أبو علاء
24-12-2005, 00:50
إخواني الكرام، حدّثتكم في قسم الدّراسات والمقالات عن الباحث الفرنسيّ الفذّ فريديريك لاغرانج وعن إسهامه الجليل في دراسة التّراث الغنائيّ الكلاسيكيّ الشّرقيّ والمصريّ على وجه التّحديد ؛ وقد رفعت لكم مقالا من مقالاته عن مدرستي الحامولي وعثمان وشرعت في رفع الكتيّبات الّتي أشفع بها عددا من الأقراص المضغوطة الّتي أصدرها نادي الاسطوانة بباريس لبعض أبرز أعلام هذا الفنّ (وهي مكتوبة باللّغتين الإنجليزيّة والفرنسيّة) مع الوعد بالتّعريب ما أمكن ومتى أمكنني ذلك ؛ وقد خطرت لي اليوم فكرة رفع أهمّ ما تضمّنه كلّ قرص من تلك الأقراص مع إرفاقه بمعلومات من الّتي تضمّنها الكتيّب المصاحب ؛ وبما أنّ أوّل كتيّب رفعته لفريديريك لاغرانج هو المخصّص لعبد الحي حلمي فبه نبدأ هذا العمل.
ولد عبد الحي حلمي في بني سويف سنة 1857 أو نحو ذلك ؛ وعمل لدى إسماعيل باشا حافظ، وهو من أعيان الإسكندريّة وأثريائها، فأتيح له أن يلتقي في صالونه بكبار المطربين في مصر أواخر القرن التّاسع عشر وعلى رأسهم عبده الحامولي ( 1843-1901)، وعنه تعلّم أصول الغناء من خلال عمله مذهبجيّا في تخته قبل أن يجيزه نقيب الموسيقيّين ليكون مطربا منفردا يغنّي على تخته الخاصّ به ؛ كذلك تشّرب عبد الحي حلمي عيون التّراث من أدوار من ألحان رؤوس المدرسة الخديويّة في الغناءوقصائد جاء بها من الأوساط الصّّوفيّة منشدون ذوو شأن انتقلوا إلى الغناء الفصيح الدّنيويّ (يبدو أنّ لاغرانج يفضّل هذا المصطلح نقلا عن نداء أبو مراد الّذي استعاره من اصطلاحات اللّغة) مثل يوسف المنيلاوي(1847-1911) ؛ ولمّا كان عبد الحي يريد أن يأخذ من كلّ شيء بطرف فقد مزج فنّه بشيء من طقاطيق العوالم الّتي كانت تغنّى للنّسوة في الأفراح إلاّ أنّه أعمل فيها عبقريّته الفنّيّة فغدت تُحَفا فنّيّة.
وقد كان حلمي أقلّ تعفّفا وحرصا على جعل فنّه حكرا على الخاصّة من الحامولي أو المنيلاوي، فكان من أوّل مشاهير المطربين الّذين أقاموا حفلات عامّة يحضرها النّاس بمقابل ماليّ وغنّى على مسارح مقاهي الأزبكيّة الشّهيرة، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من الغناء في صالونات سراة القوم وفي حضرة الأمراء العثمانيّين في إستانبول سنة 1910 ؛ وقد كان شديد الاهتمام بمظهره متأنّقا فكان يكلّف محبّيه الأسخياء ما لا يحصى من المال في شراء أفخر الملابس من باريس حتّى صار فتى المجالس المدلّل في مطلع القرن العشرين واشتهرت بنزواته وخطَراته الغريبة حتّى لكان إذا ما جلس للغناء ولم يلحظ بين الحاضرين وجها مليحا ترك المجلس وروّاده وراح يقضي سهرته مغنّيا لبعض الغرباء ممّن يسرّون ناظره. وكان مقبلا على شتّى الملذّات من نبيذ وحشيش وكوكايين وأفيون مسرفا في تناولها حتّى يبلغ "السّلطنة" الّتي لا بدّ منها لتفتّق أفانين تصرّفاته ؛ وقد أدّى به شططه إلى أن يستهلك عمره قبل الأوان وقضى ثملا سنة 1912 بالإسكندريّة إثر وليمة على سلحفاة البحر.
كان عبد الحي متهتّكا في فنّه تهتّكه في عيشه حتّى لكان يعجب المرء من طريقته في أداء الأدوار الشّائعة وما كانت تتّسم به من تحرّر من القواعد والقوالب الجاهزة بعيدا عن أمانة الصّفتي المتشدّدة ودعة المنيلاوي اللاّهية، فكان يبثّ ما يغنّيه من ألحان ما كان يعتلج في صدره من لواعج مقتضبا المقدّمات غير عابئ بالمتون الجاهزة مُغفلا أجزاء كاملة من اللّحن ليصبّ كلّ همّه في مقطع أو جملة أو خَلجة مقاميّة مخصوصة يضيف إليها نفحة من تفجّعه معدّدا البدائع الفنّيّة متوسّلا بها لبثّ خَلَجاته مراوحا بين الجمل الطّويلة تارة واللَّهَج المتقطّع طورا ثمّ يقاطع العازفين بتكرار محموم للمتن المُمِضّ قبل أن "يقفل" الغناء على تلوين أخير.
لم يكن عبد الحي حلمي وهو الفنّان العصاميّ ليأبه للقواعد، كذلك عُرف عنه استخفافه بالإيقاع واللّحن الجاهز، ممّا عرّضه لانتقادات المتزمّتين الّذين جعلّهم تشّيّعهم السّطحيّ إلى الغرب يحرصون على ظاهر الحرف دون جوهر المعنى (كدت أكتب المغنى) ؛ إلاّ أنّ عبد الحي حلمي لم يكون مجرّد صوت مؤدّ عظيم، بل إنّ أداءه لما كان يغنّيه من أعمال كان يفتح بومضاته الإبداعيّة آفاقا لبلورة تلك الأعمال وتطويرها وهي الّتي ما كانت لتكتسب قيمتها إلاّ من خلال ما كانت تلهمه لمؤدّيها من تصرّف وتنويع ؛ لذلك وجد في الموّال الّذي لم يكن له من قاعدة سوى الارتجال المرسل مرتعا رحبا لإبداعه الجامح فلم يكن له فيه منازع.
وقد كان عبد الحي معبود شركات الاسطوانات فطبعت له زينوفون سنة 1906 أفضل أعماله رغم حدود الإمكانات التّقنيّة آنذاك، ثمّ جرّب بعد ذلك جميع شركات الاسطوانات بمصر حتّى وفاته فكان يسجّل نفس القطعة عدّة مرّات في السّنة عند جراموفون وأوديون وبيضافون ؛ وقد كان يقبض من الشّركات "مبالغ على الحساب" لينفقها في ملذّاته ثمّ يسدّد ديونه في شكل تسجيلات حتّى أنّه عمد مرّة إلى دسّ بيت يهجو فيه شركة جراموفون في متن إحدى القصائد الّتي سجّلها احتجاجا منه على ما كان يعدّه استغلالا لشخصه.
وهذه مجموعة من أدوار عبد الحي حلمي كالآتي :
جميل زمانك - بياتي - عبد الرّحيم المسلوب
من حبّك أولى بقربك - بياتي - لا أدري من الملحّن
لسان الدّمع أفصح من بياني - عراق - محمّد عثمان
نور العيون شرّف وبان - هزام - محمّد عثمان
مليك الحسن في دولة جماله - حجازكار - عبد ه الحامولي
صبحت من عشقك أشكي - جهاركاه - محمّد عثمان
وقد وردت أربعة من الأدوار السّتّة ضمن قرص نادي الاسطوانة عدا لسان الدّمع ومن حبّك أولى بقربك، ويذكر لا غرانج أنّ تواريخ تسجيل الأدوار الأربعة كانت بين 1908 و 1910، وتجدون تفصيل ذلك ضمن الكتيّب ؛ وقد سبق أن رفعت دورين آخرين ليسا موجودين بالقرص أيضا هما فريد المحاسن بان ويا اللّي أوصافك مليحه لداود حسني وبستان جمالك لمحمّد عثمان.
ملاحظة - حاولت جعل التّرجمة أمينة مع الاجتهاد في تجنّب الحرفيّة فعسى أن أكون وفّقت في ذلك (ولو كان صاحب النّصّ الأصليّ معنا، وهو يحذق العربيّة، لأفادنا بملاحظاته)
ملاحظة ثانية - حذف ملفّ من حبّك أولى بقربك إذ تكرّم الأستاذ لاغرانج وعوّضنا نسخة خيرا من نسختي (وتجدونها في الصّفحة الثّانية من هذا الموضوع).
ولد عبد الحي حلمي في بني سويف سنة 1857 أو نحو ذلك ؛ وعمل لدى إسماعيل باشا حافظ، وهو من أعيان الإسكندريّة وأثريائها، فأتيح له أن يلتقي في صالونه بكبار المطربين في مصر أواخر القرن التّاسع عشر وعلى رأسهم عبده الحامولي ( 1843-1901)، وعنه تعلّم أصول الغناء من خلال عمله مذهبجيّا في تخته قبل أن يجيزه نقيب الموسيقيّين ليكون مطربا منفردا يغنّي على تخته الخاصّ به ؛ كذلك تشّرب عبد الحي حلمي عيون التّراث من أدوار من ألحان رؤوس المدرسة الخديويّة في الغناءوقصائد جاء بها من الأوساط الصّّوفيّة منشدون ذوو شأن انتقلوا إلى الغناء الفصيح الدّنيويّ (يبدو أنّ لاغرانج يفضّل هذا المصطلح نقلا عن نداء أبو مراد الّذي استعاره من اصطلاحات اللّغة) مثل يوسف المنيلاوي(1847-1911) ؛ ولمّا كان عبد الحي يريد أن يأخذ من كلّ شيء بطرف فقد مزج فنّه بشيء من طقاطيق العوالم الّتي كانت تغنّى للنّسوة في الأفراح إلاّ أنّه أعمل فيها عبقريّته الفنّيّة فغدت تُحَفا فنّيّة.
وقد كان حلمي أقلّ تعفّفا وحرصا على جعل فنّه حكرا على الخاصّة من الحامولي أو المنيلاوي، فكان من أوّل مشاهير المطربين الّذين أقاموا حفلات عامّة يحضرها النّاس بمقابل ماليّ وغنّى على مسارح مقاهي الأزبكيّة الشّهيرة، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من الغناء في صالونات سراة القوم وفي حضرة الأمراء العثمانيّين في إستانبول سنة 1910 ؛ وقد كان شديد الاهتمام بمظهره متأنّقا فكان يكلّف محبّيه الأسخياء ما لا يحصى من المال في شراء أفخر الملابس من باريس حتّى صار فتى المجالس المدلّل في مطلع القرن العشرين واشتهرت بنزواته وخطَراته الغريبة حتّى لكان إذا ما جلس للغناء ولم يلحظ بين الحاضرين وجها مليحا ترك المجلس وروّاده وراح يقضي سهرته مغنّيا لبعض الغرباء ممّن يسرّون ناظره. وكان مقبلا على شتّى الملذّات من نبيذ وحشيش وكوكايين وأفيون مسرفا في تناولها حتّى يبلغ "السّلطنة" الّتي لا بدّ منها لتفتّق أفانين تصرّفاته ؛ وقد أدّى به شططه إلى أن يستهلك عمره قبل الأوان وقضى ثملا سنة 1912 بالإسكندريّة إثر وليمة على سلحفاة البحر.
كان عبد الحي متهتّكا في فنّه تهتّكه في عيشه حتّى لكان يعجب المرء من طريقته في أداء الأدوار الشّائعة وما كانت تتّسم به من تحرّر من القواعد والقوالب الجاهزة بعيدا عن أمانة الصّفتي المتشدّدة ودعة المنيلاوي اللاّهية، فكان يبثّ ما يغنّيه من ألحان ما كان يعتلج في صدره من لواعج مقتضبا المقدّمات غير عابئ بالمتون الجاهزة مُغفلا أجزاء كاملة من اللّحن ليصبّ كلّ همّه في مقطع أو جملة أو خَلجة مقاميّة مخصوصة يضيف إليها نفحة من تفجّعه معدّدا البدائع الفنّيّة متوسّلا بها لبثّ خَلَجاته مراوحا بين الجمل الطّويلة تارة واللَّهَج المتقطّع طورا ثمّ يقاطع العازفين بتكرار محموم للمتن المُمِضّ قبل أن "يقفل" الغناء على تلوين أخير.
لم يكن عبد الحي حلمي وهو الفنّان العصاميّ ليأبه للقواعد، كذلك عُرف عنه استخفافه بالإيقاع واللّحن الجاهز، ممّا عرّضه لانتقادات المتزمّتين الّذين جعلّهم تشّيّعهم السّطحيّ إلى الغرب يحرصون على ظاهر الحرف دون جوهر المعنى (كدت أكتب المغنى) ؛ إلاّ أنّ عبد الحي حلمي لم يكون مجرّد صوت مؤدّ عظيم، بل إنّ أداءه لما كان يغنّيه من أعمال كان يفتح بومضاته الإبداعيّة آفاقا لبلورة تلك الأعمال وتطويرها وهي الّتي ما كانت لتكتسب قيمتها إلاّ من خلال ما كانت تلهمه لمؤدّيها من تصرّف وتنويع ؛ لذلك وجد في الموّال الّذي لم يكن له من قاعدة سوى الارتجال المرسل مرتعا رحبا لإبداعه الجامح فلم يكن له فيه منازع.
وقد كان عبد الحي معبود شركات الاسطوانات فطبعت له زينوفون سنة 1906 أفضل أعماله رغم حدود الإمكانات التّقنيّة آنذاك، ثمّ جرّب بعد ذلك جميع شركات الاسطوانات بمصر حتّى وفاته فكان يسجّل نفس القطعة عدّة مرّات في السّنة عند جراموفون وأوديون وبيضافون ؛ وقد كان يقبض من الشّركات "مبالغ على الحساب" لينفقها في ملذّاته ثمّ يسدّد ديونه في شكل تسجيلات حتّى أنّه عمد مرّة إلى دسّ بيت يهجو فيه شركة جراموفون في متن إحدى القصائد الّتي سجّلها احتجاجا منه على ما كان يعدّه استغلالا لشخصه.
وهذه مجموعة من أدوار عبد الحي حلمي كالآتي :
جميل زمانك - بياتي - عبد الرّحيم المسلوب
من حبّك أولى بقربك - بياتي - لا أدري من الملحّن
لسان الدّمع أفصح من بياني - عراق - محمّد عثمان
نور العيون شرّف وبان - هزام - محمّد عثمان
مليك الحسن في دولة جماله - حجازكار - عبد ه الحامولي
صبحت من عشقك أشكي - جهاركاه - محمّد عثمان
وقد وردت أربعة من الأدوار السّتّة ضمن قرص نادي الاسطوانة عدا لسان الدّمع ومن حبّك أولى بقربك، ويذكر لا غرانج أنّ تواريخ تسجيل الأدوار الأربعة كانت بين 1908 و 1910، وتجدون تفصيل ذلك ضمن الكتيّب ؛ وقد سبق أن رفعت دورين آخرين ليسا موجودين بالقرص أيضا هما فريد المحاسن بان ويا اللّي أوصافك مليحه لداود حسني وبستان جمالك لمحمّد عثمان.
ملاحظة - حاولت جعل التّرجمة أمينة مع الاجتهاد في تجنّب الحرفيّة فعسى أن أكون وفّقت في ذلك (ولو كان صاحب النّصّ الأصليّ معنا، وهو يحذق العربيّة، لأفادنا بملاحظاته)
ملاحظة ثانية - حذف ملفّ من حبّك أولى بقربك إذ تكرّم الأستاذ لاغرانج وعوّضنا نسخة خيرا من نسختي (وتجدونها في الصّفحة الثّانية من هذا الموضوع).