أبو علاء
09-09-2009, 23:19
لا يسيئنّ أحدكم فهم مقصدي، فليس القصد مجادلة أهل العقائد في مدى صحّة هذه المقولة، وهل الخوض في هذه الأمور من شأن هذا المنتدى ؟ إنّما القصد هو أنّ المقولة لا جرم باطلة حينما يتعلّق الأمر بالفنّ (وكدت أقول بأيّ شأن آخر من شؤون الفانية)، بل لعلّ الأسلم أن نستشهد هاهنا بمقولة لأهل نحلة أخرى مفادها أنّ صراط الحجيم معبّد بالنّوايا الحسنة...
ما هو مؤكّد عندي هو أنّ حسن النّيّة لا يكفي وحده لإخراج عمل مقنع أو حتّى مقبول حينما يتعلّق الأمر بـ(إعادة) تقديم نماذج من تراث النّهضة من موشّحات وأدوار وقصائد أو من الإنشاد الدّينيّ ناهيكم عن إبداع ألحان جديدة على غرار قوالب ذلك التّراث ؛ وقد ترسّخ هذا الاعتقاد في ذهني بعد تجارب عديدة يعود بعضها إلى الثّمانينات بل السّبعينات، وقد كانت أولاها مع مشروع عبد الحليم نويره الضّخم والطّموح في آن، إذ كنت أخفّ أثناء تردّدي على المتاجر المتخصّصة كلّما سمعت أو قرأت عن نتاج جديد من هذا القبيل لأقتنيه وأكتشف خبيئه وكانت الحصيلة في كلّ مرّة واحدة لا تخرج عن الإحباط أو على الأقلّ عدم الرّضا إن لم تكن خيبة مريرة ؛ كذلك كان شأني مع اسطوانات عائشة رضوان المتتالية ونداء أبي مراد وحديثا اسطوانة مجموعة أرابيسك الّتي كرّمنا قائدها إذ دعانا إلى التّعريف بها وتقديم عرض نقديّ لها (هنا (http://zamanalwasl.net/forums/showthread.php?t=3946))...
حضرتني هذه الخواطر عند الاستماع إلى جزء من التّسجيلات الّتي أمدّني بها مشكورا صديقي لطفي المرايحي أثناء آخر لقاء جمعني به منذ بضعة أسابيع وعلى وجه الخصوص هذه العيّنة الّتي أرفعها لكم اليوم في انتظار عيّنات أخرى قادمات.
لقد عرضت في مناسبات سابقة لبعض جوانب سيرة هذا المثقّف المتميّز وهو طبيب بالمهنة والاختصاص (مثل الدّكتور الباز) إلاّ أنّ له اهتماما كبيرا بالموسيقى عموما والموسيقى العربيّة والشّرقيّة على وجه الخصوص اجتمعت لديه منها مكتبة جديرة بالاحترام وله فيها مؤلّفات عديدة صدر آخرها سنة 2007 عن دار الفارابي ببيروت تحت عنوان "الموسيقى العربيّة إلى أين ؟" وبرامج إذاعيّة ونشاط متعدّد الأوجه، وقد أشرت إلى جمعيّة أحبّاء الموسيقى الّتي شارك في تأسيسها منذ نحو خمس سنوات ويشارك في الإشراف على إدارتها وما تنظّمه من تظاهرات عديدة هامّة بتونس مثل مهرجان الموسيقى الآليّة ومهرجان الغناء العاري ومهرجان الموسيقى الرّوحيّة الّذي تلتئم دورته الخامسة على امتداد هذا الأسبوع (هنا (http://zamanalwasl.net/forums/showthread.php?t=245)) ؛ وقد حوت الأقراص الّتي أمدّني بها لطفي بعض سهرات الدّورة الرّابعة الّتي قدّمت خلال شهر رمضان من السّنة الماضية ومنها التّسجيل الّذي أقدّمه لكم هنا ؛ والحقّ أنّي لا أدري ما سرّ نسبة المهرجان إلى الموسيقى الرّوحيّة لاسيّما أنّ السّهرة الّتي اخترت منها عيّنة اليوم قد جمعت بين عيّنات من الإنشاد الدّينيّ وأخرى من تراث النّهضة وتراث المرحلة الوسطى (بين "النّهضة" و"السّقوط") فهل القصد أنّ القاسم المشترك بين الأنماط الموسيقيّة المقدّمة هو أنّها تخاطب المدارك دون الحواسّ أو الرّوح دون الجسد ؟ قد تسمح الفرصة بطرح السّؤال على المرايحي في مناسبة قادمة.
*
**
هذا التّسجيل من سهرة قدّمت مساء الخميس الثّامن عشر من أيلول سبتمبر سنة 2008 بأحد المعالم الأثريّة بضواحي العاصمة التّونسيّة (أكروبوليوم قرطاج) ويتضمّن ابتهال يا من إذا قلت يا مولاي لبّاني ثمّ توشيح الشّيخ زكريا الشّهير مولاي كتبت رحمة النّاس عليك فض وكرم، وكلاهما في مقام الهزام وتسبقهما تقاسيم.
وقد ساءني من هذا العرض أمران أوّلهما أداء "المنشد"، وهو من مصر ويدعى عبد الحليم مشهور، وليس لي سابق عهد به أو باسمه (غير أنّ مردّ ذلك قد يكون جهلي لا مطابقة الاسم المسمّى)، وهو من مصر ؛ وقد تكون غمطته حقّه تقنية التّسجيل الصّوتيّ الّتي غلّبت العزف على الغناء حتّى لا يكاد المرء يميّز فحوى الكلام المغنّى وقسمات صوت المغنّي، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من ذكر مأخذين اثنين على الأداء أحدهما الاقتصار على تقديم هيكل التّوشيح دون "الحشو" والحشو في هذا القالب من قوالب الإنشاد هو الأهمّ وهو من نصيب المنشد بخلاف الهيكل الّذي هو لواضع اللّحن، أمّا المأخذ الثّاني فقد تراءى لي من خلال الارتجال في أداء الابتهال، وقد بدا لي أشبه بأسلوب غدا متداولا اليوم ولعلّه خرج من رحم الملاهي اللّيليّة (أي نعم، ويالها من مفارقة) على يد "علم" الغناء المعاصر جورج وصوف (أنصتوا على سبيل المثال إلى "لبّاني" د 4' 05") ؛ لكنّ الطّامّة الكبرى في التّقاسيم (تقسيم الشّيلّو وتقسيم الكمان بالخصوص) ؛ أيّ تقاسيم هذه ؟ لقد قال لي قائل إنّ ذاك هو أسلوب التّقسيم الحديث المحبّذ لدى أهل الاختصاص، ويبدو أنّه يقتبس من أسلوب (بعض) المحدثين من الأتراك... ربّما صحّ ذلك فأنا لست ملمّا بالحديث من الأساليب أكان تركيّا أم عربيّا، ولا أملك من أدوات الحكم سوى أذن مستمع عتيق، إلاّ أنّي وجدت جمل هذه "التّقاسيم" عجيبة غربيبة في بنائها وترابطها بل خيّل إليّ أكثر من مرّة (هل هو محض خيال ؟) أنّ صاحبها لامس النّشاز، ولعلّ ذاك هو سرّ الابتسامة الظّافرة لعازف الكمان عند تمام "تقسيمه"...
قولوا بربّكم هل يكفي حسن نيّة لطفي وضيوفه لالتهام هذه اللّقمة العسيرة أم ما ذاك إلاّ شططي وإجحافي إذ لا يعجبني العجب العجاب، وهلاّ وجدتم لي بعض العذر في افتخاري بما قدّمته جمعيّة أحبّاء الموسيقى العربيّة بسوسة في شهر رمضان قبل هذه السّهرة بواحد وعشرين حولا وبلا مسرح ولا جمهور يذكر ولا داعمين ولا تصوير للتّلفاز ؟
ما هو مؤكّد عندي هو أنّ حسن النّيّة لا يكفي وحده لإخراج عمل مقنع أو حتّى مقبول حينما يتعلّق الأمر بـ(إعادة) تقديم نماذج من تراث النّهضة من موشّحات وأدوار وقصائد أو من الإنشاد الدّينيّ ناهيكم عن إبداع ألحان جديدة على غرار قوالب ذلك التّراث ؛ وقد ترسّخ هذا الاعتقاد في ذهني بعد تجارب عديدة يعود بعضها إلى الثّمانينات بل السّبعينات، وقد كانت أولاها مع مشروع عبد الحليم نويره الضّخم والطّموح في آن، إذ كنت أخفّ أثناء تردّدي على المتاجر المتخصّصة كلّما سمعت أو قرأت عن نتاج جديد من هذا القبيل لأقتنيه وأكتشف خبيئه وكانت الحصيلة في كلّ مرّة واحدة لا تخرج عن الإحباط أو على الأقلّ عدم الرّضا إن لم تكن خيبة مريرة ؛ كذلك كان شأني مع اسطوانات عائشة رضوان المتتالية ونداء أبي مراد وحديثا اسطوانة مجموعة أرابيسك الّتي كرّمنا قائدها إذ دعانا إلى التّعريف بها وتقديم عرض نقديّ لها (هنا (http://zamanalwasl.net/forums/showthread.php?t=3946))...
حضرتني هذه الخواطر عند الاستماع إلى جزء من التّسجيلات الّتي أمدّني بها مشكورا صديقي لطفي المرايحي أثناء آخر لقاء جمعني به منذ بضعة أسابيع وعلى وجه الخصوص هذه العيّنة الّتي أرفعها لكم اليوم في انتظار عيّنات أخرى قادمات.
لقد عرضت في مناسبات سابقة لبعض جوانب سيرة هذا المثقّف المتميّز وهو طبيب بالمهنة والاختصاص (مثل الدّكتور الباز) إلاّ أنّ له اهتماما كبيرا بالموسيقى عموما والموسيقى العربيّة والشّرقيّة على وجه الخصوص اجتمعت لديه منها مكتبة جديرة بالاحترام وله فيها مؤلّفات عديدة صدر آخرها سنة 2007 عن دار الفارابي ببيروت تحت عنوان "الموسيقى العربيّة إلى أين ؟" وبرامج إذاعيّة ونشاط متعدّد الأوجه، وقد أشرت إلى جمعيّة أحبّاء الموسيقى الّتي شارك في تأسيسها منذ نحو خمس سنوات ويشارك في الإشراف على إدارتها وما تنظّمه من تظاهرات عديدة هامّة بتونس مثل مهرجان الموسيقى الآليّة ومهرجان الغناء العاري ومهرجان الموسيقى الرّوحيّة الّذي تلتئم دورته الخامسة على امتداد هذا الأسبوع (هنا (http://zamanalwasl.net/forums/showthread.php?t=245)) ؛ وقد حوت الأقراص الّتي أمدّني بها لطفي بعض سهرات الدّورة الرّابعة الّتي قدّمت خلال شهر رمضان من السّنة الماضية ومنها التّسجيل الّذي أقدّمه لكم هنا ؛ والحقّ أنّي لا أدري ما سرّ نسبة المهرجان إلى الموسيقى الرّوحيّة لاسيّما أنّ السّهرة الّتي اخترت منها عيّنة اليوم قد جمعت بين عيّنات من الإنشاد الدّينيّ وأخرى من تراث النّهضة وتراث المرحلة الوسطى (بين "النّهضة" و"السّقوط") فهل القصد أنّ القاسم المشترك بين الأنماط الموسيقيّة المقدّمة هو أنّها تخاطب المدارك دون الحواسّ أو الرّوح دون الجسد ؟ قد تسمح الفرصة بطرح السّؤال على المرايحي في مناسبة قادمة.
*
**
هذا التّسجيل من سهرة قدّمت مساء الخميس الثّامن عشر من أيلول سبتمبر سنة 2008 بأحد المعالم الأثريّة بضواحي العاصمة التّونسيّة (أكروبوليوم قرطاج) ويتضمّن ابتهال يا من إذا قلت يا مولاي لبّاني ثمّ توشيح الشّيخ زكريا الشّهير مولاي كتبت رحمة النّاس عليك فض وكرم، وكلاهما في مقام الهزام وتسبقهما تقاسيم.
وقد ساءني من هذا العرض أمران أوّلهما أداء "المنشد"، وهو من مصر ويدعى عبد الحليم مشهور، وليس لي سابق عهد به أو باسمه (غير أنّ مردّ ذلك قد يكون جهلي لا مطابقة الاسم المسمّى)، وهو من مصر ؛ وقد تكون غمطته حقّه تقنية التّسجيل الصّوتيّ الّتي غلّبت العزف على الغناء حتّى لا يكاد المرء يميّز فحوى الكلام المغنّى وقسمات صوت المغنّي، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من ذكر مأخذين اثنين على الأداء أحدهما الاقتصار على تقديم هيكل التّوشيح دون "الحشو" والحشو في هذا القالب من قوالب الإنشاد هو الأهمّ وهو من نصيب المنشد بخلاف الهيكل الّذي هو لواضع اللّحن، أمّا المأخذ الثّاني فقد تراءى لي من خلال الارتجال في أداء الابتهال، وقد بدا لي أشبه بأسلوب غدا متداولا اليوم ولعلّه خرج من رحم الملاهي اللّيليّة (أي نعم، ويالها من مفارقة) على يد "علم" الغناء المعاصر جورج وصوف (أنصتوا على سبيل المثال إلى "لبّاني" د 4' 05") ؛ لكنّ الطّامّة الكبرى في التّقاسيم (تقسيم الشّيلّو وتقسيم الكمان بالخصوص) ؛ أيّ تقاسيم هذه ؟ لقد قال لي قائل إنّ ذاك هو أسلوب التّقسيم الحديث المحبّذ لدى أهل الاختصاص، ويبدو أنّه يقتبس من أسلوب (بعض) المحدثين من الأتراك... ربّما صحّ ذلك فأنا لست ملمّا بالحديث من الأساليب أكان تركيّا أم عربيّا، ولا أملك من أدوات الحكم سوى أذن مستمع عتيق، إلاّ أنّي وجدت جمل هذه "التّقاسيم" عجيبة غربيبة في بنائها وترابطها بل خيّل إليّ أكثر من مرّة (هل هو محض خيال ؟) أنّ صاحبها لامس النّشاز، ولعلّ ذاك هو سرّ الابتسامة الظّافرة لعازف الكمان عند تمام "تقسيمه"...
قولوا بربّكم هل يكفي حسن نيّة لطفي وضيوفه لالتهام هذه اللّقمة العسيرة أم ما ذاك إلاّ شططي وإجحافي إذ لا يعجبني العجب العجاب، وهلاّ وجدتم لي بعض العذر في افتخاري بما قدّمته جمعيّة أحبّاء الموسيقى العربيّة بسوسة في شهر رمضان قبل هذه السّهرة بواحد وعشرين حولا وبلا مسرح ولا جمهور يذكر ولا داعمين ولا تصوير للتّلفاز ؟