PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : ناظم الغزالي



Burhan
20-11-2008, 17:56
ناظم الغزالي مطرب العراق الأول اتفق مع عبدالوهاب عل اللقاء لكن الموت كان أسبق!
عاش في حي فقير وتغلب على كل الصعاب وقدم المقام العراقي في صورة جديدة:

20/11/2008


القاهرة ـ 'القدس العربي' ـ من عبدالفضيل طه: ناظم الغزالي واحد من أهم مطربي العرب الذين ظهروا في القرن الماضي، أثرى ناظم ساحة الغناء بعشرات الأغنيات الرائعة خاصة تلك التي لحنها أساطين موسيقى العراق من المقام العراقي الشهير.
والمقام العراقي قالب من الغناء عرفته بلاد الرافدين قديما وكان من تراثها الفني الذي حرصت عليه والحفاظ على مكانته ليكون علما على الشخصية الفنية لبلاد دجلة والفرات.
وكانت ليالي بغداد وكل مدن العراق تهتم اهتماما كبيرا بأن تكون سهراتها متضمنة بشكل أساسي مطربي المقام العراقي.

القبانجي

ظل المقام العراقي من التراث يؤديه المطربون كما ورثوه من أسلافهم الى أن جاء إلى الساحة الموسيقار محمد القبانجي فطور في أدائه ومساره اللحني وقدمه في صورة جديدة وهي الصورة التي قدم بها ناظم الغزالي المقام العراقي ونبغ فيه نبوغا عظيما، وكان صوته من صنف التيفود الرجالي.
ويجب أن نذكر هنا أن الغزالي هو تلميذ محمد القبانجي النجيب والذي اعتبره موسيقار العراق الأول انه الامتداد الطبيعي له، وكان هو السبب في ان يكون ناظم ذلك المطرب الذي عشقه كل العرب، فقد استمع القبانجي الى ناظم واكتشف فيه عبقرية الأداء والصوت، الحلو النبرات، المعبر العميق فأخذ بيده، وقام بتعليمه بنفسه ثم قدمه للإذاعة ليكون مطربنا الراحل هو فنان المقام العراقي الأول بعد أستاذه ومن أعاجيب القدر أن محمد القبانجي كان يقول: استمعوا من بعدي إلى هذا الشاب الذي سيكون عبدالوهاب العراق، لكن عبدالوهاب العراق مات قبل استاذه بسنوات طويلة ميتة فجائية جعلت الكثيرون يرتابون في موته ويقولون أنها غير طبيعية واتهموا يومها زوجته المطربة سليمة مراد لكنها نفت هذا نفيا قاطعا بل أنها فوجئت بموته عندما وصلت من رحلة كانت تقوم بها إلى بيروت، وعندما جاءت الى المنزل فوجئت بحشد كبير امامه وعندما علمت بوفاة ناظم سقطت مغشي عليها وهو الأمر الذي يؤكد عدم صحة ما اثير حول مؤامرة قتله عن طريقها.
وكان الحب قد ربط بين قلبي ناظم وسليمة رغم فارق السن الكبير بينهما وعاشا حياة هادئة مليئة بالفن والطرب خاصة أن سليمة كانت مطربة العراق الأولى في ذلك الوقت وكانوا يطلقون عليها سليمة باشا، وكان ناظم في أول رحلته الفنية، وتم زواجهما عام 1953، وقدما الكثير من فن غناء الدويتو بصوتيهما حتى صارا أشهر من غنى هذا القالب في العراق.

مولد ورومانسية وبؤس

ولكن من هو ناظم الغزالي، كيف ظهر؟
وما هي سيرة حياته؟، وكيف نجح حتى اصبح واحدا من عمالقة الغناء العربي.
الحقيقة أن حياة مطربنا مليئة بالعناصر الدرامية، فيها البؤس، والنجاح، الرومانسية وفجائية الرحيل.
نشأ ناظم الغزالي في واحد من أفقر أحياء بغداد، كانت عائلته من الأسر التي تجد قوت يومها بالكاد، وكانت ضربات القدر عليه شديدة، فقد مات والده وهو صغير السن وكفلته والدته جهادية وكانت سيدة ضريرة، فاجتمع عليها بذلك الفقر المدقع وفقدان البصر، لكنها لم تفقد البصيرة وحباها الله قلبا حانيا وقدرة على التربية.
وقد أطل مطربنا على هذه الحياة في عام 1921 في حي الحيدرخانة وهو حي فقير كما قلنا، وكفلته أمه وهو طفل ولم تشعره برقة حالها وضعفها لأنها كانت رهينة المحبسين، كف البصر، والفقر لكن القدر كان بالمرصاد للطفل ناظم فماتت أمه جهادية التي كان لها من اسمها نصيب كبير، لكن خالته وكانت تشاركها السكن في الغرفة الوحيدة تكفلت به ورعته حق الرعاية رغم فقرها هي الأخرى وضيق ذات يدها، وأبت خالته مسعودة إلا أن تحافظ على وعدها لشقيقتها الراحلة وأصرت على أن يكمل ناظم دراسته.

في معهد الفنون الجميلة

بعد معاناة وصبر طويل وعمل شاق بعيدا عن الفن استطاع ناظم بمساعدة موارد خالته البسيطة وما كان يحصل عليه هو من راتب في أمانة العاصمة بغداد أن يلتحق بمعهد الفنون الجميلة.
وفي المعهد وجد فيه عميد التمثيل العراقي حقي الشبلي فنانا بالسليقة من الممكن أن يكون يوما نجما في عالم التمثيل وبالفعل نجح ناظم كممثل بفضل ارشادات الفنان حقي الذي قدمه في عدة أعمال مسرحية كان أهمها مسرحية 'مجنون ليلى' التي ألفها شاعر الشرق أمير الشعراء أحمد شوقي، في هذه المسرحية غنى ناظم أغنية عميقة النغم أظهرت امكانات مطربنا ابن الـ 21 سنة، كان ذلك في سنة 1942 وهو من مواليد 1921، ولأنه صاحب صوت ذهبي فقد ذاعت شهرته مع أغنية مجنون ليلى وأخذت إذاعة بغداد ترددها صباح مساء وأخذ الناس يتساءلون من صاحب هذا الصوت الرائع؟

هجرة من التمثيل

كان لذيوع هذه الأغنية واعجاب جماهير بغداد والعراق ككل بها، اثر في أن يقرر هجرة المسرح نهائيا ليكون مطربا وحاول المسرحيون أن يجعلوه يجمع بين التمثيل والغناء لكنه أبى مؤكدا أن التفرغ لفن واحد هو طريق النجاح وبالفعل تقدم للجنة الاستماع بالإذاعة ونجح نجاحا كبيرا.
وفي سنة 1947 انضم لفرقة الموشحات التي كان يشرف عليها الشيخ علي الدرويش.
واستطاع في هذه الفرقة أن يكون واحدا من ألمع افرادها ان لم يكن المعهم جميعا.
ومن المعروف، أن أي دارس للموسيقى ويريد أن يكون مطربا عظيما، لابد له من أن يدرب صوته على غناء الموشحات، فهي أشبه بالبونة، لدارس الموسيقى الغربية والذي يتدرب على الغناء عن طريق قراءة النوتة، الصولفيج.
فالمرشح غني دائما بانتقالاته المقامية وايقاعاته المتنوعة وله أكثر من طريقة في صياغته وكثيرا ما كان موضع أبحاث الموسيقيين في مختلف البلدان العربية.

موشحات

وبالطبع ترنم ناظم بعشرات الموشحات مما جعله قادرا على غناء أصعب القوالب الغنائية بعد ذلك، ومن هذه الموشحات:
املالي الأقداح صرفا
واسقينها للصباح
شربها تيها وعجبا
نورها كالفجر لاح
آه من خمر قديمة
شربها يبري السقيما
طالع فيها، سعيد
كل من قد هام تيها
هو نديمي للصباح
وهذا الموشح من التراث القديم
وكان كل مطربي العرب الدارسين يشدون به كل حسب طبع اقليمه.
كما شدا مطربنا مثلو بأبي باهي الجمال
مائس القد، وغيرها.

مطربون، وأساتذة

كان الغزالي حاد الذكاء شغوفا بالمعرفة مثقفا ثقافة عالية، من هنا، كان تلميذا لكل أساتذة الغناء في عصره سواء من المصريين أو السوريين أو العراقيين مع اعتبار أن استاذه الأول الفعلي هو رائد المقام العراقي، محمد القبانجي.
كان الغزالي مستمعا جيدا لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب ولكوكب الشرق أم كلثوم وفريد الأطرش وألحان السنباطي ولكل واحد من هؤلاء طريقته في صياغة الألحان التي استفاد منها الغـــــزالي خاصة القصائد التي طــــور محمد عبـــدالوهاب من صياغتها مثل كيلوباترا والجندول وغيرهــا، كما كان شغوفا بسماع الطقاطـــــيق المصرية والأصوات التي اشتهرت في القاهرة ثم في البلدان العربية مثل ليلى مراد واسمهان.
وكانت بغداد تستقبل العديد من فناني العرب، مثل السوريين الذين برعوا في تقديم ما يسمى بالقدود الحلبية، كما استفاد كثيرا من فناني مصر الذين عاشوا فترة في العراق يقدمون فنهم من هؤلاء الفنانة القديرة شهرزاد التي مكثت في ربوع العراق اكثر من شهر تقدم فنها المصري بفرقة مصرية بقيادة زوجها عازف آلة الشيلو الشهير محمود رمزي كما عاش في العراق لفترة المطرب الشعبي الكبير محمد عبدالمطلب ومعه زوجته الفنانة نرجس وبالطبع، كان ناظم على صلة بكل من غنى في العراق واستفاد من السماع إليهم وتعرف على شتى القوالب الغنائية العربية لأن لكل قطر طريقته في اللحن والغناء، لهذا استطاع ناظم الغزالي أن يقدم الأغنية العراقية بأسلوب جديد غزا به قلوب كل المستمعين في الأقطار العربية.
وكان المطرب الراحل يتوق إلى أن يأتي الى مصر ليغني لأهلها وليلتقي بموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب ليلحن له بعض الأغاني باللهجة المصرية، وبالفعل اتصل بعبد الوهاب واتفقا على كل شيء وكان الغزالي سعيدا بما سمعه عن اعجاب عبدالوهاب بصوته وتأكد من ذلك عندما اتصل به، وكان مطربنا يعد العدة للقدوم الى مصر التي عرفها جيدا كما قلنا من قبل كما أن كثيرا من نجوم العراق جاءوا الى أرض الكنانة وبعضهم نال شهرتهم فيها مثل، سهام رفقي وعفيفة اسكندر وغيرهما، لكن زيارة الغزالي لم تتم فقد اختاره الله إلى جواره قبل أن يحقق حلمه وحلم المصريين الذين كانوا يريدون سماع ناظم.