PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : كتاب وصف مصر



أبو علاء
26-08-2012, 16:34
منذ فترة غير قصيرة نبّهني الصّديق العزيز عمرو البرجيسي (AmrB) إلى وجود نسخة إلكترونيّة من ترجمة هذا الكتاب الهامّ الّذي أصدره علماء الحملة الفرنسيّة في مطلع القرن التّاسع عشر على موقع معروف من مواقع رفع الملفّات على الشّبكة، وأراد أن يلفت انتباهي بالخصوص إلى المجلّد الثّامن من هذا الكتاب الضّخم، وقد خصّص بأكمله لوصف الموسيقى وفنون الغناء في مصر، واستشارني في أمر رفعه بالمنتدى، وهو ما لم أكن لأعترض عليه لقيمة الموضوع وعدم يسر الاهتداء إلى الكتاب وصلته بموضوع منتدانا، ناهيكم عن معرفة المجلّد الّذي يهمّ الموضوع مباشرة، إلاّ أنّي آثرت التّمهّل إلى حين التمكّن من قراءة المجلّد أو على الأقلّ تصفّحه كي لا يقتصر الأمر على إنزال ملفّ من هناك ورفعه ها هنا، وهو ما لم يتأتّ لي قبل الآن.
والحقّ أنّ الكتاب عظيم الفائدة لعدّة أسباب منها تاريخ صدوره ومنها مصدر المعلومات الّتي ضُمِّنَها، ومصدرها الأوّل العيان الشّخصيّ ومحاورة أهل الذّكر، فضلا عن مراجعة الكتب والمخطوطات العربيّة الّتي تناولت نفس الموضوع، ومنها أنّ مؤلّف الكتاب نفسه من أهل الاختصاص في بلاده، ومنها ضخامة المؤلَّف وما اتّصف به الوصف من شمول وتفصيل في آن، ممّا يجعله وثيقة فريدة عن حالة صناعة الغناء بفروعها في مصر أوان وضع الكتاب، أي قبل ظهور البوادر الأولى لما عرف فيما بعد بمدرسة النّهضة، لا سيّما أنّ المراجع المفيدة في هذا المجال كما نعلم قليلة إن لم تكن عديمة الوجود.
وبعد قراءة الفصول الّتي تهمّنا مباشرة، وهي تمثّل حوالي ثلثي الكتاب، وتصفّح بقيّة الفصول تبيّنت أنّ المجلّد التّاسع أيضا يهمّنا، فقد حمل المجلّد الثّامن عنوان "الموسيقى والغناء عند المصريّين المحدثين" والتّاسع "الآلات الموسيقيّة المستخدمة عند المصريّين المحدثين" - ولذلك أرفع لكم المجلّدين معا لتمام الفائدة - ولئن لم أقرأ المجلّد التّاسع، ولكنّي سأفعل لا محالة، فإنّه فيما يبدو لا يقلّ أهمّيّة عن الثّامن، وقد تضمّن وصفا مفصّلا للآلات وأنواعها ومصادرها وتكوينها وكيفيّة صناعتها وضبطها وعزفها (استغرق الباب الأوّل المخصّص للآلات الوتريّة 222 صفحة منها 32 صفحة للتّعريف بالعود و36 صفحة للقانون و34 صفحة ضمن ثلاثة فصول للكمنجة بأنواعها ("الكمنجة الرومي أو الكمان اليونانيّ"؛ "الكمنجة العجوز"؛ "الكمنجة الفرخ أو الكمنجة الصغيرة"، فضلا عن الرّباب)، ممّا قد يعني أنّ الزّعم السّائد أنّ الكمان لم يدخل التّخت الشّرقيّ إلاّ في العقد السّابع من القرن التّاسع عشر مجانب للصّواب تماما...
أمّا المجلّد الثّامن فجميع فصوله هامّة حتّى تلك الّتي مررت عليها مرورا سريعا، ومنها ما يصف موسيقى سائر الطّوائف عدا العرب من أفارقة وبربر وأقباط وسريان وأرمن ويونان ويهود، ومنها ما يصف غناء الحرف والمهن والجنائز، إلاّ أنّ الفصول الأهمّ هي تلك الّتي تصف الأصول النّظريّة والعمليّة للموسيقى العربيّة بنغماتها وسلّمها ومقاماتها وأعراف ممارسة الغناء وأساليبه وقوالبه وخصائصه وأصناف المغنّين والمغنّيات مع إيراد نماذج كثيرة من الغناء المتداول في ذلك الوقت بكلماتها وألحانها مدوّنة بالتّرقيم الموسيقيّ... ولئن كان جانب كبير من ذاك الكمّ الهائل من المعلومات النّظريّة والعمليّة فوق قدرتي على الاستيعاب والتّمثّل لعدم امتلاكي المعرفة العلميّة اللاّزمة لذلك فإنّي لا أفهم كيف انصبّت جهود بعض الدّارسين المحدثين على دراسة كتاب نظريّ أحدث عهد من كتاب وصف مصر وبذلهم قصارى الجهد في استنطاقه ومحاولة استراجاع أسس النّظريّة والممارسة الموسيقيّة العربيّة من خلال تجسيم مقولاته وكأنّه المصدر الوحيد والمرجع الأوحد... على أيّ حال، أقول هذا القول بتحفّظ الجاهل أو قليل العلم، وأترك الأمر لمن هم أوفر حظّا منه.
ومن الأمور الّتي تسترعي الانتباه وصف المقامات، وقد ذكر المؤلّف أنّ عددها يقارب المائة مقام، إلاّ أنّ المتداول الشّائع منها في الاستعمال هو اثنى عشر مقاما (لا سبعة ولا تسعة)، كما نتبيّن أنّ ظاهرة المقامات المركّبة ظاهرة قديمة لا حادثة بفعل التّثاقف مع الموسيقى العثمانيّة ؛ والقوالب الغنائيّة الدّينيّة والدّنيويّة معا متعدّدة لكلّ منها خصائصه ومكانه من منظومة الأداء، ممّا يعني أنّ الانطباع العامّ الّذي تعطيه الكتابات المتأخّرة عن عصر النّهضة بأنّ فنون الموسيقى والغناء كانت في حالة سديميّة على غاية من البدائيّة والبساطة ثمّ جاء عبده الحمولي ومحمّد عثمان وعبد الرّحيم المسلوب ليرتقوا بها ويطوّروها بما بثّوه فيها من تجديد وابتكار واقتباس عن الأتراك هو انطباع ساذج وإيديولوجيّ لا صلة له بالواقع والتّاريخ ؛ كما نجد وصفا دقيقا للوصلة أو ما يعادل الوصلة في سياق الحديث عن الغناء الدّينيّ وسهراته، ممّا قد يعني أنّ الوصلة بمفهومها ونظامها ومكوّناتها منحدرة في الأصل من حيّز الغناء الدّينيّ ومنه انتقلت إلى الغناء الدّنيويّ ؛ وهناك حديث شبّق عن التّغنّي بالقرآن وعن الأذان وأكثر من عيّنة من هذا الأخير مدوّنة بنفس الطّريقة الّتي دوّنت بها نماذج الغناء الدّنيويّ...
باختصار لا بدّ لأيّ مهتمّ بهذا الموضوع من قراءة هذا الكتاب على عجل، وبالرّغم من أنّ الكتاب لم يخل من قدر غير قليل من المركزيّة العرقيّة (أو الإثنيّة) وما يرتبط بذلك من تعال واستهجان وأحكام قيميّة، فإنّ الوصف ينمّ عن قدر أكبر من الجدّيّة والأمانة والموضوعيّة العلميّة والحرص والدّقّة بما يفوق بأشواط نصيب الكثير من الكتب الحديثة الّتي وضعها مؤلّفون بعضهم "علماء" و"باحثون" من بني القوم الموصوفة فنونهم.
الكتاب هو "وصف مصر، التّرجمة الكاملة"، المجلّدان الثّامن والتّاسع، تأليف فيوتو وعلماء الحملة الفرنسيّة، تعريب زهير الشّايب، دار الشّايب للنّشر، دون تاريخ، منقول عن موقع فورشيرد 4shared، حيث رفعه شخص يحمل لقب omarscorpion.

استدراك : بعد إلقاء نظرة سريعة على الفصول المخصّصة لأنواع الكمنجة المختلفة بان لي أنّها غير الكمان الأوروبيّ الّذي أصبح لاحقا إحدى الآلات الرّئيسيّة الثّلاث المؤلّفة للتّخت إلى جانب العود والقانون فما يسمّى بالكمنجة الرّوميّ أو الكمان اليونانيّ هي آلة تتألّف من اثني عشر وترا "ستّة منها ثابتة وستّة متحرّكة" أمّا الآلتان الأخريان "العجوز" و"الفرخ" فهما موصوفتان بكونهما آلتان عربيّتان من أصول آسيويّة تختلفان عن سائر الآلات الأخرى من حيث شكلها وموادّ صنعها ممّا ينأى بجميع هذه الآلات عن الكمان المعروف اليوم.

Hattouma
27-08-2012, 19:10
رائع ، شكراً جزيلاً على رفع هذا المرجع القيم

doctor mostafa
01-09-2012, 04:05
الهيئة العامة للكتاب رغم تصديها لاصدار الكتاب الهام ده افسدت ده بعدم الاهتمام بالصور اللى هى اهم ما فيه

أبو علاء
01-09-2012, 10:00
الهيئة العامة للكتاب رغم تصديها لاصدار الكتاب الهام ده افسدت ده بعدم الاهتمام بالصور اللى هى اهم ما فيه
بلى، الصّور موجودة، لكنّهم أفردوا لها مجلّدا على حدة جمعت فيه الصّور المرتبطة بجميع المجلّدات والمواضيع.