدين لشكر الملك على إنعامه السامي.

بعد 23 يوليو 1952 حذف اسم فاروق من الأغنيتين، لكن هذه القصة تلقي ضوءاً على علاقة أم كلثوم بكل من الملك فاروق ومصطفى أمين. حذف اسم الملك أخف كثيراً مما فعلت الإذاعة المصرية عقب ثورة يوليو بأغنية أخرى لأم كلثوم اسمها «مبروك لسموك وسموه» غنتها في فرح الأميرة فوزية وشاه إيران، فقد تخلصت منها الإذاعة ضمن مجموعة كبيرة من التسجيلات النادرة منها خطب الملك فاروق وزعماء مصر السياسيين قبل الثورة. وباعها أحدهم في وكالة البلح، وهي سوق شعبية في القاهرة للسلع المستخدمة، كما ذكر ذلك الإذاعي وجدي الحكيم في حديث إلى صحيفة «المصري اليوم» بتاريخ 28/3/2008.
أما محمد عبد الوهاب فقد تربى في بيت أمير الشعراء احمد شوقي الذي عمل في حاشية القصر الخديوي ثم الملكي في مصر، واشتهر عبد الوهاب قبل الثورة بلقب مطرب الملوك والأمراء، لذا كان من الطبيعي أن يغني للملك أغنية الفن التي أشار إليها الطبيشي في رسالته، وهي من تأليف صالح جودت وجاء فيها: «الفن مين انصفه غير كلمة من مولاه. والفن مين شرفه غير الفاروق ورعاه». كما غنى عبد الوهاب قصيدة في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي لصالح جودت أيضاً. أدى عبد الوهاب القصيدة على العود فقط بعنوان «أنزلت آية الهدى». الطريف أن هذه القصيدة منعت من الإذاعة في عهد الملك نفسه. ويقال أنها منعت بسبب آخر بيت فيها: «إن فاروق من هواك وطينك». وهناك رأي آخر بأنها منعت بسبب البيت الثاني الذي يخاطب فيه الملك فاروق قائلاً: «فإذا الشرق كله طور سينك». وبالطبع منعت القصيدة نهائياً بعد قيام الثورة.



أم كلثوم والسفارة السعودية

لماذا اهتم الملك عبد العزيز بإنقاذ أم كلثوم وعبد الوهاب من مصير مؤلم لهما كانت ستوقعه بهما حكومة ثورة يوليو؟
بالطبع، لسبب عام يكمن في شهرتهما وموهبتهما وعطائهما الفني العربي الشديد التميز. لكن، يبدو أن هناك سبباً خاصاً مع ذلك. إذ كانت أم كلثوم مقربة من السفارة - وكان يطلق عليها الوكالة أو المفوضية - السعودية في القاهرة في ذلك الوقت، فلقد اعتادت تلقي الدعوات من السفارة، مثل الدعوة الموجهة إليها من «فوزان السابق»، ولم يذكر منصبه عليها، الى العشاء يوم السبت 6/4/1953 بدار المفوضية. واستمرت علاقة أم كلثوم بشخصيات سعودية بعد ذلك، منها صداقتها مع الأمير الشاعر عبد الله الفيصل آل سعود ابن الملك فيصل وحفيد الملك عبد العزيز، الذي توفي في 8 أيار (مايو) 2007 عن خمسة وثمانين عاما. غنت أم كلثوم من كلماته قصيدتين: «ثورة الشك» عام 1962 و «من أجل عينيك» عام 1971 وهما من تلحين رياض السنباطي.
وبين الوثائق رسالة نادرة بخط يد الأمير الشاعر أرخها بالتاريخ الهجري «25/1/1393» ويقابل عام 1973 ميلادي، كتبها رداً على رسالة كانت قد بعثت بها إليه أم كلثوم وهي «منحرفة المزاج» و «منحرفة الصحة».

Burhan
24-07-2008, 11:13
«
الحياة» تنشر وثائق «قبس من روح مصر» (2من 3)... رسائل من أم كلثوم واليها وشركة اسطوانات تكفل مشترياتها
سمير غريب الحياة - 24/07/08//


ام كلثوم
كانت أم كلثوم وثيقة الصلة بالكاتب الصحافي مصطفى أمين مؤسس دار «أخبار اليوم» مع أخيه التوأم علي أمين. وأعلنت أستاذة الموسيقى الدكتورة رتيبة الحفني في ندوة أقامتها مكتبة الإسكندرية في الذكرى الثلاثين لوفاة أم كلثوم أن كوكب الشرق تزوجت من مصطفى أمين سراً، وأمضت معه 11 عاماً، وكان عقد زواجها في يد جمال عبد الناصر. وبررت الدكتورة رتيبة سرية الزواج بأن أم كلثوم كانت تريد أن تكون ملكاً للجميع.

هنا رسالة صغيرة بخط يد أم كلثوم المميز موجهة الى مصطفى أمين، من دون تاريخ. ويبدو من الرسالة أن مصطفى أمين أرسل الى ام كلثوم قائمة لتجليد كتب وألبومات، واختارت أم كلثوم لون جلد الكتب الكبيرة ولون جلد الكتب الصغيرة ولون جلد الألبومات، وهي بدأت الرسالة بشكره على تعبه. ويبدو أن مطابع «أخبار اليوم» كانت تتولى تجليد كتب أم كلثوم.

وكانت الأميرة الأردنية دينا عبد الحميد من صديقات أم كلثوم، حتى أنها اعتادت أن ترسل الى الأميرة أسماء الأغنيات التي ستغنيها في حفلاتها قبل الإعلان عنها. كانت الأميرة المصرية المولد وخريجة جامعة كامبريدج، أولى زوجات ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال. ويقال إن الملكة زين أم الملك حسين هي التي زوجته بها في 19 نيسان (أبريل) 1955 على رغم أن الأميرة دينا كانت تكبره بسبع سنوات. ويقال أيضاً أن الملكة الأم كانت أيضاً وراء طلاقهما في العام التالي بعد أن أنجبت له الأميرة عالية، بل طردت الأميرة دينا من الأردن كله واستردت هذه الجنسية المصرية عام 1963 وعاشت في حي المعادي في القاهرة في البيت الرقم 63 في شارع حمل اسمها شخصياً. وهنا برقية مرسلة باسم الرئيس جمال عبد الناصر موجهة إلى السيدة دينا عبد الحميد في عنوانها في المعادي يشكرها فيها الرئيس على «صادق تعزيتك ومواساتك في استشهاد فقيد الوطن والعروبة الفريق أول عبد المنعم رياض. وأرجو أن يجنبك الله كل سوء».

البرقية مكتوبة بخط اليد، ومرسلة من مكتب بريد رئاسة الجمهورية بتاريخ 17/3/1969. ولا نتصور بالطبع أن عبد الناصر كتب البرقية بخط يده، وإنما الأرجح أنه خط أحد العاملين في مكتبه، لكن هذا لم يمنعني من التساؤل: لماذا لم تكتب البرقية على الآلة الكاتبة التي كانت مستعملة في ذلك الوقت؟ فهي ليست برقية من آحاد الناس، وإنما باسم جمال عبد الناصر!!

تزوجت الملكة والأميرة السابقة دينا عبد الحميد من صلاح تعمري أحد قادة حركة التحرير الفلسطينية «فتح» في تشرين الأول (أكتوبر) 1970، وكان رئيساً للجنة المعتقلين في أنصار (جنوب لبنان) بعد الاجتياح الإسرائيلي، ثم أصبح عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني.


مصطفى أمين
لدينا برقية أرسلها المطرب والملحن فريد الأطرش الى الملكة دينا في 23 أيار (مايو) 1955 عندما كانت لا تزال متزوجة من الملك حسين وتلقب بالملكة، وفي البرقية تهنئة من فريد بـ «حلول العيد السعيد أعاده الله على جلالتك أعياداً بالأعياد ومتع جلالتك بالصحة والطمأنينة والعزة». وهذا من حال الدنيا أن تتحول الآنسة إلى صاحبة الجلالة ثم إلى سمو الأميرة ثم الى السيدة في غضون سنوات قليلة.

في وقت كانت تمر دينا عبدالحميد بمشاكل شخصية كتبت لها أم كلثوم رسالة بخط يدها الواضح والصريح والمتأني بحروفه الكبيرة وكأنه خط تلميذة مجتهدة. لم تؤرخ أم كلثوم رسالتها. لكن، من ثنيات الرسالة يبدو أنها كتبت في عام 1964. وذلك لأن أم كلثوم أشارت إلى حفلتها المقبلة التي ستغني فيها للمرة الأولى قصيدة «أراك عصي الدمع» من شعر أبي فراس الحمداني. وأغنية «سيرة الحب» التي كتبها مرسي جميل عزيز ولحنها بليغ حمدي. واقع الأمر أن أم كلثوم غنت سيرة الحب للمرة الأولى عام 1964. لكنها أخطأت عندما جمعت غناءها للمرة الأولى بين «أراك عصي الدمع» و «سيرة الحب». ذلك لأنها غنت قصيدة الحمداني للمرة الأولى قبل «سيرة الحب» بثمانية وعشرين عاماً، أي عام 1936 من تلحين عبده الحامولي. ثم غنتها مرة ثانية عام 1944 من تلحين الشيخ زكريا أحمد، والمرة التي تحدثت عنها للأميرة دينا عبدالحميد كانت الثالثة التي تغني فيها القصيدة ذاتها، ولكن من تلحين رياض السنباطي بعد أن أضافت إليها أبياتاً. وربما لهذين السببين وصفت هذه المرة بالأولى.

الملك حسين تزوج مرة ثانية من انطوانيت ابنة العقيد الإنكليزي توني غاردنر عام 1961 بعد أن غير اسمها إلى «منى». بالتالي فإن الأميرة دينا كانت مطلقة بالفعل من الملك حسين عندما كتبت لها أم كلثوم الرسالة. في هذه الرسالة المهمة تكشف أم كلثوم عن دور السياسة في الفن، وعلاقة السلطة السياسية بنجومه.
ايصال بجزء من ثمن سيارة ام كلثوم دفعته شركة الاسطوانات «غراموفون»


نفهم من أم كلثوم أنها تغني بتعليمات من رئاسة الجمهورية. ومن البديهي أن هذا يحدث أحياناً وليس دائماً. فهي شخصياً في هذه الرسالة تتعاطف مع محنة الأميرة دينا الشخصية. وعندما يقترح صديق مقرب لها – لم تفصح عن اسمه – أن «تأخذ موقفاً» ولا تغني في الأردن ترد عليه بصراحة أن الأمر ليس بيدها وانما بيد رئاسة الجمهورية في مصر طبعاً!

المدهش في رسائل أم كلثوم عموماً أنها بسيطة التعبير وتستخدم الصياغات العامية في الكلام. وكنت أتصور قبل أن أقرأ بعض رسائلها أنها مرتفعة الأسلوب، تستخدم الفصحى، نظراً الى شموخها الغنائي وصوتها النادر، ولما شدت من قصائد عربية فصحى صعبة ورفيعة المستوى. وتبدو أم كلثوم حريصة على وضع الهمزة على كل ألف ولام ألف. كما أنها لا تستخدم علامات الوقف إلا نادراً. فهي لا تضع فاصلة ولا نقطة حيثما يجب أن تضع لأن مثل هذه العلامات مهمة لفهم الكلام وليست شكلية. وهذا مثال آخر على أسلوب أم كلثوم في كتابة الرسائل أورده كما كتبته على وجه ورقة واحدة في رسالتها إلى الأميرة دينا:


جمال عبد الناصر
«الحبيبة الغالية والصديقة العزيزة سمو الأميرة دينا. وحشتيني جداً جداً. إيه الحكاية انتي ليه مش بتتكلمي في التليفون لعل المانع خير على فكرة أنا عرفه ان فيه بعض المشاكل ولكن أنا عارفة إنك قدها وأكتر بكتير... الحبيبة الغالية على فكرة كتير من أهل الصحافة بيحاولوا معايا علشان يأخذوا أي معلومة خاصة عنك ومصطفى أمين عايز يعمل مع سموك حديث صحفي وأنا رديت بشدة ان حياة سمو الأميرة ليست للنشر او الصحافة ولكن مصطفى أمين مصر على زيارة سموك ويقول الأميرة يعني سموك ملكاً للعرب كلهم ويريد الحضور معي فأرجو ان تخبريني برأيك وعلى فكرة أنا ماليش دعوة بالموضوع وانتي اللي الناس بتحبك ومتعاطفة معاكي جداً لدرجة ان أحد أصدقائي المقربين قال لي المفروض انك يا ست ما تغنيش في الأردن خالص ورديت عليه ان الموضوع ده خارج عن إرادتي ولو كان فعلاًَ انا صاحبة القرار فيه انا مش حأغني يا سيدي في الأردن بس روح انت الرياسة وقولهم كده. حبيبتي الغالية كما اعتدنا دائماً فأنا أرسل لكي أسماء الأغنيات التي سوف أغنيها في الحفلة القادمة الأولى قصيدة لأبي الفراس الحمداني وأسمها أراك عصى الدمع والثانية اسمها سيرة الحب ودي أول مرة أغني فيها غنوتين جداد في حفلة واحدة وطبعاً نلتقي بعد الحفلة».

ومن أطرف ما كتب عن أم كلثوم ذلك الإعلان المدفوع الأجر الذي نشرته «شركة الجراموفون ليمتد» في العدد 127 من مجلة «روزاليوسف». وكانت هذه الشركة هي ممثل الشركة الأكبر في العالم لتسجيل الاسطوانات والمعروفة بـ «صوت سيده His Master Voice» صاحبة الحق في طبع اسطوانات أم كلثوم المسجلة عليها أغنياتها.

فبعد مديح صوت أم كلثوم يذكر الإعلان أنه اجتمع في اسطواناتها ثلاثة: أعذب صوت لأم كلثوم وأعذب شعر لأحمد رامي وأعذب تلحين لمحمد القصبجي. «فلا عجب إذاً إذا حازت اسطوانات أم كلثوم في الشرق الأدنى والشرق الأقصى شهرة قل أن تنالها سواها حتى لقد بيع من إحدى اسطواناتها في شهر واحد وفي بلد واحد اكثر من عشرة آلاف اسطوانة»، لكن الإعلان لم يذكر اسم ذلك البلد.

لم تكن العلاقة بين شركة الجراموفون وام كلثوم قاصرة على سداد مستحقاتها نقداً، بل اشترت الشركة لأم كلثوم سيارة جديدة ماركة «بنتلي» وهي أغلى سيارة من مجموعة رولزرويس البريطانية، وما زالت تصنع حتى الآن، وما زالت ملكة بريطانيا تستخدمها.


دينا عبد الحميد
ولدينا وثائق نادرة لإيصالات سداد ثمن هذه السيارة. هناك إيصال مؤرخ في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1933 من محلات «تيلو – فنسان» يذكر أنه «وصلنا من حضرة الآنسة ام كلثوم ومحامي شركة الجراموفون القانوني مبلغ وقدره خمسمئة وثمانون جنيهاً وسبعون قرشاً مصرياً تحت حساب سيارة مركة بنتلي مجهزة موديل السنة وبها كامل التجهيزات المتفق عليها، على ان تتعهد الآنسة ام كلثوم وشركة جراموفون بسداد باقي المبلغ في الموعد المحدد». وفي أعلى الإيصال من اليسار توقيع أم كلثوم وهو عبارة عن كتابة الاسم بخط واضح كبير. وفي نهاية الإيصال الى اليسار توقيع حسن عبد العال المحامي ونائب مدير شركة الجراموفون. وفي نهاية الإيصال من اليمين توقيع محمد عبد الجبار حسن ممثل أو صاحب محل بيع السيارات. ونلاحظ هنا أن الإيصال اكتفى بالاسم الأول لأم كلثوم وهو أيضاً اسم شهرتها. وهذا غير التقليد القانوني المتبع بذكر الأسماء الثلاثية في المعاملات المادية والقانونية.

هناك إيصال آخر من الشركة ذاتها مكتوب فيه «وصلنا من حضرة الآنسة أم كلثوم إبراهيم والسيد مدير شركة جراموفون ووكيل الآنسة مبلغ وقدره مئة جنيه وثمانية عشر جنيهاً مصرياً فقط، مقدم سيارة مركة بنتلي كاملة التجهيزات موديل السنة مع فترة سماح 5 شهور. وهذه المدة تبدأ منذ هذا التاريخ. وقد تعهدت الآنسة أم كلثوم كما تعهد السيد مدير شركة جرامون بالمسؤولية الكاملة عن سداد باقي حق الشركة وضمان حقوقها القانونية». وقد وقعت أم كلثوم على هذا الإيصال مع حسن عبد العال المحامي ونائب مدير الشركة، وتوقيع أجنبي في ما يبدو انه لصاحب محلات «تويلو – فنسان» واسمه الأول «جون Jean «.

وضمنت شركة الاسطوانات أم كلثوم في شرائها مستلزمات أخرى بالتقسيط، فهناك إيصال مؤرخ في 18 حزيران (يونيو) 1938 من المحلات ذاتها «تويلو – فنسان» بتسلم مبلغ ثمانية عشر جنيهاً وستين قرشاً فقط من «حضرة أم كلثوم إبراهيم السيد بضمان شركة الاسطوانات والباقي على دفعات تحت حساب راديو ماركة اتواتر كنت، وجراموفون، وساعة روتر حركة دائمة، وخزان جنرال إلكتريك لحفظ السوائل الساخنة والباردة». ووقع عن المحلات شخص اسمه «ليتو باروخ» وهو بالطبع اسم يهودي. هنا يسجل في الإيصال الاسم الثلاثي لأم كلثوم، والطريف فيه هو ذكر صفة الساعة «حركة دائمة» ولا نعرف هل كانت هناك ساعات حركتها ليست دائمة، أو ما المقصود بهذا التعبير؟ وكذلك شراء «خزان» لحفظ السوائل الساخنة والبارد.

Burhan
25-07-2008, 09:02
الحياة» تنشر وثائق «قبس من روح مصر» (3 من 3) ... القصبجي باع ألحانه لأم كلثوم
سمير غريب الحياة - 25/07/08//


أم كلثوم ومحمد القصبجي
من الطبيعي أن تتلقى أم كلثوم عدداً لا يحصى من الرسائل الرسمية والشخصية، بحجم شهرتها الكاسحة. ولا نعرف ما إذا كانت «الست» احتفظت بكل الرسائل التي وصلتها أم ببعض منها؟ وأين هذه الرسائل الآن؟
من الرسائل الرسمية تلك التي بعث بها محمد فتحي رئيس معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية في 6 حزيران (يونيو) 1950. وكان المعهد - ولا يزال - في شارع رمسيس في القاهرة، الذي كان اسمه وقت كتابة الرسالة شارع الملكة نازلي، وهي زوجة الملك فؤاد وأم الملك فاروق.
كتب محمد فتحي رسالته إلى أم كلثوم التي وصفها بـ «صاحبة العصمة الآنسة» ليبلغها بأن مجلس إدارة المعهد قرر انتخابها عضواً فخرياً. ويأمل في مؤازرتها المعهد والتعاون معه على الاضطلاع برسالته.
> وهناك رسالة غير عادية تلقتها أم كلثوم من «محمد علي زين مرتضى» الذي كان يعمل في الخزينة المركزية في سرايا الحكومة في دمشق كما كتب في رسالته المؤرخة «في ليلة الجمعة 29 تشرين الأول (اكتوبر) 1953» كما حدد. والطريف أنه لم يكتب لأم كلثوم عنوانا على مغلف الرسالة، واكتفى بكتابة: «إلى حضرة الآنسة ام كلثوم مطربة الشرق المحترمة. القاهرة. مصر»... وفي الأغلب وصلت الرسالة الى أم كلثوم على رغم عدم وجود عنوان عليها.
أرسل محمد علي رسالته تيمناً بشفاء أم كلثوم، وضمنها قصيدة وصفها بـ«العصماء» كتبها علي زين العابدين أحد أبناء الحسين بن علي بن أبي طالب، واسمها قصيدة «المناجاة». من الرسالة نفهم أن من الطبيعي أن يختار المعجب الدمشقي هذه القصيدة بالذات ليرسلها الى أم كلثوم. فهو لا يرى فيها إلا أنها وهبت نفسها لإعلاء كلمة الله «وإظهار فضائل رسوله الأعظم» على حد قوله. لذا فهو يعرض على أم كلثوم إنشاد هذه المناجاة ويشجعها على ذلك بأنها إن فعلت «تكون قد أرضت خالقها والمخلوقين من عشاق صوتها».
> وكما فعل المعجب من دمشق بإرساله رسالة إلى أم كلثوم من دون عنوان مفصل، فعل أيضاً الدكتور عبدالعزيز حجازي نائب رئيس الوزراء ووزير المالية والاقتصاد والتجارة الخارجية المصري، أطال الله في عمره. فقد أرسل الى ام كلثوم رسالة رسمية مكتفياً على المغلف باسمها، وقد أصبحت تلقب بالسيدة، واسم الحي الذي تسكن فيه وهو الزمالك.
لكن الدكتور حجازي بعث برسالته في 12/11/1973 ليشكرها على مشاركتها لمصلحة المجهود الحربي بشيك قيمته عشرة آلاف جنيه. وهو وإن كان مبلغاً له قيمته في ذلك الوقت، إلا أنه ليس كل ما تبرعت به أم كلثوم للمجهود الحربي، بل ربما يكون آخر ما تبرعت به، فتاريخ تبرعها يعود إلى أسبوعين بعد بدء حرب تشرين الأول (أكتوبر) ضد إسرائيل، وقبل يومين من قرار مجلس الأمن وقف إطلاق النار. وعلى رغم أن الرسالة رسمية كما قلت على ورق حكومي. إلا أن الدكتور حجازي حرص على إنهاء رسالته بآية قرآنية تــحض عـلى الــجهاد بالأمــوال والأنفــس.
> وكما كانت أم كلثوم تتلقى رسائل المعجبين، يبدو أنها كانت حريصة على الرد عليها، أو على ما تختاره منها. هذا الحرص هو من قبيل احترام الآخرين والمحافظة على إعجابهم أو زيادته. مثل هذه الرسالة التي كتبتها أم كلثوم بخطها في وقت مبكر من حياتها الفنية، فهي مؤرخة في 4 تموز (يوليو) 1937، وحرصت أم كلثوم على كتابة عنوانها في أول الرسالة وقبل تاريخها. وكان العنوان كما كتبته: «فيلا البنفسج - القاهرة». الرسالة موجهة إلى «حضرة الفاضل السيد عبدالقادر بك المحترم». يبدو من الرسالة أنه عراقي مقيم في بغداد من محبي أم كلثوم، وليس من أصدقائها، فأسلوبها معه رسمي إلى حد ما. وفي الرسالة تصف أم كلثوم بغداد بأنها وطنها الثاني. وتسأل عبدالقادر بك عن «الشخص المدعو مير زعرور» الذي كتب إليها طالباً الاتفاق معها على الحضور إلى بغداد، وتسأل عن وضعه الاجتماعي وسمعته وأخلاقه... وهذا يدل على حرص أم كلثوم الشديد في علاقاتها واحترامها فنها. وهناك في وثائق أخرى كلام على مير زعرور (وهو بالطبع يهودي عراقي) ورسائل متبادلة معه.


أم كلثوم والقصبجي

ارتبطت أغاني أم كلثوم لفترة طويلة بالملحن محمد القصبجي. ولعل من شاهدوا مسلسل «أم كلثوم» الذي قدمه التلفزيون المصري عام 2001، وأدت فيه الفنانة صابرين دور أم كلثوم، يتذكرون علاقة القصبجي بأم كلثوم، وهي علاقة من طرف واحد هو القصبجي، على رغم عبقريته الموسيقية.
كان القصبجي ينادي أم كلثوم باسم التدليل «سومة». ولدينا رسالة كتبها بخط يده في 15 آب (أغسطس) 1953 على ورقتين صغيرتين، وقد كتب الرسالة أثناء سفر أم كلثوم للعلاج في الولايات المتحدة. والواقع أن عام 1953 كان نحساً على أم كلثوم، إذ توفي شقيقها ورفيق رحلتها الفنية خالد في العام نفسه أثناء وجودها في أميركا للعلاج، ولم تعرف بخبر وفاته إلا بعد عودتها إلى مصر. كما أنها لم تغن إلا في حفلة عامة واحدة خلال تلك السنة أقيمت في أول كانون الثاني (يناير) على مسرح حديقة الازبكية.

تلقي رسالة القصبجي التالية ضوءاً آخر على علاقته بأم كلثوم:

«عزيزتي سومة

تحياتي وأشواقي القلبية وتمنياتي لك بكل صحة وعافية. وسلامي وتحياتي للسيدة سعدية هانم وحضرة الدكتور أمين وتهنئتي لكم جميعاً بحلول عيد الأضحى المبارك أعاده الله عليكم بالصحة والعافية والسعادة والهناء.
سيدتي سومة. أنت وحشتيني كثير جداً جداً. وامتى إن شاء الله تعودي لنا بالسلامة. جميع الشعب يدعون لك بالشفاء ويسألونني عن موعد عودتك بالسلامة. وأما أنا فلا تسأليني عن الفراغ الذي أوجدتيه في نفسي وعن الوحشة اللي أنا فيها من بعدك (بضم الباء) وتفكيري ليل نهار فيك. واهتمامي بعلاجك وصحتك وعودتك بكل صحة وسلامة. مشتاق لرؤياك كثير جداً. أريد أن أطمئن منك على صحتك ولو أني باستمرار دائم السؤال عنك من منزلك العامر في مصر. وبقراءة الأخبار عنك في الجرائد وصورك الحلوة الخفيفة الروح وأنت تأكلين التفاح الامريكاني.
يا سومة هذا هو رابع خطاب أرسله لك، فعسى أن تكون جميع خطاباتي تصلك بانتظام.
وختاماً أدعو لك بالصحة والعافية وأرجو من الله عودتك لنا سريعاً بالسلامة.
وتفضلي بقبول تحياتي
من المخلص الوفي محمد القصبجي. (لم نعرف من هو الدكتور أمين الذي يحيّيه القصبجي في رسالته).

وهنا وثيقة أخرى في هذه العلاقة، هي بيع محمد القصبجي وتنازله عن حقوقه في ثلاث أغنيات لحنها لأم كلثوم، وكتب هذا التنازل في 15 نيسان (أبريل) 1943. والمدهش أن أم كلثوم لم توقع عليه مع القصبجي، بل وقع عليه ضابط جيش برتبة ملازم أول لم نستطع تبين اسمه الأول من توقيعه، لكن اسمه الثاني ابراهيم، فهل كان قريباً لأم كلثوم فوضته بالتوقيع على العقد؟؟. هنا نص التنازل:
«أنا الموقّع أدناه محمد القصبجي
ملحن الأغاني الآتية للآنسة أم كلثوم إبراهيم وهي:
1- ياللي جنيت ارحم حالي
2- ما دام تحب بتنكر ليه
3- رق الحبيب
وجميعها ملحنة للآنسة أم كلثوم ابراهيم المقيمة بمنزلها بشارع أبي الفدا بالزمالك. أقر بأني قد بعت الأغاني السابقة الذكر للآنسة أم كلثوم ابراهيم وتنازلت عنها بالنسبة لتسجيلها على اسطوانات فونوغرافية لبيعها في جميع الأسواق. وكذلك بالنسبة لإذاعة هذه الاسطوانات من محطات الإذاعة اللاسلكية في جميع أنحاء العالم. وليس لي الحق في الرجوع عليها بأي التزام بالنسبة لهذين الشرطين فقط مع حفظ جميع حقوقي الأخرى بالنسبة لأشرطة الراديو وإذاعة هذه الأشرطة من محطات الإذاعة وباقي حقوقي الأخرى للنشر.
كما أن هذا البيع والتنازل في ما يختص بهذين الشرطين فقط يمنع أي فرد أو أية هيئة من المطالبة بأي حق يتعلق بهذه الأغاني سواء أكان لحسابي أم لحساب أية هيئة أخرى.
وبذلك أكون قد تنازلت لحضرتها عن جميع حقوقي بالنسبة لهذه الأغاني في ما يختص بتعبئتها على الاسطوانات الفونوغرافية وبيعها وإذاعتها في جميع محطات الإذاعة في العالم فقط وذلك نظير مبلغ ستماية جنيه مصري فقط.
ويعتبر توقيعي على هذا البيع والتنازل إيصالاً علي وإقراراً مني باستلام المبلغ السابق تحديده».
والملاحظ هنا تلك الصياغة التي تكررت فيها تعبيرات البيع والتنازل كثيراً، ولم يأت ذكر المقابل المادي إلا في آخر سطرين من التنازل، على العكس مما هو متبع من ذكر المقابل المادي في بدايات العقود. وكأن القصبجي يخجل من ذكر المبلغ.
.