PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : رسالة إلى صديقي العواد



ovide
15-09-2010, 20:00
لست بزاعم أن بهذه الرسالة أو بالمقالة التي ستلي في موضوع لاحق ما قد يضيف إليكم جديداً، على انه جهد المقل، وقد يكون أيضاً خلاصة مؤقتة لعدد من النقاشات فعسى تستفزكم إلى المزيد

صديقي، أهنئك على الحفلة الأخيرة التي أسعفني الحظ بحضورها. لم يتسنَّ لنا بعدها الجلوس معاً الى طاولة مقهى وإرخاء لجام الحديث طويلاً، فعسى تكون رسالتي هذه اعتذاراً وتواصلاً، حيث اني دون شك سأطرح عليك مجدداً محاور الحديث نفسها. فكما تعلم حديث الموسيقيين يدور في مساحة ضيقة، إلا ان من طبيعتها انها متاهة يصعب الخروج منها.
فأول ما وددت نقاشه معك، اختيارك للمؤلفات والمقطوعات التي عزفتها. فقد كانت الحفلات سابقاً، أيام المطربين القدامى، تُبنى على أساس الوصلة، فتتألف من وصلتين أو ثلاث، لكلٍّ منها سياقها ومنطقها المقامي الجامع لمختلف المقاطع التي تتكون منها كل وصلة. أما مع العازفين المنفردين فبات الأمر أقل ترابطاً وتماسكاً، والى الآن لم نجد، أنت وأنا، منطقاً واضحاً في خيارات العازفين. كان منير بشير يعتمد الارتجالات المطولة، ويضمّنها أحياناً جملاً من أغنيات ومؤلفات من طبيعة المقام عينه، أما الآخرون فلا يبدون حرصاً على بناء برنامج حفلهم. البعض يرغب في استعراض مهارته في أساليب مختلفة وتمرسه بمختلف المدارس، عبر استعراض مؤلفات تركية وعراقية وسواها، في الحفل عينه. البعض الآخر يعمد إلى دغدغة مشاعر الجمهور الحاضر، بحسب البلد الذي يقيم فيه الحفل، فيضمن عرضه تحيات إلى موسيقيين من هذا البلد، يضعها جنباً إلى جنب مع مؤلفات له، من دون أن يتبدى من خلال ذلك سياق واضح. تذكر أننا لطالما تناقشنا في كيفية تنسيق حفلك، ولا تزال تقوم بذلك بالحدس فحسب، وإن كنا نبحث دوماً في قوام الحفل: أعليه أن يكون مقامياً، أم انفعالياً حيث تتناغم فيه المقطوعات والتقاسيم متدرجةً في استكشافها مناطق الانفعال وحساسيات المستمعين؟ أليس في الإمكان مثلاً الافادة من عازفين أتراك، مثل تشينوشينتارنيكورور، لإدخال فكرة التقسيم الانتقالي، الذي يكون جسراً بين مقامات مختلفة، بدل أن يكون دائرياً يعود إلى حيث بدأ؟
أنت الآن أصبحت أكثر رغبة في تقديم مؤلفاتك، ولا شك أنها تنضج مع المراس والخبرة. وعلى رغم اننا معاً كنا نتفق ان ليس كل عوّاد في الضرورة مؤلفاً، ولم يكن ذلك ليكون منه مطلوباً لولا حاجات السوق الموسيقية، المحدودة في بلادنا، حيث يبحث منتجو الأقراص المدمجة عن مبرر لتميز الشريط عن سواه باحتوائه على مؤلفات مخصوصة، وحيث تختلط صورة العازف بصورة المؤلف وإلا قلّ روّاد حفلاته. وانت تعرف مدى انزعاجي مما يطلق البعض عليه اسم التأليف الموسيقي، حيث يتم الاكتفاء بعنوان ذي طابع رومنطيقي (يحسبه شاعرياً) وبرصف سلسلة من الجمل لا ترابط بينها، في حين ان مؤلفاً "بسيطاً" ظاهرياً كسماعي راست القصبجي إنما ينضح بترابط أفكاره وعلاقاتها، شأن كل أعمال جميل بك الطنبوري. وإني لأحمد لك انتباهك إلى هذا الموضوع، واخذك بمدرسة عبده داغر في استدخال التقسيم معطى أساسياً في بنية تآليفه (لاحظ أنه يبني أيضاً التقسيم دوماً بالطريقة نفسها حين يعزف المؤلف ذاته)، غير أنني لا أزال اعتب عليك لأنك لم تطور، في الموسيقى العربية، قالب التنويع على جملة معروفة (والتنويع أعلى أشكال الأداء في الموسيقى العربية، إلا انه لم يصبح فيها قالباً حتى الآن غير أنه مشهور في أوروبا مثلاً)، الذي في إمكانه أن يكون جسر العبور والصلة بين ما ألفته آذان الناس في بلادنا وبين الموسيقى التي تحلم بها، والتي أعلم انك تسمعها في مخيلتك وتطور أصابعك وتطوع لقاءاتك بالموسيقيين الآخرين لتنفيذها. غير انني لا أزال احضن هذا الأمل فيك، وقد سبق لك أن أسمعتني، على البداهة، ارتجالات تنويعية لا ينقصها سوى بعض تشذيب لتتكامل، ولتطرح عندها على الناس محصولاً بديعاً تتنافس فيه قدراتك المذهلة كعازف ومخيلتك النغمية الثرية.
في عزفك، هذه الليلة، أبرزت الكثير من تقنياتك، ولا تزال تحتفظ بكثير غيرها مكنوزاً (إلى متى يا صديق؟ عليك أن تتخلى عن البعض، باستنفاده، كي يأتيك غيره جديداً وجميلاً). غير أني رأيت ان عليّ أن أنبهك إلى مسائل صغيرة من نوع التنبه اكثر عند استعمال الفرداش، أو الرش، إلى ضرورة ان يتم بسلاسة وبتواصل، وانت نفسك من ضربت لي على ذلك مثال السنباطي، حين يشاء، لا ان يكون متقطعاً أو ان يبرز فيه صوت الريشة بارتطامها بالوتر. كذلك، وفضلاً عن ضرورة اختيار طبيعة اوتار تساعد في تخفيف الحدة في صوت عودك في مناطق الجوابات العالية، فإنني احسب ان عليَّ أيضاً تنبيهك إلى الحذر في استخدام التآلفات الكثيرة والايقاعية على العود. ذلك ان استخدام الريشة لضرب الوتر في العود تعني أن أغلب زمن العزف يستغرقه صوت صادر منفرداً عن العود، وان التآلفات أو الكوردات (accords) تظل قليلة، إلا انك حينما تزيد من استعمالها فإنها تخلق صوتاً للعود بالغ الامتلاء بحيث ان العودة منه إلى الجملة الميلودية المفردة قد تولّد شعوراً بالفراغ والخواء، بفقدان الامتلاء السابق، وتحوله هزالاً ونحولاً.
كنت أود ايضاً ان انبهك كي تبتعد عن الأبعاد الغربية حين تعزف السلالم الشرقية، فليس النهوند مينوراً حقاً أو البوسليك، وليس العجم أو الماهور بالماجور المعدل الأوروبي، إلا انني لاحظت في عزفك هذه الليلة أثر أسابيع البحث والتنقيب التي تمضيها مستمعاً ومحللاً لمئات التسجيلات التي تتضمن روح أبعاد المقامات الشرقية كما رسخت وتمايزت على مدى القرون. لست افهم دوماً كيف تنصت، وإلام تستمع، حتى لو سمعنا معاً التقسيم أو البشرف أو التحميلة، واعرف انك تدرك فيها ما لا أدرك وتنال منها ما لا أنال أو أطال، إلا أنني، في حدود فهمي، أزداد سعادة كلما أضفت انت إلى قدراتك استيعاباً لخصائص المقامات وأسباب كثرتها وتنوعها وتعدد نكهاتها ومسالكها وطرقها، وأضفت ذلك إلى تشرّبك الفطري لها وارتباط روحك بنهرها الجاري في جوف هذه الأرض وفي نفوس أبنائها. ذلك السحر الذي ينبع من بين أصابعك أحياناً إنما يولد من تفاوت، هو أضأل من مليمتر، غير انه، فوق سطح الأرض، يصير ميزة بين شعوب كثيرة.
تلك الفروق الدقيقة هي ما يسمح لك بترجمة الاحساس. الاحساس، كلمة غامضة في هذا المحل، مثلها مثل الانفعال. الاحساس هو ذلك الدفق الذي تشعر به، الذي يحملك بسرعته هو، وهو ما تحمله أيضاً إليَّ. هو الغامض، اللامفسّر، النبض، النَفَس. لست صوفياً فأقول أكثر، أو أربطه بالروحانيات، على رغم غموضه وإبهامه عليّ. إلا ان هذا الاحساس هو أيضاً تجربة إنسانية عابرة لفرديتك أو فرديتي. استمع كثيراً إلى مخزوننا الموسيقي لتلاحظ: هنالك أحاسيس متقاطعة بين عازفين مختلفين جداً، إلا انها تظل في النهاية شرقية. إذاً، كوّن مخزونك واحتياطيّك من الأحاسيس. ستضيف انت لا شك عدداً منها إلى رصيدنا، لكن ما تكتسبه هو مثل اللغة: كما أن كل كلمة خلاصة تجربة عابرة للقرون ومميزة لشعب هذه اللغة، خذ كلمة "طرب" مثلاً أو كلمة passion في اللغات الأوروبية، كذلك كل احساس تجذر في اللغة الموسيقية هو خلاصة تجربة عابرة للقرون، علينا أن نحافظ عليها كما أن علينا أن نضيف إليها جديداً، كلمة منحوتة أو ظلاً جديداً تضيفه هذه التجربة إلى ألوانها. مثلما أن الاستماع إلى ما تم تكوينه من هذا المخزون والحذر من غواية الإحساس الأجنبي المجافي لمذاق هذه الموسيقى ضروريان، فقد يكون مفيداً أيضاً التمرين على العود الخماسي ذي الفرس الثابتة، فقد لاحظت فيه، فضلاً عن الصوت الدافئ حيث تبرز رائحة الخشب، انه اقرب إلى هذه الأحاسيس التي ينقلها التقليد (بالمعنى الذي تشير إليه حنة أرندت للتقليد، وهو أوسع من الموروث وذو سلطة). في هذا السياق، وددت أن أقول لك، في ختام أمسيتك، أن من الصحيح أن على أصابعك أن تسبق عقلك، وهذا شرطاه الموهبة والتمرس، إلا أن عليها ألاّ تسبق الإحساس الذي يكون قيد التشكل حينها، ألاّ تسابقه أو تستعجله، ألاّ تنافسه أو تسعى إلى اختزاله. ربما، في المرة المقبلة، حين نستمع معاً إلى سماعي فرحفزا لجميل بك الطنبوري فقد يسعني التعبير أكثر عما أعنيه بالإحساس، وقد أضع اصبعك عندها على تشكله، طبقة طبقة، لدى جميل بك، وكيف ان تنقّله بين الأجناس والمقامات ليس دائماً تنقلاً ما بين كتل الأحاسيس هذه. راجع صياغة كل خانة من خاناته مثلاً مع ما يمر بها من تحولات، وكيف تظل متجانسة.
عزفك أيضاً يزداد تجانساً وتألقاً. أصبحت تحافظ أكثر فأكثر على ما سمّيناه مرةً وحدة الناتج الأدائي، ربما. حيث تصلنا المقطوعة، آخر الأمر وعلى رغم انسياب الزمن فيها، كأنها جسد واحد أو منحوتة قدّت من صخرة رخام واحدة. ما قد أضيفه، في هذا السياق، منتظراً رأيك، هو ان التمثال المنحوت إنما يتألف في وقت واحد من الرخام المصقول ومن الفراغ الذي يخترقه ويحيطه ويحفّ به، وكذا هي الموسيقى، التي هي تنظيم للصمت، خلق لمساحاته. هذا الصمت أيضاً ينبغي أن يخترق ويحيط ويحفّ بعزفك. استمع جيداً إلى التقاسيم، عاود الاستماع إلى القصبجي او السنباطي أو غيرهما، فسترى أن الحاضرين إنما يستخفّهم الطرب، مثلما يستخفّك، حين يتيح لهم العازف الانتقال من نبضه وإيقاعه إلى صمته وإلى تذوق هذا الأخير. القفلة ليست سوى الدعوة إلى هذا التذوق، ولهذا قال لك أستاذك، عبده داغر، أن عليها أن تكون كلسعة السوط.
كالفراغ والصمت هو البياض للكتابة.
واسلم دوماً


نشرت في ملحق النهار الثقافي بلبنان، 12 أيلول 2010