PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : بين قطبين



أبو علاء
28-03-2016, 17:52
استكتبني ثلّة من الأصدقاء انتظموا ضمن ناد للموسيقيّين الهواة بمدينة سوسة التونسيّة يدعى نادي السنباطي للموسيقى العربيّة نصّا لتقديم عرض يعدّونه هذه الأيّام مخصّص لكلّ من داود حسني ومحمّد القصبجي، فكتبت لهم النصّ التالي، وأنا أنقله ها هنا عسى أن يكون فيه بعض الفائدة :


بين قطبين


نحتفي الليلةَ بقُطبين كبيرين من أقطاب الموسيقى العربيّة هما داود حسني ومحمّد القصبجي، وهذان القطبان جمعت بينهما عدّةُ أمورٍ عدا قيمتِهما الفنّيّةِ ومكانتِهما وما تركاه من أثر في تلك الموسيقى، وفرّقت بينهما أمورٌ أخرى.
وأوّلُ ما جمع بينهما هو الحِقبَةُ التي تزامنا خلالها[1] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftn1) وبالتحديد فترة الثلث الأوّل من القرن العشرين التي مثّلت منعرجا حاسما في تاريخ الموسيقى العربيّة المعاصرة، فهي الفترةُ التي ظهر وازدهر فيها عملُ شركات الأُسطوانات التي تكفّلت بتسجيل الرَّصيد الغنائيّ الكلاسيكيّ الذي كان لداود حسني نصيبٌ هامٌّ من ألحانه لا سيّما الأدوار، في حين أنّه لم يكن للقصبجي منه نصيبٌ يُذكَرُ[2] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftn2)، كما تولّت تسجيل النِّتاجِ الغنائيِّ الجديدِ الخارجِ عن أُطُرِ الرصيدِ الكلاسيكيّ والذي شمل غناءَ الملاهي والعَوالِمِ مُمثَّلاً بِقالَب الطقطوقة (وقد كان لكلّ من داود حسني والقصبجي نصيبُهما الوافرُ منه من خلال أصوات منيرة المهديّة ونعيمة المصريّة وفتحيّة أحمد وعبد اللطيف البنّا وصالح عبد الحي وغيرهم)، وشمل الصِّيَغَ والقوالبَ الغنائيّةَ المنبثقةَ عن نوازع التجديدِ والانفتاحِ والحاملةَ لمضامين وهموم وصياغات جماليّة مستجِدّةٍ، ونعني بذلك المسرحَ الغنائيّ (وقد كان داود حسني من أهمّ أعلامه إلى جانب سيّد درويش، وربّما كان أغزرَهم إنتاجا، بينما كانت مساهمة القصبجي فيه متواضعة ومحدودة بالمقارنة)[3] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftn3)، وقالبَ المونولوغ الذي اقترن باسم القصبجي، وهو يعتبر أبَ المونولوغ بلا منازع[4] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftn4) ؛ وفترة الثلث الأوّل من القرن العشرين هي أيضا فترة ظهور السنما الناطقة وأغاني الأفلام، وقد كان القصبجي من أهمّ المساهمين فيها بعد محمّد عبد الوهاب وإلى جانب رياض السنباطي وزكريا أحمد[5] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftn5)، كما أنّها فترة بروزِ نجم أمّ كلثوم وبدايةِ تصدّرها للمشهدَ الغنائيَّ المصريّ والعربيّ، وقد كان كلّ من داود حسني والقصبجي ضمن الرعيل الأوّل من الملحّنين الذين اعتمدت عليهم السيّدةُ في فترة الصعود إلى جانب أبي العلاء محمّد وأحمد صبري النَجريدي قبل أن يلُفَّهم الظِلُّ بشكل أو بآخر ليخلوَ المجالُ لكلّ من زكريا أحمد ورياض السنباطي.
وإذا ما كان الاشتغالُ بالتلحين هو مجال العمل الأساسيّ لكلا العلمين فإنّهما اشتركا أيضا في إجادة العزف على العود، إلاّ أنّ القصبجي جاوز حدّ الإجادة إلى التبريز ليكون أعظم عازف لتلك الآلة في العصر الحديث، وقد اشتغل داود حسني بالغناء أيضا وسجّل عددا من الأسطوانات كما كان أحدَ الأصوات التي استعين بها في تسجيل موادّ الرصيد الكلاسيكيّ المصريّ في مؤتمر الموسيقى العربيّة سنة 1932 إلى جانب درويش الحريري ومحمّد نجيب دون أن يرقى أداؤه إلى مستوى أداء مطربي الصفّ الأوّل، أمّا القصبجي فلم يكن له شأن منه إلاّ فيما ندر من بعض المناسبات الخاصّة.
ثمّ إنّ الرجلين اشتركا في الوَلَع بالفنّ منذ نعومة أظفارهما والتشبّثِ به والإصرارِ على ممارسته وتحدّي أيّة صعوبات تعترض سبيلهما مهما كان نوعها وحجمها، وهكذا لم يتردّد داود حسني في الانقطاع عن الدراسة في سنّ الرابعةَ عشْرةَ والاشتغالِ في محلٍّ لتجليد الكتب ثمّ الانفصالِ عن أسرته والرحيلِ إلى مدينة أخرى أمام اعتراض والده على اشتغاله بالفنّ رغم تشجيع والدته، بينما اضطُرَّ القصبجي حسب بعض الروايات إزاء امتناع والده[1] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftn1) عن شراء عودٍ له إلى الالتجاء إلى نجّارٍ بالحيّ تبرّعَ له بقطعةِ خشبٍ لها رقبةٌ تشبه رقبة العود فثبّت عليها "رُزَّتيْن" خلعهما من لوحِ المدرسةِ وظلّ يتلقّف ما ينقطع من أوتار عود والده ليثبّته على تلك الخشبة[2] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftn2) : وهذا الولع المبكِّر لازمهما طيلة حياتهما وجعلهما يعيشان عيشةَ كفافٍ وتَبتُّلٍ لا يملؤها سوى فنّهِما كشأن جميع العظام في شتّى الفنون.
وانغماسُهما في فنّهما وخُلوصُهما له أنتج لدى كلّ منهما نوعا من الحياة الباطنَةِ انعكس عُمقًا وجدانيّا وانفعاليّا في ألحان داود حسني كما تدُلُّ عليه جُمَلُهُ الطويلة المُفعَمة حركةً نغَميّةً دفّاقةً والتي تنزُِّ حساسيّةً جيّاشةً، وعُمقا وجدانيًّا وفكريّا في ألحان القصبجي وفي عزفه كما يتجلّى فيما يتّسمُ به هذا وتلك من بناءٍ محكمٍ دَقيقِ الحَبكِ وما يَنمُِّ عنه من لواعجَ مكبوحَةٍ، ولعلّ ذاك الانكِفاءَ على النفس والتَوَزُّعَ بين الانغماسِ في اعتِمالاتِها وبين تَهويماتِ الفكرِ وتصاريفِه هو ما جعل أمّ كلثوم لا تُطيق صبرًا عليه رغم ما قدّمه لها من خَدماتٍ جليلةٍ وأعمالٍ بديعةٍ وتُوَلّيهِ ظهرَها نهائيًّا بلا رحمةٍ لتنصرفَ عنه إلى ملحّنِينَ أَلصَقَ بالأرضِ وأقدرَ على تقديم ألحانٍ تَسوغُ لجمهورها الواسع.
وإذا ما جمع بين كلا الفنّانين تَجذُّرُ فنِّهِما ومَتانةُ الوَشائجِ التي تربِطُه بمَجالِه ومَنابِعِه الكلاسيكيّةِ وبين التَّوقِ إلى الانفتاح على الغير والتجديدِ فإنّ الرسوخَ في التقليد الكلاسيكيّ والانشِدادَ إلى المرجَعيّةِ النغَمِيّةِ المصريّة هما السِّمَتان اللتان غَلَبتا على نِتاج داود حسني اللحنيِّ، في حين كان القصبجي أكثر انْفِتانًا بِمَناويلِ تركيبِ الأنغامِ وتقنياتِ الغناء الآتيةِ من آفاقٍ خارجيّةٍ بعيدةٍ (الموسيقى الغربيّة) وأخرى قريبةٍ (الموسيقى التركيّة) وانشغالاً بالمزج بين تلك المؤثّرات الخارجيّة وبين مُقوِّماتِ الموروثِ ومقتضياتهِ الجَماليٌةِ مزجًا تفاوتَ حظُّه من الوجاهةِ والنجاحِ فحالَفَهُ التوفيقُ أحيانا وجانَبَهُ أحيانا أخرى.
وَبَعدُ فإنّ هذين العَلَميْن بقيمتهما الفنّيّة وتراثِهما الزاخرِ يَظَلاّن شاهِدَين على ثَراءِ السُنَّةِ الموسيقيّةَِ العربيّةِ القديمةِ وتَوَهُّجِها وَغِنَى الحِقبَةِ التي عاشاها ونَشِطا فيها فنّيًّا بالإمكاناتِ والاحتمالاتِ قبل أن تَنسَدِلَ على المجال الفنّيّ والثقافيّ العربيّ سَتائرُ ليلٍ طويلٍ لا ندري متى يكون آخِرُه ؛ وما هذا العرضُ إلاّ التفاتةٌ عَجْلى لنستعيد شيئا من ذاك الوَهَج ونَقْبِس قليلاً من تراثِ هذين القطبين الزاخرِ.

[1] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftnref1) ولد داود حسني بالقاهرة في 26 فبراير سـنة 1870 وتوفى في العاشر من ديسمبر سنة 1937، وولد القصبجي في 15 أفريل 1892 وتوفي في 7 أفريل 1966.


[2] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftnref2) لحّن القصيجي موشّحا واحدا وثلاثة عشر دورا لم بشتَهر أيٌّ منها بين عيونِ الأدوار.

[3] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftnref3) اختُلِف في تحديد عد ما لحّنه داود حسني من أوبريتات إلاّ أنّ ما لا شكّ فيه هو أنّها تُعَدّ بالعشرات بينما لم يلحّن القصبجي سوى خمسٍ.

[4] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftnref4) ذكر فكتور سحّاب أنّ القصبجي لحّن 'ثلاثة وأربعين مونولوغا أهمّها تلك التي غنّتها أمّ كلثوم لكنّ منها ما غنّاه غيرها أيضا مثل فتحيّة أحمد ونجااة علي، أمّا داود حسني فقد لحّن بعض المونولوغات إلاّ إنّه لم يَشتَهِر أيّ منها.

[5] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftnref5) بلغ عددُ ألحانه من أغاني ألأفلام حسب نفس المصدر 91 لحنا ضمن 38 شريطا سنمائيّا.
[6] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftnref5) والده هو الشيخ علي القصبجي كان ملحّنا غنّى أدوارَه مشاهيرُ المطربين ومُنشِدًا ومُطربًا
[7] (http://www.zamanalwasl.net/forums/#_ftnref5) فيكتور سحّاب، السبعة الكبار في الموسيقى العربيّة نقلا عن محمود كامل.

arabionaute
10-04-2016, 07:59
ويالها من "التفاتة"...

أبو باسل
22-04-2016, 03:44
نص جميل ثري وغير تقليدي تعيش وتعلمنا يا أبو علاء

أبو علاء
22-04-2016, 07:35
نص جميل ثري وغير تقليدي تعيش وتعلمنا يا أبو علاء
العفو يا رجل، بل أنا أتعلّم معكم، وكم تعلّمت بفضل هذا المنتدى.

محمد محسن
15-08-2016, 18:06
مقال يحتوي على إبراز مهارات لغوية وتاريخية موسيقية، وهذا لا يجعله أبداً مقالاً جيداً، وذلك لعدم وجود أي فكرة جديدة فيه. كثير مما ذكر هي بديهيات يعرفها الكثير من مريدي الموسيقى العربية، إضافتاً إلى سرد تاريخي جاف و ممل يصعب الأستماع إليه وقراءته، وهذا ماتعودناه من بعض المثقفين العرب، وأختم قول بأعان الله أعضاء ذلك النادي..،

AmrB
16-08-2016, 00:23
مقال يحتوي على إبراز مهارات لغوية وتاريخية موسيقية، وهذا لا يجعله أبداً مقالاً جيداً، وذلك لعدم وجود أي فكرة جديدة فيه. كثير مما ذكر هي بديهيات يعرفها الكثير من مريدي الموسيقى العربية، إضافتاً إلى سرد تاريخي جاف و ممل يصعب الأستماع إليه وقراءته، وهذا ماتعودناه من بعض المثقفين العرب، وأختم قول بأعان الله أعضاء ذلك النادي..،

يا هذا ما لكم لا تتركون الناس وحالهم؟ إن كنتَ قد ابتُليت بانحطاط الذوق وضعف الفهم والجهل بالجهل، ألا مفر من أن تزيد على ذلك سوء الأدب؟ أظنك قرأت التعليقين السابقين على تعليقك، وأظنك تعرف مكانة أبي علاء في نفوس رواد هذا المنتدى، وأظنك تدرك أننا لا نفوِّت مناسبة إلا ونعرب له فيها عن امتناننا لوقته الذي يكرس معظمه لهذا المنتدى وإذاعته ولمعارفه - اللغوية والموسيقية. فماذا عساك تريد بهذا التعليق؟