PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : عن كتاب الياس سحاب: ضرورة اعادة النظر بمسلمات النقد العربي



ovide
07-09-2009, 18:13
تعلمون ان من غير عادتي ان ارفع مقالاً انا كاتبه، وليس ذاك تواضعاً بل رهبة من مواضي نقدكم، على انني هاهنا اخالف ما اعتدت عليه، دون ان تفارقني الرهبة، لظني ان ما هو حسن في هذا المقال، الذي يتناول بالنقد كتاب الياس سحاب عن الموسيقى العربية في القرن العشرين ومن خلاله معظم النقد العربي، إنما هو مما اقتبست من نقاشاتكم وما فيه من رديء إنما علي وحدي تبعاته.
وبخاصة، فإن هذا المقال متابعة، بمعنى ما، لنقاش كان جرى مرة عن آل سحاب ونظرتهم إلى الموسيقى.
نشر هذا المقال في عدد الاحد الماضي من ملحق النهار الثقافي بلبنان، ولطوله فضلت ان ارفعه لكم في المرفقات.
فتفضلوا، على ما يقول المعلم، ولاتبخلن بالنقد المحق اما اللطف فانتم دوماً اهله :)
فادي

Hattouma
10-09-2009, 23:28
شكرا يا أستاذ على التصدي "الشجاع أحييك على هذه النقطة :
:
""...أي التحول من فلسفة جمالية غنائية إلى فلسفة جمالية ادبية في الحكم على الموسيقى "...

Hattouma
11-09-2009, 01:35
في الواقع لا يسع المرء الا أن يلاحظ نظرة اجتماعية دونية- شبه طبقية- لفناني ما قبل الدرويش و أسلوب حياتهم لا يتم فصلها عن انتاجهم ...لذا يتم السكوت عنه لصالح فنانين احترموا أنفسهم عالأقل في الظاهر مع -أو قبل-احترامهم لفنهم , في ظل نظرة مجتمع محافظ اعترف بالفنانيين بعد تردد...(و كفاح من جانبهم للاندماج في هذا المجتمع بصورة مختلفة... و صورة الفن و ممارسيه و فائدته و غرضه مازلت مهتزة و غير مستقرة حتى الآن)
تحضرني كلمات في لقاء مع القبنجي العراقي-المقابل العراقي لعصر أم كلثوم الذهبي الذى حجب ما قبله- حين قال أن الفن في تلك الأيام كان محترما بينما لم يكن الفنانين كذلك...و كلام قوجمان أن عازف العود العراقي عـــــــزوري بُعث مع وفد العراق لمؤتمر الموسيقى العربية الأول بغرض التهذيب و الحفاظ والاشراف على مظهر مُشرف للعراق (حيث كان أبرز عازفي المقام العراقي في مظهر يرثى له!).. لفترة ما جمع جيل ما بين احترام الفن والنفس ( كما التعبير الدارج) قبل فقدان كلاهما :)
بالطبع هذا لا يفسر التطور -و التدهور- الموسيقي, فقط خواطر عن الجانب الاجتماعي.

فادي لا أدري مدى صعوبة اثبات تأثر درويش بالموروث الشعبي فقد كان هذا يبدو بديهيا..

أبو علاء
12-09-2009, 11:33
المقال هامّ جدّا وغنيّ بالملاحظات والإنارات والتّحاليل فضلا عن الأسئلة الّتي هي عماد كلّ فكر حيّ وأساس كلّ علم حتّى لأكاد أشكر إلياس سحّاب على هذا الكتاب، وما كنت لأقرأ كتابه.
قد أعود إن سنحت لي الفرصة لسوق بعض الخواطر الّتي عنّت لي عند قراءة المقال، وفي انتظار ذلك لا أرى مبرّرا مقنعا لعدم إثبات نصّه ضمن الموضوع بدل مجرّد إرفاق الملفّ فذاك على من يريد القراءة أيسر، بل لا أرى إلاّ ما يقتضي ذلك الإثبات.

أبو علاء
12-09-2009, 11:34
ضرورة التدقيق بمسلّمات النقد الموسيقي العربي


ـ فادي العبد الله

كتاب الياس سحاب "الموسيقى العربية في القرن العشرين: مشاهد ومحطات ووجوه" (دار الفارابي) يجمع مقالات وأبحاثاً تمت بلورتها على مدى طويل من السنوات على صفحات الجرائد أو في قاعات المؤتمرات. غير ان كون الكتاب تجميعاً لمثل هذه المساهمات المتفرقة يتضمن محاذير أشار إليها الكاتب لجهة تكرار بعض الموضوعات والأفكار. كما انه يحمل جوانب أخرى، حيث يتبدى الأسلوب الصحافي في تشابيه أو عناوين مشوقة ومبالغات ربما تستدعيها مناسبة الكتابة. فضلاً عن ذلك، تتسبب طبيعة الكتاب بقصور عن الاحاطة الشاملة بالموضوع وتؤدي إلى تفضيل زوايا معينة هي أقرب إلى القارئ العادي، وتحرمنا من الإضاءة على كامل المشهد أو من التعمق في منهجية الكتابة بشكل صارم. أخيراً، الكتاب بطبيعته الصحافية يجمع ايضاً الاقوال السائرة في الكتابات العربية عموماً حول الموسيقى العربية وتاريخها الحديث، ويغربل بعضاً منها. إن تناول الكتاب بالشكل الذي يستحقه جهد كاتبه، أي بشكل نقدي جدي بعيد عن المجاملات، يسمح تالياً باعادة بحث العديد من الأفكار التي باتت تداني البداهة في النقد الموسيقي العربي، وبالتدقيق فيها.

أسطورة العصر الذهبي

يشير عنوان كتاب الياس سحاب إلى تناوله للموسيقى العربية في القرن العشرين، غير انه، في واقع الأمر يكاد يكتفي، مثل اغلب الكتاب العرب في مجال الموسيقى، بربعي قرن عاماً فقط منه، هي ما يصفه بالعصر الذهبي، أي ما بين 1925 إلى 1975 (ص 17). ذلك ان الكاتب، باستثناء الإشارات إلى سيد درويش (ما سنتناوله لاحقاً) وإلى أبي العلا محمد (في سياق محدود باعتباره، مثل سلامة حجازي، مهد لتجديد تلحين القصائد على يدي عبد الوهاب والسنباطي)، لا يهتم إلا بما تبع بروز الثنائي عبد الوهاب ـ أم كلثوم، معتبراً ضمناً إن كل من اتى بعدهما في الغناء لا بد منتمٍ إلى احدى المدرستين.

ما يلي هذا "العصر الذهبي"، وصولاً إلى الحاضر الفعلي الذي نعيشه، لا يعني كثيراً مؤلف الكتاب ولا النقاد عموماً، باعتباره فترة انحطاط، فلا يتناول الياس سحاب نتاجات من هذه الفترة، بل يقتصر على تحليل أسباب هذا الانحطاط، من وجهات نظر ثقافية واجتماعية، ولكن مع الحرص التام على فصل هذه النتاجات وهذا النقد عن النظر في انتاج "العصر الذهبي" نفسه، وكأنما مثل هذا الانتاج غير مؤثر في ما تلاه، أو انه انقطع تماماً مع وفاة أم كلثوم.

أما ما سبق هذا "العصر الذهبي"، منذ مطلع القرن العشرين، فإن الكاتب، أيضاً كأغلب النقاد الحاليين، لا يعيره كبير اهتمام (خارج موضوع سيد درويش). ذلك ان الكاتب، وهو الذي عمل مع أخيه فيكتور في مجال التأريخ الموسيقي، يفترض ان أبناء الجيل التالي لعبده الحمولي ومحمد عثمان (مثل عبد الحي حلمي وسليمان أبو داود وسيد الصفتي) اكتفوا بتسجيل محفوظاتهم من انتاج القرن التاسع عشر (ص 15)، والأمر بالطبع خاطئ ولا يخفى على الكاتب الذي أشار في مواضع اخرى (انظر الحوار مع جهاد الراسي) إلى اهمية دخول شركات الأسطوانات إلى مصر وما احدثته من تغييرات في طبيعة الأغنية والانتاج. والواقع ان ابناء هذا الجيل الذين امتد نشاطهم الفني على أكثر من عقدين من الزمن مطلع القرن العشرين لم يكتفوا بتوثيق نتاج القرن السابق، بل سجلوا أدواراً وقصائد وطقاطيق ألّفت أو لحّنت خصيصاً لهم، كما انهم طوروا وأضافوا إلى النتاج الأسبق، مما لا يبيح بشكل من الأشكال تجاهلهم في سياق دعوى تناول القرن العشرين بأكمله.

في هذا الإطار، لا يتعمق الكاتب ولا يجاوز الفصل السائر لدى العرب ما بين "القديم" و"الحديث"، مقتصراً في تناوله على التجربة "التجديدية" التي افتتحها عبد الوهاب والقصبجي، في حين تغيم ملامح القديم ويلفها تشابه غامض لا يدعو إلى التدقيق فيه. كما نلاحظ أن هذا النقاش يدور أساساً وحصراً في ما يخص التسجيلات في القاهرة (ثم في بيروت)، ولا يتناول من قريب أو من بعيد المشهد الموسيقي في الدول العربية الأخرى.
محورية مصر عبد الوهاب ـ ام كلثوم

على صعيد الجغرافيا، لا يكتم الياس سحاب محورية التجربة المصرية بالنسبة له. فنلاحظ غياب الموسيقات العراقية والخليجية والمغاربية والسودانية من حسابه، باستثناء صفحات قليلة (ص26 ـ 28) في مطلع الكتاب يبرر بها هذا الغياب بنقص انتشار هذه الأنواع الموسيقية في الوطن العربي ككل وخصوصياتها المحلية أو تعرضها لآثار الاستعمار (الجزائر مثلاً ص27)! ويوقعه هذا في بعض المغالطات الموسيقية (كالقول ص145 إن مقام اللامي نادر الاستعمال، وعبد الوهاب لحن منه أكثر من أغنية، في حين إن هذا المقام في واقع الحال شائع جداً في الموسيقى العراقية ومنها اقتبسه عبد الوهاب) وحتى السياسية بالمناسبة (ففي شأن الموسيقى السودانية يشير الكاتب ص 29، دون دليل، إلى "ان انتماء عرب السودان الثقافي والوجداني والسياسي الكامل إلى امتهم العربية قد انتج بداية ناجحة في اضفاء بعض الملامح العربية الخاصة على هذا اللون الافريقي أصلاً" ولنا ان نتساءل كيف يكون من انتماء "كامل" إلى هذا الحد في حين إن موسيقاهم اصلاً افريقية؟ وهل يكون "تعريب" الموسيقى بالفرض السياسي ناجحاً؟).

اما الموسيقى المشرقية، أي في بلاد الشام، فإن تناولها يتم على نحو اوسع قليلاً، وإن كان أقل احاطة وتنظيراً (باستثناء مقال موسع عن فيروز) وأكثر عناية بالحكايات والتفاصيل (المقابلة مع ابو علوان، المقالات عن توفيق الباشا ووديع الصافي وحليم الرومي). ذلك إن هذه الموسيقى المشرقية لا تعدو كونها بالنسبة إليه "استمراراً للعصر الذهبي" (ص21)، وهي وإن "كانت ناطقة بلسان المشرق العربي بأسره، ومستفيدة من كل مواهبه، ومعبرة عن وجدان سكانه"، إلا أنها "متكئة (بالطبع) اتكاء كاملاً على انجازات الموسيقى العربية الكلاسيكية المزدهرة في القاهرة على مدى قرن كامل" (ص23). أي ان ما قد يبرر ادراجها في كتابه هو كونها تضم ملامح مشتركة مع الموسيقى المصرية بما يسهل عليه تناولها في اطار رؤيته المصرية المحور، ذلك "ان تفاعلاً عميقاً وصحياً كان قائماً بينها وبين النهر الاساسي للموسيقى العربية الكلاسيكية في القاهرة، تأثراً وتأثيراً". فلا يتردد الكاتب، وهو أصلاً كاتب سياسي، في الحديث عن "شمولية التجربة العربية الموسيقية في القاهرة" (ص26 مثلاً)، والواقع إن "شمولية التجربة" ليس بمعنى انها شملت عناصر من سائر الموسيقات العربية، بل في انها انتشرت، بقوة الصناعة السينمائية والإذاعية المصرية، ففرضت نفسها وذائقتها على سائر العرب ولم تقتبس منهم إلا الفتات. لا يعني هذا انتقاد القاهرة، بل ايضاح ان قبولها للأصوات القادمة من بلاد أخرى كان ولا يزال مشروطاً بانتماء هذه الأصوات إلى الموسيقى المصرية (صباح، نور الهدى، وردة... الخ)، أما الأصوات ذات الطابع المحلي الصريح، مثل وديع الصافي، فلم تلق قبولا واسعاً وانتشاراً إلا لدى قلة من المستمعين.

هذه الرؤية المحكومة بالمركزية المصرية، في الموسيقى على الأقل وربما في غيرها، توقع الكاتب (والعديدين سواه) بدورها في عدد من المغالطات والارتباكات. فعلى سبيل المثال، ينتقد سحاب مدرسة العود العراقية التي افتتحها نصير شمة في القاهرة اذ، بالنسبة لسحاب، ينبغي اعتبار مدرسة الشريف محي الدين حيدر اضافة وليست بديلاً عن المدرسة المصرية في العزف على العود (ص28)، في حين ان تقنيات كل من المدرستين هي فعلاً مختلفة بشكل جذري، بدءاً من امساك الريشة وتوقيعها مروراً بالحليات والزخارف، وانتهاء بالروحية ومناحي التأليف والتقسيم والتأمل. يظل أن لكل من العازفين حق اختبار المدارس المتنوعة واختراع خلطته الخاصة، إلا ان فرض انضواء المدرسة الحيدرية تحت لواء المدرسة المصرية لا مبرر له سوى هذه المركزية المصرية في الرؤية.

ومن الارتباكات التي توقع فيها هذه الرؤية الكاتب طرحه لأسباب نضج الحركة الموسيقية الغنائية في بيروت، حيث يكتفي باشارات تأريخية قليلة (الاغنيات الانتقادية لعمر الزعني، والمووايل البغدادية، المحاولات الاولى لسامي الصيداوي وفيلمون وهبي ونقولا المني، وانتشار اللون الغنائي البدوي، ص23)، مفترضاً انها تشكل الظروف المنضجة، بدل تناول الموضوع بشكل معمق، كما يفعل مع الموسيقى المصرية، بحيث يتناول الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي دعت إلى تشكيل وتمويل مثل هذه الحركة. ولعله يشير إلى ذلك إشارة عابرة فقط في مقاله عن صوت فيروز حين يعتبر إن العرب المشارقة عثروا فيها على "مطربتهم الخاصة" (ص342)، وفي هذا إشارة خفية إلى الغيرة الفنية السليمة والرغبة في تأكيد هوية منفصلة عن مصر. في هذا السياق يصير مستغرباً تصنيفه لصوت فيروز باندراجه في "مدرسة وهابية ـ اسمهانية" (العودة إلى المركزية المصرية مجدداً) تعتمد على الرقة والشفافية والهمس في الاداء الغنائي (ص333 و342). اذ ماذا تعني بالضبط الشفافية في الغناء؟ أما الهمس فهل في أسمهان مثال له يضرب؟ ثم ان اقران عبد الوهاب بأسمهان في الأسلوب غريب، بالنظر إلى مجرى غنائها العام وتدريبها وملحنيها الأساسيين (داود حسني والقصبجي بالدرجة الأولى).
مكانة سيد درويش وعبد الوهاب والتجديد

ينبغ الموقع المرموق الذي يحظى به سيد درويش، في ثقافتنا، ومن ثم عبد الوهاب والقصبجي، من علاقتهم بالتجديد، بحسب الشروط التي يفترضها له الياس سحاب: أي الانطلاق من التشبع "الكامل" و"التام" بالتراث (من يحكم بالكمال والتمام هذين؟)، فضلاً عن الموهبة الاستثنائية، والرعاية الثقافية الاجتماعية (ص18 مثلاً).

انجازات سيد درويش بحسب القول السائر في الكتاب: التجديد في "المضمون"، واتخاذ "المادة الموسيقية الشعبية" أساساً لعمله، فتح الآذن على الموسيقى الاوروبية الكلاسيكية وبداية التأثر بأهم عناصرها أي الآفاق التعبيرية الواسعة، و التوجه نحو الاوركستر الكبيرة ذات الالوان الصوتية المتعددة، والفلسفة اللحنية ذات الجمل الواسعة الابعاد الموسيقية أو بكلام آخر الجمل الموسيقية ذات القفزات الانتقالية الواسعة (ص16 وص111) كما أدخل "التعبير الحي المباشر، على الكلاسيكية العربية، مستلهماً في بعض الأحيان الموسيقى العربية الشعبية" أو الموسيقى الأوروبية في احيان أخرى (ص79) وموسعاً في جميع الأحوال آفاق الألوان التعبيرية والدرامية والرومنسية (ص111).
أما القصبجي (العقلاني إلى حد الجفاف) وعبد الوهاب (المتوازن العقلانية والهندسة مع التدفق العاطفي والوجداني الفاحش الثراء، ص19) فقد قاما، ومن تلاهما بـ" تضمين الاشكال التقليدية والمطورة والجديدة مضموناً جديداً يعبر عن زخم التحولات الإجتماعية والسياسية والثقافية الهائلة بين القرنين التاسع عشر والعشرين" وكان من نتيجة ذلك أن "تولدت ملامح عصرية جديدة للمقامات العربية التقليدية مثل السيكا والصبا والبياتي والراست" (ص21) فكان لنا مجال جديد هو "الرومانسية في الموسيقى العربية المعاصرة"، وتعريف هذه الرومانسية هو أنها "نزعة فنية تركز على المشاعر الداخلية للفرد، بأفراحه واحزانه، وبعلاقة الفرد بالطبيعة، وبنزعة إلى مقاومة جفاف الواقع يميل إلى خلق أجزاء خاصة مبنية على الخيال والمشاعر الداخلية الحميمة" (ص78)، ورائدها ومطلقها هو بالطبع محمد عبد الوهاب (ص79)، رغم ان سحاب يقول لنا إن سيد درويش وسع مثل هذه الآفاق (ص111)، أما القصبجي فأتى تالياً بعد عبد الوهاب (ص81) (رغم ان مونولوجاته لأم كلثوم سابقة زمنياً على رومانسيات عبد الوهاب ببضع سنوات!).

ترقى هذه التأكيدات جميعها إلى مصاف البداهات السائرة في معظم الكتابات العربية حول الموسيقى, إلا انها جميعاً في حاجة إلى تدقيق مطول وصارم. فنحن مثلاً نتساءل على أية مواد موسيقية شعبية اعتمد سيد درويش وفي أية ألحان؟ وما نسبتها بالمقارنة مع حجم تلاحينه؟ لقد أنتج سيد درويش أغنيات انضمت لاحقاً إلى الموسيقى الشعبية، إلا ان من الصعب اثبات علاقة كثير من أغنياته بمواد موسيقية فولكلورية سابقة عليها، اللهم سوى في الإيقاع! كما ان أهم أعمال سيد درويش نابعة إما من الحوارات المغناة في المسرح، أو من القوالب التقليدية (الموشحات والادوار) وهي ليست مستقاة في حال من الأحوال من مواد موسيقية شعبية بشكل مباشر، وإن لعبت على مسألة اللهجات في بعض الاحيان. ولئن كان سحاب يشير، محقاً، إلى اننا خنقنا سيد درويش تعظيماً سياسياً (ص157)، ويؤكد، مخطئا،ً انه كان عرضة للاضطهاد فلا ذكر له في مؤتمر الموسيقى العربية (ص158) في حين افرد له في فهرست تسجيلات المؤتمر فصل مخصوص بأعماله التي سجلت في المؤتمر (وإن كانت قليلة)، ولئن كان الكاتب ينبه إلى ضرورة الاهتمام بثروته من الأدوار العشرة (وهي في بعض الاقوال احد عشرة) ومن الموشحات (يورد سحاب دون دليل انها بلغت سبعة عشرة موشحاً، اي قطرة من بحر الموشحات العربية، علماً بأن هذا الرقم نفسه غير ثابت)، فإنه يفترض، ومعه الأقوال الشائعة في الثقافة العربية، إن هذا الاهتمام ينبغي ان ينبغ من المضمون التجديدي الذي أسبغه سيد درويش على هذه القوالب (ص158).

غير ان الكاتب لم يفسر لنا أسس تفريقه بين الشكل والمضمون، كما انه لم يوضح ما معنى التجديد في المضمون، خاصة وأنه يكرر كثيراُ مثل هذا التمييز بين المضمون والشكل، بارتباك واضح: فهو تارة يصف زكريا أحمد بأنه مجدد في الشكل تقليدي المضمون (ص176)، وتارة بأنه مجدد في المضمارين معاً. ولئن كان تطوير زكريا أحمد لصيغ الطقطوقة والموشح معروفاً للدارسين، فإن الياس سحاب لم يوضح سبب الارتباك في تصنيف التجديد في المضمون، مكتفياً بالقول إن زكريا شحن موسيقاه بالروح العبقرية التي اقتبسها من سيد درويش (ص237)!

يعيدنا الموضوع إذاً مجدداً إلى التساؤل عن "التجديد في المضمون" لدى سيد درويش. فهل تقتصر على ما يسميه سحاب الجمل الموسيقية ذات الأبعاد الواسعة أو ذات القفزات البعيدة؟ أو على ادخال الرومانسية (رغم ان عبد الوهاب هو من افتتحها بحسب الكاتب نفسه!)؟ أم على التوجه نحو الأوركسترا الكبيرة العديدة الآلات؟
مثل هذه التأكيدات، على بداهتها أو بسببها، قاصرة في ظننا عن توضيح ما جاء به سيد درويش. ذلك إنه ليس صحيحاً إن الموسيقى العربية أو المصرية قبل الشيخ سيد كانت خالية من الانتقالات والقفزات الواسعة (سواء بأبعاد ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية أو سباعية أو بالاوكتاف)، وذلك حتى منذ زمن الفارابي، والدليل على ذلك سهل ومتوافر في كل ما يمكن أن نستمع إليه من تسجيلات أول القرن العشرين، فضلاً عن ما نجده في الموشحات (مثال "بالذي أسكر من عذب اللمى" التي تبدأ بقفزة من درجة إلى خامستها، او "لما بدا يتثنى" حيث القفزة من درجة إلى رابعتها)، كما أن البشارف واللونغات والسماعيات التي كان العرب يعزفونها ويسجلونها (ومعظمها تركي الأصل) لم تكن تخلو من مثل هذه الأبعاد الموسيقية.
أيضاً، إن الرومانسية والتعبيرية لم تكن فتحاً ابتكره الشيخ سيد درويش، ولا عبد الوهاب، وإلا فأين نصنف موشحاً مثل "ما لعيني أبصرت" (اللحن قديم ومجهول المؤلف، وإن كان البعض ينسبه إلى ابي خليل القباني) أو "كللي يا سحب" (الذي ينسبه البعض إلى محمد عثمان)، واين نضع قصائد الشيخ سلامة حجازي، وكيف نفتي في شأن دور مثل "شربت الصبر من بعد التصافي" (المنسوب إلى عبد الحمولي)؟ وهل هنالك من تناقض بين "المضمون الفني التقليدي" لأغنية "حلم" (ص176) التي لحنها زكريا أحمد لأم كلثوم وبين رومانسيتها الفائضة والتي تفوق أغلب إن لم يكن كل نتاج عبد الوهاب؟ فإن كان "المضمون الفني التقليدي" المزعوم متوافقاً مع الرومانسية المزعومة التجديدية، فأين هو التجديد؟
اخيراً، ليس في نتاج سيد درويش من تسجيلات تتضمن أوركسترا كبيرة، بل هي تكاد تقتصر على التخت التقليدي، باستثناء تجارب قليلة أتت مع آلة البيانو، وهي تجارب يصفها الياس سحاب نفسه بأنها كانت فاشلة (ص126).

ليس مقصودنا في هذه المقالة بحث ما أتى به سيد درويش (وقد تناولناه في مقالة سابقة على صفحات الملحق، مطلع نيسان 2008 بعنوان "انصاف الشيخ سيد درويش: اختراع الذات"، وأشرنا إلى علاقة موسيقاه بزمنه الاجتماعي وبدايات تكون "الفرد" و"الشخصية الفنية" في العالم العربي، فضلاً عن ميزات جملته الموسيقية الحيوية والتي لا تتطلب أصواتاً مطربة جبارة وعلاقة كل ذلك بانتشارها واستقبالنا لها). لذا فإن مؤدى هذه الملاحظات هو عدم الاكتفاء بما شاع عن رغبة سيد درويش في تعلم الموسيقى الأوروبية في إيطاليا لنبني عليه ادعاءات موسيقية حول نتاجه، والدعوة إلى التدقيق في النتاج السابق عليه من أجل البحث في ما أتى به من تميز وجديد حقاً بدل الاكتفاء بالمقاربات التبسيطية أو الخاطئة.

فإذا كان حظ سيد درويش من مثل هذه الادعاءات التجديدية ملتبساً (على الأقل)، فأين منا حديث عبد الوهاب والقصبجي؟ بل إن "عين المحب الكليلة" تدفع الناقد إلى امتداح لحن "انده عليك" لعبد الوهاب والذي أدته وردة، برغم ما فيه من تنافر في الأجواء الموسيقية المقامية ومن ابتذال ايقاعي يستجدي تصفيق الجمهور استجداء (في حين يصم سحاب وردة بمثل هذا الابتذال و"الهياج الغريزي" في أعمالها مع ملحنين آخرين! ص146).

وربما كان الحق على هذه العين نفسها في معاملته للقصبجي (رغم إشادته المحقة بالبناء الهندسي المحكم في ألحان القصبجي، ص171، إلا أن سحاب يربط ذلك مخطئاً في نظرنا بموضوع الاداء الأوركسترالي، وهو ما سنتناوله لاحقاً). القصبجي، المظلوم دائماً، وصفه الكاتب بأنه أضاع البوصلة ما بين التشريق والتغريب تماماً، وبصورة خاصة في فصل من فيلم "عايدة" لأم كلثوم، مع ان الكاتب يعترف شخصياً (ص172) بانه لم يسمع هذا الفصل لأن ام كلثوم مسحته من الشرائط، بل استمع إلى الفصل الثاني الذي لحنه رياض السنباطي، فكيف يحكم اذاً على عمل القصبجي؟

ولا نقصد بالطبع القول بإن هؤلاء الفنانين لم يأتوا بجديد (ولا يعني هذا ان كل جديد حسن)، وإنما الدعوة إلى تبيان الجمال الذي اتوا به، في اطار السياق الأوسع الذي اندرجوا فيه، وتخلوا عن بعض ما فيه وعمقوا بعضاً آخر او مزجوه بمؤثرات مختلفة، وإلى التوقف عن تمجيدهم باعتبارهم فاتحين لم يُسبقوا ولن يُلحقوا، وإلى التوقف أصلاً عن تمجيد أساطير الفتح وبدايات الزمن.

تأريخ التغييرات التقنية والفنية

يعرض الكتاب لبوادر التغييرات التي عصفت بالموسيقى المصرية والعربية عموماً في الفترة التي يشملها بدراساته، فيتيح للباحث جهاد الراسي مجال التأكيد على فكرة هامة هي ان دخول الاسطوانات إلى مصر، مطلع القرن العشرين، أدى إلى تغييرات جذرية في الموسيقى (ص121)، ذلك ان دخول التسجيل المحدود المدة بثلاث دقائق لكل وجه من الاسطوانة حتم ضبط الارتجالات زمنياً وتقسيم الوصلة التقليدية إلى عناصرها الرئيسية، كما ان الشركات اهتمت بصفة خاصة بالأدوار.
غير ان هذا الحوار الهام لا يشمل بالنظر ايضاً مسألة تغير الوضع القانوني للموسيقى، مع دخول مسألة الملكية الفنية للعمل مجالاً هاماً اقتصادياً (في حين إنها لم تكن مطروحة سوى معنوياً أيام محمد عثمان وعبده الحمولي)، ما أفرز جموداً للصيغة الفنية التي بات ينبغي ان تؤدي كما وضعها الملحن واشترتها الشركة، وهو ما أفرز ايضاً، للمرة الأولى (وبشكل سابق على سيد درويش خلافاً لما يقول سحاب)، أهمية شخصية الملحن المستقلة، فبرز داود حسني وابرهيم القباني (وهما ضعيفا الصوت إلى حد ما) كأبرز مزود لحناجر معاصريهما بالألحان البديعة. كما لا يتناول الحوار آثار التغيير التقني في صناعة الآلات مثل القانون (بإضافة العُرَب المعدنية إليه) أو في مهارات العزف عليها (كالتي أبرزها سامي الشوا على الكمان أو محمد القصبجي على العود) في تغيير طبيعة النسيج الموسيقي لصالح انتقالات موسيقية أسرع وأسهل اداءاً، في حين كان المغنون والعازفون حريصين في البداية على اشباع كل مقام أو جنس منه بشكل وافٍ. اما تطور وازدهار المسرح الغنائي ثم السينما الغنائية، وتقنيات التسجيل للحفلات المطولة، وفي الاذاعة، فلا تحظى من الكاتب، رغم اهميتها البالغة سوى بالتفاتات بالغة الضآلة (ص20 مثلاً).

أما ما تلا "العصر الذهبي" الآنف الذكر، فهو ينحدر، في رأي سحاب ورأي أغلب الكتّاب المعاصرين عن الموسيقى، إلى سلسلة من الملامح السلبية، لجهة عدم توافر الاعمال بالنوطة (ومن حقنا أن نسال عن أهمية مثل هذا التوافر في موسيقى عربية هي أساساً زخرفية وسماعية وارتجالية الطابع، غير ان سحاب يصم ذلك كله بالقدم على ما سنرى لاحقاً)، ويوازي ذلكَ النقصُ في مجال توافر التسجيلات لأعمال العصر الذهبي والتعتيمُ الإعلامي عليها، فضلاً عن غياب الفرق والمسارح العربية التي تقدم الموسيقى الجادة (ص95). وهو يعتبر إن المعاهد الموسيقية قليلة الاعتناء بانجازات الموسيقى العربية في القرن العشرين (ومقصوده هو "العصر الذهبي" إياه، ذلك انه يأخذ عليها اعتناءها بموسيقى مطلع القرن! ص119 مثلاً)، فضلاً عن غياب الابداع على الصعيد الموسيقي النظري (ص94 ـ 95). ويرى الكاتب، السياسي في الاصل، انحداراً وتراجعاً مماثلين في "الملامح الانتاجية والاقتصادية" وفي الظروف الحضارية والاجتماعية والإعلامية التي تحيط بالعملية الفنية (ص105)، فضلاً عن مسؤولية "المجتمعات المتقدمة (التي) تدافع عن رفاهيتها وعن تقدمها بشراسة الغت كل فرص التفاعل الحر بين الحضارات" (ص103 ـ 104).

وبذا، فإننا، في رأي القول السائر في ثقافة العرب، في منحدر من كل الجهات، ولا سبيل للخروج منه، في نظر سحاب، إلا عبر دراسة ما يسميه بانجازات القرن العشرين، أو الحركة التجديدية فيه، نظرياً وتوفير نوطاتها وتسجيلاتها والعناية بها في المعاهد (ص119)، لأنه يعتبرها "المخزون الكلاسيكي للموسيقى والغناء العربيين" (ص101) فيجب الاطلاع عليه "اطلاعاً كاملاً" (مرة جديدة من يحكم بالكمال هذا؟)، قبل أن يحق لأي جيل جديد أن يقوم بتجربته.

ولئن كان أحد لا يعترض على وصف واقعنا الحالي بالانحدار، إلا أن عرض ملامحه ليس دراسة لأسبابه. كما ان احداً لا يعترض على الدعوة إلى المزيد من الجهد والعناية نظرياً وعملياً بالموسيقى، ومن بينها نتاج "العصر الذهبي" الآنف الذكر، إلا ان هذه الدعوة تشترط أمرين على الأقل: تقويماً لعناصر نجاحها وشروطها العملية (اهتمام الدول، توافر الميزانيات والقدرات والخبرات.. الخ)، وقبل ذلك تقويماً معمقاً للموسيقى التي يدعو إلى دراستها كأساس لأي تجديد لاحق، بما في ذلك تقويم مسؤولية خيارات "العصر الذهبي" عن وصول الحال الموسيقية إلى ما هي عليه اليوم.

في هذا السياق، بالإمكان الإشارة إلى أمرين: الاول أن الموسيقى "القديمة" (من أدوار وموشحات وتلاحين آلية) لم يعد لها من ملجأ سوى في بعض المعاهد، التي بالكاد تعنى بها، والإطاحة بهذا الملجأ الأخير قد تقضي نهائياً (باستثناء اهتمام بعض الهواة على الانترنت) على اي أثر موسيقي حي للموسيقى العربية (في الشام والعراق ومصر) في تقليدها الأساسي والراسخ والهائل الثراء (إيقاعياً ونغمياً وتقنياً).
الأمر الثاني إن خيارات عبد الوهاب، وبدرجة أقل بكثير ام كلثوم، في الغناء عنت تخلياً (يسميه سحاب "تشذيباً من شوائب مترسبة عبر القرون"، ولست ندري ما الشائبة فيها) عن كم كبير من تقنيات الارتجال والغناء (كالعفق الصوتي واساليبه، وتعريض الصوت أو ترقيقه، وتعديل قماشته، واصدار البحة... الخ) التي تربى عليها هذا الصوتان، بحيث خرج كل من تابعهما على ذلك أضعف وأبعد فنياً في هذا المجال. وقد اوضح عبد الوهاب في جلساته (المتوافرة على الانترنت) عن مدى امتعاضه من "العفق" بالصوت، ورغبته في صوت صافٍ متواصل لا تغيير في اساليب انتاجه ولا في قماشته. وهو ما وصل إليه المغنون اليو على اية حال، في حين بقي المشايخ وحدهم محافظين على غنى التقنيات الأدائية القديمة. وكان من نتيجة هذا التنازل ان بات القبول بأصوات المغنين يكتفي بالخامة وثبات اصدار الصوت، ولا يتطلع إلى تقنيات الأداء، بحيث صار كافياً ان يؤدي المغني ما وضعه الملحن دون إضافة ودون اجتهاد أو قراءة خاصة له. دون أن يعني هذا تحميل الخيار الشخصي للثنائي عبد الوهاب ـ أم كلثوم (وبالدرجة الأولى عبد الوهاب) مسؤولية تردي الحال، ينبغي الاقرار بأن البقاء في اسر مدرستهما يعني الاستمرار في التخلي الطوعي عن كنز كبير للمطربين والحناجر.

من جهة أخرى، يحرص سحاب على استخدام الاوركسترا، ويرى ان ملحني "العصر الذهبي"، باستثناء زكريا احمد، يلحنون في واقع الأمر للاوركسترا مستخدمين الصوت البشري كخيط اضافي في هذا النسيج (ص171 على سبيل المثال). ويمتدح سحاب مثل هذا الأمر، الذي نشك مديداً في صوابه قبل ايجابيته. اذ من غير الصحيح إن عبد الوهاب وملحني أم كلثوم، او ملحني محمد رشدي أو عبد الحليم حافظ، كانوا يلحنون للاوركسترا، خصوصاً وأن اياً منهم لم يكن موزعاً للاوركسترا اصلاً، كما ان منطق الاداء الصوتي مختلف عن منطق التآليف الاوركسترالية، ولم تنجح أغنية لم تكن مستندة إلى منطق الأداء الصوتي المخصوص، في الانتقالات الصوتية او المقامية أو الايقاعية مثلاً.

وإذا ما سألنا عن فعل الأوركسترا في تغيير وجه الموسيقى العربية، فإن سحاب يدعونا إلى استخدام الأوركسترا "في اداء موسيقى عربية مبنية على أساس الالمام الكامل بالملامح المقامية والإيقاعية الأصيلة لهذه الموسيقى" (ص121) ولكن "على أساس عدم المساس بالطبيعة المقامية للموسيقى العربية" (ص129). وهذا يطرح مشكلتين على الأقل:

المشكلة الأولى هي عن الطبيعة الإيقاعية للموسيقى العربية التي أطاحت بها كلياً تجارب "العصر الذهبي". لا اعتراض طبعاً على الانفتاح على ايقاعات جديدة ومجلوبة وجميلة، لكن الاعتراض هو على القبول بانحسار الثروة الإيقاعية الأم التي يمتدحها سحاب (ص29) وغيره، مثلها مثل ثروة المقامات، من غير ان يدعوا أو يتفكروا في كيفية المحافظة عليها وتعليمها بعد ان تنازل عنها ملحنو "العصر الذهبي" وتابعوهم. فثروة الايقاعات باتت محصورة لدى بعض القلة من المشتغلين بالموشحات، فقط لا غير. وهنا لدينا اعتراض أخر على اعجاب سحاب الكبير باعمال صديقه فؤاد عبد المجيد المستكاوي (ص207، وهي الأعمال التي يستعيدها كثيراً سليم سحاب وريما خشيش كل على طريقته)، ذلك إن اعمال المستكاوي، على جمالها البسيط، تبسط الموشحات إلى حدود الأغاني العادية الجميلة، حيث تتنازل عن الثراء المقامي، ليتحول ترصيعاً، وتتنازل عن التنوع الإيقاعي الكبير في الموسيقى العربية، مثلما تتنازل عن بنية وتعقيد الجملة، وارتباطها بسير المقام، بما يميز الموشحات ويفصل بينها وبين الأداء المرسل أو الموقّع للقصائد.

أما الثانية فهو كيف نحدد الطبيعة المقامية للموسيقى العربية حين نفصلها عن طبيعة الأداء (بين الارتجالي والرومانسي بتعابير سحاب)؟ أليس التفكر في المقام في هذه الحالة مجرد تأمل في سلم، نبحث عن الانتقال منه إلى سلم آخر؟ اي بمعنى آخر، الا نكون قد غيرنا طبيعة المقام نفسه بسبب من التأثير الاوروبي الذي يقارب الموسيقى بشكل مختلف؟ للإجابة عن هذا السؤال، سنتناول تباعاً موضوع العلاقة مع أوروبا ومن ثم موضوع طبيعة الموسيقى العربية مقاماً وأداءً.

العلاقة بأوروبا

لا يمكن أحداً ان ينكر "التأثر الخلاق" لعبد الوهاب وللقصبجي وغيرهما بالموسيقى الكلاسيكية الأوروبية (ص19)، بالرغم من ان توليد التنويعات أو توسيع المسافات داخل الجملة الموسيقية الواحدة أمر موجود وأسبق بكثير عليهما (مراجعة اعمال محمد عثمان مثالاً). إلا ان الحضور الأوروبي هو الهاجس الرئيسي لإلياس سحاب، ولأغلب العرب دوماً، وهو ما يمكن تفهمه نظراً لانشداد العرب المتواصل إلى المقارنة بالغرب الأوروبي اساساً، وليس ذلك على صعيد الموسيقى فقط. فلا يتردد سحاب في الإعلان عن ان معياراً واحداً و"بوصلة واحدة" تستطيع ان تحدد لنا "النسبة الأعلى من صحة ودقة الاتجاه في تعاملنا مع الغرب في الموسيقى، كما في السياسة كما في سائر نشاطات الحياة العامة" (ص108) فضلاً عن ان "معيار التقدم في كل مجالات الحياة العربية (سياسياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً) هو تحقيق المعادلة الصعبة بين الأصالة والمعاصرة" (ص87).
وضع هذه المعادلة بين الاصالة والمعاصرة معياراً شاملاً امر يخضع للنقاش الطويل، خاصة وأنه استهلك دون طائلة نقاشات العرب على مدى قرن ونيف، مثله مثل الجدال النظري عن تعديل أرباع الأصوات في المقامات أو عدمه ومسألة الهرمونيا العربية. بالرغم من ذلك، يمكن التساؤل عن سبب حصر سحاب، مثله مثل أغلب من يتناولون الموسيقى بين العرب، المعاصرة بالعلاقة بأوروبا، وبالتحديد بالموسيقى الكلاسيكية فيها، فهو مثلاً لا يذكر ولو لمرة أي نوع موسيقي غير أوروبي، أو أوروبي، شعبياً كان أم تجارياً أم تجديدياً، غير الموسيقى "الكلاسيكية" (وهو مصطلح عند العرب تقريبي يشمل أيضاً الرومنطيقية والنيو ـ كلاسيكية وبعض الموسيقات القومية الاوركسترالية)، وإن كان يميزها عن موسيقى الباروك التي بها يشبه موسيقى القرن التاسع عشر في مصر، دون أن نعرف سبباً لهذا التشبيه. ويهمل هذا التركيز على أوروبا كل الواقع والحاضر الفعليين، فضلاً عن الماضي، لجهة علاقة الموسيقيين العرب التبادلية مع موسيقات مختلفة افريقية وتركية وهندية وفارسية واسبانية وبلقانية و"تجارية عالمية".. الخ.

يبحث المؤلف اذاً، على حساب الواقع، عن معادلة، نجدها بعينها في مختلف مناحي الثقافة العربية شأنها شأن معيار التقدم الآنف الذكر، هي التالية: الانطلاق من الشخصية الموسيقية القومية (التي رأينا انه يختزلها في الواقع إلى المدرسة المصرية، واستطراداً المشرقية ـ اللبنانية) وعدم الانطلاق من عقد النقص تجاه الموسيقى الاوروبية (ص115 و122 مثالاً). بحسب هذه المعادلة ينبغي الانطلاق من "الهضم الكامل" للتراث، والإطلاع على "زبدة" الموسيقى الكلاسيكية من أجل "تحويل كل هذه المؤثرات (بعد هضمها تماماً) إلى داخل النسيح الموسيقى العربي الخالص" (ص169 و170). ولسنا ندري كيف يكون (ولا مدى ضرورة ان يكون) خالص العروبة حين يكون يحتوي كل هذه المؤثرات، وغيرها مما لا يحضر في الكتاب، وبالاخص الموسيقات التركية والفارسية، فضلاً عن الخصوصيات المغاربية والخليجية واليمنية مثلاً التي تستقي بعض ملامحها من روابط بالداخل الافريقي أو بالقارة الهندية كما سلفت الإشارة! بل إن الكاتب حين يعدد شعوب حوض المتوسط، يغفل مجدداً عن تركيا (ص109)، رغم دعوة جهاد الراسي (ص230) إلى الاطلاع على النظريات الموسيقية الهندية والشرقية عموماً، لا الغربية فقط. غير ان هذا الانشداد الدائم إلى أوروبا، والموروث من صدمة القرن التاسع عشر، لا يزال يغشى على ابصار العرب، ويشوه حتى علاقتهم بطبيعة فنونهم الخاصة وفهمهم لها فضلاً عن علاقتهم بزمنهم الحاضر والنتاج القائم فيه.

انزياح الفلسفة الجمالية الغنائية

يقول سحاب عن أسلوب عبد الوهاب الغنائي إنه "يشذب الأسلوب التقليدي من كل شوائبه المترسبة عبر القرون، ويصقله ويجلوه" (ص66، مع العلم ان هذا "التشذيب" المزعوم ما هو إلا التخلي عن كل تقنيات انتاج الصوت العربية لصالح أسلوب هجين، ثابت، يعتمد على الخامة والحنجرة فقط، وصولاً إلى اساليب غناء عبد الحليم وهاني شاكر ومن ثم مغني الفيديو كليبات). لكن من دلائل طغيان الصدمة الأوروبية على العرب، إلى اليوم، أن المؤلف يشيد بهذا الأسلوب الوهابي لأنه "يقدم الموازي العربي لفن الغناء الاوبرالي المتقن كما طورته أوروبا في القرون الاربعة الأخيرة" (ص66) وكأنما أداء المنيلاوي وعبد الحي حلمي وغيرهما يقصر عن مثل هذا الاسلوب اتقاناً وجمالاً، أو كأن الغناء الأوبرالي هو المقياس والتحدي.

ويلمح سحاب مجدداً إلى تغيير التقنيات مع الأسلوب الوهابي، معتبراً إن المغني، قبل عبد الوهاب، كان "مفتوناً بقوة صوته وبجمال الزخارف في أدائه"، أما مع "العصر الرومانسي" فإن اهتمام المغني والملحن "منصرف تماماً إلى احاسيسه ومشاعره الداخلية الفردية" (وكأن عبد الحي حلمي مثلاً لم يكن شديد الفردية والمشاعر في أدائه)، مبتعداً عن "الاستعراض الصوتي المبالغ فيه، كما في الغناء التقليدي" (ص79). من الصحيح بالطبع ان المغنين ابتعدوا باطراد عن الاستعراض الصوتي، غالباً لعجزهم عنه، إلا ان هذا الاستعراض لم يكن مبالغاً فيه في الغناء التقليدي، ذلك ان المبالغة تتطلب اقامة معيار للحكم على ما هو مناسب وما هو فائض. غير ان الفلسفة الجمالية للغناء في القرن التاسع عشر كانت الارتجال (ص59)، وهو ما يتطلب لاستحضار الطرب التنويع في التقنيات وفي طرق اصدار الصوت (التي أشرنا إليها أعلاه)، وتعميق الغوص في المقامات وسُبُلها واشباعها. غير ان ذلك لا يعني، خلافاً لقول سحاب، عدم وجود لحن ثابت ونهائي للعمل الواحد (ص59). فقد كان لكل عمل، باستثناء القصيدة المرسلة المرتجلة اللحن كلياً (والتي كانت بدورها تكتسب هيكلاً من تكرار الارتجال عليها)، هيكل عام واضح ومحدد ينبغي الالتزام به، ويمكن للمغني كسوته باللحم الحي او تطوير بعض نواحيه، دون الخروج عليه.

أي ان اعتبار اداء المطربين، ما قبل عبد الوهاب، فائض الاستعراضية، انما يحكم على نسق غنائي باعتبارات خارجة عنه، أي اعتبارات الالتفات، لا إلى مشاعر المغني والملحن الفردية (فأين تبرز آنية الترابط بين الأداء وبين المشاعر إن لم تكن في الغناء التطريبي الارتجالي الذي يسمح بحرية واسعة للمؤدي ـ الملحين في آن؟)، بل إلى الكلمة المغناة والتي آل إليها، في واقع الأمر، لا إلى اللحن، أمر الرومانسية التي باتت معيار القيمة لدى اغلب نقاد اليوم فضلاً عن الذائقة المحافظة اجتماعياً. ذلك إن معيار الاداء الصوتي "المنضبط" بات توقيعه على قياس الكلمة، أي دون الافراط في تفكيك الكلام المغنى والتمنع عن استخدامه كمرتكزات تسمح للصوت بالانطلاق.

هذا الحكم الخاطئ، ذو الأساس المكبوت والمسكوت عنه (أي التحول من فلسفة جمالية غنائية إلى فلسفة جمالية ادبية في الحكم على الموسيقى)، على مدرسة الطرب السابقة لعبد الوهاب وام كلثوم، فضلاً عن رغبة المقارنة الدائمة بأوروبا وعلومها واوركستراها، يوقعان النقاد في العديد من الارتباكات، ومن ضمنهم الياس سحاب. فهذا الأخير مصر كما ذكرنا على ابراز ان عبد الوهاب (والقصبجي) يلحنان للاوركسترا (ص183 مثلاً) مستخدمين الصوت البشري (ومنبع هذا الإصرار بالطبع التشديد على التجديد والمقارنة الضمنية باوروبا لأن مثل هذا التلحين هو الذي يطرح مشكلة "العلوم الموسيقية الأوروبية" واقتباسها أم لا)، إلا انه يغفل تماماً عن دراسة مؤلفات عبد الوهاب اللحنية الآلية وتبين محدودية خطها وخيالها الموسيقي.
كما انه يعتبر زكريا احمد تقليدياً في المضمون، إلا انه، بمقارنة ارتجالاته بارتجالات أم كلثوم "التطريبية ضيقة الأفق" في "أهل الهوى"، لا يتمالك إلا أن يعترف ان ارتجالات زكريا احمد "تفتح امام اللحن آفاقاً تعبيرية لا حدود لها" (ص239). ولكن، إن كان بإمكان التطريب "التقليدي" فتح مثل هذه الآفاق التعبيرية، فما فرادة عبد الوهاب وما مدى فداحة التخلي عن التطريب والاداء الصوتي وتقنياته لصالح التعبير والرومانسية المفترضين؟ وإذا كان زكريا أحمد منتَقَداً لكون جمله الموسيقية ولوازمه موضوعة في خدمة اللحن الذي يؤديه الصوت مباشرة (ص239)، ألا يعني ذلك أن جمل الآخرين ولوازمهم مفككة الاتصال باللحن وان وحدة البناء الهندسي للحن لديهم مصطنعة؟

الطبيعة الأساسية للموسيقى العربية العالمة والثرية (في مصر والشام والعراق على الأقل، وقد تكون أو لا تكون مختلفة عن ذلط في البلدان الأخرى) هي، برأينا، طبيعة مقامية، إلا ان المقام ليس مجرد سلم، أو سكة نحو سلالم أخرى. المقام العربي هو ايضاً سير عمل ومزاج وحصيلة عادات عزفية وأدائية، لا يجوز التفريط بها بسهولة وبلا مقابل أوسع غنى وثراء.

مأزق النقد "الجاد" الحالي (فضلاً عن صعوبة العثور على لغة تشرح بدقة المفاهيم الموسيقية لغير المتخصيين) هو في الاعتماد على الاستساغة القريبة المتناول، والناجمة عن الشهرة والذيوع، بدل التدقيق في أسس ومعايير الذائقة التي يبني عليها أحكامه. ويفترض هذا النقد، الذي يمثله كتاب سحاب بشكل وافٍ، إنه يعتبر ان كل ما استساغته الأذن العربية وهضمته هو ما كان متجانساً مع "الروح الأساسية للموسيقى العربية" (ص20). ولو كان الأمر كذلك لعنى إما ان هذه الأذن رفضت (وهذا ما لم يحدث!) كل الموسيقى المطروحة منذ 35 عاماً، وإما أن هذه الموسيقى، الموصومة بالانحطاط، متجانسة مع هذه "الروح الاساسية". والواقع إن الاستساغة بحد ذاتها بنت عوامل عديدة، اجتماعية وثقافية وإعلامية، وليست وليدة "الروح" (التي لم نعثر على تعريف لها).

إن الصمم عما سبق "العصر الذهبي" وازدراء ما تلاه، موقف وحنين عربيان عامان، وليسا محصورين بالنقد الموسيقي فقط ولا بالأستاذ سحاب. غير ان تقديس هذا العصر (في الموسيقى كما في كل ميدان)، دون كشف حساب دقيق بالخسائر والمكاسب، لا يزيد مجتمعنا وموسيقانا إلا فقراً وانفصالاً عن الحاضر وعن المستقبل.

ovide
14-09-2009, 12:44
فادي لا أدري مدى صعوبة اثبات تأثر درويش بالموروث الشعبي فقد كان هذا يبدو بديهيا..


عزيزي حاتم، شكراً على قراءتك وردك.
بالضبط، هو بديهي لشدة ما هو شائع، لكن أين نراه بالضبط؟ علينا بالطبع استثناء كل الأدوار والموشحات والديالوجات المسرحية! ثم البحث في ألحان "الطوائف" حيث قد نعثر، برأيي، على عدد يداني أصابع اليد الواحدة من الألحان التي تبدو مستقاة من التراث الشعبي (ايقاعاً على الأغلب) مثل "سالمة يا سلامة" أو ما شابه، إلا ان درويش اسس برأيي لتراث شعبي اكثر مما استعمل "مواده الموسيقية"، هل ترى في الحان الشيالين والعربجية والاروام وخفيف الروح وتجار العجم والتحفجية والحلوة دي و"زوروني" وطلعت يا محلا نورها... الخ مواداً موسيقية مستقاة من تراث شعبي سابق عليها؟ ام ترى جهداً كبيراً في ابتكار موسيقى توحي بنوع معين من الأشغال (العربجية) أو المزاج (التحفجية وطلعت) متكئاً على معرفة موسيقية تتجاوز بكثير الشذرات التي تقوم عليها الأغاني الموروثة شعبياً؟
ما كان يحاوله سحاب، وسواه قبله، هو ربط درويش بتيار الموسيقى القومية في القرن العشرين، مثل بارتوك وغيره، أي تحويل المادة الموروثة ومعالجتها "بالعلم" الموسيقي لرفعها إلى مصاف الموسيقات الكبيرة! وهذا تحديداً ما حاولت الاعتراض عليه، فدرويش لم يكن جامعاً يقوم برحلات ميدانية لتدوين مثل هذه الموسيقات الشعبية، وفي الأغلب الاعم من شغله لا أحسب ان هنالك "مادة موسيقية موروثة" اشتغل عليها وعالجها!