PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : غزال-ألبوم فرقة التراث الموسيقي العربي



Burhan
23-01-2009, 09:48
»
غزال« ألبوم فرقة التراث الموسيقي العربي
عودة إلى الخزائن الموسيقية


عناية جابر - السفير

خمسة شبان لبنانيين، ما زالوا أوفياء لشغفهم، وتطلبهم لموسيقى عربية في أبهى تجلياتها، خمسة شبان في إصدارهم الموسيقي والغنائي الجديد، »ألبومهم« تحت عنوان: »غزال« يثيرون لا شك الأسئلة، حول »وفائهم« إذا صح التعبير، لهذا التراث الموسيقي الآخذ بالانقراض والنسيان في خضم الركاكة السائدة حاليا، وفي حال »الفن« الغث، الذي يوشك ان يغدو قاعدة، بحجة متطلبات العصر، وحاجة الشباب الى السماع السهل! كأنما الجمال يرضخ لهذه التسوية، والأذن تنصاع صاغرة لما تُمليه عليها شروط »السوق«.
»فرقة التراث الموسيقي العربي« هو العنوان الذي اعتمدته فرقة الشباب، المؤلفة من: هيّاف ياسين (قيادة، سنطور، غناء) سعادة أبو جودة (غناء) أسامة عبد الفتاح (عود، غناء) هشام حلاق (بزق) ناجي العريضي (رق). كما من حق الشباب علينا، في إصدارهم الجديد الأنيق إخراجا وشكلا، ان نذكر ان تسجيل الألبوم والمكساج لفادي طبال في استديوهات تيونفورك ـ بيروت، والانتاج لفرقة التراث الموسيقي العربي، والتوزيع لشركة إنكوغينيتو. النص لهياف ياسين، والتدقيق والترجمة لنداء أبو مراد، والتصوير تصميم الغلاف لكرمة طعمة في مطبعة الحرية ـ بيروت.
كما لاحظنا، ان الانتاج وهو العامل الاقتصادي المعيق لدى أكثر الراغبين في إصداراتهم الفنية، تكفلت به الفرقة، التي تبدو جادة وأمينة الى تراثها الموسيقي والغنائي، ما يجعلنا نخشى ان الفرقة، تسبح عكس التيار، همّها الأول هو تلميع الغبار عن ما خفي في خزائن من أبدع وأعطى في هذا المضمار.
بداية، وفي الرغبة الى التعريف بالفرقة، فهي تأسست في ٣٠ آب ،٢٠٠٣ وكانت عبارة عن مجموعة طلاب من قسم الموسيقى في الجامعة اللبنانية ـ كلية التربية، وهي تشكلت بدعم وتوجيه من نداء أبو مراد المعروفة بصماته في هذا المجال.
الفرقة تهدف، على ما سمعنا في ألبومها »غزال« الى التراث الموسيقي العربي، او الكلاسيكي منه، والمتقن، ذي التقليد التأويلي المختص بالمشرق العربي. الفرقة تركز في آداءاتها على الرصيد النموذجي الخاص بمدرسة النهضة العربية التي برزت في مصر (عبده الحامولي ومحمد عثمان) وفي لبنان (ميخائيل مشاقة) وفي سوريا (المدرسة الحلبية) بين مطلع القرن التاسع عشر والعشرينيات من القرن العشرين.
جيل شاب
الفرقة لمزيد التأكيد، تتألف من موسيقيين من الجيل الشاب الذين تقربوا من مثل هذا التقليد الغني، واحترموه وأحبوه (أنتجوا إصدارهم على حسابهم بما في ذلك من احتمالات مخيبة) ونذروا أنفسهم لخدمته، كاسرين بذلك قاعدة تفرد الأجيال المخضرمة به.
العزف والغناء في »غزال« يلتزم بأركان هذا التقليد النظامي، والأدائي الجوهري. أما »التفريد« أي غناء »سولو« او الأحادية الصوتية فجاء مع شيء من التعدد ذي الطابع الأفقي او »الهيتروفونية«.
خصوصية النظام اللحني المقامي المشرقي العربي، كما جاء في النص لهيّاف ياسين، المرتكز على سلالم من الجنس الزلزالي (ذي الثانيات المتوسطة والكبيرة) والجنس القوي في صنفه المشرقي (تضييق الثانية الصغيرة) والجنس الملون في صنفه المشرقي (توسيع الثانية الصغيرة).
القوالب الموسيقية المؤداة في هذا الألبوم هي: الموشح المغنى: الذي نشأ في حلب أواخر القرن السادس عشر ويقوم على أساس لحن أول للدور، ولحن آخر للخانة، واستعادة اللحن الأول في القفلة. ثم المذهب وهو قالب غنائي موقع دوريا، نشأ في مصر. أيضا »الموال« وهو تلاوة مرنمة مرتجلة لنظم زجلي على لحن مُرسل. ثم القد والبشرف والدولاب والتحميلة والرقص، والاخيرة قوالب عزفية يُكثر فيها الارتجال الموقع دوريا.
حفِل »الألبوم« بكل صنوف الموسيقى الكلاسيكية العربية، وبقي الانشاد (فرديا او جماعيا) محافظا على »مازورة« الغناء، لم ينقص عنها او يزيد في دلالة الى التزام المغنين الشباب، بالمكتوب الموسيقي بحذافيره. فكانت تقاسيم موقعة على ضرب البمب بالتناوب بين البزق، والعود والسنطور. أيضا للموشحات موقعها المميز في هذا الألبوم، مع التميز في اختياراتها كموشح »صحتُ وجدا« وموشح »ياهلالا« و»من كنت« و»حبي ملك« وهو على مقام السوزنك لشاعروملحن غير معروفين.
التقاسيم المرسلة لآلة العود من مقام الراست، تأتي بعدها »المواويل« من مثل: »يا حادي العيس« وصولا الى أكثر الأدوار شهرة في الموسيقى والغناء العربيين وهو دور »أصل الغرام نظرة« على مقام السوزنك للشاعر محمد درويش والملحن محمد عثمان (مصر ١٨٥٥ ـ ١٩٠٠) نوشك أخيرا، ان نقول بأن إصدار »فرقة التراث الموسيقي العربي« هو إصدار نخبوي، خاص بمحبي النوع، وان كانت فائدته الجلية، هي التأريخ لمثل هذا التراث. ومثلما تبلبل مثل هذه »الصنجة« الفارغة عالمنا حاليا على صعيد ما يدعونه موسيقى وغناء، تأتي »النيات الطيبة« من الجيل الجديد تحديدا، لتذكيرنا بالجمال الذي يؤكد نظرتنا الى فن الغناء والموسيقى عندنا.

ovide
23-01-2009, 16:53
حبذا لو يعثر لنا أحد المحبين على نماذج من هذا الألبوم

"خصوصية النظام اللحني المقامي المشرقي العربي، كما جاء في النص لهيّاف ياسين، المرتكز على سلالم من الجنس الزلزالي (ذي الثانيات المتوسطة والكبيرة) والجنس القوي في صنفه المشرقي (تضييق الثانية الصغيرة) والجنس الملون في صنفه المشرقي (توسيع الثانية الصغيرة)".

حبذا لو يقوم أحد المترجمين بشرح لغة نداء أبو مراد بالعربية؟ (ما رأي الفريد المتضلع من اللغتين؟)

"حفِل »الألبوم« بكل صنوف الموسيقى الكلاسيكية العربية، وبقي الانشاد (فرديا او جماعيا) محافظا على »مازورة« الغناء، لم ينقص عنها او يزيد في دلالة الى التزام المغنين الشباب، بالمكتوب الموسيقي بحذافيره. "

حبذا لو أفهم متى كتب هذا "المكتوب" علينا؟ وكيف يحافظ انشاد فردي على مازورة الغناء دون زيادة أو نقصان؟

"أخيرا، ان نقول بأن إصدار »فرقة التراث الموسيقي العربي« هو إصدار نخبوي، خاص بمحبي النوع، وان كانت فائدته الجلية، هي التأريخ لمثل هذا التراث"

حبذا لو وسعت القواميس شرحاً لكلمة التأريخ يفيد مثل هذه الفائدة الجليلة بهذه الواسطة!

شكراً برهان

3amr
23-01-2009, 18:13
أخي فادي، لفت نظرك الذي لفت نظري

بعد أن سعدت ببعض ما قرأت، مستغربا أن يصدر عن عناية جابر هذا الكلام الجيد، دفعتني الملاحظات عينها إلى الإستنتاج الذي لا مفر به، أن كل المحمود في المقالة اقتبسته عناية عن ما كتبه أعضاء الفرقة في الكتيب، و كل المذموم و القبيح أتت به عناية جابر عندما حاولت إبداء رأيها بالمشروع أو التعليق على الآداء، فبدت كالسمكة خارج الماء و عادت إلى كليشيهاتها عينها.

كأنما استكثرت عليّ أن أسعد بمقال لها، على كل حال، بات الأمل مقطوعا منها و من غيرها من النقاد، مع الإستثناء الوحيد الذي هو أنت

أبو علاء
23-01-2009, 18:25
قبّح اللّه التّحذلق والتّعلمن لاسيما إذا ما اقتحم دار الفنّ.
قرأت المقال هذا الصّباح وخامرتني نفس المشاعر وأخر غيرها ولم أشا أن أعلّق مخافة أن أظهر بمظهر المتحامل على كلّ ما يأتينا به... برهان.:)
ولا أخفيكم أنّي لم أحسن الظّنّ بالفرقة نفسها مع أنّني أتمنّى صادقا أن يكون ظنّي إثما، أمّا عن "النّاقدة" فقد بدا لي اسمها "أليفا"، أفليست هي الّتي جادت علينا منذ أشهر أو فوق ذلك بمقال عن فريدة ؟

3amr
23-01-2009, 18:35
جادت علينا بأكثر من مقال لعل هذا أقلهم إساءة لاعتمادها على ما يبدو على ما كتب في الأسطوانة أكثر من ما اعتمدت على آرائها الشخصية

أبو علاء
23-01-2009, 19:15
الفرقة تركز في آداءاتها على الرصيد النموذجي الخاص بمدرسة النهضة العربية التي برزت في مصر (عبده الحامولي ومحمد عثمان) وفي لبنان (ميخائيل مشاقة) وفي سوريا (المدرسة الحلبية) بين مطلع القرن التاسع عشر والعشرينيات من القرن العشرين.

سؤال يكاد يكون بريئا للعارفين : ما وجه الجمع بين عبده الحامولي ومحمّد عثمان وميخائيل مشاقّه ؟ لا علم لنا بقيام الأوّلين بأيّ عمل تنظيريّ على غرار ما يبدو أنّ الأخير اشتهر به، فهل ترى يكون مشاقّه ترك رصيدا من الألحان في القوالب الكلاسيكيّة الّتي تتحدّث عنها صاحبة المقال، وهل يعقل أن لا يكون مثلي سمع ولو بعنوان عمل واحد من تلك الأعمال إن تعذّر سماع العمل نفسه ؟ أم تراه كان مطربا لا ملحّنا كشأن المنيلاوي وعبد الحي وبرتبة مماثلة أو مقاربة لرتبتهما ورتبة المعلّمين الأسبقين سوى أنّه لم يدرك عصر الاسطوانة ؟ أم أنّ هذا الجمع اقتضته الضّرورة "الوطنيّة" فوجب إيجاد جناح لبنانيّ-شاميّ نظير للجناح المصريّ للنّهضة (الموسيقيّة) ولو كان جناحا وهميّا ؟ وهل يتعيّن عليّ في حال رجحان الاحتمال الأخير أن "أحفر" وأنقّب في تاريخ بلاد المغرب (بالمعنى الأوسع للمصطلح) الثّقافيّ علّي أعثر على ما يشبه الجناح المغربيّ أيضا ؟؟

ovide
20-02-2009, 10:23
رغم أنه حوار لا خبر، آثرت ادراجه في هذا السياق لارتباط الموضوعين:

نركز على الموسيقى الأساسية لتقليدنا.. موسيقى الحامولي وعثمان


هياف ياسين: لا يمكن فهم الموسيقى الكلاسيكية العربيـة بـدون الأثـر الفارسـي والتركـي

عناية جابر

من جامعة البلمند التي لا تني ترخي اجتهاداً، وحضوراً موسيقياً وغنائياً لافتاً، نتابع مسيرات طلابها الفنية التي تجاوزت البدايات لتدخل في الاحتراف الجاد، وفي تقديم عروضها التي لا تفترق عن جذر التراث الممتد في تاريخه، وفي جماله أيضاً. واحدة من هذه الفرق هي «فرقة التراث العربي» مع قائدها هيّاف ياسين كان هذا الحوار:

ـ عام 2003 أسّستم، و أنتم مجموعة من طلاب قسم الموسيقى في الجامعة اللبنانية، فرقة التراث الموسيقي العربي.
للفرقة آباء افتراضيون وحقيقيون كثر؛ من أستاذكم نداء أبو مراد إلى عبده الحامولي ومحمّد عثمان وغيرهم، ماذا تقولون لهولاء الآباء وأنتم تتعلمون منهم، وتسعون لربما إلى تلوين قواعدهم الكلاسيكيّة الصارمة بمواهبكم أنتم؟
إنّ فرقة التراث الموسيقي العربي تطمح بأن تشارك هؤلاء العظماء في تاريخ الموسيقى الكلاسيكيّة العربيّة المشرقيّة، وأن تضيف ولو ذرّاتٍ قليلة إلى رصيد هذا التقليد الموسيقي الكبير. وانطلاقًا من هذه المنهجيّة، لا يسع الفرقة سوى أن توجّه تحيّة شكر واحترام وتقدير إلى كلّ هؤلاء الآباء الروحيين.
أمّا في الحديث عن التلوين أو التجديد، فالفرقة أبعد ما يكون عن التقيّد الحرفي بالنصوص الموسيقيّة التقليديّة وأقرب منها إلى التحرر والتحرّك والتصرّف؛ فهي تلتزم بروحيّة التقليد بعيدًا عن كلّ أشكال التكرار الصنميّة، هذا ما يعرف «بالتلقيح الدّاخلي» الذّي يطوّر تقليدنا الكلاسيكي الفنّي المتقن والعالِم من الدّاخل محافظًا على خصائصه وخصوصيّاته.
ـ هيّاف ياسين، أنت تقود الفرقة الشابة، فرقة التراث الموسيقي العربي، عازفاً على آلة السنطور،الألة الفارسيّة التركية. أأنت عاشق لهذه الآلة؟ وما قصّتك معها ومع إدخالها إلى مناهج التعليم الموسيقي في لبنان؟
«يللي ما بيعشق وبحب، لشو حياتُه»؛ إنطلاقًا من الأمثال الشعبيّة أجيبكم... فلولا العشق، لما كان الإنجاب ولما استمرّت الحياة.
السنطور، بحدّ ذاته آلة عشق وغرام، فمن رآها أغرم بها، وسمع صوتها عشقها، فكيف بمن يحملها ويعزف عليها في كل أوقات عمره.
بكل صراحة، أنا متيّم بآلة السنطور، أداعبها كمن يداعب حبيبته...
تعرّفت إلى السنطور سنة 2002، وذلك من خلال الدكتور نداء أبو مراد، له تحيّة صادقة، فقد اوصلني بنموذجٍ لسنطورٍ فارسيّ، فما كان منّي إلاّ أن أتقنت العزف عليه، وبسرعة فائقة، وبدأت «بتعريبه»، وقمت بدراسة موسيقولوجيّة طويلة عليه، أوصلتني إلى شكل وصوت وتقنيات السنطور المشرقي العربي (غير العراقي) الذّي تحتاج له موسيقانا.
وبالفعل، صار لدينا سنطور مشرقي عربي/لبناني، دخل إلى التخت العربي وعزف جنبًا إلى جنب مع كل آلات التخت، على أمل أن يصبح آلة أساسيّة منه.
ولتكملة المسيرة بطريقة صحيحة، كان لدينا توجّه نحو التعليم الموسيقي لآلة السنطور، وبالتحديد بداية على صعيد المعاهد الموسيقيّة (Conservatoire)، ثم ما لبسنا أن احتجنا إلى تصنيع لهذه الآلات، وبالفعل، بدأنا بتصنيعه مع كامل اكسسواراته من مواد متوفرة في لبنان. فازداد عدد الطلاّب وازداد معه تصنيع أعداد آلة السنطور، حتّى وصلنا اليوم إلى ما يقارب الـ150 سنطورًا في كل أنحاء لبنان.
ومن ناحية أخرى، كنّا نفكّر كتربويين موسيقيين، في كيفيّة تفعيل الموسيقى الفولكلوريّة اللبنانية في المدارس بالإضافة إلى تفعيل الموسيقى الكلاسيكيّة العربيّة، وقد كان النقص الأساسي في ادوات التعليم التربويّة الموسيقيّة، وخصوصًا الآلة الموسيقيّة اللحنية التّي يسمح نظامها بعزف الأبعاد لموسيقانا الأم. فكان «السنطور التربوي» هو الحلّ، وهو عبارة عن سنطور مصغّر مبسّط، يستطيع الطلاّب ممارسة العزف عليه بسهولة كل رصيدنا الموسيقي. وقد سجّل هذا السنطور في وزارة الاقتصاد والتجارة اللبنانية في 25 نيسان 2005 تحت عنوان: (أثر أدبي وفنّي عنوانه: السنطور التربوي نواة لتربية موسيقيّة مشرقيّة عربيّة)؛ كما بدأ التصنيع بهذه الآلة وبمواد لبنانيّة متوفرة بالكامل، وهو الآن آلة موسيقيّة تربويّة في العديد من مدارس عكار، نذكر على سبيل المثال لا الحصر مدرسة «مار سمعان لراهبات العائلة المقدّسة» التّي أخذت على عاتقها، مشكورة، مبادرة تفعيل آلة السنطور التربوي في التربية الموسيقيّة اللبنانيّة.
ـ يعرف السمّيعة أن أرحاماً ماسّة تجمع بين التقاليد الموسيقية التركية والفارسية والعربية. من تأثّر بمن برأيكم؟ من طوّر من برأيكم؟ وهل إدخال السّنطور إلى التراث العربي جديدا؟ أم أن هذا التقليد كان موجوداً ذات يوم؟
هذه الأقطاب الثلاثة (العربيّة، الفارسيّة والتركيّة)، هي أقطابٌ متداخلة تمامًا في كلّ أوجه الثقافة، وخصوصًا الموسيقى. كلّ أعطى للآخر وكلّ أخذ من الآخر، وكلّ طوّر الآخر. ولا يمكن بتاتا فصل أي قطبٍ من هذه الاقطاب الثلاثة عن غيرها. هناك تلاحم مهم، وتفاعل أهم، وامتداد تاريخي، ابتداء من الموسيقى، مرورًا باللغة ووصولاً إلى العادات الاجتماعيّة حتّى. فلا يمكن بتاتًا أن يعزف شيء من الموسيقى الكلاسيكيّة العربيّة من دون أن نتلمّس النفس التركي والروح الفارسيّة في العديد من المسائل (النظام اللحني ـ المقامات ـ الإيقاعات ـ الجمل اللحنية ـ القوالب ـ الآلات ـ المواضيع...)، والعكس بالعكس.
في التاريخ الحديث، يعتبر «السنطور المشرقي اللبناني» آلة حديثة بكلّ معنى الكلمة، فلم تعرف التقاليد الموسيقيّة العربيّة آلة السنطور إلا في التقليد الموسيقي الكلاسيكي العراقي، ما يعني أن هناك ابتكار جدُّ جديد، حول مسألة اختراع آلة السنطور المشرقي اللبناني، ومسألة تتطويعه للنظام الموسيقي بالكامل، ونحن نأمل بعد مرور السنين أن يصبح السنطور آلة حقيقيّة تقليديّة في موسيقانا.
وهذه الخطوة ما زالت تحت التجربة، ولكنّها جديّة ومتطورة، وخير دليل على ما نقول هو سماع ألبوم «غزل» لفرقة التراث الموسيقي العربي، حيث يتربّع السنطور في التخت الموسيقي إلى جانب كلّ من العود سيّد المسرح، والبزق، وآلة الرقّ بالإضافة إلى مرافقته الغناء بطريقة كاملة مراعيًّا شروط تقليدنا الموسيقي.
موسيقات عالمية
ـ يلاحظ المستمع إلى أسطوانتكم الصادرة حديثاً، غزل، أنّكم لا تحيدون قيد أنملة عن الموسيقات العالمية المتشاوفة إلى حدّ ما. هل من مصالحة ممكنة بين نمطكم الموسيقي وبين جمهور يصل إلى الموسيقى عفواً وبلا تكلّف؟
إن نتيجة تجربتنا في فرقة التراث الموسيقي العربي تدلّ على العكس تماما من ذلك. فحتّى الآن، أعطت فرقتنا حفلات سنويّة دوريّة متكرّرة في العديد من مسارح لبنان، وفي كلّ مرّة جمهورنا يتجدّد، وينضمّ إلى الجمهور الذي صار ثابتاً، أحبّ الفرقة ويرافقها أينما ذهبت.
كما أن هذا الجمهور متنوّع، فهو من الرجال الكبار في السنّ إجمالاً، إضافة إلى الشباب والشابات وأطفال ما زالوا في العقد الأول من عمرهم اعتادوا المشاركة برفقة أهاليهم...
ثمّ إن آراء الجمهور تتنوّع لتكوّن لنا الرصيد التالي: جمهور متعطّش لهذه الموسيقى ومحروم منها نتيجة لفقدان الترويج الكلّي لهذا النوع في وسائل إعلامنا؛ جمهور آخر اكتشف تقليده الموسيقي ولكن بطريقة جديدة، فهو يستمع إلى نوع جديد بالنسبة للسائد الذّي يسمعه كل يوم والذي أصبح مستهلكاً. الجمهوران إيجابيان بالنسبة لنا، فالأول عاد ليتعلّق بموسيقاه ويربطها بالفرقة، الثاني اكتشف شيئاً جديداً وربطه أيضاً بالفرقة. ما يُقصد في كلّ ذلك أننا لم نلاحظ صعوبة في تقريب المسافة بين هذه الموسيقى العميقة وبين آذان جمهورنا الرّاقي، لا بل على العكس، الجمهور أصبح يطالبنا بإطالة مدّة أمسياتنا، وتكرار حفلاتنا، وانتاج أكبر عدد من الألبومات الموسيقيّة المحتوية على هذا الطراز التقليدي المتجدّد.
ـ ما دور الغناء في أسطوانتكم غزل؟ وهل ستعملون على تطوير الإنشاد في أعمالكم المقبلة؟ وما مدى تأثّركم بالموسيقات الصوفية التركيّة والفارسيّة؟
«الإنشاد»، مصطلح موسيقي/موسيقولوجي يدلّ على الغناء الدّيني فقط.
ألبوم «غزل» يتناول المواضيع الدنيويّة، بروحيّة صوفيّة.
الغناء في تقليدنا الموسيقي العربي الكلاسيكي جدًّا أساسي، ودور المطرب المنفرد أساسي أكثر ويكون في ممارسة «الارتجال» الذي هو الفحوى الأساسيّة المعبّرة عن مضمون تقليدنا، فمن دون الارتجال ليس هناك ممارسة صحيحة للتقليد الموسيقي بتاتًا.
لذا فقد احتوى ألبوم «غزل» على باقة من القوالب الغنائيّة الأساسيّة في تقليدنا وهي «الموشّح الغنائي ـ الدور ـ الموّال ـ القدّ...).
ـ أنتم بلا ريب تستمعون إلى كثير من الموسيقات. لمن تستمعون ولماذا؟
تستمع الفرقة بشكلٍ عام إلى كلّ أنواع الموسيقى الجيّدة والراقية، لا سيّما الكلاسيكيّة منها نذكر (الموسيقى الكلاسيكيّة الاوروبيّة ـ موسيقى الجاز ـ موسيقات التقاليد المشرقيّة الكلاسيكيّة التركيّة والفارسيّة... بالإضافة إلى تقاليد أخرى غير مشرقيّة كالموسيقى اليابانيّة والصينيّة، بالإضافة إلى الموسيقات التصويريّة...).
ولكن للفرقة التزام بالتقليد الموسيقي العربي الكلاسيكي، فنحن نركّز على الموسيقى الأولى والأساسيّة لتقليدنا، وهي الموسيقى التّي استمرت في سياق تطوير النهضة الثانية للموسيقى العربيّة، أي الموسيقى التّي نشأت مع عبده الحامولي ومحمّد عثمان وأتباعهما في مصر منذ النصف الثاني للقرن التّاسع عشر. ولتوضيح أكثر نحن نسمع تسجيلات مطلع القرن العشرين بكثافة خصوصًا المطربين الكبار كأمثال (الشيخ علي محمود ـ الشيخ يوسف المنيلاوي ـ الشيخ سيّد الصفتي ـ الشيخ عبد الحيّ حلمي ـ الشيخ زكي مراد ـ أم كلثوم في مطلع العشرينيات ـ محمّد عبد الوهاب في مطلع العشرينيات ـ حتّى لدينا تسجيلات قصيرة لعبده الحامولي نفسه ـ الشيخ صالح عبد الحيّ ـ الشيخ عبّاس البليدي ـ من لبنان نذكر المطرب الكبير الشيخ محي الدّين بعيون ـ المطربة اليكساندرا بدران «نور الهدى» ـ أيضًا المطربة ماري جبران ـ من سوريا محمّد خيري ـ صبري المدلّل ـ أديب الدّايخ ـ وبعض المشايخ كتوفيق المنجد ـ حمزة شكور ـ سليمان داوود...)، وعلى صعيد العزف والموسيقى العربيّة أهم أركانها هم (محمّد العقّاد الملقب بالكبير على القانون ـ سامي الشواء على الكمنجة العربيّة ـ مصطفى رضى على القانون ـ ابراهيم سهلون على الناي ـ محمّد القصبجي على العود ـ ابراهيم حبيقة على العود من لبنان ـ محي الدين بعيون على البزق من لبنان ...)
وعذرًا لأنني لم أحص الجميع، فلهذه الغاية يحتاج المرء لدراسة إحصائيّة ووقت اطول.
ـ يلاحظ المتابع للمشهد الموسيقي العربي أنّ نهضة موسيقية في طور التشكّل ، ما رأيكم؟ هل توافقونني الرأي؟
التطوّر نظريّة جديدة لم تظهر لولا فلسفة داروين بأن الانسان أصله قردًا فتطوّر إلى أن أصبح ما عليه اليوم...
وصراحة، على الصعيد الشخصي، لا أفهم التطوّر إلا بأنّه انتقال من طورٍ إلى طورٍ آخر؛ لذلك فالانسان دائمًا في حالة تطوّر طالما هنالك حركة، ولكن المهم هو اتجاه التطور.
أظن هنا أن هناك ثلاثة اتجاهات كبير لهذا الموضوع هي:
ـ إمّا أن نتطور بطريقة إيجابيّة: بمعنى ان يكون بالامكان الانطلاق من الموجود وصولاً إلى أطر أخرى مختلف متراكمة.
ـ اما أن نتطور بطريقة سلبيّة: بمعنى أن تختفي خصائص معيّنة، فنستعيض عنها بخصائص أخرى من مكانٍ آخر، ما يحوّل المسألة إلى شيءٍ من التبعيّة للطور الجديد على حساب ما نملك، وهنا لا نستيط التحكّم بالمسار بل انتظار ما يفرضه علينا الأقوى (الذّي تعناه).
ـ إمّا أن نحافظ على وتيرتنا الحالية: من خلال تكرار أنفسنا بأقرب طريقة إلى ما نحن عليه، مع تغيير هامشي إن كان على صعيديّ الإيجابيّة أو السلبيّة معًا.
إذا اتفقنا على هذه المعايير، نكون أيضًا بحاجة إلى الوقت، حتّى يمرّ علينا، فيوصّفه آخرون متخصصون لما كان يدور في زماننا...
ولكنني أخشى من أن تكون الحقبة، حقبة تكرار لعصر الانحطاط الذّي لامسنا لقرون.
على كل الحال الموضوع فلسفي أقرب منه للموسيقى او للعلم الموسيقي، وهذا ما لدينا في الصدّد.
ـ الجمهور مشتاق لسماعكم سماعاً حيّاً، فمتى ستطلقون رسميّاً أسطوانتكم الجديدة الصادرة عن دار إنكوغنيتو؟
ألبوم غزل أطلق في 04 ـ 10 ـ 2008؛ في بينو ـ عكّار ـ شمال لبنان.
أمّا أقرب نشاط للفرقة كانت في أمسية عزفية في الجامعة الأنطونيّة ـ بعبدا ـ قاعة يوسف الشدياق: يوم الثلاثاء الواقع فيه 17 شباط 2009.
كانت الأمسية عبارة عن عزف وتقاسيم من رصيدنا النموذجي الكلاسيكي الغنّي؛ في مقاميّ السيكاه والبيات.
والفرقة ثلاثيّة، تشكّلت من:
هيّاف ياسين: قيادة، سنطور؛
أسامة عبد الفتّاح: عود؛
ناجي العريضي: رقّ.
والحفلة عبارة عن مشروع ألبوم ثانٍ عزفي للفرقة تنتجه مشكورة شركة «إنكونييتو».

السفير، 20 شباط/فبراير 2009