PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : فيروز تطفئ شمعتها السبعين في عيد الاستقلال



Burhan
22-11-2005, 18:54
الفتاة الفقيرة التي غنّت في الرابعة عشرة اصبحت رمزاً للبنان لا يفارق وجدان العرب... فيروز تطفئ شمعتها السبعين في عيد الاستقلال
بيروت – عبده وازن الحياة - 22/11/05//

تطفئ المطربة فيروز اليوم سبعين شمعة، محتفلة بعيد ميلادها السبعين الذي يصادف عيد استقلال لبنان. ففي الثاني والعشرين من العام 1935 ولدت نهاد حداد في بيت فقير من بيوت حي «زقاق البلاط» البيروتي، من أب يدعى وديع، هو من السريان الذين هاجروا من مدينة ماردين، وأم تدعى ليزا البستاني. وإن ولدت فيروز او نهاد (اسمها الأصلي) قبل عيد الاستقلال الذي أُعلن في الثاني والعشرين العام 1943، فهي ما لبثت ان أضحت رمزاً وطنياً يلتقي حوله اللبنانيون على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم.

قد تبدو سيرة فيروز الشخصية خارج مسيرتها الغنائية ضئيلة في وقائعها، فهي تزوجت من عاصي الرحباني في العشرين من عمرها منضمة الى الأسرة الرحبانية كزوجة ومطربة في الحين ذاته. وكانت اصلاً تعاونت مع الرحبانيَين عاصي ومنصور قبل الزواج، بين عامي 1949 و1955. وإذا كان حليم الرومي اكتشفها قبل عاصي وأطلق عليها لقب فيروز عندما كانت تغني في الإذاعة اللبنانية، فإن الأخوين فليفل، محمد وأحمد، كانا سبّاقين في تأليف اغنيات فردية لها وتلحينها، وبعضها أنجز في الإذاعة السورية وإذاعة الشرق الأدنى. ومن تلك الأغنيات التي باتت مجهولة او شبه ضائعة: «ميسلون»، «فتاة سورية»، «إلى سورية» وسواها. وقد يصعب تصور تلك الفتاة ابنة الرابعة عشرة، تؤدي منفردة مثل هذه الأغاني عبر إذاعات مهمة ومعروفة حينذاك في المشرق العربي.

عائلة الفتاة نهاد كانت من العائلات البيروتية الفقيرة، تقطن منزلاً تقاسمها إياه عائلة
فيروز.
اخرى، وكانت نهاد تسترق السمع الى «راديو» الجيران يبث اغنيات تلك المرحلة، فتحفظها وترددها. لا تخجل فيروز من حكايات طفولتها الحزينة والفقيرة، ويحلو لها أحياناً ان تقص على اصدقائها بعضاً من تلك الحكايات، ومنها حكاية الحذاء الذي يكون ابيض في الصيف ثم يصبح اسود في الشتاء، بعد ان تصبغه لتتمكن من انتعاله طوال السنة!

لكن السيرة الحقيقية و»العامة» تبدأ بعد زواجها وانصرافها الى الغناء والتمثيل في الأعمال المسرحية والسينمائية. وهذه السيرة لا تخلو من الصفحات البيض المشرقة والصفحات السود القاتمة. فالحياة التي عاشتها فيروز لم تكن مستقرة، وهي كابدت من الآلام وربما المآسي بمقدار ما عرفت من مجد وشهرة. لم تحظ بالألقاب الكبيرة والأضواء والتكريمات إلا بمقدار ما عانت من شجون شخصية وعائلية. ولو لم تكن فيروز من طينة نادرة لما استطاعت ان تصمد حيال العواصف التي هبت في حياتها. ابنها «هلي» لا يزال مقعداً يتنقل بين السرير والكرسي المتحرك، شاب وسيم ولكن لا يعي ما يحصل حوله، ابنتها ليال توفيت في عز صباها... هذان جرحان في روحها لا يندملان مهما حاولت ان تنسى. اما الخلافات العائلية السابقة والهموم التي واجهتها فهذه امور أخرى، ليس مناسباً تذكرها الآن.

تعيش فيروز مع ابنتها ريما، متنقلة بين بيتيها، الأول في الرابية وهو البيت العائلي والثاني في الروشة. نادراً ما تخرج فيروز من البيت، وإن خرجت ففي طريقة شبه سرية، واضعة نظارتيها وإن كان الوقت غروباً او مساء، فهي لا تحب الظهور العلني بتاتاً. اما اصدقاؤها فيزورونها في منزلها، وكذلك مستشاروها وناشرو اعمالها وسواهم. حياة هادئة جداً، تميل الى ان تكون ليلية، فالسيدة فيروز لا يمكن الاتصال بها إلا بدءاً من بعد الظهيرة.

الليلة تحتفي فيروز بعيدها مع ابنتها وبعض الأصدقاء والصديقات الذين تأنس إليهم وتثق بهم. والعيد أليف وبسيط وبعيد من أي صخب إعلامي. لكنّ الإذاعات وبعض مواقع الإنترنت بدأت امس الاحتفال بهذا العيد وفي ظنها ان فيروز ولدت في الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر). وكانت مجموعة من المثقفين العرب اصدرت قبل شهر بياناً دعت فيه الدولة اللبنانية الى جعل يوم ولادة فيروز عيداً وطنياً. وهذا ما لا تحبه فيروز، هي التي تكره اصلاً الكلام عن الأعمار. وقد تكون على حق، فمن يصدّق ان هذه المطربة الكبيرة التي واجهت الزمن بصوتها البديع، واستطاعت ان تنتصر عليه حباً وحنيناً، لوعة ووجداً، اصبحت في السبعين؟

luay
23-11-2005, 15:06
Thanks Burhan for this article.
I'm not a big listener of Fairouz, but to me she has one of the most beautiful voices in the world. She definitely desrves to be considered as a symbol of the good Lebanon (and not the bad sides of it) and the great Arabic music. I wish we ever had a chance to hear the two songs Sunbati composed for her from her.

Best regards,
Luay

Najib
23-11-2005, 17:28
one of the most accurate voices of all

Hattouma
29-11-2005, 12:56
ستأذن العزيز "برهان" في نقل هذا المقال هنا ..لأني أُحب التعليق عليه



فيروز في مصر .. خطيئة العبور بدون جواز



نائل الطوخي


لسنوات طويلة ظل ألبوم وحيد لفيروز هو المنتشر في الأسواق المصرية. حمل الألبوم عنوان <<نخبة من أجمل أغاني فيروز>> واشتمل على عدد من أشهر أغانيها بدءا من <<حبيتك بالصيف>> وانتهاءً ب<<أعطني الناي وغنّ>> ومرورا ب<<شادي>> و<<يا أنا يا أنا>>. لهذا السبب أو ذاك لم يسمع المصريون الألبوم، برغم انتشاره النسبي، أي إنهم لم يسمعوه بنفس الجدية التي يسمعون بها فريد الأطرش وعبد الحليم وعبد الوهاب، وأم كلثوم بالطبع في المقدمة. والجدية هنا تعني المتعة لا المعرفة، فكثيرون هم من يسمعون المطربة العظيمة لأجل القول إنهم يسمعونها، وكثيرون وإن كانوا يقلون بعض الشيء يسمعونها لأجل معرفة شيء عن الشام أو عن المحيط العربي خارج مصر، ولأنه لا شيء يبدأ بالمتعة، التي تحتاج إلى استكانة ما، بدء سابق وخلود إلى ما هو متحقق، فالمعرفة هي ما تؤدي ببعض المصريين في خطوة لاحقة إلى التمتع بصوت فيروز، وغالبا ما لا تصل هذه المعرفة إلى درجة المتعة، أي تقف عند كونها معرفة، تباهى الشاب المصري بمعرفة عدة مفردات لبنانية تلوح أكثر رقياً وتفرنساً من العامية المصرية، وقد تتطور هذه المعرفة لتشتمل على أهداف أيديولوجية كذلك، مثل ربط فيروز بالقضية الفلسطينية، أو ربطها بكسر احتكار السوق المصري للموسيقى. هذا بالنسبة لبعض المصريين، هم الذين يعرفون، بخفة لا مناص منها، بالمثقفين.
أما على الجانب الآخر فتلوح فيروز كائنا بعيدا عن الناس، لا يعرفون عنها شيئا اللهم إلا <<زهرة المدائن>> التي دأب التلفزيون المصري على إذاعتها أثناء انتفاضة الأقصى، ثم، مؤخراً فقط، أغنية <<طيري يا طيارة>> بسبب مشهد قصير من المسلسل المصري <<امرأة من زمن الحب>> أشير فيه إلى الأغنية، وأغنية <<سهر الليالي>> بسبب الفيلم المصري الشهير الذي حمل اسم الأغنية واعتمد عليها في أحداثه. فيما عدا هذا تلوح فيروز مغنية شديدة التعالي كما ترى الغالبية في مصر، هي لا تتودد إلى الناس، لا تنكأ جراحهم الطرية كما يفعل عبد الحليم ولا تجعلهم يغيبون معها وراء دوائر الدخان والفضاء الصوفي كما تفعل أم كلثوم ولا تدغدغ حواسهم كما تفعل صباح، لذا ربما يكون حتما التباهي بالإعجاب بفيروز وفي نفس الوقت، إهمالها الواقعي، تأجيلها حتى تنتهي قائمة المطربين الأكثر رسوخاً في الواقع المصري، وهي لن تنتهي أبداً، لأنها في حالة تكرار دائم، سواء من قبل الإذاعة أو التلفزيون أو إشارات الصحافة، أو حتى أرفف محلات الكاسيت ودندنات الناس في الشوارع.
على مدار عقود، دأبت مصر على أن تكون مورداً للموسيقى إلى الدول المحيطة، تعيد إنتاج ما يرد إليها من سائر الوطن العربي، تصهره ثم تصدره ثانية بعد تمصيره، أي بعد السيطرة عليه واحتكاره وإلغاء اختلافاته، الشرط الأساسي في هذه العملية هو سعي الفنانين العرب إلى مصر. تحدث الفنانون الوافدون المصرية وتباهوا بمصر هوليوود الشرق التي أخرجتهم من عتمة المجهولية إلى نور الانتشار، شكروا لمصر دوماً بل وغنوا لثورتها وحروبها. وحتى عندما توقفت ظاهرة اتخاذ الفنانين لمصر وطناً فإنهم لم يتوقفوا عن الغناء بالمصرية أو بلهجات محلية فيها من المصرية الكثير، هذا ما يشعر المصريين بالرضى، فحتى في عصر الفضائيات لم يتوقف أعضاء الهامش الثقافي سائر البلاد العربية <<حتى وإن قلت هامشيته الكثير>> على خطب ود المركز، الامتنان له وجعله أكثر مركزية، والتطوع بإلغاء اختلافاته هو ذاته لصالح النموذج المركزي الواحد. وحدها فيروز تخرق الرضى المتباهي للمصريين، عبر خطاياها الثلاث الكبرى، فهي أولاً مغنية جيدة وهي ثانياً مغنية شهيرة وهي ثالثاَ لا تسعى للمركز <<لا تقيم في مصر، ولا تغني بالمصرية، ومجمل ما غنته لمصر لا يزيد على أصابع اليد الواحدة>>. كان يمكن لفيروز أن تكون مغنية جيدة ولا يسمعها أحد، ويكون هذا عقاب الإله على من لا يهبطون مصرا من الفنانين، غير أنها قد جرؤت على أن يسمعها كل العرب في العالم أجمع فيما عدا المصريين بالطبع، الجدار الأخير.
ربما لم يكمن الجرح في فيروز وحدها، فما أكثر صاحبات الصوت الجميل، غير أنه كمن في تراث خرجت منه، في عائلة كاملة تميزت بموهبة مخيفة، باختصار، في مناخ، وهو الدليل القطعي على أن عظمة فيروز لم تكن عرضية، ليست حالة فردية أو نتاجاً عبقرياً للصدفة، وإنما تقطع كذلك بأن الهامش (وقت كان أكثر هامشية بكثير من الآن) بإمكانه إنتاج شيء ما يوازي ويفوق ما ينتجه المركز (وقت كان كذلك أكثر مركزية بكثير). هكذا فشل مشروع بليغ حمدي في أن يتبنى عفاف راضي كما تبنى الرحابنة فيروز، وكان فشل كهذا <<مثل الفشل في إخراج أسرة كالرحابنة وإقامة تعاون بينها وبين صاحبة صوت وردي كفيروز، ولتكن نجاة مثلا>> هو ضربة في صميم النرجسية المصرية، من هنا نبع لا فقط التوق للانتقام من فيروز بالحرص على إبقائها في قاع الاهتمام الفعلي للمستمع المصري، وإنما شعور هذا المستمع بتعالي المطربة، لأنها لا تغني بالمصرية، هو من تعود الاكتفاء بذاته والنظر إلى أية لهجة عربية أخرى باعتبارها مستهجنة. لذا، وردا على هذا التعالي الفيروزي، لا تعدم حيل المصريين في ترميم نرجسيتهم الجريحة، يشار عرضا في مسلسل تلفزيوني رمضاني إلى أغنية <<طيري يا طيارة>> فتجد غالبية المصريين قد عرفوا الأغنية وحفظوا مقاطعها التي ترددت في المشهد القصير عن ظهر قلب كما يحدث ذلك مع فيلم <<سهر الليالي>> الذي حقق نجاحا جماهيريا هائلاً، لتصبح بعده أغنية <<كان عنا طاحون/ سهر الليالي>> من أكثر الأغنيات شعبية لفيروز في مصر. عبر خرق مصري بسيط لجدار المقاطعة غير المدركة لفيروز، تتم مداواة النرجسية المصرية ثانية. ففيروز تغني من عقود طويلة، غير أن الناس لم يعرفوها إلا من إشارة المسلسل التلفزيوني والفيلم السينمائي المصريين. أي: ليبرع <<الآخرون>> كيفما شاؤوا، غير أن أحداً لن يسمح لبراعتهم بأن تقتحمنا هنا <<في الداخل>> إلا بتصريح مصري منا، التصريح الذي حرص عليه الجميع قبل ذلك ووحدها فيروز عاملته بحياد مهين. قد يأتي الغناء من الخارج غير أن التصفيق إن لم يأت من الداخل فلن يعود للغناء، وليكن رائعا كما يكون، قيمة، هذا الداخل الذي يعتز به المصريون، بعد الشروخ المتتابعة لنرجسيتهم، بعد انتشار فيروز في كل العالم بدون تصريح منه الداخل المصري، هذا الداخل الذي صار هو الجدار الأخير في وجه الخارج العدو، الفن المدوخ لفيروز.
(القاهرة

Hattouma
29-11-2005, 13:28
تعليق سريع على المقال أعلاه ...يحتوي على عبارات كبيرة و معلومات قد تكون غير دقيقة لكنه يمثل وجهة نظر و موضوع يستحق المناقشة بل و الدراسة...لاحظت (و أنا مصري شاب..إلى حد ما :) ) أن "السوق" الفني المصري -مع إعتذاري عن إستخدام الكلمة- كان دائماً سوقاً كبيراً و قويا ًو سباقاً و تنامت مصالحه في الماضي بصورة كبيرة فرضت عليه مساراً معيناً بل و ذوقاً معيناً أيضا ..و هذا موضوع يطول الكلام فيه لكن قد تكون مشابهته بهوليود بها بعض التقريب ...حيث تعتمد صناعة الفن بدرجة أولى و بالأساس على إتساع السوق المحلي ..و يأتي ما ورأه كخطوة تالية طبيعية ... و يقف على هذا السوق مؤسسات فنية و إعلامية متشابكة و إتساع هذا السوق و طبيعته الجذابة يشد إليه الكثير من المستثمرين و الفنانيين من خارجه الذين يعملون في النهاية بقواعده هو و من الصعب إختراقه من قبل سوق آخر إلّا في حدود ... و بالطبع شكل الرحابنة أهم محاولة جادة في دولة عربية أُخرى لتشكيل مؤسسة كبيرة على غرار ذلك في لبنان و أحياناً يبدو لي إنهم ساروا تقريباً على نفس المسار من الإعتماد أولاً على "السوق" المحلي و الإبتداء بالمسرح الغنائي ثم الإهتمام بالتمثيل و الدراما و الإذاعة ثم التليفيزيون أيضاً ( و من الواضح إن المسرح ظل مجالهم المفضل) و من المهم أيضاً تعاونهم في فترة مع مؤسسة من أهم مؤسسات الصناعة الفنية في الشرق(مؤسسة محمد عبد الوهاب) و تجربتهم مع السينما و غير ذلك الكثير المهم إنهم نجحوا في النهاية من صنع صرح فني لبناني خاص له جمهوره الكبير جدا خارج لبنان و في مصر بالذات ... ففي مصر على عكس ما قد يوحي به المقال أعلاه جمهور كبير لا يرضى ب فيروز بديلاً (و مع البعض حتّى و إن كانت أم كلثوم شخصياً ) لا أستطيع معرفة كم الجمهور لكن من ناحية الكيف فمعظمهم من االفنانيين و المثقفين و أيضاً الشباب و سكان المدن
و فيروز هي المطربة الوحيدة التي ( مع إنها تنتمي إلى "سوق" آخر غير السوق المصري كما يذكر المقال في غنائها بلهجة منطقتها و إعتماد موسيقاها على روافد محلية أخرى ...إلخ) نجحت في الإختراق إلى الحد الذي سمحت به الظروف (المشكل أيضاً إفتراق الظروف السياسية و الإجتماعية للبلدين بصورة كبيرة جداً في مرحلة السبعينييات و هي من أهم مراحل عطاء فيروز و الرحابنة الفني (و هو في رأئي من أسباب عدم توفر الكثير من أعمالهم المسرحية و إن وجدت , وجدت منقوصة)

Hattouma
29-11-2005, 19:44
أضيف إني مازلت أتذكر دهشة صديق لي من المشهد المذكور في أحد المسلسلات التليفزيونية الناجحة في التسعينييات ( غناء طيري يا طيارة) فجمهور فيروز في مصر لم يتعود ذلك من مؤسسة فعلاً كانت منغلقة إلى حد كبير ليس فقط من عن التعبيرات الفنية المختلفة من خارج مصر بل بالذات من داخلها ...على العموم ربما تكون فيروز (و لخصائص كثيرة في فنّها و قربه زمنياً ) من أقرب فناني المرحلة الكلاسيكية إلى جيل من الفنانين الشباب (مثل صانعي فيلم سهر الليالي أيضاً) و وصلتني من العضو" برهان " أيضاً مقالة تبين هذه الفكرة سأنقلها أسفله

Hattouma
29-11-2005, 19:47
فيروزُ التي «أفسدتْ» ذائقتي


فاطمة ناعوت الحياة - 24/11/05//


فيروز.
كثيراً ما فكّرت كيف يمكن أن تكون حياتي من دون وجود فيروز؟! أفترضُ أنها كانت ستمتلئُ بالكثير من البهجة. صوتُ فيروز أغلق الباب في وجه أشياءَ كثيرةٍ كان من الممكن أن تُدخل حياتي في باب الفرح. لو لم تكن فيروزُ هناك لكنتُ واكبتُ كل ما هو مطروح من فنٍّ الآن، وما كان ابني مازن سينظر لي بشفقة كوني لا أعرف أيّاً من المطربين الجدد الذين تملأ صورهم غرفته ممن «عمرّوا» الحياةَ مرحاً وطرباً. ولكنتُ جنّبت نفسي الكثير من المعارك مع سائقي التاكسي الذين أطالبهم بكفِّ صوت الكاسيت فينهرونني وأنزل في منتصف الطريق كاسفةَ الخاطر، مصحوبةً بكثير من اللعنات وبعض ازدراء. من المنطقي أن تكون حياتي من دون هذا الصوت أكثر سهولة ومرحاً، لكن الحتميَّ أنها ستكون بلا روح أيضاً. ورفضي لما هو مطروحٌ من غناء لم يكن ردّ فعلٍ تجاه الغثِّ الذي يملأ الساحة الغنائية الآن، لكنه ممتدٌ لعقدين مضيا حين كان الفن لا يزال في احتضاراته الأولى. وعلى رغم أنني أزعم طوال الوقت أنني كائنٌ تعددي يرفض التصنيم ويرحب بالتجاور إلى آخر تلك الشعارات التي نجيدها جميعاً، إلا أنني في ما يخص الفن تحديداً أنحو نحواً واحديّاً نخبويَّاً. ولمّا نبهني أصدقائي إلى ذلك التناقض، ابتكرت نظريةً (أعلم مسبقاً أنها مردودٌ عليها) مفادها أنني لا أتابع الجديد لأنني بعدُ لم أستنفد الجمالَ الذي يهبني إياه صوتُ أم كلثوم وعبدالوهاب وفيروز، واعدةً بأنني سأسافر صوب أصوات جديدة حين ينفد معينُهم الجماليّ لديّ. وفيروز تحديداً ليست مجرد صوتٍ جميل يحمل معانيَ راقيةً، وليست هي درّة رأس المثلث الساحر: صوت نقي وكلمة رفيعة وموسيقى لا يشبهها شيء. لكن فيروز برأيي شيءٌ أبعد من ذلك بكثير. هي ظاهرةٌ عابرة للأزمنة وما نحن إلا أجيالٌ محظوظة واكبتْها. صوتها هو القادر الأوحد على أن يشعرك، سيما إن كنت شاعراً وتراود الحرف، بعجز اللغة، كل لغة، عن الإفصاح. فطاقةُ الصوت لديها وطبقاته وعمقه وموسيقاه الخبيئة بين تضاعيفه تقول أكثر مما تقول الكلمات التي يحملها هذا الصوت، حتى ولو كانت كلمات جبران أو الأخطل الصغير وسواهما.

ترددت لبرهة في التوقيع على البيان الذي تقدّم به بعض المثقفين العرب مطالبين الحكومة اللبنانية بتدشين عيدِ ميلاد فيروز، الذي حل في 22 تشرين الثاني (نوفمبر)، عيداً قوميّاً للمحبة والفيروز،. ذلك البيان الذي أثار الكثير من اللغط والغبار. ففيروز بالنسبة إلي «حالة جمال» وليست رقماً ولا تاريخاً ولا حقبة. لكنني فكرت على نحوٍ آخر. فهذا البيان ليس تكريماً لفيروز كما فهم المعارضون، ليس فقط لأنها أكبر من أي تكريم، وهذا حق، بل لأنها كُرِّمت فعلاً من معظم زعماء العالم، ونالت التكريم الأكبر من جمهورها العريض في أربعة أركان الكون، فضلا عن تكريم الحياة بمنحها صوتاً يقطر من السماء فيبدد، ولو للحظةِ، عتمة الوجود. هذا البيان هو تذكِرة لنا لئلا ننسى أن شيئاً حلواً واكب زماننا ولنؤكد لأنفسنا أن الحياةَ جميلةٌ وتستحق أن تُعاش على رغم كل ما يحدث. لماذا لا نحاول أن نقبض على هذه اللحظة، نحن الذين اتفق لنا أن نعاصرها؟ كيف لا نعمل على «تجميد» لحظة الجمال قبل أن تمرّ؟ وكيف لنا أن نمرّرَ هبةً سماوية من دون أن نحتفي بها ونحمي وجودَها كيلا تدعسَها مراراتُ الحياة والأنظمة مثلما دعست كلَّ جميلٍ ونقيٍّ في حياتنا؟ كيف لا نسرّب لأجيالٍ تلينا رسالةً تقول إننا كنا واعين أن غيمةً عذبةً مرّت من هنا، فرفعنا رؤوســنا عالياً ولوحّــنا لها؟

لو كان قُيّض لي صوغ البيان لقلت:ُ لتكن الفكرةُ «عيداً للجمال»، متمثلاً في شخص فيروز. ألم تقدم لنا فيروز لمحاتٍ كثيرةً من الجمال والانتماء والمحبة كما فعل ماوتسي تونغ وغيفارا وجان دارك وعبدالقادر الجزائريّ؟ مَنْ مثل فيروز بلوّر داخلنا فكرة «العودة» إلى الأرض المستلبة؟ من مثلها أبكانا على القدس وبذر فينا اليقين بعودتها ذات وعد؟ أيُّ شيء مثل صوتها ظلَّ يهتف بالوطن: أنْ عدْ، حتى لكأن الوطنَ يرفض أن يعود كيلا يتوقفَ صدحُها عن الوعد بحُلمٍ طال انتظاره. صوتها الذي صمت عن البوح في لبنان طوال مدة الحرب الأهلية ولم يعد إلا بعدما حطّت أوزارها فصدح في حفل في ساحة الشهداء عام 1994. هو إذاً عيدٌ للجمال والحبِّ والطفولة متمثلاً في شخص فيروز التي وهبتنا كل ذلك، وأكثر.

كيف ارتبط صوت فيروز بطيارة ورق، وباب غارق بالياسمين، وهدير البوسطة، وأم سليمان، وحنّا السكران، وطير الوروار، وسيف يُشهر، وجسر العودة، وليالي الشمال الحزينة، ومرجوحة؟ نحن المصريين نعشق اللهجة الشامية بسبب فيروز. أذكر أن جارتي في الرياض كانت شامية وكانت تزورني لنشرب قهوة الصباح معاً، فأبادرها قائلة: يا الله اتكلمي، فترد: شو بدك أحكي؟ فأجيب: أي شيء، فقط أود أن أسمعك تحكين «شامي». أما ترانيم فيروز المسيحية فهي النعيم عينُه، ومن أجلها كنت أهرب من فصلي وأدخل كنيسة المدرسة لأغني مع الأطفال ترانيمهم.

وجود فيروز في حياتي هو درعٌ ضدَّ الضياع والقنوط، وحبلٌ تُسقطُه لي يدٌ رحيمة في قاع الهوة، يأتي دوماً في موعده: في اللحظة الأخيرة.

تحية لها في عيدها السبعين، هي «العمود السابع لهياكل بعلبك» كما وصفتها الجامعة الأميركية في بيروت.

شاعرة مصرية

Burhan
30-11-2005, 06:19
"سبعون" البنت السريانية التي جاءت من ماردين

بقلم سمير عطاالله



انشأ راوي الرواة ورائد الهجرات ميخائيل نعيمة تقليد الاحتفاء "بالسبعين". فعندما بلغها في اعالي بسكنتا بين روائح التفاح والوان الكرز، وضع "سبعون"، المذكرات التي تحكي حكاية اب مجتهد طيب عرّاق مثل الصخر، وام لجوجة طموحة مقاتلة، واما حكاية الابن فمن مدرسة بسكنتا حيث تعلم تصريف فعل être في كل صيغه، الى دير في فلسطين، فالى دير في الام الارثوذكسية الكبرى، الروسيا، فالى نيويورك والرابطة القلمية وولادة عصر جبران في الحي الغربي من المدينة. واذ كان بعد صبيا فوق حصى بسكنتا وفي سفح سيدها الاعلى صنين، "كان لي وقفة مع السحر. فقد عاد احد انسبائنا من البرازيل، وانتشر الخبر في البلدة انه جلب معه آلة عجيبة تغني من تلقائها. وتغني كما يغني الناس بالتمام – ميجانا وعتابا وابو الزلف واغاني غيرها لا عهد لنا بها. كان ذلك اول عهدي بالفونوغراف، الذي لم يكن هو الآخر قد تجاوز زمن الطفولة".

عندما حلت طفولة فيروز، الاورثوذكسية الاخرى، كان السحر هو الراديو. لقد حل الاثير المغني محل تجارب اديسون العظيم في تدوين الصوت البشري. قبل ايام، كانت "سبعون" نهاد حداد.

سبعونها جميلة ولها في اعمار كل منا عمر. مثلها مثل ضوء القنديل على البيادر في حزيران. اواخر حزيران. مثلها مثل صوت الينابيع عندما يلتقي آذار بنيسان على الحفافي والمنعرجات وتحت شجر الجوز. وكلاهما يغني لما ذهب ولما يشتهي ان يأتي. مثلها مثل زهرة شقيق، وحيدة في البرية، فرحة بقيام نفسها وحزينة بوحدتها والعمر الذي مر حزينا من زقاق البلاط، في قعر الفقر، الى العرش في مملكة الحناجر، وديار الحب والهوى والشعر.

جاء اهل البنت السريانية الحزينة من ماردين. كانت تلك احدى الهجرات الى لبنان، هذا الملتقى الغريب، لمضطهدي المنطقة وعواصف الامبراطوريات: من مجازر تركيا الى فظاعة الوطن القومي اليهودي الى الاكراد والسريان والكلدان. هي، نهاد حداد، جاء والدها من ماردين في تركيا الآفلة. جاء فقيراً مثل الموت، ومثل الشرد. وتزوج من فقر آخر. صبية لبنانية "تضع خبزها على عجينه". ولا خبز، ولا عجين. حتى الفران الجنوبي في زقاق البلاط، كان يعرف في قرارته ان هناك من جاء الى الحي من حقول بعيدة اكثر فقراً، وقد تقاسم آل حداد، بيتاً عتيقاً، مع مستأجرين آخرين، على زاوية مار يوسف الظهور، لا يزال قائماً الى الآن. بفقره. ورطوبته، والدخنجي الذي يبيع ذات الرئة لمن يشاء.

كان عالم زقاق البلاط جميلاً ومختلطاً وملوناً. ففي هذه المساحة المحدودة، تحمل الشوارع الصغيرة اسماء تركية وفرنسية، اشهرها موريس بارس في حي المسجد. والى هنا جاء اول جنوبي مشيا وسوف يصبح اشهر فران في بيروت، المعلم ابو عفيف رضوان، وسوف يكسب ابو عفيف كسباً حقاً، فيشتري، اول ما يشتري، طقم الكنبايات الذي ارادت ان تبيعه الدونا ماريا سرسق. وفي هذه الاحياء التي نصفها بسيط ومعتّرـ ونصفها ذوات آل فريج وآل نمور وآل ديبولا ووزراء البلد ووجهائها، في هذه الاحياء كان التجار البيارتة يتزوجون ثلاثا في غالب الاحيان، لأن الزوجة يد تساعد في الكسب. وتاجر اكياس الورق كان يوزع اعمال التوليف والتلزيق والجمع، على هذه الشركة الجميلة من السيدات المليئات، الفرحات. فاذا حان دور احداهن ان تخرج الى الفرن او الى البقال، غطت وجهها بمنديل كحلي شفاف يؤكد شيئا واحدا: ان المعلم صاحب شركة الاكياس، رجل متعدد الذوق ومتنوع السعادة. كان مغبوطا من جميع الذين لا يتاجرون بأكياس الورق.

تلك، كانت بيروت في الاربعينات. والقادمون يأتون من قريب ومن بعيد. ويغنون. ويعشقون، ويحلمون بيوم يصبحون ابطالا صغارا، قادرين على رغيف غير صعب، وعلى مذياع، طراز "غرونديك" او "باي"، يغني لهم من داخل البيت، لا من خارجه. في بيت نهاد حداد، كان المذياع عند الجيران. وكان اقرب الى شباك المطبخ. وكانت تمضي اكثر الوقت، على ذلك الشباك الاخضر العتيق، في بيت رطب الجدران، من اجل ان تسمع ما يحب اصحاب الراديو من اغان. وفي الواحدة كانت تعطي دور الاستماع الى الاب، يريد ان يسمع من غنطوس الرامي اخبار الدنيا. ولم يكن يهمه او يعنيه من اخبارها الكثير.

الاذاعة نفسها، "الاذاعة اللبنانية"، كانت على بعد مائتي متر نزولا من بيت البنت السريانية التي جاء اهلها من ماردين. وسوف تغامر ذات يوم، هي، وضفيرتها، وشعور الغريب، بالنزول الى الاذاعة. وتطلب من حليم الرومي ان تغني في الكورس. وكم كان عدد الكورس؟ نحن هنا في الاذاعة اللبنانية، طلعة سامي الصلح ولسنا في سكالا دي ميلانو. حليم الرومي كان قادما ايضا من فلسطين. وكل غريب للغريب نسيب. فنان متقشف، منضبط، حزين المعالم من آثار النكبة. وبرد التشرد. وفي هذه البيروت التي يأتي اليها الفازعون والحالمون والفقراء من الجنوب ومن ماردين ومن ارمينيا ومن كردستان ومن بقايا اشور السابقة، يصنع الغرباء لها مجدا لا يعرفون انهم يطرزونه حول عنقها الجميل مثل عقد من الخرز الازرق. يصغي حليم الرومي الى البنت السريانية الكئيبة الملامح، ويقول لها، باسلوبه المتقشف الجامد المكتئب بالدوار من وطن الى ملجأ، يقول لها، دون شيء من ابتسامة: "نهاد حداد اسم لا يعني شيئا لأحد. سوف تسمين فيروز وسوف تكونين فيروز وسوف تخرجين من الكورس من اجل ان تكوني النغم الجديد في هذه الامة".

بأمر من الرجل الناحل، المعتل اللون، المخطوف الفرح، بدأت فيروز الرحلة نحو الاسطورة. كان ذلك قبل اعوام كثيرة، وكانت في الرابعة عشرة من العمر، وكانت تخشى ان تقول انها بنت سريانية، لانها لم تكن تدرك انها سوف تصبح ذات يوم شمس لبنان. ونجمة من نجوم الامة. واكثر اكثر من ذلك بكثير، سوف تصبح نوعاً لا يقلّد من الفيروز. لا قبل ولا بعد. فمعها، ومع الاغنيات القصيرة البسيطة التي يكتبها ويلحنها "الاخوين رحباني"، سوف يتغير جوهر الاغنية العربية، وسوف يأتي اليها عبد الوهاب الذي كانت تتوله صوته من الشباك المقابل، سوف يأتي ليسألها: هل تقبلين ان تغني لي؟

غنت له ما كان قد كتبه له شوقي قبل ولادة نهاد حداد: "يا جارة الوادي". وفي حنجرتها التقى عبقر شوقي وشيطان عبد الوهاب. وأحيت البنت السريانية بالصوت الذي يشبه الفجر الاول، قديم المغنى العربي، وأعمرت ديار سيد درويش، وصار لها في كل بيت مذياع. او نافذة مقابلة، يصغي الناس الى الاغاني الآتية منها.

مع "سبعين" فيروز، يتغير العصر مرة اخرى. اننا ندخل زمناً آخر: نانسي عجرم تشرب "الكولا" بعينيها القاضيتين، و"أليسا" تشرب "البيبسي" بعينيها الحاضنتين. والناس تقوم الى الرقص وتظل ترقص الى الصبح. لقد ولّى زمن السمع. ولّى زمن الخدر السماعي. وولى الزمن الذي فيه "زجل" ميشال طراد أَنغَم من شعر رامبو واعذب واحنّ واعمق، بكثير اعمق وأحنّ، من شعر هوغو. ولّى زمن النشوة باخدار الاثير.

العرش باق. ولا مطالبون. وليس هناك حتى انستازيا مزيفة، تدعي انه تسري في دمائها دماء ملكية من سلالة فيروز، بل ليس هناك من يحمل الحق الطبيعي للتشابه: يخلق من الشبه أربعين، لا شبه الى اليوم. يكون الشبه ممكناً عندما يكون النموذج عادياً. ويصبح مستحيلاً عندما يكون هذه البنت السريانية الناحلة التي جاء اهلها من ماردين وأوكلوا اليها، مع الرحابنة، ان توسّع رقعة لبنان.
سمير عطاالله

Hattouma
01-12-2005, 00:10
فيروز.. جارة القدس والقمر


وسام الدويك**






هذا العام تصل السيدة "فيروز" عامها السبعين، إلا أنها ستظل في مخيلتنا تلك الفتاة الرقيقة التي جلست تغني لحبيبها تحت شباك زجاجي ملون في فيلم "يوسف شاهين" (بياع الخواتم) الذي أنتج في الستينيات من القرن الماضي، وهو أحد ثلاثة أفلام سينمائية فقط مثلتها "فيروز" في ذلك الزمان، أما الآخران فهما (سفر برلك)، و(بنت الحارس) للمخرج "هنري بركات".

غنت "فيروز" للقمر وللبنات والصبيان والثلج والدروب والضيعة والحبيب والأزهار والوحدة، لكن أكثر غنائها كان للوطن، وللعودة إلى هذا الوطن، فغنت للقدس، وبيروت، ومصر، والكويت، ومكة المكرمة، وبغداد، كما غنت للسماء وملائكتها، وللعذراء والمسيح، ولمسرى الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم".

الحياة الفيروزية

ولدت "نهاد وديع حداد" في 21 نوفمبر 1935، وكانت "نهاد" -أو "فيروز" فيما بعد- هي الطفلة الأولى لهذه الأسرة البسيطة التي كانت تسكن في "زقاق البلاط" في الحي القديم القريب من العاصمة اللبنانية. كان الجيران يتشاركون مع أمها "ليزا البستاني" أدوات المطبخ في ذلك البيت المؤلف من غرفة واحدة، أما الأب الهادئ الطباع ذو الخلق الرفيع فكان يعمل في مطبعة تسمى “le jour”.

كانت فيروز تحب الغناء منذ صغرها، إلا أن الأسرة لم تكن تستطيع شراء جهاز "راديو" فكانت تجلس إلى شباك البيت لتسمع صوته السحري قادمًا من بعيد حاملا أصوات "أم كلثوم"، و"عبد الوهاب"، و"أسمهان"، و"ليلى مراد".

وفي حفلة المدرسة التي أقيمت عام 1946 أعلن الأستاذ "محمد فليفل" - أحد الأخوين فليفل اللذين لحنا النشيد الوطني السوري- عن اكتشافه الجديد، ألا وهو صوت "فيروز".

رفض الأب المحافظ فكرة الأستاذ "فليفل" بأن تغني ابنته أمام العامة، لكن الأخير نجح في إقناعه بعد أن أكد له أنها لن تغني سوى الأغاني الوطنية، فوافق الأب مشترطا أن يرافقها أخوها "جوزيف" في أثناء دراستها في المعهد الوطني للموسيقى والذي كان يرأسه "وديع صبرة" مؤلف الموسيقى الوطنية اللبنانية، والذي رفض تقاضي أية مصروفات من كل التلاميذ الذين أتوا مع "فليفل".

انضمت فيروز إلى فرقة الإذاعة الوطنية اللبنانية بعد دخولها المعهد بشهور قليلة، وتتذكر –في أحد أحاديثها النادرة– تلك الأيام فتقول (كانت أمنيتي أن أغني في الإذاعة، وقد أخبروني أنني سوف أتقاضى مبلغ 100 ليرة (21 دولارًا) في الشهر. كانت فرحتي لا توصف، لكن في نهاية الشهر لم أكن محظوظة كفاية، بسبب خصم الضريبة).

أما اسم شهرتها فقد اختارته "نهاد حداد" لنفسها حين قابلت الملحن الكبير "حليم الرومي" والد المطربة "ماجدة الرومي" والذي كان أول من لحن لها، حيث غنت أولى أغنياتها الخاصة بها وهي "تركت قلبي وطاوعت حبك" من كلمات "ميشيل عوض"، وهنا خيرها "حليم" بين أحد اسمي شهرة، كان ثانيهما "شهرزاد".

وفي العام 1951 غنت فيروز "لحليم الرومي"، وكذلك "لمدحت عاصم" و"سليم الحلو "و"محمد محسن"، وكان الرومي قد قدم "فيروز" للأخوين "عاصي ومنصور الرحباني" قبل ذلك بقليل.

وكان أول لقاءاتها مع الجمهور في صيف عام 1957، في حفلة أقيمت في معبد "جوبيتر" الروماني في بعلبك وغنت أغنيتها (لبنان يا أخضر يا حلو).

مع الرحبـانية



زفاف فيروز على عاصي رحباني

وقد بدأ عاصي -الذي سبق أخاه في الانجذاب إلى صوت فيروز- في التلحين لها فجاءت أغنيات من نوع "نحنا والقمر جيران"، هذا إلى جانب الأغاني الشعبية اللبنانية مثل "البنت الشلبية".

والجدير بالذكر أن بداية "فيروز" مع "عاصي" كانت بأغان أوربية الألحان عربية الكلمات، ثم أصبح لهما السمت الخاص، ومن هنا جاءت بداية (فيروز والرحبانية)، أما رحلة (الفنانة الكبيرة) "فيروز" فقد بدأت مع أغنيتها "عتاب"، وكان ذلك عام 1952.

"فيروز" التي لم تكن تتوقع كل هذه الشهرة كمطربة. كان حلمها الحقيقي أن تصبح معلمة. كما أنها كثيراً ما صرحت في مناسبات عديدة بأنها لن تتزوج في حياتها أبداً، إلا أنها قد تزوجت من "عاصي الرحباني" في يناير عام 1955، وفي ذلك العام أيضا أرسلت إذاعة "صوت العرب" التي تنطلق من القاهرة الإذاعي الكبير "أحمد سعيد" ليتفق مع الثلاثي "فيروز وعاصي ومنصور" على الغناء في الإذاعة المصرية، وجاءت فيروز إلى مصر، ومما لا يعلمه الكثيرون أنها شكلت ثنائيا غنائيا مع المطرب المصري "كارم محمود"، وفي القاهرة أيضا جاءت أهم أعمالها في تلك الفترة، وهي قصيدة (راجعون)، ثم يعود الجميع إلى "بيروت" وتنجب السيدة فيروز ابنها الأول "زياد" 1956 الذي سيلحن لها فيما بعد أغاني عديدة مثل ألبوم "وحدن" عام 1981، وللسيدة فيروز ثلاثة أبناء آخرون هم ابنها "هالي" 1958 وابنتها "ليال" 1960، أما الصغرى فهي "ريما" 1965 وإلى جانب "الأخوين رحباني" غنت "فيروز" لملحنين آخرين مثل "فيلمون وهبي"، و"محمد عبد الوهاب"، و"إلياس الرحباني"، وقد غنت فيروز أكثر من 800 أغنية، أما قائمة شعرائها فتضم: نزار قباني، عمر أبو ريشة الأخطل الصغير، ميشيل طراد، قبلان مكرزل، سعيد عقل، بدوي الجبل، أبو سلمى، أسعد سابا، جوزيف حرب، طلال حيدر وآخرين كما غنت كذلك بعض قصائد "جبران"، هذا إلى جانب شعراء قدامى مثل "عنترة" الذي غنت بعض أبياته خلال غنائها للموشحات الأندلسية.

في عام 1971، ذهبت مع الفرقة في رحلة إلى الولايات المتحدة، والتي بدأت معها شهرتها الدولية فغنت بعد ذلك في أشهر المسارح العالمية، مثل "رويال ألبرت هول" في لندن و"كارنيغي هول" في نيويورك، و"أولمبيا" في باريس.

ويذكر أنه عندما حان وقت العودة من لوس أنجلوس إلى لبنان، تعمدت التخلف عن الرحلة وذلك لشراء كرسي كهربائي لابنها المقعد "هالي"، كما أن الطفلة "ريما" في فيلم (بنت الحارس) هي نفسها "ريما " ابنة "فيروز"
وعندما أصيب "عاصي" بالنزيف في الدماغ، كانت السيدة "فيروز" نزيلة ذات المستشفى، ولما علمت بالخبر نزلت إليه ومعها كتابان وضعتهما تحت مخدته، الإنجيل والقرآن.

ولكن علاقة "فيروز" "بالأخوين رحباني" بدأت في الاهتزاز في أواخر السبعينيات حتى انقطع رباط العمل فيما بينهم، ولكنها استمرت تغني أغانيهم وأضافت ألحان "زياد" المتأثر بموسيقى الجاز. كما عملت مع "زكي ناصيف" وجددت العمل مع "محمد محسن".

مسرحيات وحفلات وجوائز

وقد قدمت "فيروز" خمس عشرة مسرحية هي:

(جسر القمر، الليل والقناديل، بياع الخواتم، أيام فخر الدين، هالة والملك، الشخص، جبال الصوان، يعيش يعيش، صح النوم، ناس من ورق، ناطورة المفاتيح، المحطة، لولو، ميس الريم، بترا).

أما حفلاتها فقد تجاوزت الخمسين منذ أيام الحصاد 1957 وحتى دبي 2002، متنقلة بين كافة أرجاء المعمورة وفي 1993 تبكي "فيروز" لأول مرة وهي تغني (لا تخافي، سالم غفيان مش بردان).

وقد قال مراسل "البي بي سي" عن حفلة "فيروز" عام 1986 أنها "اديت بياف" العالم العربي (المغنية "اديت بياف".. شهرتها في فرنسا توازي شهرة "أم كلثوم" لدينا) لقد حطمت نتائج مبيعات التذاكر التي حققها "فرانك سيناترا". ووصلت سعر التذكرة في السوق السوداء إلى حوالي 1000 جنيه إسترليني.
في عام 1988 وفي فرنسا أحيت "فيروز" أكبر حفلة يقيمها مغن عربي في الخارج، حيث حضر نحو 15 ألف متفرج.

أما في إبريل 2002، فتحيي "فيروز" حفلة في دبي هدية للشعب الفلسطيني وذلك على ضوء الأحداث الأخيرة في الضفة الغربية قد حصلت السيدة "فيروز" على العديد من الأوسمة والجوائز منها وسام الاستحقاق اللبناني1957 من الرئيس "كميل شمعون"، وهو أعلى وسام في الدولة يناله فنان، وسام الأرز.. رتبة فارس من لبنان 1962، وسام الاستحقاق اللبناني، ميدالية الكرامة التي قدمها لها الملك "حسين" 1963، وسام الاستحقاق السوري 1967، وفي عام 1975 تم إصدار طوابع بريدية تذكارية عليها صورة السيدة "فيروز"، كذلك وسام النهضة الأردني من الدرجة الأولى، ووسام الكوموندور الفرنسي 1988، جائزة القدس في فلسطين 1997، وسام الثقافة الرفيعة - تونس. وفي عام 1997 حصلت "فيروز" على ميدالية الفنون للمرة الثانية من فرنسا، 1998 ميدالية الإسهام الاستثنائي من الدرجة الأولى، وكانت تلك آخر ميدالية يقدمها الملك "حسين" قبيل رحيله.

مواقف غريبة

تعرضت فيروز لعدة مواقف غريبة وقاسية منها منع أغانيها من البث لمدة سبعة أشهر في لبنان؛ وذلك لرفضها الغناء للرئيس الجزائري "هواري بو مدين" الذي كان يزور لبنان.

وفي الثمانينيات بدأت الحرب الأهلية اللبنانية، لكن السيدة "فيروز" قررت البقاء في بيروت - حتى بعد أن دمر أحد الصواريخ منزلها -وقد تعمدت "فيروز" ألا تغني في سنوات الحرب حتى لا يعد هذا انحيازا إلى أي حزب، وبعد أن انتهت الحرب، أقامت حفلة في ساحة الشهداء عام 1994.

وللسيدة فيروز موقعان على الإنترنت هما:

http:// www .fairouz.com/ , http:// www .fayrouz.org

وسام الدويك** شاعر وباحث، مهتم بالشئون الفنية

From Islam On Line