PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : عن أثر فني الإنشاد والتلاوة على الغناء الطربي الدنيوي



ovide
14-08-2014, 11:20
بعض ما اقترفت من فرضيات اثر النقاش عن منيرة عبده في قسم الإنشاد الديني، وازعم ان فضيلته الوحيدة ربما هي الابتعاد عن التوكيد ودعوة من احب إلى التفكر والاستماع. شكراً لأبي العلاء على تنبيهاته الدقيقة في شأن الإنشاد، واما ما يشوب المقالة من نقص في الدقة او تعجل في التفكير فهو من صنع يديّ واحمل عواقبه وحدي.

عن أثر فني الإنشاد والتلاوة على الغناء الطربي الدنيوي


للنظر في تطور الغناء والموسيقى في البلدان العربية، لا بد من تفكيك عدد كبير من الأساطير التي باتت راسخة ومقدسة في أذهان الناس، ولئلا يتحول تفكيك الأساطير مقدساً في ذاته لا بد من طرحة كل مرة على انه احتمال أو فرضية، تقبل النقد والنقض والنقاش والتعديل والتجريح. ليس في هذه العجالة المختصرة متسع لذكر كثير من الأساطير (في شأن دور عثمان الموصلي واسهام سيد درويش، وعلاقة مصر وغنائها في وصفه موسيقى "العرب" في مواجهة دخول الثقافة الأوروبية والإعراض عن الموسيقى العثمانية أو الموسيقات المغربية والعراقية والخليجية، الخ.)، لذا ستركّز على نقاط قليلة: هل كانت هناك حلقة وصل عند انتقال الغناء المصري من أسلوب المدرسة النهضوية (عبد الحي حلمي، يوسف المنيلاوي، زكي مراد، سيد الصفتي وسواهم كثيرون) إلى الأسلوب الكلثومي والوهابي (وهو الذي اسس لكل ما تبقى من تطريب بعدهما)؟ وما علاقة ذلك بفني الإنشاد والتلاوة؟

لم تكن أم كلثوم، بخلاف الأسطورة الشائعة، المرأة الأولى التي تؤدي القوالب الموسيقية العالمة التي يفترض انها كانت قبلها حكراً على الرجال. فمنيرة المهدية مثلاً قدمت إلى جانب طقاطيقها المشهورة ومسرحها أدواراً وقصائد موقعة وذاك أرقى واعقد فنون الموسيقى المصرية العالمة. غير أن تميّز أم كلثوم تأتى من كونها، في تقديري، أول امرأة تؤدي الغناء الدنيوي بعد أن كانت تدريبها الموسيقي على الفنون الدينية، وبالتحديد على التواشيح والمدائح (لا يبدو أنها كانت مقرئة رغم إلمامها بالتلاوة). ويعني ذلك انها كانت قادرة على استدخال تقنيات وجماليات فن الإنشاد كما عرفته الدلتا المصرية (وهو مختلف عن الإنشاد الديني الصعيدي او الشامي مثلاً كي لا نبعد كثيراً عن مصر) إلى فنون الغناء الدنيوي، في حين أن العوالم الأخريات أتين من عالم الغناء الخفيف حتى وإن قمن احياناً بتأدية غناء اكثر تعقيداً، بكفاءة.

أما محمد عبد الوهاب، وهو ابن لمؤذن ومقرئ،فقد تتلمذ على أيدي الشيخ درويش الحريري في الموشحات والعلم الأبرز في الإنشاد والتلاوة الشيخ علي محمود. ويمكن للمستمع المدقق أن يلاحظ احتمال صدق القصة التي تقول انه لجأ إلى الشيخ علي محمود اذ استعصى عليه تلحين "أنا هيمان" من أغنية الكرنك (اثر الدقيقة 16)، إذ يعثر فيها المرء على خروج تام على مناخ الأغنية إلى أداء مشايخي مخصوص قبل العودة إلى رومنتيكية اللحن الوهابي. والحق ان الأداء المشايخي ولعبه بالايقاع لم يكن غائباً عن عبد الوهاب، كما في تسجيله شاباً لموشح "ملا الكاسات" لمحمد عثمان.

ولئن استمرت ام كلثوم فترة أطول من عبد الوهاب، اي حتى 1939 في تأدية قالب الدور من ألحان داود حسني وزكريا احمد (وهي، غير ذلك من القوالب العالمة، لم تغن الموشحات او القصائد المرتجلة بل سجلت بعض الحان شيخها أبي العلا محمد بأسلوبه)، فإن عبد الوهاب وهي، مع ملحنيها، قد قاما بتغيير كبير لأنماط الموسيقى الشائعة، مبتعدين عن القوالب العالمة وكذلك عن الغناء المسرحي، مركزين بالمقابل على المونولوج والطقطوقة والقصيدة الملحنة (وغنى عبد الوهاب أيضاً المواويل الملحنة). كما تمت التضحية بالغناء المتنوع اجتماعياً، كما في مسرح سيد درويش، لصالح الغناء العاطفي الرومنتيكي حصراً. غير أن هذا التغيير يظل شكلانيا وأضأل شأناً إذا ما قورن بالتغيير الأهم الذي فرضه هذان الصوتان، وهو التغيير في تقنية الغناء المصري (ولاحقاً العربي)، حيث تلوح النتيجة كما لو أن الغناء المتقن اليوم هو الذي يتابع تقنيات أدائهما، في انتاج الصوت ووضوح العرب والابتعاد عن ترجيف الصوت وحدّته (الأداء المشايخي الذي حفظته لنا تسجيلات محمد عبد الوهاب وأم كلثوم الأولى) ومن ثم، بعد ذلك، تقليل عدد المقامات المستخدمة والتخلي عن "الومضات" المقامية السريعة التي تحضر لانتقال مقامي تام، وذلك لصالح مقامات اشهر وأقل تعقيداً، أو اسهل استعمالاً مع الفرقة (كالكرد والنهاوند)، وكذلك لصالح انتقالات مقامية متعددة لكن دون التمهيد (الذي أسماه البعض "ومضة") الذي كان اساطين الغناء العالم قبلهم يستخدمونه للتحضير للانتقال إلى مناخ مقامي مختلف.

الفرضية التي تقترحها هذه المقالة قد أثارها اكتشاف صوت الشيخة منيرة عبده، في تسجيل نقي أذاعته البي بي سي مؤخراً، يرجح انه من مطلع الأربعينيات. والمعروف أن الشيخة منيرة عبده غنت في الإذاعات الأهلية ما بين 1920 إلى 1934، ويزيد البعض انها غنت في الإذاعة الرسمية إلى قبيل الحرب العالمية حين افتى المشايخ بحرمة التلاوة النسائية ما طمس ذكر وتسجيلات المقرئات طويلاً. والمتوافر لهذه الشيخة إضافة إلى ابتهال ليلة المعراج، ابتهال "يا رسول الله" تؤديه مع البطانة، فضلاً على جزء يقل عن الدقيقة من التلاوة القرآنية. غير أن المتداول عنها انها كانت عظيمة الشهرة، حتى وصلت شهرتها آنذاك تونس. والابتهالان يختلفان تمام الاختلاف عن تلاوتها، إذ تقترب تلاوتها من التلاوات النسائية التي اتيحت لنا من تلك الفترة، أي قبل إنشاء الإذاعة المصرية واقفال الإذاعات الأهلية والافتاء بحرم تلاوة النساء للقرآن في الإذاعة، كمثل تسجيلات الشيخة سكينة حسن والشيخة مبروكة. ففي حين تبدو التلاوات أقرب، في أسلوب الأداء وانتاج الصوت وترجيفه، إلى اسلوب عالمات المدرسة النهضوية مثل منيرة المهدية أو نعيمة المصرية، فإن ابتهال الشيخة وانشادها، سواء منفردة أو مع البطانة، يبدو عظيم الشبه بأسلوب أم كلثوم كما سيتبلور في مرحلة ما بعد "إن كنت أسامح" التي كانت لا تزال تظهر ملامح من اسلوبها الأول وصولاً إلى الأربعينيات، لجهة التخلص من ترجيف الصوت وايضاح العرب، كما لو أن المرء ينظر إليها عبر مكبر، والاقتصاد فيها وادخارها للقفلات في مقابل تطوير أوفى للجملة الموسيقية نفسها وزيادة الارتباط بينها وبين عدد النبرات في الكلام المكتوب.

فمنيرة عبده في تسجيلاتها المختلفة، حيث تلوح، منشدة، كأنها سابقة لأم كلثوم، في حين أنها تبدو، مقرئة، كمثل سكينة حسن والشيخة مبروكة، أقرب إلى منيرة المهدية. وبالاستماع إلى منيرة عبده يراود المرء ظن في أنها في واقع الأمر الحلقة الضرورية بين أداء المطربات والعالمات في الغناء النهضوي، وبين الغناء الكلثومي، إذ لعل الغناء الكلثومي وحتى الوهابي في مطالعه غير نقل لتقنيات الإنشاد، مع تحديد مواضعها وتشذيب جموحها، إلى مجال الغناء الدنيوي، في حين كان غناء المطربين السابقين، وكثير منهم مشايخ ايضاً كالشيخ يوسف المنيلاوي، مرتبطاً أكثر بالتلاوة عوض الإنشاد (إذا ما استثنينا التفاعل مع البطانة الذي تحول إلى الهنك والرنك في قالب الدور).

ومختصر الفرضية هذه أن الاستماع إلى انشاد المشايخ (الإنشاد القاهري والدلتاوي لا الإنشاد الصعيدي أو الشامي طبعاً) كعلي محمود وطه الفشني، أو المنشدة منيرة عبده، يبرز فرقاً واضحاً في اصدار الصوت وبناء الجمل والايقاع واختيار العرب عن تلاوات المشايخ مثل محمد رفعت وغيره. ويبدو كأن الفرق يتوازى مع الفرق بين الغناء النهضوي والغناء الكلثومي ومبدأ تميز عبد الوهاب. فمن جهة هناك في الإنشاد تمهل في الالقاء وتلذذ بالكلام لكن مع المحافظة على ايقاع داخلي، وعناية بابراز العرب الصوتية، وابتعاد عن الترجيف كما عن الطبقات الحادة وأصوات الزير (الرأس) التي كثيراً ما يلجا لها المقرئون، مثلما يلجؤون إلى السير حثيثاً في تلاوة القرآن باحترام يمنع تقطيع الكلام والنبر، وحرص على مخارج الأحرف يقطع النغم، وباعتماد على ايقاع الجملة القرآنية لا الجملة الموسيقية (وان خرج احدهم على ذلك، عوقب باللوم كما هي حال مصطفى اسماعيل أحياناً). هذا طبعاً لا ينفي ان بداخل الإنشاد مدراس جمة كما هي حال التلاوات، غير ان هناك، ربما، ما يفرد الإنشاد على حدة عن التلاوة. ربما أضافت البطانة أيضاً تمييزاً في ذلك، إذ تجعل الإنشاد حواراً موسيقياً يعني فيه المنشد بتسليم البطانة القول واستعادته منها، ويعنى بالعودة إلى مستقرات مشتركة معها، بخلاف التلاوة التي تبدو سيراً فردياً على هدي رغبة المقرئ وفهمه للسور.

هناك، في ما يبدو لي، احتمال آخر أيضا، هو ان يكون التقاطع الأساس هنا ليس ما بين الإنشاد والتلاوة، بل ما بين اختيارات واسلوب الشيخ علي محمود تحديداً وبين سابقيه والمشايخ ممن لم يتتلمذوا عليه مثل الشيخ اسماعيل سكر. ذلك أن الشيخ طه الفشني والشيخة منيرة عبده (كما يتبدى) وعبد الوهاب تلامذته مباشرة، كما أن كثيراً مما أتت به أم كلثوم خرج من عباءته، حتى يكاد تسجيل مثل"يا نسيم الصبا" يختصر الغناء المصري بأجمعه!

وقد يكون من الممكن مزج هذه الفرضيات في ثالثة تقول الآتي: بدأ الغناء النهضوي في لحظة انتقال المشايخ الذين كانوا يجمعون التلاوة والإنشاد إلى الغناء الدنيوي، فتطور قالب الدور باستيعاب تقنيات هذين الفنين. غير أن بوادر تخصص ظهرت في مجال الغناء الديني، فبدأ اسلوب التلاوة يتمايز عن اسلوب الإنشاد، وكان الشيخ علي محمود آخر من اشتهروا بالفنين في حين غلب على الآخرين العمل باحد الفنين. ولئن كان الشيخ علي محمود من أوائل من وصلونا من المنشدين فإن تقنية وذائقة مشايخ آخرين مثل علي الحارث ومحرز سليمان، في الإنشاد، تقترب كثيراً منه وتبتعد عن الأداء النهضوي وعن أساليب التلاوة. أي ان الشيخ علي محمود ربما كان الجزء الأبرز والذي رأينا أثره المباشر في عبد الوهاب وأم كلثوم وطه الفشني ومحمد الفيومي، غير انه كان ايضاً بعضاً من كل مدرسة الإنشاد الدلتاوي المصرية التي تطورت في هذا الإتجاه مفترقة، ربما، عن مدرسة التلاوة.
كانت هناك دوماً احتمالات للتخصيب المتبادل بين انواع الفنون الموسيقية على تنوعها، فمثلما كان للإنشاد والتلاوة آثار بينة على الغناء المصري في مرحلة النهضة ومرحلته الكلثومية/الوهابية، فقد عادت موسيقى محمد عبد الوهاب والقصبجي ورياض السنباطي أداء المنشدين والمبتهلين كما يبدو في أسلوب احد ابرز المتأخرين منهم الشيخ محمد عمران.

هذه الفرضيات والاحتمالات قد تكون خاطئة، وقد يكون فيها بعض صحة، غير ان التدقيق في هذه الشؤون، كمقارنة أداء أوائل المنشدين بعضهم ببعض، كما اوائل المقرئين ممن وصلت إلينا تسجيلاتهم، وكذلك التدقيق في مسألة الفرق بين القاهرة والدلتا وبين الموسيقى خارجها، كما تحري أثر الشيخ علي محمود شخصياً على من ذكرنا قد تلقي بعض الضوء على هذه المسألة الغامضة قليلاً: كيف انتقت أم كلثوم وعبد الوهاب اسلوب الأداء المختلف، المتأني والأبطأ والأكثر سيطرة على الصوت والعرب، وتطوروا إليه، بعيداً عن أسطورة أن القصبجي هذب صوت السيدة او أن صوت عبد الوهاب تردى فاختار سبيلاً آخر، وقد تسمح ببناء شجرة أنساب جديدة لا تبدأ من سيد درويش بطبيعة الحال (رغم انه لحن عملاً اسكندراني الطابع، بحسب وصف عبد الوهاب، للشيخ علي محمود مثل "إن ميلاد الرسول")، بل تضرب جذورها إلى قرن أسبق، أو يزيد.

فادي العبد الله. نشر في موقع معازف