أبو علاء
06-10-2005, 15:23
أوّل اكتشافي لهذه الأغنية وقصّتها كان منذ عام حين رفعها أحد الإخوة بمنتدى زرياب، وأثار الأمر آنذاك جدالا طويلا بين قائل إنّها أمّ كلثوم، وقد كنت من القائلين بذلك عمدتي الوحيدة أذني، وبين ناف لذلك بشدّة باعتبار حجج عديدة... واستمرّ الخلاف حتّى صادف أن أذيع التّسجيل في إحدى حلقات برنامج ألحان زمان بالإذاعة المصريّة (وإن أخطأت المذيعة ونسبت التّسجيل إلى تونس) ثمّ عثرت على هذا الحوار الصّحفيّ الّذي يبدّد أيّ ظلّ للشّكّ في أنّ المغنّية هي أمّ كلثوم وإن كان اللّحن مغربيّا ولم يوضع لها في الأصل، ممّا يفسّر عدم ذكره في مدوّنات أغاني السّيّدة على تعدّدها ولا ضمن سجلّ المصنّفات الفنّيّة ؛ والحوار طويل لمن أراد الاطّلاع على نصّه الكامل أن يذهب إلى صفحة الجريدة الّتي نشرته نقلا عن "الشّرق الأوسط" :
http://202.75.42.169/articles.php?go=articles&id=12273&PHPSESSID=6dcf816a29bf824d04a2c975b4b476e5
وقد اخترت لكم منه أهمّ المقاطع الّتي تهمّ الأغنية نفسها وقضايا الأغنية العربيّة عامّة والمغربيّة على وجه الخصوص ؛ وهو يغني عن قول المزيد بشأن هذا التّسجيل الطّّريف الّذي سأرفعه إن شاء اللّه في وقت لاحق مساء اللّيلة :
:: منوعات :: (http://202.75.42.169/%20%20%20%20articles.php?go=cat&catid=18%20%20%20%20&PHPSESSID=6dcf816a29bf824d04a2c975b4b476e5)
الملك الحسن الثاني كان عازفأكورديون وضابط إيقاع بارعا
عدد القراءة : 211
Thursday ,04 November - 2004
غزة-دنيا الوطن
رغم أنه باحث وملحن ومؤلف موسيقي، فإنه اكتسب شهرته من إجادته التامة لعزف آلة القانون. فاسم
الفنان صالح الشرقي تنطبق عليه تماما، صفة «أشهر من نار علىعلم»، فهو عصي على التقديم، لغزارة عطائه وبهاء حضوره على الساحة الفنية المغربية، لذلك يحار المرء في الإمساك بتجربته، وهو الذي يجر وراءه تاريخا موسيقيا كبيرا، حيث ساهم، لسنين طويلة، إلى جانب رفاقه القدامى في جوق الإذاعة والتلفزيون، في خلق الزمن الجميل للأغنية المغربية في لحظة التأسيس. يكفي أن أم كلثوم غنت من ألحانه أغنية تحمل توقيعه وبصمته الموسيقية، وأنالموسيقار محمد عبد الوهاب أشاد به وبعبقريته في الموسيقى، وامتلاكه لناصية التأليف في حضرة الملك الراحل الحسن الثاني.
«الشرق الأوسط» التقت به في أمسية رمضانية، وأجرت معه هذا الحديث المفعم بالذكريات:
* كيف بدأت رحلتك مع آلة القانون؟
ـ أنا في الحقيقة لم أكن عازفا على القانون، بل على آلة العود.
* ما هو سبب التحول إذن؟
ـ في فترة الدراسة الفنية، كان هناك زميل في القسم، هو الذي يتدرب على آلة القانون، ولكنه ضعيف في الحفظ، ولا يستوعب الدرس جيدا، فكلفني أستاذ الحصة بالمراجعة معه، مقابل مكافأة صغيرة. استحسنت الفكرة، واقترحت على زميلي استبدال الآلتين، هو يأخذ العود، وأنا أتولى العزف على القانون، مع التخلي عن المكافأة التي كانت تسمح لي بالدخول إلى السينما. وهكذا بدأ الرحلة التي ما زالت مستمرة حتى الآن.
* من هو أستاذك ومكتشفك؟
ـ المرحوم الأستاذ أحمد زنبير، الذي قدم لي كل أشكال الدعم والمساندة، بعد أن لمس ميلي الشديد وشغفي الكبير بالموسيقى. ثم تتلمذت أيضا على يد أستاذ فرنسي اسمه جاك بيكار، وفيما بعد سنحت لي الظروف بالاستفادة أيضا من الفنان المغربي الراحل أحمد البيضاوي، رئيس الجوق الوطني.
* ماذا يمثل القانون بالنسبة لك؟
ـ أحمد الله كثيرا لأنه ألهمني وهداني إلى اختيار القانون، الذي يشكل بالنسبة لي الرفيق والصديق الوفي الذي أبثه كل ما أحس به من مواجع وأحاسيس. ونظرا لهذه العلاقة الوطيدة فأنا منهمك هذه الأيام، في إصلاح وترميم قانون قديم دخل المغرب عام 1916 ، أتى به المرحوم مرسي بركات، رئيس «الجوق العصري» في عهد الملك الراحل محمد الخامس ؛ إنني أقوم بمعالجته حتى يحس هو الآخر أن له صديقا يرعاه كي تعود إليه الحياة،ويصدح بالأنغام من جديد.
* هل أصبح القانون مهددا بالاندثار في زمن الإيقاع الموسيقي السريع؟
ـ هذا صحيح، وقد بدأت مؤشرات اندثاره تترسخ يوما بعد يوم، وتنبئ بالاستغناء عنه، بعد أن استولى «اللورغ» على مكانته، لقدرته على التلاؤم مع الموسيقى الخفيفة.
ويبدو أن عصر القانون قد رحل إلى الأبد، فهو كمكون أساسي من مكونات فرق الأوكسترا، لا ينسجم إلا مع الموسيقى الكلاسيكية والطرب الحقيقي والموسيقى العربية على اختلاف تلويناتها، من قصائد وأدوار وموشحات، وغيرها، وكلها آخذة في التراجع عن الحلبة لفائدة هذا النوع الموسيقي العصري الصاخب.
* يبدو أنك من معارضي أغاني «الفيديو كليب» العربية؟
ـ أغاني «الفيديو كليب» جنت على الذوق العربي العام، وعلى الشباب العربي أخلاقيا وفنيا بسبب الفضائيات التي لم تأخذ من الغرب سوى القشور.
(...)
* لو عاشت أم كلثوم، حتى الآن، هل يمكن لها أن تجد لنفسها موقع قدم وسط هذه الزحمة؟
ـ لو امتد العمر بأم كلثوم، لماتت بالحسرة، إزاء بيع أغانيها، في أسطوانات مدمجة، مقرصنة بأرخص الأثمان، وتباع في القفف (السلات) في الأسواق الشعبية والساحات العمومية...
(...)
وبعد انتهاء الحرب، حملت آلتي الموسيقية معي لتخفف عني غربتي، وانتقلت للعمل في أحد مصانع النسيج بفرنسا. هناك كانت لي عدة اتصالات بموسيقيين عرب مهاجرين استفدت من التواصل معهم والاحتكاك الفني بهم. إلا أن هذه الرحلة لم تدم طويلا، إذ سرعان ما قررت الاستجابة لنداء خفي في الأعماق، يلح علي في العودة إلى المغرب، سنة 1950.
وتزامن وصولي مع غرس النواة الأولى لتكوين جوق موسيقي عصري، بمبادرة من الأستاذين عبد النبي الجيراري، وعبد القادر الراشدي، والمطرب اسماعيل أحمد. فكانت الانطلاقة معهم كعازف موسيقي على آلة القانون ولم تتوقف إلا بعد إحالتي على التقاعد.
ومن باب الإنصاف، الاعتراف بأن الجوق الوطني التابع لدار الإذاعة، كان بالنسبة لي بمثابة معهد جديد تعلمت فيه الكثير على يد موسيقيين كبار. ويحز في نفسي اليوم أن أرى هذا الجوق، وهو يتلاشى تدريجيا، ولم يبق فيه سوى عازفين موسيقيين يعدون على أصابع اليد الواحدة. البعض تقاعد، والبعض رحل إلى العالم الآخر، ولم يتم تعويض مناصبهم أبدا بوجوه جديدة وشابة للحفاظ على استمرارية شعلة هذه الفرقة الموسيقية، التي أغنت الوجدان المغربي بأعمال وقطع موسيقية، ما زالت خالدة حتى الآن.
* لماذا هذا الحنين الدائم للأغنية المغربية القديمة عند المستمعين؟
ـ أغنية الأمس كانت أفضل وأجمل وأكثر صدقا وأصالة وإبداعا وجودة. تستمع إليها، فتطربك وتحلق بك في عوالم بعيدة. أغنية اليوم لا طعم ولا نكهة لها، تنساها بمجرد الاستماع إليها، لأنها لا تثير فيك أي شيء. ومع الأسف، هذا هو حال الأغنية المغربية منذ بداية الثمانينات! والمفارقة الغريبة أن لدينا عازفين ممتازين، وملحنين ومغنين جيدين، ولكن النتيجة عكس ذلك تماما. أصبح المنطق التجاري هو السائد، والرداءة هي التي تسيطر على المنتوج الغنائي.
* من يتحمل المسؤولية في هذا التردي؟
ـ المسؤولية يتقاسمها المسؤولون عن الإذاعة والتلفزيون بدرجة أولى، باعتبار دور هذا الجهاز في البث والترويج لبعض الألوان الموسيقية دون غيرها، وهنا يأتي أيضا دور الإعلام الذي يتعين عليه أن يفرق بين ما هو أصيل وجميل، وما هو سيئ ودخيل على المشهد الفني والموسيقي المغربي.
(...)
* أنا وأم كلثوم: حين تحرك الهرم
* بالمناسبة، ما هي حكاية وصول هذه الأنشودة الدينية بتوقيعك إلى صوت أم كلثوم، التي لا تغني عادة، لغير الملحنين المصريين؟
ـ الحكاية حدثت بالصدفة. في سنة 1968، حلت أم كلثوم ضيفة على المغرب. وأقام الأمير الراحل مولاي عبد الله وحرمه السيدة لمياء الصلح حفل عشاء على شرفها في قصرهما، دعانا إليه نحن أعضاء «الجوق الوطني» لتنشيطه موسيقيا من خلال تقديم بعض الفقرات والموشحات. قبل بداية الحفل، سألنا الأمير الراحل عن محتويات البرنامج الفني، أخبره أحد الأعضاء، وهو الفنان ابراهيم القادري، بالعمل الموسيقي الغنائي الجديد، موشح «يا رسول الله خذ بيدي» الذي كنت قد انتهيت من تلحينه، تلبية لطلب جلالة الملك الحسن الثاني. استحسن الأمير الراحل الفكرة، وشرعنا في تقديم الأنشودة، فاسترعى انتباهي أن أم كلثوم تنصت إلى الأغنية باهتمام شديد، ونادت على أحد أعضاء المجموعة الصوتية ليسمعها كلمات القصيدة. وفجأة وقفت من مكانها كالهرم، وتقدمت نحو الفرقة الموسيقية في لحظة مؤثرة بالنسبة لي، ارتبكت شخصيا خلالها، فقدت توازني، وغابت الأوتار عن عيوني، وأنا أرى وأسمع أم كلثوم بتاريخها الفني، وصوتها الساحر، تنشد معنا في اندماج غنائي: «يا رسول الله خذ بيدي».
(...)
* هل غنتها في مناسبة أخرى؟
ـ نعم، غنتها مرة ثانية في سهرة بمراكش، وسجلها التلفزيون المغربي صورة وصوتا، ولكن ضاع هذا التسجيل النادر، كما ضاعت أعمال فنية أخرى تاريخية لكثير من الفنانين قلما يجود بها الزمن، وكل ذلك بفعل الإهمال.
* ولكن الإذاعة المغربية ما زالت تذيعها؟
ـ التسجيل الصوتي الذي تبثه الإذاعة المغربية لأنشودة «يا رسول الله خذ بيدي» بصوت أم كلثوم، هو من أرشيفي الخاص، وأنا الذي قدمته لها!...
Copyright © 2003 - 2005 All Rights Reserved - alwatanvoice.com ( 0.1175 Seconds )
http://202.75.42.169/articles.php?go=articles&id=12273&PHPSESSID=6dcf816a29bf824d04a2c975b4b476e5
وقد اخترت لكم منه أهمّ المقاطع الّتي تهمّ الأغنية نفسها وقضايا الأغنية العربيّة عامّة والمغربيّة على وجه الخصوص ؛ وهو يغني عن قول المزيد بشأن هذا التّسجيل الطّّريف الّذي سأرفعه إن شاء اللّه في وقت لاحق مساء اللّيلة :
:: منوعات :: (http://202.75.42.169/%20%20%20%20articles.php?go=cat&catid=18%20%20%20%20&PHPSESSID=6dcf816a29bf824d04a2c975b4b476e5)
الملك الحسن الثاني كان عازفأكورديون وضابط إيقاع بارعا
عدد القراءة : 211
Thursday ,04 November - 2004
غزة-دنيا الوطن
رغم أنه باحث وملحن ومؤلف موسيقي، فإنه اكتسب شهرته من إجادته التامة لعزف آلة القانون. فاسم
الفنان صالح الشرقي تنطبق عليه تماما، صفة «أشهر من نار علىعلم»، فهو عصي على التقديم، لغزارة عطائه وبهاء حضوره على الساحة الفنية المغربية، لذلك يحار المرء في الإمساك بتجربته، وهو الذي يجر وراءه تاريخا موسيقيا كبيرا، حيث ساهم، لسنين طويلة، إلى جانب رفاقه القدامى في جوق الإذاعة والتلفزيون، في خلق الزمن الجميل للأغنية المغربية في لحظة التأسيس. يكفي أن أم كلثوم غنت من ألحانه أغنية تحمل توقيعه وبصمته الموسيقية، وأنالموسيقار محمد عبد الوهاب أشاد به وبعبقريته في الموسيقى، وامتلاكه لناصية التأليف في حضرة الملك الراحل الحسن الثاني.
«الشرق الأوسط» التقت به في أمسية رمضانية، وأجرت معه هذا الحديث المفعم بالذكريات:
* كيف بدأت رحلتك مع آلة القانون؟
ـ أنا في الحقيقة لم أكن عازفا على القانون، بل على آلة العود.
* ما هو سبب التحول إذن؟
ـ في فترة الدراسة الفنية، كان هناك زميل في القسم، هو الذي يتدرب على آلة القانون، ولكنه ضعيف في الحفظ، ولا يستوعب الدرس جيدا، فكلفني أستاذ الحصة بالمراجعة معه، مقابل مكافأة صغيرة. استحسنت الفكرة، واقترحت على زميلي استبدال الآلتين، هو يأخذ العود، وأنا أتولى العزف على القانون، مع التخلي عن المكافأة التي كانت تسمح لي بالدخول إلى السينما. وهكذا بدأ الرحلة التي ما زالت مستمرة حتى الآن.
* من هو أستاذك ومكتشفك؟
ـ المرحوم الأستاذ أحمد زنبير، الذي قدم لي كل أشكال الدعم والمساندة، بعد أن لمس ميلي الشديد وشغفي الكبير بالموسيقى. ثم تتلمذت أيضا على يد أستاذ فرنسي اسمه جاك بيكار، وفيما بعد سنحت لي الظروف بالاستفادة أيضا من الفنان المغربي الراحل أحمد البيضاوي، رئيس الجوق الوطني.
* ماذا يمثل القانون بالنسبة لك؟
ـ أحمد الله كثيرا لأنه ألهمني وهداني إلى اختيار القانون، الذي يشكل بالنسبة لي الرفيق والصديق الوفي الذي أبثه كل ما أحس به من مواجع وأحاسيس. ونظرا لهذه العلاقة الوطيدة فأنا منهمك هذه الأيام، في إصلاح وترميم قانون قديم دخل المغرب عام 1916 ، أتى به المرحوم مرسي بركات، رئيس «الجوق العصري» في عهد الملك الراحل محمد الخامس ؛ إنني أقوم بمعالجته حتى يحس هو الآخر أن له صديقا يرعاه كي تعود إليه الحياة،ويصدح بالأنغام من جديد.
* هل أصبح القانون مهددا بالاندثار في زمن الإيقاع الموسيقي السريع؟
ـ هذا صحيح، وقد بدأت مؤشرات اندثاره تترسخ يوما بعد يوم، وتنبئ بالاستغناء عنه، بعد أن استولى «اللورغ» على مكانته، لقدرته على التلاؤم مع الموسيقى الخفيفة.
ويبدو أن عصر القانون قد رحل إلى الأبد، فهو كمكون أساسي من مكونات فرق الأوكسترا، لا ينسجم إلا مع الموسيقى الكلاسيكية والطرب الحقيقي والموسيقى العربية على اختلاف تلويناتها، من قصائد وأدوار وموشحات، وغيرها، وكلها آخذة في التراجع عن الحلبة لفائدة هذا النوع الموسيقي العصري الصاخب.
* يبدو أنك من معارضي أغاني «الفيديو كليب» العربية؟
ـ أغاني «الفيديو كليب» جنت على الذوق العربي العام، وعلى الشباب العربي أخلاقيا وفنيا بسبب الفضائيات التي لم تأخذ من الغرب سوى القشور.
(...)
* لو عاشت أم كلثوم، حتى الآن، هل يمكن لها أن تجد لنفسها موقع قدم وسط هذه الزحمة؟
ـ لو امتد العمر بأم كلثوم، لماتت بالحسرة، إزاء بيع أغانيها، في أسطوانات مدمجة، مقرصنة بأرخص الأثمان، وتباع في القفف (السلات) في الأسواق الشعبية والساحات العمومية...
(...)
وبعد انتهاء الحرب، حملت آلتي الموسيقية معي لتخفف عني غربتي، وانتقلت للعمل في أحد مصانع النسيج بفرنسا. هناك كانت لي عدة اتصالات بموسيقيين عرب مهاجرين استفدت من التواصل معهم والاحتكاك الفني بهم. إلا أن هذه الرحلة لم تدم طويلا، إذ سرعان ما قررت الاستجابة لنداء خفي في الأعماق، يلح علي في العودة إلى المغرب، سنة 1950.
وتزامن وصولي مع غرس النواة الأولى لتكوين جوق موسيقي عصري، بمبادرة من الأستاذين عبد النبي الجيراري، وعبد القادر الراشدي، والمطرب اسماعيل أحمد. فكانت الانطلاقة معهم كعازف موسيقي على آلة القانون ولم تتوقف إلا بعد إحالتي على التقاعد.
ومن باب الإنصاف، الاعتراف بأن الجوق الوطني التابع لدار الإذاعة، كان بالنسبة لي بمثابة معهد جديد تعلمت فيه الكثير على يد موسيقيين كبار. ويحز في نفسي اليوم أن أرى هذا الجوق، وهو يتلاشى تدريجيا، ولم يبق فيه سوى عازفين موسيقيين يعدون على أصابع اليد الواحدة. البعض تقاعد، والبعض رحل إلى العالم الآخر، ولم يتم تعويض مناصبهم أبدا بوجوه جديدة وشابة للحفاظ على استمرارية شعلة هذه الفرقة الموسيقية، التي أغنت الوجدان المغربي بأعمال وقطع موسيقية، ما زالت خالدة حتى الآن.
* لماذا هذا الحنين الدائم للأغنية المغربية القديمة عند المستمعين؟
ـ أغنية الأمس كانت أفضل وأجمل وأكثر صدقا وأصالة وإبداعا وجودة. تستمع إليها، فتطربك وتحلق بك في عوالم بعيدة. أغنية اليوم لا طعم ولا نكهة لها، تنساها بمجرد الاستماع إليها، لأنها لا تثير فيك أي شيء. ومع الأسف، هذا هو حال الأغنية المغربية منذ بداية الثمانينات! والمفارقة الغريبة أن لدينا عازفين ممتازين، وملحنين ومغنين جيدين، ولكن النتيجة عكس ذلك تماما. أصبح المنطق التجاري هو السائد، والرداءة هي التي تسيطر على المنتوج الغنائي.
* من يتحمل المسؤولية في هذا التردي؟
ـ المسؤولية يتقاسمها المسؤولون عن الإذاعة والتلفزيون بدرجة أولى، باعتبار دور هذا الجهاز في البث والترويج لبعض الألوان الموسيقية دون غيرها، وهنا يأتي أيضا دور الإعلام الذي يتعين عليه أن يفرق بين ما هو أصيل وجميل، وما هو سيئ ودخيل على المشهد الفني والموسيقي المغربي.
(...)
* أنا وأم كلثوم: حين تحرك الهرم
* بالمناسبة، ما هي حكاية وصول هذه الأنشودة الدينية بتوقيعك إلى صوت أم كلثوم، التي لا تغني عادة، لغير الملحنين المصريين؟
ـ الحكاية حدثت بالصدفة. في سنة 1968، حلت أم كلثوم ضيفة على المغرب. وأقام الأمير الراحل مولاي عبد الله وحرمه السيدة لمياء الصلح حفل عشاء على شرفها في قصرهما، دعانا إليه نحن أعضاء «الجوق الوطني» لتنشيطه موسيقيا من خلال تقديم بعض الفقرات والموشحات. قبل بداية الحفل، سألنا الأمير الراحل عن محتويات البرنامج الفني، أخبره أحد الأعضاء، وهو الفنان ابراهيم القادري، بالعمل الموسيقي الغنائي الجديد، موشح «يا رسول الله خذ بيدي» الذي كنت قد انتهيت من تلحينه، تلبية لطلب جلالة الملك الحسن الثاني. استحسن الأمير الراحل الفكرة، وشرعنا في تقديم الأنشودة، فاسترعى انتباهي أن أم كلثوم تنصت إلى الأغنية باهتمام شديد، ونادت على أحد أعضاء المجموعة الصوتية ليسمعها كلمات القصيدة. وفجأة وقفت من مكانها كالهرم، وتقدمت نحو الفرقة الموسيقية في لحظة مؤثرة بالنسبة لي، ارتبكت شخصيا خلالها، فقدت توازني، وغابت الأوتار عن عيوني، وأنا أرى وأسمع أم كلثوم بتاريخها الفني، وصوتها الساحر، تنشد معنا في اندماج غنائي: «يا رسول الله خذ بيدي».
(...)
* هل غنتها في مناسبة أخرى؟
ـ نعم، غنتها مرة ثانية في سهرة بمراكش، وسجلها التلفزيون المغربي صورة وصوتا، ولكن ضاع هذا التسجيل النادر، كما ضاعت أعمال فنية أخرى تاريخية لكثير من الفنانين قلما يجود بها الزمن، وكل ذلك بفعل الإهمال.
* ولكن الإذاعة المغربية ما زالت تذيعها؟
ـ التسجيل الصوتي الذي تبثه الإذاعة المغربية لأنشودة «يا رسول الله خذ بيدي» بصوت أم كلثوم، هو من أرشيفي الخاص، وأنا الذي قدمته لها!...
Copyright © 2003 - 2005 All Rights Reserved - alwatanvoice.com ( 0.1175 Seconds )