PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : سعاد محمّد بقلم صديقنا محمود الزيباوي



Najib
06-07-2011, 22:50
غياب
رحيل المطربة الكبيرة سعاد محمد

ذات الحنجرة الذهب

لمع اسم سعاد محمد (1927؟- 2011) في لبنان منذ ظهورها في الحياة الفنية في النصف الثاني من الأربعينات. برزت بصوتها الكلثومي، وبدت منذ انطلاقتها الأولى حنجرة ذهبية من أقوى الحناجر العربية.
لبنانية من جهة أمها، مصرية من جهة والدها، أجادت فن الطرب والتطريب بشهادة الكل. تبنّتها مجلة "الإذاعة" اللبنانية، وأشادت بموهبتها وطالبت بتثقيفها وتثقيف صوتها. قيل عنها في عام 1948: "إذا لم تثقّف سعاد محمد صوتها وتثقّف نفسها ضاعت على الطريق قبل الوصول إلى المحجة". وقيل أيضا: "سعاد محمد حقل خصب جدا يحتاج إلى حارث ماهر وبذار صالحة ليكون الموسم موسم خير وليقطف منه الحصادون الثمار الطيبة".
تعهّدها شاعر الأغنية اللبناني محمد علي فتوح، وكتب لها مجموعة من الأغنيات لحّنها السوري محمد محسن. نجحت هذه الشراكة الفنية المثلثة، وأشهر ثمارها في تلك المرحلة المبكرة "العمر يوم"، "غريبة والزمن قاسي" و"مظلومة يا ناس"، وكلها من اللون المصري الذي التزمته المطربة منذ بداياتها ألأولى. مثل سائر فنانات جيلها، حلمت سعاد بالسفر إلى القاهرة، وأعربت عن هذه الرغبة عبر الصحافة الفنية. عام 1947، تحدّثت مجلة "الصباح" المصرية عن مطربة لبنانية ناشئة هي "الآنسة سعاد محمد"، ونقلت عنها قولها "إنها ترغب في السفر إلى مصر لأنها تريد التعرف إلى موطن والدها وتحصل على بعض الألحان الخاصة من كبار الملحّنين المصرين". تحققت هذه الرغبة في عام 1948، وحلّت سعاد محمد في القاهرة مع شقيقها مصطفى لتقوم ببطولة فيلم "فتاة من فلسطين"، إنتاج عزيزة أمير وإخراج محمود ذو الفقار. استمع كبار الملحنين المصريين إلى هذا الصوت "الجديد"، وأجمعوا على الإشادة بخامته الاستثنائية. رافقت مجلة "الإذاعة" اللبنانية المطربة التي تبنتها، وتحدثت عن إعجاب محمد عبد الوهاب ومحمد الكحلاوي بسعاد محمد، وقالت إن "الشيخ زكريا أحمد والأستاذ محمد القصبجي يسهران على تثقيفها وتغذيتها بالألحان" وهما يسهران معا "على هذه الغرسة الفنية النامية وينتظران لها المستقبل الباهر". جاء فيلم "فتاة من فلسطين" بعد النكبة الكبرى، غير أنه لم يحصد نجاحا كبيرا، وهو في الذاكرة الفنية، الفيلم الذي شدت فيه سعاد من كلمات بيرم التونسي وألحان رياض السنباطي ومحمد القصبجي. على عكس ما حدث مع نور الهدى، وصباح من بعدها، تعثر مشوار سعاد محمد السينمائي في القاهرة، ولم يُكتب له النجاح الموعود. تكررت التجربة عام 1952 حيث مثّلت سعاد محمد في فيلم "أنا وحدي" تحت إدارة هنري بركات، وغنّت فيه من ألحان السنباطي وزكريا أحمد ومحمود الشريف، وتوقفت عنده تجربتها في التمثيل السينمائي.
عند عرض فيلم "أنا وحدي"، وصفت مجلة "الفن" المصرية سعاد بـ"المطربة اللبنانية التي لم تُغنّ لحناً لبنانياً واحداً". ويمكن القول إنّ هذا التعريف يبقى صحيحا إلى حد كبير، على رغم وجود بعض الاستثناءات النادرة. بين بيروت والقاهرة، تابعت الفنانة الشابة مشوارها الغنائي، وبقيت "حقلا خصبا يحتاج إلى حارث ماهر"، كما قيل عنها في بداياتها. تزوجت من محمد علي فتوح، هو زوج وأب لخمسة أبناء، مما أثار غضب عائلتها. أنجبت منه ستة أولاد، ثم انفصلت عنه وتزوجت شابا مصريا في العشرين من عمره، وأنجبت منه أربعة أولاد. خلال هذه السنوات، سجلت مطربتنا مئات الأغاني لحساب إذاعتي بيروت ودمشق، وتابعت مشوارها في القاهرة حيث غنّت من ألحان كبار الملحنين، باستثناء محمد عبد الوهاب. كما لمع صوتها في أغاني فيلم "الشيماء" التي "أدّتها" من طريق الدوبلاج بطلة الفيلم الممثلة سميرة أحمد. في بيروت، غنّت سعاد محمد من ألحان توفيق الباشا مجموعة هائلة من الموشحات والقصائد، غير أن أياً منها لم يحظ بنجاح يُذكر. في القاهرة، غنّت المطربة اللبنانية - المصرية في عهد عبد الناصر مجموعة كبيرة من الأغاني والقصائد الوطنية لحّنها رياض السنباطي، محمد فوزي، أحمد صدقي، محمود الشريف، ومحمد الموجي، أعظمها "يا قدس يا حبيبة السماء قومي إلى الصلاة"، وقد سجلتها بعد هزيمة الخامس من حزيران 1967، وهي من كلمات محمود حسن إسماعيل وألحان رياض السنباطي.
ظلت سعاد محمد بشهادة الجميع هذا الصوت "الكلثومي" الذي ينتظر من يُظهر بلاغة سحره. يبث التلفزيون تسجيلاً مصوراً تغنّي فيه وهي في خريف عمرها "هو صحيح الهوى غلاّب"، وغناؤها الحي في هذه الحفلة أبلغ تعبير عن هذه الحال. رحل هذا الصوت الكبير عن العالم تاركاً مئات الأغاني، أشهرها "جماهيريا" أغنيتان اشتهرتا بأصوات كثيرة غنّتها من بعدها: "أوعدك"، كلمات مجدي نجيب، الحان محمد سلطان، و"وحشتني"، كلمات صلاح فايز، وألحان خالد الامير.
محمود الزيباوي