PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : ثلاثون عاماً على غياب محمد عبد المطلب



ovide
15-09-2010, 21:04
قد سبق أن أبديت عذري، وهاكم المقالة الآنفة الذكر، نشرت قبل نحو أسبوعين في ملحق النهار الثقافي أيضاً، فعسى تقع في نفوسكم موقعاً حسنا.


ثلاثون عاماً على غياب محمد عبد المطلب:
بنبرةٍ ونفسٍ يقيم حارته

ـ فادي العبد الله

في مثل هذه الأيام، تمر الذكرى الثلاثون لوفاة المطرب الكبير محمد عبد المطلب (1907 ـ 1980)، وهي مناسبة لتجاوز الذكرى إلى التدقيق في ما لا يزال يقدمه إلينا، اليوم، صوت عبد المطلب وفنه من طرب ومن فسحة للإقامة فيه.
قدم محمد عبد المطلب إلى القاهرة من قريته شبراخيت ولما يتم الثامنة عشرة من العمر، وإن كان من المحتمل أن يكون زارها صغيراً قبل ذلك حيث يوجد تسجيل بروفة اسطوانة له بصوت شديد اليفاعة، وما لبث ان تحول مذهبجياً في فرقة محمد عبد الوهاب، مجايله السابق إلى الشهرة، قبل أن يرغب هذا الأخير عن "المذهبجية" والأدوار إلى الأغنية السينمائية والفرقة الكبيرة و"الكورس". غير ان مما يلفت النظر في سيرة عبد المطلب إشارته، في حوار إذاعي، إلى شغفه بعبد اللطيف افندي البنا قبل أن يفارق شبراخيت. وهذا دلالة على انتشار الاسطوانات الواسع، أواخر العقد الثاني ومطلع العقد الثالث من القرن العشرين، ووصولها حتى إلى القرى البعيدة والصغيرة، وتعضد هذه الإشارة سيرة ام كلثوم التي تروي شغفها المماثل بصوت وغناء الشيخ أبي العلا محمد، وهي لما تزل ربيبة القرية في طماي الزهايرة. وفي سيرة أم كلثوم أيضاً قرائن على اشتراك القرى والمدن في نمط من الغناء الديني، سمح لها فور وصولها إلى القاهرة بلقاء جمهور متحمس لها قبل ان تخلع ثياب الصبي التي ألبستها مستهل الأمر. ولعل هذه كانت من خصائص مصر، التي بدأت مبكراً، مقارنة بالبلدان العربية الأخرى، نشر موسيقاها من مركزٍ هو القاهرة، دون أن تستنكف هذه الأخيرة عن افساح صدرها للقادمين من المناطق الأخرى حاملين معهم موروثات موسيقية ونغمية شديدة المحلية، وقد ظلت أصداء هذا الاختلاط تتردد حتى أيام الشيخ إمام وتلاحينه المستقاة من كل ناحية مصرية والمستعرضة لها. فكانت مصر، موسيقياً، آنذاك نموذجاً على قوة الإدماج والاختلاط بين ريفها ومدنها، في حين كانت مدن الساحل الشامي لم تبلور هوية موسيقية لها (خلافاً لحلب) ولم تحول رصيدها الشعبي إلى رمز وطني، على غرار سيرة الرحابنة لاحقاً في لبنان.
وعلى الرغم من تربيته الموسيقية لاحقاً مع الملحن الشهير داود حسني، فإن هوى البنا في قلب عبد المطلب سيظل إشارة إلى تفضيله الطقاطيق والأغاني الخفيفة على الأدوار الصعبة. وقد قدم عبد المطلب المئات من الطقاطيق، غالبيتها الساحقة باللهجة القاهرية، سوى عدد قليل من أغاني الأفلام، بينها العشرات من النجاحات الكبيرة، التي يعرفها كل متذوق للموسيقى العربية المصرية، بدءاً من "بتسأليني بحبك ليه"، التي أطلقت شهرته ومشواره مع الملحن محمود الشريف (الذي قدم معه أيضاً "رمضان جانا" و"ودع هواك" و"بياع الهوى" و"يا بو العيون السود"، التي بلغ من شعبيتها أن عرفت طريقها إلى الطبعة العربية من مغامرات تان تان، والكثير غيرها)، مروراً بأغنيات مثل "ساكن في حي السيدة" (لحن محمد فوزي) و"شفت حبيبي" (رياض السنباطي) و"حبيتك وبحبك" (عزت الجاهلي) و"بنت الحتة (منير مراد) و"الناس المغرمين" (كمال الطويل) و "يا نايمة الليل وانا صاحي" (محمد عبد الوهاب) و"الدبلتين والاسورة" (محمود كامل) و"صحبة" (أحمد صدقي) و"آه من جمال العيون" (زكريا أحمد الذي عنى له عبد المطلب أيضاً موشح "بنت كرم") وانتهاءً بـ"اسأل مرة عليّ" (سيد مكاوي)، بل إن ثمة عدداً من الملحنين لا نكاد نذكر لهم سوى ما غناه "طلب" من ألحانهم مثل عبد الرؤوف عيسى (أغنية "يا حاسدين الناس") وحسين جنيد ("ما بيسألش علي أبداً") وعبد الوهاب كرم ("كاس الهنا داير")، فضلاً عن تعاونه مع الكثيرين مثل عبد العظيم عبد الحق وعطية شرارة وبليغ حمدي وفريد غصن ورياض البندك وعبد العظيم محمد ومحمد الموجي وسواهم، حتى لتكاد سلسلة ملحني عبد المطلب تشكل ثبتاً بكل ملحني مصر على امتداد اكثر من نصف قرن. غير أن اللافت هو اصطباغ جميع هذه الألحان (سوى بعض ما قدمه له بليغ حمدي) بصبغة شخصية عبد المطلب، لا يستثنى من ذلك حتى محمد فوزي وكمال الطويل، فعبد المطلب تحول رمزاً للحارة الشعبية المدينية في الغناء، أو ما يعرف بالبلدي، فيما شكل محمود شكوكو رمزها الهزلي المرح الذي يتسقط كلماته وأنغامه من بقايا الغناء العالم واللهجات المختلطة في المدينة.
فقد كان أسلوب عبد المطلب، بصوته الأجش القوي والمطواع، متميزاً بتأخير النبر ثم اللحاق بالايقاع سليماً، وتقطيع الكلمات، ووضوح الالقاء واللهجة، فضلاً عن اجادة المقامات والتنقل بينها حيثما لزم الأمر، واخضاع كل ذلك إلى جمل موسيقية رشيقة قريبة المتناول، في طقاطيق حيوية، شعبية اللهجة بدورها، وهو في كل هذا، وملحنوه، يعتمدون المقامات الأساسية في الغناء الشعبي كالراست والبيات والهزام، والنقلات التي تلقى استساغة مباشرة من جانب المستمع، دون الاستفاضة في تعقيد النقلات كشأن عبد الوهاب القديم أو في تركيب الجمل الغنائية.
إلا ان عبد المطلب كان أيضاً، مثل المطرب عباس البليدي، مؤدياً متفرداً للموال الشعبي بنكهته القاهرية، لا الريفية، حيث يتاح المجال للمطرب لابراز قوة الصوت ومساحته الواسعة وقدرته على التلوين المقامي وعلى أداء العرب الصوتية وبناء الجمل المرتجلة على مختلف المقامات دون إيقاع وبمصاحبة آلية ضيقة النطاق إلى أبعد الحدود، بل لعل عبد المطلب أبرز ممثلي هذا الفن، إذا استثنينا صالح عبد الحي بالطبع الذي كان اكثر تخصصاً بأنواع الموسيقى العالمة. وفي مواويل عبد المطلب الفرصة الأمثل ربما للاستماع إلى صوت يؤدي كصوت بشري بحت، لا كآلة وترية كحال السنباطي المتوحد عازفاً ومغنياً أو كآلة نفخ كالتي يبرز تأثيرها على زخارف عبد الحليم حافظ مثلاً ولا كآلة خالصة على ما يوحي صوت عبد الوهاب الهائل الطواعية والدقة والمنوط بعقل صارم لا يكاد يترك للحنجرة ما تفاجئنا به. فيكاد صوت عبد المطلب أحياناً يبدو، في المواويل بخاصة، معبراً عن الحنجرة في قلقلتها وترددها وانفلاتها قبل عودتها إلى الضبط وقفلتها المتينة التي تنتزع آهات المستمعين، وربما كان في هذا ما يفسر بقاءه في صحن الأذن مقيماً، وعدم تحوله إلى رمز لمادة غير صوتية كما صار عبد الوهاب، وتبعه كثيرون.
ولئن كان في حديث عبد المطلب، كما يشهد لقائه الإذاعي المتوفر على الانترنت، صراحة ومباشرة، وهي سمات ما يسميه القاهريون بابن البلد، فقد كان ذلك أيضاً في صوته وأدائه، حيث لا يبحث المطرب عن العذوبة ولا عن الذوبان في معاني الكلام، بل عن إيصاله بوضوح وقوة، ولا يخلو في ذاك من خشونة تذكر بما يقوله موسيقيو التانغو القدامى عن خشونة صوت فرقهم وارتباط ذلك بالناس الذين كانت تعبر عنهم موسيقى بوينس آيرس. وأولئك الناس كما ابناء البلد القاهريون من طبقات شعبية، تحوز فيها الذكورة امتيازات محددة وتلتزم أيضاً بالتزامات صريحة، فتغدو عذوبة الصوت أو ملاسته مخالفة لهذه الشروط. لذا لا يندر أن يجد المتابع للتعليقات على صوت عبد المطلب الإشادة المتواصلة بـ"رجولته" و"فتونته" وصلابته.
تفيدنا مسيرة عبد المطلب الفنية أمرين على الأقل، أولهما ابتعاد واقع الانتاج الغنائي المصري طيلة القرن العشرين عن الروايات الحالية التي تنحو إلى حصره بأسماء قلة من الملحنين والمغنين وبسيرة تجعل من الفرقة الكبيرة والنهج المدعو تعبيرياً معيار "التطوير الموسيقي"، بما يحيل انتاج الكثيرين ـ وعبد المطلب نموذج جميل عنه ـ نهراً جارياً، لكن خفياً عن اللغو السائر الآن، علماً أن قد سبق له أن غذى حناجر الكثيرين وذكرياتهم وخرّج أجيالاً من مغني الموسيقى الشعبية التي كان لها رواج خارج طبقتها الخاصة، قبل أن تعود الآن فتكاد تنغلق على نفسها وعلى مناطقها في الوقت الذي تغتصب فيه موسيقى رائجة هذا الوصف زوراً، في الوقت عينه الذي تتوجه فيه حصراً إلى جيل من المراهقين والطلبة، ولا يجد من تجاوز هذه المرحلة من عمره من يتوجه إليه بغناء معاصر.
أما الأمر الثاني، فهو الإشارة إلى مدى ارتباط صوت "طلب" وأداؤه وأغنياته بمناخ "الحتة" أو الحارة، وهو ما يجعل من هذا الصوت معبراً يتجاوز الحنين إلى ان يكون فضاءاً تمكن فيه الاقامة وتهبه الموسيقى قواماً حقيقياً إذ ترفع عماده وتمد بساطه. بل إن عبد المطلب، في وصفه ربما أقل المغنين المصريين وسامة وسيرة سينمائية وابتعاداً تالياً عن الصورة، من أبرز من قد يخلص الكثيرين من أسر "الزمن الجميل" المفترض في صورٍ بالأبيض والأسود، كي ينتبهوا ان رائحة الحارة ومزاج أهلها إنما هما عابقان في الصوت والأداء وتقطيع النَفَس وطرح الموال وثنايا الجمل، وان هذا العبق ليس في الصورة بل في الصوت مجاله وهذا الأخير ما يفتح زمناً خاصاً لا ينفصم عن المكان الذي تشكله "الحتة".
قد يكون صوت عبد المطلب (هذا الذي يغني، للغرابة، أن السبت قد فات والأحد قد فات، فيما الثلاثاء هو "بعد بكره"!) معلّقاً للأزمنة، ذاك انه كل مرة يتركنا متأهبين ما بين النبرة العالقة وقفلة القافية الأخيرة يطلقها الصوت العاري، إلا انه ليس عابراً للأمكنة بل هو يجرّنا كل مرة إلى مكانه الخاص، حين ينصب خيمته بأبسط الوسائل وأعمقها ارتباطاً بالعَيْش، أي بالنَفَس والنَبْر، صريحين وطليقين كفكرته عن بنت الحتة.

Hattouma
16-09-2010, 15:12
شكراً يا فادي و كما قلت لك من قبل لا تلمه على ميعاد بعد بكره ( الثلاثاء) فالرجل أضناه السهر يوم الأحد و فجر الإثنين لا يشرق
:)

أبو علاء
18-09-2010, 01:00
مقالة قيّمة وأفكار نيّرة كالعهد بك يا أبا الفداء.
لم لم تتطرّق إلى الدّاء الّذي أصابه والإلهام الخارق الّذي جعله يلتمس مخرجا من المأزق الصّوتيّ الّذي آل إليه تبعا لذلك فيبتدع نهجا خاصّا في الأداء أغلب الظنّ أنّ غايته الأولى كانت التّغلّب على تلك العاهة فإذا به يستحيل طابعا مميّزا ما زال البعض يسعون إلى تقليده حتّى الآن ؟

Hattouma
23-09-2010, 12:23
مقالة قيّمة وأفكار نيّرة كالعهد بك يا أبا الفداء.
لم لم تتطرّق إلى الدّاء الّذي أصابه والإلهام الخارق الّذي جعله يلتمس مخرجا من المأزق الصّوتيّ الّذي آل إليه تبعا لذلك

ألا أوضحت؟

ovide
14-11-2010, 18:39
الحق إنني لم افكر في استغلال موضوع المرض، ولم يطرأ على خاطري، بل رأيت أوقع أثراً ربط أسلوب عبد المطلب بما هو أرسخ في البيئة والوعي، ثم إنني أحسب ان بوادر هذا الأسلوب كانت متوافرة حتى في بتسأليني بحبك ليه.