PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : النظام المقامي عند العرب والفرس



AmrB
29-07-2019, 15:26
بعد أن أعادنا أبو علاء إلى خزانة الكتب القديمة، أخذت أبحث عن نسخة كاملة من كتاب الأرموي بصيغته المحقَّقة، حيث إنَّ المرفوع هنا على المنتدى يقتصر على ستة فصول من أصل خمسة عشر فصلا يتألَّف منها الكتاب. وقبل الدخول في الموضوع، لا بدَّ أن أقف قليلا عند محقِّق الكتاب، "غطاس عبد الملك خشبة"، الذي تزيد شروحه في الحواشي على أضعاف ما كتبه الأرموي، وكلها مفيدة وفي محلها. لم أجد للرجل ترجمة على الشبكة، لكن تبيَّن لي أنَّه كان ناشطاً في كتابة البحوث الموسيقية والتراثية في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، وهو أيضاً محقق كتاب الموسيقى الكبير للفارابي وبضع رسائل أخرى من التراث، في الموسيقى وفي مواضيع غيرها، وهو أيضاً مؤلف معجم موسيقي من خمسة مجلدات. وقد عثرت على كتاب الفارابي المحقَّق على الشبكة، ووجدته يتجاوز الألف صفحة، معظمها أيضاً شروح من وضع المحقق. وعموماً فقد طلبت كتاب الأرموي والمعجم المذكور من القاهرة، وكلاهما منشور لدى الهيئة المصرية العامة للكتاب. فلو كان بينا من يعرف شيئًا على الرجل أو إسهاماته فليجد علينا!

المفاجأة التي عثرت عليها أثناء بحثي هي كتاب من تأليف "أوين رايت"، الأستاذ بكلية الدراسات الأفريقية والشرقية بجامعة لندن، بعنوان "النظام المقامي في الموسيقى العربية والفارسية". والكتاب هو صيغة موسعة من الرسالة التي نال عنها المؤلف درجة الدكتوراة، وهو دراسة مقارنة للنظرية المقامية عند اثنين من المؤلفين، الأرموي، استناداً إلى كتاب الأدوار والرسالة الشرفية، وقطب الدين الشيرازي، استناداً إلى ما كتبه عن الموسيقى في مصنَّفه المعنون "درة التاج".

والكتاب نشرته مطبعة جامعة أكسفورد عام 1978، لكن الغريب أنَّه متاح للعموم بصيغ متعددة على موقع أرشيف الإنترنت عبر هذا الرابط

https://archive.org/details/TheModalSystemOfArabAndPersianMusic

ويشتمل الكتاب على عرض مفصَّل للنظرية المقامية وتطورها في العصر الوسيط، بوضوح تام وتحليل دقيق. ومن أهم مزاياه أنَّه في عرضه لجميع الأجناس/المقامات التي تناولها المؤلِّفان، يبيِّن فرادى الأبعاد بحساب الخطوات المئوية اللوغارتمية (السنتات)، ويناقش باستفاضة طرق حساب هذه الأبعاد، والتفاوت بين الأبعاد المحسوبة نظريًّا والمستعملة في الممارسة الفعلية. ومن أطرف المسائل التي يناقشها في هذا الصدد، مسألة الموضع الحقيقي لدرجة السيكا، أو "وسطى زلزل"، التي ينتج عنها بعد الثالثة المتعادل، الذي يتوسط بعدي الثالثة الصغير والكبير، أي البعد بين درجتي الراست والسيكا، وهو البعد الذي تنفرد به هذه الموسيقى عن غيرها، ويتيح لها أجناس الراست والبياتي والسيكا التي تكاد لا تخلو منها قطعة موسيقية عربية. ويفرد الكتاب ست صفحات كاملة (37-43) لمناقشة هذه القضية من كل جوانبها. ويبدو أنَّ معضلة التوفيق، أو التلفيق، بين النظرية الموسيقية المقتبسة عن الغرب والممارسة الشرقية الواقعية أقدم كثيراً مما نتصور، حيث يخلص المؤلِّف إلى أنَّ المنظِّرين العرب آثروا قبول الحساب الفيثاغوري الإغريقي للدرجات كما هو، لما ينطوي عليه من انتظام رياضي، وعجزوا عن تفسير "وسطى زلزل" تفسيراً منطقيَّا يُقعِّدها باعتبارها أساساً من أساسيات هذه الموسيقى وليست انحرافاً ناجماً عن تفاوتات إقليمية أو تهاويم عند فرادى العازفين.

الخلاصة هي أنَّ الكتاب مليء بالتفاصيل التقنية الدقيقة كما يقتضي موضوعه، لكنه لا يخلو من مناقشة القضايا العامة التي ما زلنا بصددها إلى اليوم. وأتمنى لكم قراءة ممتعة!