PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : الإيقاع الشعريّ في غناء أمّ كلثوم



أبو علاء
28-09-2014, 14:57
هذا كتاب له قصّة، فصاحبه غير معروف إلاّ عند قلّة قليلة من الناس الذين ساقتهم الأقدار إلى طريقه، وقد كان لي الشرف لا أن أكون أحد هؤلاء فقط، بل وأكون من أقربهم إلى المرحوم محمّمد العيّاشي مؤلّف هذا الكتاب ؛ ومحمّد العيّاشي كان رجلا كما قلّ أن يكون الرّجال، فقد كان مدرّسا للغة والأدب العربيّ في المعاهد الثانويّة وثمّ كان تعارفنا قبل أن نصبح صديقين حميمين إذ كنت بدوري أدرّس اللغة والأدب الفرنسيّين في نفس المعهد الذي كان يدرّس به، غير أنّه لم يكن كسائر المدرّسين، بل كان من أعلم من عرفت بلغة الضاد وأدبها حتّى إنّه كان يحفظ حماسة أبي تمّام بشروحها كما أثبت لأساتذته الذين تتلمذ على أيديهم ومنهم محمود المسعدي وأحمد بن صالح والشاذلي القليبي، وكان لاعب كرة قدم ونجما من نجومها في تونس لمع اسمه حين حرس مرمى منتخبها بين أواسط الخمسينات وفجر الستينات وكان بين المشاركين في الألعاب الأولمبيّة بروما سنة 1960، وذاعت شهرته وراء حدود البلاد لا سيّما في المغرب ومصر حيث أطلق عليه لقب "الشيخ بركات" لما أظهره في الذود عن شباك منتخب تونس ؛ وقد كان العيّاشي عازف عود جيّد وله بضعة ألحان منها موشّح من نظمه ولحنه ما زلت أحفظه حتّى الآن (مُتيِّمي بالمقلة الوَسنى / اُحقن دمي وأَولِني الحُسنَ) ؛ وكان شاعرا نظم القصيدة العموديّة والحرّة وله ديوان منشور ؛ إلاّ أنّ أهمّ شأن عرف به بين أصدقائه وزملائه هو اشتغاله بموضوع إيقاع الشعر العربيّ، وقد وقف سحابة عمره لدراسته منطلقا من اعتقاده بخطل نظريّة العروض التي شادها الخليل ابن أحمد وظلّت إلى اليوم المرجع والعمدة في هذا المضمار وخلا المبحث إلاّ من شارح أو معقّب أو زائد أو مستدرك في بعض تفاصيلها، في حين كان العيّاشي يعتقد جازما أنّ النظريّة الخليليّة فاسدة من أساسها لأنّ الخليل كان لغويّا ولم يكن شاعرا ولأنّه استند إلى المراجع اليونانيّة في دراسة إيقاع الشعر، وقد كانت مدوّنتها الشعريّة التي انطلقت منها واستمدّت منها معاييرها وأنساقها مدوّنة مكتوبة بخلاف الشعر العربيّ القديم الذي كان تراثا شفويّا في جوهره ولم يعرف التدوين إلاّ في مرحلة متأخّرة نسبيّا، وبالتالي كانت أدوات التمثّل ومنهجه عند الخليل كما كان عند ملهميه من الإغريق يقوم على التمثل الرياضيّ ويعتمد التدبّر البصريّ للنص الشعريّ المكتوب، في حين يرى العيّاشي أنّه يتعيّن دراسة الشعر العربيّ باعتباره خطابا متلفّظا به محكّه الأوّل السماع وعياره المقولات الموسيقيّة بدءا بالزّمن والكمّيّات الإيقاعيّة والسكت...إلخ.
وقد ألّف محمّد العيّاشي ثلاثة كتب أوّلها وأهمّها "نظريّة إيقاع الشعر العربيّ"، وفيه عرض مآخذه ونقده الجذريّ لعروض الخليل وبسط أسس جهازه النظريّ المقترح بديلا عنه بأسسه ومفاهيمه ومصطلحاته وأنساقه الإجرائيّة ؛ وثاني الكتب هو "الكمّيّات اللفظيّة والكمّيّات الإيقاعيّة في الشعر العربيّ"، وقد ضمّ مجموعة من البحوث والمقالات تناول بعضها عددا من المسائل النظرّية والتطبيقيّة المتصلة بالمبحث الرئيسيّ في إيقاع الشعر العربيّ والتي ظلّ بعضها مشكلا حتّى هذا العصر (مثل إيقاع الدوبيت) وضمّ بعضها الآخر نماذج تطبيقيّة لنظريّة العيّاشي وقراءت في عيّنات من الشعر العربيّ القديم والحديث (أذكر منها دراسة للإيقاع في قصيدة السيّاب الخالدة أنشودة المطر).
أمّا ثالث الكتب فهو هذا الذي أضعه اليوم بين أيديكم، وقد تصدّى فيه لدراسة الإيقاع الشعريّ في غناء أمّ كلثوم من غير الفصيح انظلاقا من الجهاز النظريّ الذي أرسى أسسه في كتابه الأوّل "نظريّة إيقاع الشعر العربيّ" وهو يراه صالحا لتدبّر الإيقاع في عموم صنوف الشعر العربيّ فصيحه وعامّيّه، قديمه وحديثه.
محمّد العيّاشي كان صديقا حميما عاشرته طيلة خمس عشرة سنة حتّى وفاته سنة 1998 ؛ وإن كنت غير مؤهّل علميّا للبتّ في قيمة جهده وتركته النظرّية فإنّي أعتقد أنّها غير هيّنة وأحدس أنّ عمله كان على جانب كبير من الصواب والتمكّن، وأنّى يكن الأمر فإنّ تلك التركة تستحقّ فوق ما لقيته أو بالأحرى لم تلقه من اهتمام ودراسة من بعده ؛ والتفسير الوحيد لما قوبل به عمله من تغاض وإهمال في حياته وبعد مماته هو أنّ العيّاشي كان يعمل خارج الأطر الأكاديميّة إذ اكتفى بشهادة الأستاذيّة في اللغة والآداب العربيّة وأنجز جميع أبحاثه خارج الهياكل الجامعيّة ونشر ثمرتها إمّا منجّمة في دوريّات تونسيّة مثل مجلّة الفكر أو ضمن كتب طبعت على نفقته الخاصّة ناهيكم أنّه قد عهد لي رغم تواضع شأني وأصرّ على ذلك رغم تنبيهي إيّاه أنّي أنكر النكرات في هذا المجال وفي غيره بكتابة مقدّمة كتابين من كتبه الثلاثة ("الكمّّيات" و"الإيقاع الشعريّ").
والحقيقة أنّ جميع كتب العيّاشي موجودة في مكتبتي منذ صدورها إلاّ أنّي وقعت اليوم بالصدفة خلال بحثي في الشبكة عن بعض المراجع على هذه النسخة الإلكترونيّة من هذا الكتاب الذي لا تخفى صلته بموضوع منتدانا فوجدتها فرصة سانحة للتعريف به وبصاحبه وفاء وأداء لدين قديم.

Hattouma
14-10-2014, 17:22
شكراً أبو علاء على تعريفنا بهذه النظرية و هذا الرجل

باسل
18-09-2017, 17:09
بعد شكركم الجزيل على رفع هذا الملف فإني أرجو منكم رفع كتابيه الكميات ونظرية الإيقاع الشعري إن تيسّر لكم ذلك، فقد شاقني الموضوع جدا بعد مقدمتكم وما دفعتني إليه من البحث حول الموضوع على الشبكة، وأتمنى أن أقرأ جداله المكتوب مع الخليل وأخذه وردَّه ونظريته البديلة فأقتنع أو لا أقتنع، وعلى أقل تقدير فإنه يُهيَّأ لي أنَّ موافقة نظرية العياشي حين النظم على أوزان الخليل سترقى بالنظم من حيث الصلاحية للتلحين والغناء، وهو أربي وغرضي بالنهاية، وربما حاورت بفحوى النظرية بعض أصدقائي الشعراء المتيّمين بالخليل رحمه الله تعالى. وشكرًا.

أبو علاء
18-09-2017, 19:35
أرجو منكم رفع كتابيه الكميات ونظرية الإيقاع الشعري إن تيسّر
ليتني أستطيع ذلك، ولو تسنّى لي رفع الكتابين لفعلت راضيا مرضيّا علّ تجديد التعريف بصاحبهما وبنظريّته يرفع عنه بعض ما لقيه من غبن واكتنفه من غفلة، لولا أنّي لا أملك ما يلزم لتصويرهما وترقيمهما، إلاّ أنّ ما يمكنني الوعد به هو أن أسعى في ذلك حينما تسنح لي الفرصة.