PDA

:



Burhan
02-10-2008, 14:32
الـهـــرم الــرابــــع

غنّت أم كلثوم في أنحاء العالم العربي، واقتصرت إطلالتها الغربية على حفلتين أحيتهما على "مسرح الأولمبيا" في باريس، في تشرين الثاني 1967. بعد أربعة عقود من الزمن، تعود "كوكب الشرق" إلى العاصمة الفرنسية من خلال معرض كبير يُقام في "معهد العالم العربي" حتى الثاني من شهر تشرين الثاني، تحت عنوان "أم كلثوم: الهرم الرابع"، ويتناول سيرة سيدة الغناء العربي وميراثها الفني والاجتماعي عبر مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية والحاجيات الخاصة والتسجيلات السمعية البصرية. من جهة أخرى، تشهد هذه التظاهرة لحضور "كوكب الشرق" الدائم في الذاكرة الحية من خلال عدد من الأعمال الفنية المعاصرة التي تستلهم شخصها ووجوهها المتعددة.
وزّعت القطع المعروضة بشكل مدروس على أربعة أقسام متكاملة حمل كلّ منها عنوانا خاصا به، وهي تباعاً "المصرية"، "الموهبة"، "الالتزام"، و"الإرث". يستعيد القسم الأول سيرة أم كلثوم من مرحلة البدايات الأولى في العقد الثاني من القرن العشرين وصولا الى قمة المجد في الستينات، وتتقاطع هذه السيرة الشخصية مع التحولات السياسية الكبيرة التي عرفتها مصر، من زمن الحكم البريطاني، إلى عهدي فؤاد وفاروق، وصولا إلى عصر عبد الناصر، وهو العصر الذي تحوّلت فيه أم كلثوم إلى "سيدة أولى" في وطنها وفي العالم العربي. يلقي القسم الثاني النور على خصائص الغناء الكلثومي وأثره في جمهوره من المستمعين، من خلال عمل توثيقي يهدف إلى التعريف بـ"الطرب" والسكرة التي يُحدثها في المؤدّي والمستمع على السواء. يُبرز القسم الثالث التزام أم كلثوم قضايا أمتها، ويشهد للدور الذي لعبته في زمن الثورة وفي السنوات التي تلت هزيمة 1967. في الختام، يشكّل القسم الرابع فسحة مستقلّة، وفيه تتحوّل أم كلثوم إلى موضوع يستلهمه الفنانون في ابتكار لوحات ومنحوتات. ولا يقتصر هذا الاستلهام على التشكيليين والنحاتين، بل يشمل كذلك مصمّمي الأزياء ومبتكري المجوهرات والحاجيات.

المصرية
في قسم "المصرية"، نتعرّف الى فاطمة إبرهيم البلتاجي الشهيرة بأم كلثوم. وُلدت في قرية الزهارية في محافظة الدقهلية، وبدأت بالغناء منذ صغرها. رافقت فرقة أبيها للإنشاد في قرى الأرياف، وكانت تعتمر العقال التقليدي أثناء تأديتها التواشيح والقصائد الدينية. من الريف، وصلت أم كلثوم إلى القاهرة في مطلع العشرينات، وفيها بدأت صعودها إلى القمة. تبنّاها أبو العلا محمد ودفعها إلى الخروج عن حدود التواشيح، وقدّمها إلى أحمد رامي الذي تولّى تلقينها أصول اللغة، مما ساهم في صقل مهاراتها الغنائية. لمعت أم كلثوم مبكرا، واتخذت كيانا جديدا، ووجدت نفسها في منافسة مع أشهر مطربات مصر في ذلك الوقت. غنّت من ألحان محمد القصبجي مجموعة كبيرة من الأعمال المهمة، وفي الثلاثينات تعاملت مع داود الحسني وزكريا أحمد، وشاركت في افتتاح الإذاعة المصرية، وبدأت بإقامة حفلات شهرية. تعرّفت الى رياض السنباطي في تلك الفترة، وباشرت تعاونها الفني معه بعد قيامها ببطولة فيلمها السينمائي الأول "وداد". تربّعت أم كلثوم على عرش الغناء في الأربعينات، وبلغت قمة المجد في الخمسينات مع السنباطي، وتجدّدت في الستينات حيث غنت من ألحان محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي، واستمرت في العطاء حتى وفاتها في عام 1975.
يستعيد المعرض محطات هذه المسيرة عبر مجموعة هائلة من الصور الفوتوغرافية والشرائط المرئية تظهر فيها ثومة على المسرح وفي جلسات التحضير مع الملحّنين والعازفين الذين دأبوا على العمل معها. هي هنا في جلسة تمرين مع العازفين، وهي هناك جالسة على كرسيها بين العوّاد محمد القصبجي وعازف القانون عبدو صالح. نراها في المقصورة الخاصة في تونس، ثم وهي تمسك منديلها بيمناها وترفع ذراعها اليسرى نحو الأعلى على الخشبة في حفل أحيته في المغرب عام 1968. خارج المسرح، تظهر "كوكب الشرق" وهي تتجول في باريس في صور التقطها فاروق إبرهيم عام 1972، ثم تظهر وسط أهرام الجيزة في مجموعة لقطات صوّرها ألبر أنطون في عام 1972.

الموهبة
يحاول القسم الثاني من المعرض التعريف بخصوصية "الطرب"، ويتوجّه هنا إلى الجمهور الغربي الذي "يجهل" هذا النوع من الغناء. في الشرائط المصوّرة المختارة، تتجلّى نشوة المطربة وسكرة الجمهور بأدائها. تُعرَض هذه الشرائط في صالة تحاكي خشبة المسرح، مما يُدخل الزائر في هذا "المناخ" بشكل مباشر. ويرافق هذه المشاهد الحية بث لمقابلات أجريت مع مؤلفين وموسيقيين تتناول هذا الفن، إضافة إلى عرض لبعض النصوص المخطوطة التي شدت بها أم كلثوم. نعود إلى الثلاثينات والأربعينات من خلال مقتطفات من الأفلام الستة التي قامت ببطولتها "مطربة الشرق الوحيدة" بين عام 1936 وعام 1948، وهي في تسلسلها التاريخي "وداد"، "نشيد الأمل"، "دنانير"، "عايدة"، "سلاّمة"، و"فاطمة". يكتمل المشهد مع عرض مجموعة من غلف اسطوانات الست، إلى جانب بعض الفساتين والحلى والحاجيات التي عُرفت بها أم كلثوم في وصلاتها الغنائية المتواصلة على المسرح. تطغى صورة "كوكب الشرق" على صورة أم كلثوم الثلاثينات، وتتكرّس أيقونة "الست" التي حظيت بلقب "شهيدة الحب الإلهي" في جنازتها، وهو لقب رابعة العدوية التي جسّدتها أم كلثوم غناءً في برنامج إذاعي سُجّل في عام 1955.

الالتزام
في القسم الثالث من المعرض، تبدو أم كلثوم رمزا لنهضة المرأة العربية في القرن العشرين. هي الفتاة الريفية التي كبرت في القاهرة وعاشت كل الحوادث التي عصفت بالعالم العربي حتى منتصف السبعينات. يؤرخ العرض لتلك الحقبة عبر وثائق صحافية وشريط إخباري يسجل أهم التحولات السياسية المصرية والعربية. ترافق أم كلثوم هذه الحوادث بغنائها في شريط يبث مختارات من أغنياتها الوطنية، وقد شكلت هذا الأغنيات نصف إنتاجها الفني في الخمسينات وثلثه في الستينات. في واحدة من الصور المعروضة، تظهر ثومة وسط الجنود المصريين العائدين من فلسطين في عام 1949، وفي مجموعة أخرى من الصور، نراها في عدد من الحفلات التي أحيتها بعد هزيمة 1967 في العديد من العواصم العربية، والمعروف أنها تبرعت بإيرادات تلك الحفلات لخزينة الدولة المصرية مساهمةً منها في دعم المجهود الحربي ضد إسرائيل. هي هنا الشاهدة والمجنّدة التي تكمل المشوار بعد الهزيمة، وهي الرمز الحي لهذه "الوحدة العربية"، وقد جسّدتها في حياتها الفنية والاجتماعية، كما في جنازتها التاريخية اثر رحيلها عن الدنيا في الثالث من شهر شباط عام 1975. يصدح صوت أم كلثوم في الصالة، بينما تُعرَض على شاشة كبيرة مشاهد حية من الجنازة في شريط من إخراج يوسف شاهين.

الإرث
تنتهي الرحلة، لكن أصداءها تظل تتردّد في القلب والروح والوجدان. خصّص القسم الرابع لـ"إرث" أم كلثوم، وفيه أعمال فنية لمجموعة من الفنانين المعاصرين، منهم آدم حنين، جورج البهجوري، خالد حافظ، هدى لطفي، محمد عمر خليل، عادل السيوي، إبرهيم الدسوقي، شان أفيديسيان ويوسف نبيل. تتحول "كوكب الشرق" إلى مادة تشكيلية يستعير منها الرسامون والنحاتون عناصر تأليفية في بناء أعمالهم. في المقابل، يعرض مصمم الأزياء خالد المصري مجموعة من مبتكراته التي أطلق عليها اسم "أم كلثوم"، وتقدم سارة بيضون أدوات نسائية تزينها صور "الست"، ومنها حقيبة يتكرر عليها بورتريه ثومة بحلل لونية متعددة. بعض هذه الأعمال "تقليدي" المنحى، ومنها على سبيل المثال زيتية إبرهيم الدسوقي التي تصور "كوكب الشرق" وهي تغني، والبعض الآخر تعبيري يجعل من صورة ثومة تعبيرا تشكيليا صرفا، كما في أعمال خالد حافظ التي تجمع بين تقنية الطباعة والرسم بالأكريليك. تحضر ثومة إلى جانب ناصر في تأليف تجريدي من توقيع محمد عمر خليل يذكّر بأسلوب روبرت روشنبرغ، وتطل بابتسامتها الخفرة في بورتريه من شان أفيديسيان يستعيد طريقة أندي وارهول في الجمع بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة التشكيلية. في عمل غرافيكي من تصميم التشيكي جيري فورتوبا، ترفع الجماهير أيديها عاليا لتحيي "الهرم الرابع". في أعلى الصورة كتابة تقول: "القاهرة 1975 -1904"، وفي الأسفل قلب أحمر يجاور إسم أم كلثوم ■

محمود الزيباوي

ملحق النهار
27-09-08