PDA

مشاهدة جميع الاصدارات : خمسة وأربعون عاماً على رحيل الشيخ زكريا أحمد



Burhan
27-03-2006, 15:22
خمسة وأربعون عاماً على رحيل الشيخ زكريا أحمد

التلميذ المخلص للمدرسة الفنية القديمة
والملحّن المصري الوحيد ذو اللون الشرقي البحت

المستقبل - الاثنين 27 آذار 2006 - العدد 2221 - ثقافة و فنون - صفحة 20


سحر طه

ـ إنت سمعت الست مبارح؟
ـ لا والله، أصلي نمت بعد الوصلة الأولى؟
ـ وهو في حدّ بينام والست بتغني؟
ـ إنت عاوز الجد يا ابراهيم، أنا باموت في الست لما تغني حاجة للشيخ.
وبعد، فإن الست هي أم كلثوم، والشيخ هو زكريا أحمد. هكذا كان متعارفاً عليهما بين الناس. والحديث بعض من حوار جرى أواخر عام 1953 بين عاملين في مقهى لم يعرفا بوجود الشيخ الذي يتحدثان عنه، وحين سمع هذا الكلام غمرته السعادة وقال لرفيقه: هذه الكلمة تساوي عندي أكثر من مليون جنيه".
هذه هي مكانة الشيخ زكريا أحمد التي وصلها يوماً في المجتمع المصري والعربي، فأردنا أن لا تمر هذا العام ذكرى رحيله الخامسة والأربعين.
نتذكر اليوم بعض مزايا أحد أبرز كبار الملحنين خلال القرن العشرين. عرف بغزارة نتاجاته كماً ونوعاً على السواء. فنان تمسك بجذوره إلى آخر لحظة من حياته، وعشق شرقيته وعروبته.
غادر الدنيا في العام 1961 في اليوم الأربعين لرحيل رفيقه شيخ كتّاب الأغنية الشعبية بيرم التونسي.
رحل تاركاً إرثاً غنياً (تجاوز الألف أغنية و 56 أوبريت)، تنهل منه الأجيال أفكاراً لحنية مشرقية متجددة ومضامين تأليفية ثرية بالسلالم والأنماط والتلوينات غير المستهلكة، والتي تنوعت ما بين الدور والموشح والطقطوقة وأغاني للمسرح والسينما ستبقى على مرّ العصور.
صاحب الروائع: "الورد جميل" و"قل لي ولا تخبيش يازين" و"يا حلاوة الدنيا" و"الآهات" و"هو صحيح الهوى غلاب" و"يا ويل عدو الدار" و"يا صلاة الزين" و "أهل الهوى"، والقائمة طويلة...
فكيف كانت مسيرة هذا المخلص لفنه، المعتد بآرائه، والإنسان الذي لم يتنازل عن حقوقه لأي كان حتى لأم كلثوم مالئة الدنيا، لكن كلمة طيبة تفيه حقه كانت تجعله ينسى الإساءة.
ربما يكون الراحل زكريا أحمد من فنانين قلائل كتبوا سيرتهم بأنفسهم. إذ بدأ بكتابة مذكراته اليومية منذ العام 1916، إثر حادثة، وبتفاصيل دقيقة، فكانت المعين الأول والمصدر لباحثين ومؤرخين درسوا حياة الشيخ وكتبوا عنه المؤلفات منهم صبري أبو المجد صديقه الذي ائتمنه زكريا على يومياته وسمح له بنشرها بعد وفاته وليس قبلها، لكن كتاب "السبعة الكبار" للباحث فيكتور سحاب يعتبر الكتاب الوحيد لجهة تحليل فن وأعمال وأسلوبي الشيخ زكريا أحمد في التلحين والغناء.
شقاوة طفولة وتمرد الشباب
قبل أن يلتحق زكريا أحمد بالقسم الابتدائي في الأزهر الشريف، كانت دراسته الأولى في كتاب الشيخ "نكلة". رغم شطارته وذكائه، وسرعة حفظه وحلاوة صوته، فإن شقاوته البالغة وعشقه للغناء تسببا بطرده أكثر من مرة من الأزهر. وتنقل بين مدارس عدة من مدرسة خليل آغا الأولية إلى الأزهر مرة أخرى ليجيد تلاوة القرآن الكريم. ومنذ صغره كان زكريا يميل إلى الغناء ويرتاد الموالد والأذكار ويطيب له سماع الشيوخ المعروفين بقراءاتهم وتلاواتهم وكذلك غنائهم.
تعلم على يد درويش الحريري أهم شيوخ الموسيقى على الإطلاق، حسب قول سيد مكاوي.
وعرف عن أحمد خوفه من تعنيف والده له فكان يشتري الكتب ويغلفها بأغلفة كتب التاريخ والأدب أو الدين. وفي سن المراهقة خلع الجبة والقفطان والتجأ إلى أقاربه بسبب خصامه مع والده الذي اضطر أمام الأمر الواقع إلى مصالحة ابنه إلا أن المصالحة لم تدم طويلاً إذ كانت سلسلة مآسٍ في انتظار زكريا من موت والدته إلى زواج والده بامرأة كانت تكيد له باستمرار.
عشق زكريا أحمد الغناء من صغره حين كان يسمع والدته (تركية الأصل)، تترنم بنغمات تركية شجية بعيداً من سمع الوالد، وهذه النغمات تركت أثرها في أعماق الصبي وفي مسيرته الفنية فيما بعد، وحين انتقل إلى القاهرة، عشق لياليها وحيويتها وأحب سماع الأذان وتأثر بهذه الأنغام السماوية وبالتواشيح الدينية التي كان ينشدها الشيخ درويش الحريري كما تأثر بألحان عبده الحامولي ومحمد عثمان وعبد الحي حلمي وسلامة حجازي وحفظ جميع تواشيحهم وأغانيهم ثم بدأ يخالط المنشدين والموسيقيين والمطربين.
كانت حياته مع والده عبارة عن معارك متكررة، وهروب، وحبس ومنع، ووسطاء إلى أن كان الحل الوسط في عمل زكريا كمقرئ للقرآن، ثم بدأ بتلحين الأهازيج والطقاطيق الخفيفة إذ ساد هذا النوع الخفيف في ذلك الوقت، وفيما بعد، في مرحلة النضج ندم على تلحين أغاني مثل "إرخي الستارة اللي في ريحنا لحسن جيرانك تجرحنا" وكذلك أغنية "بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة".
ثم بدأت الحركة المسرحية الغنائية بالتبلور والمسارح تزدحم بالمطربين والمستمعين خاصة في شارع عماد الدين وحي الأزبكية وروض الفرج وغيرها. وكان ظهور الحاكي له الدور الهام في الفورة الفنية والنهضة الموسيقية والغنائية وبروز أسماء لامعة في التلحين والغناء ثم زيادة إقبال الناس على السماع واقتناء الفونوغراف وأسطواناته.
وهنا برزت رغبة زكريا أحمد في دخول عالم التلحين للمسرح الغنائي خاصة بعد رحيل بطل المسرح الشيخ سيد درويش الذي رفده بالمسرحيات الخالدة والأوبريتات الغنائية. وكان زكريا شاركه تلحين البعض منها.
ثقافة وتواضع
عرف عن زكريا الفنان، بأنه ملحن واسع الثقافة ومتواضع في آن. فمن النادر أن نسمع وخاصة في أيامنا هذه، أن ملحناً وقف وراء الميكروفون يردد مذهباً في أغنية من لحنه، لمطربة وإن من الكبار. زكريا أحمد كان يطيب له في الكثير من تسجيلات أم كلثوم أن يتغنى بالمذهب مع المجموعة ويحضر التسجيل في الاستديو، وهذا نابع من حرصه على عمله، لكي يظهر في قمة الإتقان وكما يطمح. لذلك نستمع إلى أم كلثوم وهي تغني ألحان الشيخ زكريا، فيتناهى إلى أذننا ذلك الصوت الأجش العريض يخترق أصوات المذهبجية (الكورس) فيصلنا فريداً وواضحاً ومطرباً وهو يقول وراء الست: "العذول فايق ورايق عمره ما داق الغرام... "، و "قالولي إمتى قلبك يطيب وازاي يا عالم ازاي أنسى الحبيب..."، وغيرها من طقاطيق وأدوار. ولا يغيب عن بالنا غناؤه "الورد جميل" التي سجلها بعدما غنتها أم كلثوم بسنوات، أو أغنية "أهل الهوى"، وهل ننسى دور "ضيعت مستقبل حياتي" لحن سيد درويش لكن بتصرف الشيخ زكريا، في النغمات والعرب والقفلات، فيمنحها عصارة أحاسيسه الفياضة. ورغم تقدمه في العمر كان يظهر لنا مدى الثراء النغمي لديه والمخزون العلمي والخبرة الإيقاعية والأدائية التي منحته قدرة التحايل على الزمن وتحدي السن بأسلوب فني مبهر حتى بات البعض من الشباب يقلده في هذا الأداء.
خطوات أولى نحو القمة
تعلم زكريا على يد الشيخ درويش الحريري الذي يعدّ من أهم الموسيقيين في تاريخ البلاد العربية، وبعد أن شهد له بأنه أصبح صييتاً ألحقه ببطانة الشيخ علي محمود، وكان الشيخ علي سبباً في غرام الشيخ زكريا بالأذان، ذلك أن للأول طرق أداء خاصة بالأذان والتسابيح والابتهالات التي تتلى قبل الفجر في المسجد الحسيني ولكن بطريقته الخاصة حيث كان يؤدي الأذان كل يوم بنغمة مختلفة، فالسبت بنغمة عشاق، والأحد نغمة حجاز والإثنين نغمة سيكاه، وكل أثنين في الشهر ينوع بين السيكاه والبياتي أو بينه وبين الحجاز ثم بينه وبين الشوري على الجهاركاه والخميس راست والجمعة بياتي وهكذا كان الشيخ علي محمود ثاني أستاذ بعد درويش الحريري.
ثم كان التحاقه بفرقة الشيخ اسماعيل سكر وكان صيته يملأ البلاد واتجه أعيان القاهرة وكبارها لسماعه، وصولا إلى السلطان محمد رشاد خليفة المسلمين دعاه إلى الإستانة ليقرأ في حفلة كبرى، ورغم إن الآية الأولى التي استهل بها الحفل كانت تتعرض للسلطان إلا أن الأخير منحه النيشان المجيدي.
هنا بدأ يفكر بالتلحين لنفسه. لكنه آثر أن يبدأ بشخصية خاصة به ونهج لم يسبقه إليه أحد من قبل، حيث العودة إلى الريف والنهل من هذه الجذور، والحفاظ على الجمل الأصيلة النابعة من الناس البسطاء.
دوره في ثورة 1919
في معرض حديثه عن أثر الفنانين المصريين وأعمالهم في إذكاء الروح الوطنية وتأجيج نار الثورة، يقول صبري أبو المجد: ربما لم يكن الشيخ زكريا أحمد من قياديي ثورة 1919، لكن بالتأكيد انغمس فيها وصفى أعماله ولم يقبل الارتباط بأعمال جديدة منذ 9 آذار في تلك السنة وحين كان يسافر لإحياء أمسيات كان يتلو القرآن أو يقرأ الموالد النبوية، ويحمل بعض الرسائل من ثوار القاهرة إلى ثوار الأقاليم يضعها في طيات شال العمامة. وعندما يقرأ القرآن للجمهور كان يختار الآيات التي تحض على الاستبسال في الدفاع عن الأوطان والجهاد في سبيل الله وأكثر من مرة وفي أثناء وزارة يوسف وهبة باشا كان يقرأ وسط الشبان الوطنيين الثائرين قول الله تعالى:"اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم..." وكان يقرأ هذه الآية بالقراءات السبع وبالأربع عشرة قراءة مرات أخرى. وأكثر من مرة اجتمع في اجتماعات الأزهر وألقى خطباً وأناشيد وأغاني كانت تقابل من الجمهور بالتصفيق والهتاف..."
وفي تلك الفترة لحن زكريا أحمد ألحاناً سرت في الناس مسرى النار في الهشيم ومنها ما غناه عبد اللطيف البنا "قال يا سعد مين غيرك زعيم"، و "يا مصري دي أيام أنسك" و "لمصر فيك يا سعد" ، ومنها غناه زكي مراد كنشيد "مصر أولادها رجال" و "نار الوطنية في القلب". وكان لزكريا أحمد نشيد اسمه "سعد زغلول" كان يلقى في بداية العمل بمسرح الماجستيك حيث كان الجمهور والمنشدون والمطربون يرددونه معاً وقوفاً.
زكريا في رأي آخرين
رغم إن الكثير من الأعداء هاجوا زكريا أحمد واتهموه بسرقة سيد درويش مثل الكاتب يونس القاضي ومحمد البحر إبن سيد درويش ، لكنه أكمل طريقه وأثبت بما لا يقبل الشك بأنه صاحب فن خاص وذلك من خلال مسيرته وفيض ألحانه ومسرحياته.
عبد الحميد توفيق زكي
من أهم صفات زكريا أحمد الإنسانية، يذكر الناقد زكي في كتابه "أعلام الموسيقى المصرية عبر 150 سنة"، إنه كان شديد الحرص والإخلاص لأصدقائه، وله نظرة فلسفية في الحياة. لم يهتم يوماً بالمادة بقدر اهتمامه بأصدقائه وزيارتهم ومجاملاتهم. عاش حياة طبيعية ولم يعرف للحياة قيوداً ولا حدوداً، وحين يلحن يعيش مع اللحن وينسى الكون وما فيه. كان عزيز النفس بدرجة كبيرة للغاية ويمكن أن نتصور زكريا أحمد وطيبته كإنسان في كلماته المأثورة التي كان يرددها دائماً: "الفلوس لا بتدوم ولا الشتيمة بتلزق..".
فيكتور سحاب
خصص الدكتور سحاب فصلاً ضمن كتابه "السبعة الكبار"، تضمن دراسة شاملة عن الراحل نقتطف منها أهم ملامح فن زكريا وسماته، إذ يميّزه كثيراً من بين مجايليه من الموسيقيين، "... بمزاجه الخاص ذي المقومات المركبة". وفي حين يراه البعض بأنه "...محافظ يعاند التطوير والتبديل"، يعتبره سحاب بأنه طور شكلين من أهم أشكال الغناء العربي هما الدور والطقطوقة ويسوق الأدلة والبراهين من خلال تحليل أعماله في هذين النوعين أو القالبين من قوالب الغناء العربي، ويعيد إليه الإسهام في تطوير أشكال أخرى... و"...تطويره لم يمس آلات الموسيقى العربية أو المقامات العربية أو الإيقاعات. إذ أسس تطويره على ملامح عربية أصيلة، فحفظ المضمون وبدل في الأشكال، منطلقاً من الأشكال الأصلية.".
في الغناء اعتبر الشيخ مدرسة، ومن أهم عناصرها ـ حسب سحاب ـ النبر المؤخر، الذي ينم عن إحساس كامل وسيطرة مطلقة على إيقاع الكلم وتفعيلات الموازين. مما تبيح له التصرف بتقطيع الجمل كيفما يشاء.
ثم العُرب القديمة في الغناء والخنفة الموروثة عن أسلوب الإنشاد الديني وصوته العريض واستخدامه الطبقات المنخفضة بشكل لافت، والدقة في التلوين المقامي، والتصرف العبقري في اللحن وخياله الموسيقي الخصب.
محمد حسن الشجاعي
المستشار الموسيقي في إذاعة القاهرة تحدث عن غزارة ألحان زكريا أحمد بأنه لم يتوافر لأي فنان في العالم العربي ولم يسقط منه لحن.
زكية حمدان
تروي إن زكريا أحمد أمضى شهر آب من عام 1950 في بيتها في الأشرفية ليحفظها لحن أغنية "يا حلاوة الدنيا" وتقول إنه حفّظ الموسيقيين الأغنية مثلما دونت ولما حفظوه جمع أوراق النوتة وقال لهم: "دلوقت نزيح النوتة، ونعزف على المزاج".
نجيب محفوظ
يروي إنه كان في "...سهرة سمر مع الشيخ زكريا ومجموعة من "أهل الهوى" رفاق زكريا، حين أخذ الشيخ يلحن أغنية أم كلثوم: "إيه اسمي الحب ما عرفش" مقطعاً مقطعاً، فيُسمع السامرين اللحن ويستشيرهم فيه، فيخرجون من السهرة وقد حفظوا الأغنية المقبلة لأم كلثوم. وقد لحن "يا ما أمرّ الفراق"، في وسط جنازة شاب، متأثراً بحزن المشيعين. فإذا أمسك بمفتاح اللحن مرّ به الأصدقاء وحيّوه، فلا يرد".
سليم سحاب
ـ إن ("...زكريا أحمد يتبع في المعتاد تصعيد الانفعال في ألحانه، أسلوب التتالي، وهو أسلوب ترداد فقرة موسيقية على درجة أعلى أو أخفض، مثنى وثلاث، حتى بلوغ دورة الانفعال. وقد أمكن إحصاء نماذج لهذا الأسلوب الملحمي، الموروث عن مدرسة القرن التاسع عشر المصرية الموسيقية، مثل: "خلي السيف يقول"، "يا حلاوة الدنيا"، "يا صلاة الزين"، "الورد جميل"، "دور أه يا سلام"، و بداية "يا بشير الأنس"، "دور إنت فاهم"، وأنشودة "يا ويل عدو الدار"). الشهيرة التي غناها محمد قنديل.
محمد عبد الوهاب
ـ "...هذا الرجل هو أصدق من يعبر عن رأيه بالطريقة التي يحبها. وبعض شبان اليوم لا يهضمون هذه الطريقة. ولكن الواقع أن زكريا يعبر عن طبيعة نفسه بصدق وفهم نادر الوجود... في طبعه هو أيضاً التحدي، فهو يستطيع تلحين التانغو والرومبا والفوكس تروت، لكنه يصر على تلحين ذلك النوع الذي وصل إلى مركزه في عالم التلحين عن طريقه".
وأيضاً قال عنه: "إن زكريا أحمد هو الوحيد في مصر ذو اللون الشرقي البحت الذي لا يدخل عليه أي تجديد. وهو وإن كان جميلاً ومطرباً، إلا أن هذا اللون كان يلحن به الموسيقيون عام 1920,. وربما كان هو أبعد نظراً مني في هذا لكنني أرى لزكريا أن يحاول التجديد في موسيقاه، فلربما استفاد من عراقته إن هي طعمت بألوان الفكر الجديد".
رياض السنباطي
ـ إن زكريا أحمد هو التلميذ المخلص للمدرسة الفنية القديمة، وله طابعه الخاص الذي اشتهر به، الميال إلى المرح حتى في الشكوى والأنين. فكأنه كالطير يرقص مذبوحاً من الألم.
رأيه في سيد درويش
كان الشيخان بمثابة توأمين، فسيد درويش يترأس الثورة في الموسيقى العربية فيما كان أحمد يذود عنها طوال حياته. ومما قاله لأبو المجد وحسب رواية زكريا أحمد في أيامه الأخيرة، إنه التقى الشيخ سيد مرات كثيرة في الاسكندرية قبل عام 1916. وفي مذكرات الراحل يذكر مدى انبهاره بعبقرية سيد درويش وتمجيده وإعجابه بالمدرسة الموسيقية التي جدد كيانها، واعترافه بزعامة سيد الفنية.
حفظ أحمد كل أعمال سيّد وتأثر بتلحينه الروايات المسرحية والغنائية تأثراً واضحاً، فلما مات سيد ورث منه زكريا زعامة المسرح الغنائي، والقدرة على التعبير التمثيلي في الموسيقى وغزارة الألحان. وأكثر من ذلك فقد ورث صداقة العمر مع بيرم التونسي الذي كان يشكل ثنائياً مع الشيخ سيد.
خلافه مع أم كلثوم
التقاها عام 1919 ودامت علاقته بها قرابة ثلاثين عاماً، يومها جاءت إليه من السنبلاوين، بالقرب من قريتها طماي الزهايرة سمعها مع شقيقها خالد ثم زارها في قريتها، وذكر هذا في مذكراته، ثم أهدى إليها موشحاً وطقطوقة في بيتها، ودعاها إلى القاهرة. فجمعتهما سهرة ضمت محمد القصبجي وأحمد صبري النجريدي (الذ أصبح زوجها فيما بعد) والشيخ أبو العلا محمد. وبعد السهرة تم اتفاقها مع علي الكسار، لتغني بين فصول رواياته أغنيات أبو العلا وانجريدي والقصبجي، ويقول زكريا: "...منذ تلك الليلة وأنا أصم لا أسمع إلا صوتها، أبكم لا أتحدث إلا باسمها. فقد أصبحت مفتوناً بها، لأنني أحببتها حب الفنان للحن الخالد وتمنى العثور عليه دهراً طويلا. ولكن الخلاف بدأ عام 1948 على بدل الأتعاب لألحانه لأنها كانت تضن عليه بالأجر، وكانت غالبية الملحنين يومها تشكو من هذا الأمر، فتوقف عن التلحين بل وقاضاها في المحكمة وبعد سنتين تم الصلح عند قاضي المحكمة، لكنه ظل يردد طويلاً بعد خصامه معها : "أم كلثوم لها عندي وزة (أكلها في بيتها يوم زارها) ولي عندها أربعون ألف جنيه". المبلغ الذي طالبها به لدى المحكمة.
الحانه لغير أم كلثوم
وغنى له العديد من المطربين والمطربات غير أم كلثوم: عبد اللطيف البنا، صالح عبد الحي، زكي مراد، الشيخ أمين حسنين، بديعة مصابني، فاطمة رشدي، نادرة، أسمهان، نعيمة المصرية، حامد مرسي،فتحية أحمد، ليلى مراد، نجاة علي، منيرة المهدية، عزيز عثمان، محمود شكوكو، رتيبة أحمد، محمد الكحلاوي، شافية أحمد، فايدة كامل، محمد قنديل، نجاة الصغيرة، اسماعيل شبانة ونجاح سلام في موشح بنت كرم. وآخرين.
آراء هامة في الموسيقى العربية
ودائما حسب سحاب: إن لزكريا إذ كان متعصباً لها، ففي حديث لمجلة الإذاعة اللبنانية عام 1950، قال: "إن الألحان المصرية والتونسية واللبنانية والعراقية وغيرها من الألحان العربية هي فروع لعائلة واحدة، لا جدل أن بينها بعض الفوارق. ولكن الفنان اليقظ يقدر بسرعة أن يلمس هذه القربى الشديدة بين الألحان. ولهذه العائلة النغمية أنسباء وأقرباء في الأقطار الشرقية المجاورة، هي الأقطار الفارسية والتركية وألحان بعض البلدان البلقانية. غير أن ضابطاً واحداً يجمعها كلها جميعاً هو الوحدة الموسيقية التي يتوقف عليها ضبط الألحان وموازينها".
وقبل وفاته ذكر في صحيفة الجمهورية المصرية: "من العار على كل موسيقي مصري أن يقول إن موسيقانا محلية. وعبد الوهاب له قطع كثيرة تصلح لأن تكون موسيقى عالمية. واللحن الشرقي الأصيل، مهما مر عليه الزمن ممكن تداوله عالمياً، يدل على ذلك أن أغنية "زوروني كل سنة مرة" موزعة توزيعاً عظيماً ولحنها شرقي صميم وهي من ألحان المرحوم سيد درويش، وعمر لحنها الذي يذاع اليوم أربعون عاما".
ويضيف أحمد: "إننا لم ندرس الموسيقى في الخارج، وقليل منا الذي يحمل شهادات موسيقية، والذي يدرس الموسيقى الغربية بالخارج لا يستطيع أن يغني عربي أو يلحن عربي صميم، والدليل أن رابعة العدوية جميع ألحانها ليس بها لحن عربي كألحان سلاّمة. وقد أرسلَت لي الإذاعة كي أنقذ الموقف وأعيد تلحينها بسبب جهل الملحنين في تصوير اللحن بالطابع الذي يتطلبه الموقف، لأنهم وضعوا لحناً لواحدة عربية متصوفة هي رابعة، يصلح لواحدة إفرنجية اسمها زيزي في جاردن سيتي".
وفي مفهوم تجديد الموسيقى العربية قال: "إن هذا الذي يسمونه تجديداً في الموسيقى هو في الواقع قضاء على روحنا الشرقية الأصيلة. إن الموسيقى لم تعد في هذه الأيام إلا متاجرة بعواطف المستمعين. والألحان التي يقال إنها مجددة هي التي تهدم الذوق الفني في الشرق. أما أنا فلن أهبط بفني إلى مستوى المتاجرة. سأظل على ما أنا عليه، أعطي لحناً واحداً قوياً في العام وأصبه في حنجرة صافية تحسن تأديته ثم آوي إلى نفسي وأنا في اطمئنان إلى أنني أديت واجبي وليس أكره عندي من أن يمر الناس على لحن لي مروراً عابراً فلا يحسوا به".

ألحانه للسينما
شارك في تلحين73 فيلماً، تضمنت 91 أغنية من ألحانه.
1932، أنشودة الفؤاد، غناء نادرة. 1934، النائبان، أو المندوبان. 1935، بسلامته عاوز يتجوز.
1936، وداد، أم كلثوم وأحمد علام. 1936، نشيد الأمل، أم كلثوم. 1937، مبروك. 1940، ليلى بنت الريف ليلى مراد. 1940، دنانير أم كلثوم. 1940، عاصفة على الريح. 1941، العريس الخامس. 1941، الشريد. 1942عايدة ونداء القلب. 1944 البؤساء وسلامة والقلب له واحد وليلة الحظ وأرض النيل . 1945 الآنسة بوسة وأميرة الأحلام وليلى بنت الفقراء وكازينو اللطافة ونور من السماء. 1947 أنا ستوتة وفاطمة. 1948 نرجس. 1950 حبيبتي سوسو. 1951 البنات شربات وآدم وحوا. 1952 مسمار حجا وأنا وحدي وحكم قراقوش.

مقتطفات من مذكراته

عام 1918،
في 2 كانون الثاني يزوره عبد الوهاب في بيته
31 آب يقابله سيد درويش
1919 فيه أحداث هامة كان لها أثرها في حياته، يقول:
في 2 يونية عرفت أم كلثوم، وقد جاءت إلى السنبلاوين للاستماع إلي، وسمعتها تغني مع أخيها خالد وعزمتني عندها في الريف...
وفي 10 يوليو زرت أم كلثوم بطماي الزهايرة وأكلت عندها وزة على الطبلية.
في 20 أغسطس تم زفافي.
عام 1920
يسافر إلى المحلة الكبرى في 12 حزيران للعمل من أجل شهرة أم كلثوم.
في 14 سبتمبر عام 1921 ولدت له بنتاً لكنها توفيت بعد شهر ونصف.

ومن مذكراته في عام 1961 (عام وفاته) نقرأ ما يلي:
6 يناير (ك2): توفي إلى رحمة الله الأخ محمود بيرم التونسي، وشيعناه إلى ضريح السيدة زينب أنا وبديع وشهاب وكل من يعرفه...
8 يناير: عملنا بروفة أم كلثوم صباحاً.. اتفقنا على وجود عبده صالح ليحفظ.. وقالت أم كلثوم: سأتصل بعبده صالح ليخبرك بموعد البروفة.
9 يناير: توفي إلى رحمة الله أنور منسي، وعزينا فيه بعمارة الأوقاف ...
12 يناير: أحيا أولادي عيد ميلادي وحضر الحفلة منصور وعائلة محمد عثمان الذي أرسل خروفاً، ورقصوا وغنوا وبعد خروجهم حضر الفيشاوي وعائلته واتعشوا وروحوا 2 صباحاً ...
14 يناير: ...كلمني محمد فوزي لأقابله باكراً لنتكلم في تسجيل "هو صحيح الهوى غلاب" لأم كلثوم.
15 يناير: أجلت قضية الآهات ليوم 5 فبراير.
13 فبراير: ذهبت إلى ملجأ العميان في الزيتون لأسمع صوتاً جديداً قيل إنه معجزة. كانت الليلة، ليلة الأربعين للمرحوم بيرم التونسي رحمه الله وغفر له ولنا جميعا.
14 فبراير: انتهت يوميات زكريا أحمد إذ توفي ليلتها....

أهم تسجيلاته بصوته

"الأمل"، "أنا في انتظارك"، "أهل الهوى ياليل"، "دور إنت فاهم"، "يا صلاة الزين"، "الورد جميل"، "دور ضيعت مستقبل حياتي" من ألحان الشيخ سيد درويش، ودور "الفؤاد ليه نهاره".
..وألحانه المسرحية

لحن لفرقة علي الكسار ثلاثين مسرحية
ـ 1924، الغول، لبديع خيري. دولة الحظ لأمين صدقي.
ـ 1925، ناظر الزراعة لأمين صدقي. عثمان حيخش دنيا لبديع خيري. الطمبورة لحامد سيد. الخالة الأمريكانية لحامد سيد. إبن الراجا لبديع خيري.
ـ 1926، 28 يوم لحامد سيد. أنوار لبديع خيري. آخر موضة لخيري. نادي السمر لسيد. الكونفال لسيد. أبو زعيزع لخيري. الوارث لخيري. حكيم الزمان لجبرائيل أجفا وأحمد زكي.
ـ 1927، السفور. البرنس الصغير. مملكة الجمال. قفشتك وزهرة الربيع كلها لحامد سيد. وإبن فرعون لأحمد زكي.
ـ 1928، البلابل والكنوز لبديع خيري.
ـ 1929، العروسة. العيلة. مين فيهم. أبن الأومباشي. طاحونة هوا كلها لسيد حامد. مافيش منها. وملكة الغابة لخيري.

فرقة زكي عكاشة لحن ثلاث مسرحيات:
ـ 1926 علي بابا لتوفيق الحكيم ، الأستاذ والحساب لبديع خيري 1927.

فرقة منيرة المهدية:
ـ 1927 أبو النوم. الأميرة الهندية لحامي سيد . و 1938 جيوكوندا والأميرة روشنارا لخيري .
فرقة عزيز عيد وفاطمة رشدي سبع مسرحيات:
ـ 1927، سالامبو. بدر البدور. 1928، حلم ولا علم. 1928، الساحر أبو فصادة. السكرتير. غاية المنى. 5 مليون.

فرقة نجيب الريحاني ثلاث مسرحيات:
1928، ياسمين. 1938، أنا وانت. 1939الدنيا جرى فيها إيه.

فرقة صالح عبد الحي مسرحيتان:
1929، قاضي الغرام و1930، عيد البشاير.

فرقة يوسف وهبي مسرحية واحدة:
1930، الهاوي

الفرقة القومية مسرحيتان:
1940، يوم القيامة و1945، عزيزة ويونس.

للمعهد العالي للموسيقى
1941، مسرحية سيدي المنجد فقط.

Najib
27-03-2006, 17:27
Thanks Burhan,

And I'll put something special for Zakariya tomorrow.

Cheers
Najib

3amr
27-03-2006, 19:55
now I have something to think about at school tomorrow, instead of how boring life is.