PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : رحيل الشاعر محمود درويش



الفارابي
13-08-2008, 02:49
في رحيل محمود درويش فارس الكلمة

أيّ فصاحة تجدي في العادي من موتنا ، فكيف في وداع فارس الكلمة ؟

لكَم ودّعنا أحبة ، هذا ذوى على فراشٍ وذاك غُيّب في طريق ، وكأنّ في الموت اختيارٌ . كلّنا يمضي الى مصيره ، بمشيئة قد عصت على إدراك البشر، إلا أنّ رحيلَ الفارس قد استعصى على المشيئة نفسها ، يلفّه ألفُ كيفَ وألفا لماذا . لم يعد في الموت فجاءة ، وقد بات حلقةً من يوميّات الحزن العادي، نودّع هذا لنعزّي في ذاك ، في دوّامة من دوائرَ تدورعلينا وعلى نفسها ؛ حتى جاء هذاالخطب بغتةً ولم نستعدّ للقائه . لم يأتِ في صيرورة القدر الطبيعية ، بل خارج السيرورة ، بعيداً عن المسيرة والمسار .
رحل محمود درويش ... رحل عريس فلسطين ، فبكاه زيتون الجليل دمعاً ودماً ، وخضّب بتراب قريته "البروة" أكفّ من لا فرحة لهم إلاه . رحل فارس الحصان الوحيد بعد أن تساءل الف مرة "لماذا تركت الحصان وحيداً .. " ؟

في الهزيع الأخير من الليل الثامن من الشهر الثامن من السنة الثامنة بعد الألفين ، غيّب الموت شاعرنا الكبير محمود درويش بعد أن لم يتحمل قلبه الكبير مضاعفات العملية الجراحية التي أجريت فيه ، فراح يكمل قصّته بعيداً ، هناك مع من سبقوه . هناك ... حيث لا ألم ولا حزن ولا توجّع ، بل أمل بسلال الياسمين والليلك والبنفسج الذي أحب ... قال له أطباؤه أمامك شهر لتعيش بدون العملية ، أما بعدها فهنالك أمل أن تعيش ، فخضع لها ولم يقُم منها .

ولد درويش في 13 مارس آذار 1941 في بلدة "البروة" شرقي مدينة عكا وهجّر مع أهله صبياً الى لبنان صيف عام 1948 مع مئات الآلاف ممّن حُملوا على ترك بيوتهم على ما فيها . ثم قفلت العائلة عائدة تحت جنح الليل الى الجليل لتعيش في بلدة الجديّدة الأقرب الى البروة ولتستقرّ فيها الى اليوم . تلقّى علومه في مدارس الجليل وراح يقرض الشعر يافعاً وما أن تخرّج حتى وجد نفسه يعمل في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية وينخرط في العمل السياسي المناهض للاحتلال . طارده هذا ولم يترك له متنفّساً حتى وجد النسر نفسه يحلّق بعيداً عن عشّه نازحاً الى القاهرة عام 1972.
اختصر درويش في سيرته النكبة كلها ، فقد ذاق مرّ النـزوح عن بيته الى لبنان ثم تسلل عائداً الى فلسطين ورزح تحت نيرالاحتلال عقدين ونصف قبل أن يطير الى القاهرة فبيروت ، ومن بيروت أرغم على الرحيل الى تونس في أعقاب الحرب الاسرائيلية على لبنان عام 1982 ومن تونس استقرّ في باريس ليعود عام 1994 الى رام الله حيث راح يتنقّل بينها وبين عمّان حتى لحظاته الأخيرة . أولم يكن هو الذي قال "حقيبتي وطنٌ ووطني حقيبة " أو قل العكس !
قبل عقد من الزمن عام 1998 وبعد أن خضع قلبه لعمليتة الجراحية الثانية راح يحاور الموت في جداريّتة قائلاً :

" إجلس على الكرسيّ ! ضع ادواتِ صيدك تحت نافذتي وعلّق فوق باب البيت سلسلةَ المفاتيح الثقيلة ! لا تحدّق يا قويُّ الى شراييني لترصدَ نقطةَ الضعف الأخيرة . أنت أقوى من جهاز الطب ، أقوى من جهاز تنفّسي ، أقوى من العسل القويّ ولستَ محتاجاً لتقتلني الى مرضي ....


هذا البحرُ لي
هذا الهواءُ الرّطبُ لي
هذا الرصيفُ وما عليه لي
ومحطةُ الباص القديمةُ لي ، ولي
شبحي وصاحبُهُ وآنيةُ النحاس وآيةُ الكرسيّ والمفتاح لي
والبابُ والحرّاسُ والأجراسُ لي
لي حذوةُ الفرس التي
طارت عن الأسوار ...
لي ما كان لي . وقصاصة الورق التي انتُزِعَت من الإنجيل لي
والملحُ من أثرِ الدموع على جدارِ البيتِ لي
واسمي وإن أخطأتُ لفظ اسمي بخمسة أحرفٍ أفقيةِ التكوينِ لي :

ميمُ ... المتيّمُ والميتّمُ والمتمّمُ ما مضى
حاءُ ... الحديقةُ والحبيبةُ حيرتانِ وحسرتانِ
ميمُ ... المغامرُ والمعدُّ المستعدُّ لموتهِ الموعودُ منفيّاً مريضَ المشتهى
واوُ ... الوداعُ الوردةُ الوسطى ولاءٌ للولادةِ أينما وجدت ووعدُ الوالدين
دالُ ... الدليلُ الدّربُ ودوريٌّ يدلّلني ويدميني

وهذا الاسم لي
ولأصدقائي أينما كانوا
ولي جسدي المؤقت حاضراً أم غائباً ....

هذا البحر لي
هذا الهواء الرطب لي
واسمي
وإن أخطأتُ لفظ اسمي على التابوت - لي
أما أنا وقد امتلأتُ بكلّ أسبابِ الرحيلِ فلستُ لي
أنا لستُ لي
أنا لستُ لي

لن أرثي محموداً ، فهو عصي على الموت ، الا أنها بضع كلمات في كبير شعراء العربية المعاصرين . لم يمت محمود بل انتقل جسده من حال الى حال ، أما الشاعر فيه فسيبقى حياً بيننا كما بقي هوميروس ودانتي والمتنبي وشوقي وباقي الشعراء من ذوي الهامات التي تطاول السماء ...

صحيح ما قال :

هزََمَتكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها
هزمتكَ يا موتُ الأغاني في بلاد الرافدين
مسلةُ المصريّ مقبرةُ الفراعنةِ النقوشُ على حجارةِ معبدٍ
هزمتكَ
وانتصرَتْ وأفلتَ من كمائنِكَ
الخلودُ
فاصنعْ بنا واصنعْ بنفسِك ما تريدُ ....


وسيشيّع جثمان الراحل الكبير ظهر اليوم الأربعاء 13/8/2008 في مدينة رام الله بعد صلاة الظهر الى مثواه الأخير حيث أعدّت لهذا الغرض تلة تشرف على قصر الثقافة التي أحيى فيه آخر أمسياته الشعرية في تمّوز الفائت ، وسيطلق اسمه على القصر ...

سنكون هناك مع عشرات ألوف المشيّعين في جنازة يعتقد أنها ستكون الأكبر منذ تشييع أبي عمّار ....

أخوكم
الفارابي

أبو الغيث
15-08-2008, 13:45
نهض عن الكرسي
وضب أغراضه
قدم استقالته
وغادر المكان الى الأبد

"هزمتك يا موت, الفنون الجميلة جميعها هزمتك, يا موت الأغاني في بلاد الرافدين, ))((مسلة المصري, مقبرة الفراعنة، النقوش على حجارة معبد.. هزمتك.. وأنت انتصرت

الى حد التوحش صرخت "يكفي يا اخوات الستين شر.....
السابعة والنصف مساء تلقيت الخبر

تحت شجر التفاح الأسود
يتمدد في نعش بارد
ويشاهد الجميع كغابة
كلهم هنا لاجلك
الوحل
والينابيع
والشموس
القمح
والليل
ورائحة جليد الموت
المعاول
والمناجل
وليمون عكا
وصفد ويافا
كل التين والزيتون
جاؤوا هنا
ليلوحوا لك
يا من قتلك الحنين
يا من قتلك الحنين؟؟؟!!!؟؟؟

حتى معطفك
الذي نسيته في موسكو
أرسل لك سلامه الأخير
؟؟؟؟!!!؟؟؟

لا تسألوا : متى يعود ))
لا تسألوا كثيرا
بل اسألوا : متى
يستيقظ الرجال !))


درويش
كنت مدينة أسفار
متسعة فيها الرغبات
متدفق فيها الحلم
ونبضك لا يجف أبدا؟؟!!؟
وها انت الآن تدعوني لحضور الاحتفال الاخير
ولكنني ساعتذر منك
لأن غرفتي لا تشبهني الليلة
وحنجرتي أنهكتها :ك... أميات: الموت


وأطبع وجهى .. من أجلكم .فوق وجه القمر ))
لكي تحلموا كما أتمنى لكم .. تصبحون على
وما من خبر؟! ))


درويش
سيكون جسدك مزار شهيا
عندما ينتهي صهيل هذه الحياة
؟؟؟!!!؟
___________________
فادي حسين

عذرا لوجود بعض الكلمات النابية ,ولكن تم تشفيرها