PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : رحيل الشيخ جلال الحنفي



Burhan
10-03-2006, 08:14
رحيل جلال الحنفي (1915- 2006)... علاّمة عراقي بلغ الصين واقترنت حياته بـ «جامع الخلفاء»
بغداد - ماجد السامرائي الحياة - 10/03/06//


جلال الحنفي (1915- 2006)
قبل خمسة أيام رحل الشيخ جلال الحنفي. ربما لم تسكن مدينة حياة رجل كما سكنت مدينة بغداد حياة هذا الشيخ البغدادي. فهو ولد في بغداد عام 1915، ودرس علومه الدينية الاولى فيها، واصبح خطيباً لأعرق جامعين من جوامعها، وهما: «جامع المرادية» (منذ العام 1935)، ومن ثم «جامع الخلفاء» الذي اصبح «زاوية حياته» فيه يقضي معظم نهاره ويقرأ ويكتب، ويلقي الدروس على طلبته ومريديه.

عن بغداد وحياتها وفنونها الشعبية و «لغتها» وضع الشيخ جلال الحنفي معظم مؤلفاته التي هي اليوم من اهم المراجع في مجالها: فنوناً شعبية، وحياة انسانية، بما تداول الناس فيها من امثال ولهجة بما اكتنزت من الفاظ. وعلى رغم انه «تغرب» عنها مرتين: مرة حين قصد القاهرة دارساً لعلوم الدين واللغة في الازهر، وثانية يوم ذهب الى بكين (من العام 1966- وحتى بدايات السبعينات) مدرساً للغة العربية في معهد اللغات الاجنبية في بكين وشنغهاي، فإنه في كل مرة كان يعود اليها وفي ذهنه ونفسه الكثير مما يقدمه الى مدينته مما يتصل بحياتها، ويجعل لهذه الحياة «تواريخها»، حتى لقب بـ «ذاكرة بغداد».

في بغداد، عقدت صلاته بكبار مثقفيها.. كما كانت له خصوماته مع كبار اختلف معهم، وأعرب هو نفسه عن هذه الخلافات والخصومات، كما أعرب عنها مخاصموه ومخالفوه بالكلام النقدي، والهجاء الشعري - وقد اتخذ من الصحافة منبراً له على مدى عقود في حياته التي امتدت 92 عاماً.. انتهت برحيله يوم الأحد الخامس من آذار (مارس) 2006.

الشيخ جلال الحنفي لم يتعصب لفكر، وان كانت له ثوابته الفكرية في كل مجال من مجالاته، واخذ الامور بموازينها، وكان عقله متحركاً وحاضراً في هذه الموازين جميعاً، لذلك لم تكن «اجتهاداته»، تعجب الكثيرين او تحظى بقبولهم. واذا كان ابان السبعينات قام بتدريس «علم التجويد» في معهد الفنون الموسيقية ببغداد، فإن «فكرته» هذه التي كان طبقها منذ وقت مبكر في حياته هي التي اطاحت به يوم كان اماماً وخطيباً لجامع المرادية، بعد ان وجد فيها البعض ما يمثل «خروجاً» يمس الدين في بعض ما له من «تقاليد»، فجرى استبعاده من «دائرة الاوقاف»، وكان هذا الموقف هو مثار الخلاف الذي نشأ بينه وبين مدير الاوقاف يومذاك العلامة محمد بهجة الاثري، وكانت النتيجة: الفصل الوظيفي واستبعاده من سلك رجال الدين. اما المحصلة فهي الخصومة مع الاثري، واربعون قصيدة هجاء للرجل- وان لم ينشر منها شيئاً، بل كان يرسل نسخاً منها لأصدقائه ومعارفه، (وكنت من بينهم، ممن يحتفظون بهذه المجموعة الهجائية كاملة!).

اما الخصومة الثانية له، والمعروفة على مستوى ثقافي، فهي تلك التي قامت بينه وبين الشاعر معروف الرصافي (توفي العام 1945) اذ يبدو انه نال من الشاعر بأسلوب قاس تعرض فيه لشخصه وشعره، ليكتب الرصافي فيه إحدى اقذع هجائياته، كان ابسط ما وصفه به فيها هو «النزق والهذر» وظلت هذه القصيدة مطوية لا يعرفها الا القلة حتى نشرها صديق الرصافي وناشر تراثه وأحد دارسيه المرحوم مصطفى علي، من بين ما نشر من اعمال اخرى مجهولة للشاعر ضمن الديوان الكامل للرصافي، مكتفياً، بالاشارة الى انه قالها في «احدهم» بعد ان تعرض له بما عده اساءة بالغة لشخصه وشعره جاءت على قلمه. وكان الشيخ الحنفي قبل ان يشيع امر هذه القصيدة بسنوات قد اصدر الجزء الاول (فقط) من كتاب له عن «الرصافي في اوجه وحضيضه» كان ينفي عنه ان يكون «متابعة للخلاف» الذي قام بينهما، وانما هو مما يقع في باب النقد الشعري لشاعر ضرب بشهرته في واقع الحياة الشعرية والاجتماعية والسياسية (كما قال لي ذات يوم حين سألته عن خلفيات الموضوع).

عانى شظفاً في العيش وصل حد الجوع. ومع ذلك لم ينكسر (على نحافة بنيانه البدني)، ولا ألقى بالقلم جانباً. كان كثيراً ما يكتفي بالخبز الحاف غذاء، يلتهمه على يباس بعد تقديده، ويتخذ من بيت من بيوت الله مكاناً يلجأ اليه (للحياة والقراءة والكتابة)، متنقلاً بين بغداد ومدن اخرى من العراق ممن كان له فيها اصدقاء (كما كان يفعل حين يأتي «جامع قلعة سامراء» منقطعاً للتأليف فيه، لا يغادره شهراً او اكثر في ضيافة صديقه امام الجامع وخطيبه الشيخ يونس السامرائي)... حتى جاء اليوم الذي كتب فيه مجموعة شعرية في مديح عبدالكريم قاسم اصدرها بعنوان «قصائدي في الزعيم» ليجري النظر في مسألة اعادته الى «الوظيفة الحكومية»... فأعيد... ولكن ليس الى «الاوقاف»، وانما الى «وزارة الارشاد»، النواة الاولى لوزارة الثقافة والاعلام من بعد. وقد تنكر لتلك المجموعة من القصائد فلم يأت يوماً على ذكرها، كما طمس معالم هجائياته للأثري مكتفياً «بنشرها» بين مجموعة محدودة من الاصدقاء، كما انه لم يكتب جزءاً آخر من كتابه عن «الرصافــــي في اوجه وحضيضه».

وبينما كان في تلك الحقبة من حياته منقطعاً للكتابة والتأليف، حيث انجز اكثر من كتاب في الفولكلور البغدادي، وفيها كان يتابع كتابة زاوية اسبوعية في جريدة «البلد»، لم تكن تخلو من معارك مع الآخرين، كان نصيبي منها مقالة تناولت خلافي معه حول «الشعر الحر»، فانه فاجأ الجميع بمغادرة بغداد.. ولكن، الى اين في هذه المرة؟ الى الصين لتدريس اللغة العربية في معهد اللغات الاجنبية في بكين، ثم في شنغهاي.. ومكث هناك بين العام 1966 والنصف الاول من السبعينات. وفي الوقت الذي كان يعلم العربية للراغبين في تعلمها من شباب الصينيين وشاباتها، كان ان تعلم من طريقهم، ومن طريق الدراسة ايضاً، اللغة الصينية، وهناك وضع اول «قاموس صيني – عربي» كان كل ما حققه من جهد علمي في اثناء «سنواته الصينية»... الا انه «نكب» بهذا القاموس يوم شحنه من طريق البحر مع ما استجمع لديه من كتب واوراق ضمت اصولاً لكتب ومقالات، مع ما تراكم لديه من امتعة... ليتسلمها من «ميناء البصرة» وقد تسرب اليها الماء في مستودع الباخرة، ماحياً كل ما كتب! فكان ذلك الحادث الاليم فاجعة حقيقية لا للشيخ الحنفي وحده وانما لاجيال من الطلبة الصينيين الذين كانوا ينتظرون طبع ذلك القاموس في صيغته الاخيرة بعد ان صرف فيه الرجل قرابة سبع سنوات من البحث والمتابعة والتدقيق... وصولاً الى وضع «المعنى الصحيح». ويــــوم سألتـــــــه عمــــا اذا كـــــــان يعتـــــزم اعادة وضع هذا القامــــــوس أكد لي صعــــوبة الامر، واضـــــاف: «سأكتفـــــي بوضـع نموذج مصغر له، عله يكــــــون دليلاً للآخـــــرين ممن آمل بأن يكملوا مثل هذه المهمة الصعبة».

غير ان اسم الشيخ جلال الحنفي اصبح من اكثر الاسماء العربية شهرة بين دارسي العربية من الصينيين... ولم يكن يزعجه منهم تحويل «الحاء» الى «خاء» عند تلفظ كنيته (الحنفي)، بل كان يقابل هذه «التسمية الصينية» بابتسامة!

وعاد من الصين الى «جامع الخلفاء» الذي اصبح جزءاً من حياته، بل اكاد اقول: ان حياته اقترنت به، وكذلك وجوده اليومي. فكان يدخل اروقته صباحاً ولا يخرج منه الا بعد صلاة العشاء، وكانت تلك الساعات تتوزع بين تدريس التجويد، والقراءة، والكتابة والتأليف، واستقبال قصاده. وفي هذا الجامع كتب اهم كتبه التي ركز فيها على كل ما هو بغدادي: من الامثال، الى «اللغة العامية» الى التراث الشعبي... اذ كان الاوسع معرفة بشؤون حياة بغداد وتقاليد البغدادييــن، وذاكرة المدينة في كل ما لها من تواريــخ.

- واذا كان قد وضع المعاجم والموسوعات، فانه اغنى ما وضع في هذه المجالات بتفاصيل لم يتوافر على مثلها احد سواه. وكما عرف «اصول التجويد» كذلك كان على معرفة شاملة بأصول «المقام العراقي»، وقد ربط بينه وبين القراءات ذات الطابع الديني... فكان صوته مساعداً على «التجويد» كما ساعده على غناء المقام، بكل ما يكشف عن خصائصه.

هذه الحياة التي عاشها الشيخ جلال الحنفي مقيماً اياها على «الاختلاف» الذي اكد فيه تفرده بالتفكير بالاشياء، واخذها بموازين خاصة غير تلك السائدة، او الشائعة، هو ما جعله يضع كتاباً في «العروض» ادخل فيه تعديلات عدة على العروض المعروف، واستنبــــط اوزانـــاً جديدة غير تلك التي وضعها الخليـــل بن احمد الفراهيـــدي وتجـــــاوز بكثير ما اضيف اليها من «مستدركات».

عاش الشيخ جلال الحنفي حياة الزهاد، فلم يكن باحثاً عن مجد او جاه. كان غناه هو غنى النفس والعقل. اما سعيه الاكبر في الحياة فكان سعياً وراء الكلمة التي وظفها خير توظيف في التأليف العلمي. نشر منه الكثير ورحل.