PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : تنعاد عليكم>>.. مع <<كاتالوغ>> لحسن الاستخدام



Burhan
16-01-2006, 15:03
<<تنعاد عليكم>>.. مع <<كاتالوغ>> لحسن الاستخدام
ضحى شمس



الحمدلله، إنه لا زالت تحدث لنا في لبنان، ومع كل الأخبار السيئة التي تصلنا ليلاً نهاراً فقط لا غير، أحداث سعيدة تهلّ علينا من حيث لا ننتظر. ففي الإجمال، نسينا أشكالاً من التعابير من نوع <<حدث سعيد>> في لغتنا اليومية. فتعبير <<الأحداث>> وهو جمع <<حدث>>، نستخدمه عادة في لبنان كبديل خائف عن كلمة <<حرب>> الوقحة بواقعيتها الفجة. هكذا سميت الحرب الأهلية الطائفية التي عرفناها بين 1975 و1990 رسمياً بالأحداث اللبنانية، ومن وقتها، ومع <<فاصل إعلاني>> قدره خمسة عشر عاماً، طغت ومنذ بداية العام الحالي <<الأحداث اللبنانية>> بالجمع على أي حدث سعيد قد يأتي بمفرده، إن أتى. لدرجة أصبح مجرد جمع كلمة <<حدث>> في <<أحداث>> يستدعي في ذهن السامع توقعاً سيئاً لبقية الجملة، ما يدعم حقيقة المثل الدارج في أن المصائب لا تأتي إلا مع بعضها، في حين ان كلمة <<حدث سعيد>> توفيت تماماً في لغة اللبنانيين اليومية.
والحدث السعيد الذي نقصده هو الذي حصل لزبائن شركة <<بانكرز للتأمين>>، الذين تلقوا من الشركة بمثابة عيدية رأس السنة هدية، هي عبارة عن أسطوانة مدمجة تحمل عنوان <<نص الألف خمسمية>>، وهو عنوان النص العربي الذي كتبه وألّفّ موسيقاه الفنان زياد الرحباني، خصيصاً لهذا العمل الذي يحتوي أيضاً على نص بالإنكليزية هو مجموعة خواطر ونصائح للمؤلفة الالمانية ماري شميخ والموسيقي باز ليرمان بعنوان
sunscreen To wear .
و<<الحدث>> إلى جانب ان زياد الرحباني خرج من غواصته المجازية التي لازمها منذ اكثر من سنة بعيداً عن العواصف التي لا تنفك تضرب المياه الإقليمية للبنان، هو ان الأسطوانة ليست.. إعلاناً. أي ان الشركة لم تنتج إعلاناً عن نفسها تتسلل بواسطته إلى مزاج العيد عند زبائنها عبر تسميته <<هدية>> كما تفعل الأغلبية الساحقة من المعلنين. بل إنها قامت ببساطة، بإنتاج متنوّر (لاحظوا التناقض بين الكلمتين في سوقنا المحلي والعربي) طالبة من الفنان الأقرب إلى كونه ضمير اللبنانيين المواطنين، أن يكتب عملاً مستلهماً من روح رأس السنة الجديدة. شيئاً يشبه المعايدة والتمني بسنة أفضل من تلك التي مرّت علينا، شيء <<ينعاد عليكم بس مش نفس الشي مثل سنة الماضية>> شيء يشبه القيم الثابتة الحلوة مثل تعبير <<ينعاد عليكم>>. لذا كان هذا النص الأشبه ب<<كاتالوغ>> لحسن استخدام الحياة، دليل استخدام للحياة كأية آلة متقدمة الصنع يجب استخدامها بحكمة لا تتأتى إلا بالمعرفة وقراءة التعليمات والعودة اليها، وإلا فإنها تتعطّل مثل حياة اللبنانيين من سوء الأستخدام.
بالطبع هذا التقديم للعمل الأخير لزياد الرحباني (فبرأينا هو عمل كامل من الموسيقى إلى الكلام إلى الأداء إلى التسجيل) ليس دعاية للشركة المذكورة وإن كانت مذكورة بالاسم بداية المقالة. بل هي دعاية للرقي في استخدام وسائط الإعلان الحديثة التي تتخلى عن اعتبار المستهلك غبياً يجب إفهامه أنه يجب عليه شراء المنتوج بالمعلقة، وذلك عبر التوجّه إليه كذواقة يستحق إنتاجاً فنياً راقياً. هنا، يصبح الإعلان مرهوناً بمدى تمتع المستهلك بالمنتوج الراقي الذي أهدته أياه الشركة. يصبح الإعلان هو صورة الزبون معكوسة له في المنتوج الراقي المهدى اليه. أما زياد، الذي كان عليه الحرص على تناغم إنتاجه ذاك مع شخصيته التي عرفه الناس بصدقها حتى الفجاجة أحياناً، فقد كان عليه أن يجد <<الفكرة>> التي تشبهه، لكي يختلف العمل عن مجرد رعاية أو <<سبونسور>> شركة لنتاج فني خالص. هكذا، ومع أنه لم يلفظ اسم الشركة في النص الذي دام أكثر بقليل من عشرين دقيقة، فقد عثر على لمعته في النص التالي <<هلق الحكيم؟ ع راسي الحكيم، بس انو شو بيتمنالك الحكيم؟ انو تظلك متل النمر يعني؟ ما في! ما بدو يشتغل هوّي كمان. والمستشفى؟ شو بالله؟ انو المستشفى بتتمنّى تظل فاتحة ليل نهار، وهالعالم عم تتغندر حولها مثل الأحصنة؟ ما.. أيه: إذا بتشيل أمك ع جنب بيطلع آخرة النهار أنو ما في إلا هول جماعة التأمين هني اللي بيتمنولك كل خير. ما تدقك شوكة. شو بعملك؟ بس مزبوطة>>.
صحيح ان هذه اللمعة كان قد سبق للفنان استخدامها في إعلان قديم عن الشركة نفسها لكنه مرّ لفترة وجيزة جداً، لأسباب غير مفهومة، لكن إعادة استخدامه في وسط <<كاتالوغ>> كيف نعيش يومياتنا بطريقة إيجابية، مرّ بطريقة بدا فيها وكانه أبن لحظة سياق الأسطوانة.
لا ليس عيباً أن يقوم فنان بالإعلان. فالإعلان هو قبل كل شيء فن. <<نصّ الألف خمسمية>> تثبت ذلك. الإعلانات هي العيب. أقصد السائدة.