صفحة 2 من 2 الأولالأول 12
عرض النتائج 11 إلى 17 من 17
  1. #11

    إفتراضي

    قد جمع أبو العلاء فمنع وأوعى، وأفهم بلسان البلاغة فسحر وأدهش،
    أما الفريد فله أناقتان، في الفكرة وفي التعبير،
    حتى يكاد كل قول بعدهما يغدو انطباعاً إذا ما امتلك حرارة التجربة افتقد سمو العبارة ورشاقتها، وإذا ما صدر عن الجوانح تعثر دون إحاطة التدقيق

    وإني لمدرك قصور لغتي، وضعف حجتي، غير أن لي تعليقين لا يرقيان إلى مستوى النقد، الأول إنني أعرف علاقة الصوفية بالسماع، لكنني مصاب بالحساسية تجاه ذلك، لما نشهده من شطحات ونفاق مدعيها، والثاني أنني يا أبا العلاء أطرب، لا لعبده داغر من بين آخرين، بل أيضاً لباخ، رمز العقلانية في المويقى الأوروبية الكلاسيكية، والواقع تماماً في صلب الكنيسة وتعاليمها وموسيقاها، حتى قال عنه أحدهم "الله مدين بكل شيء لباخ" (وناقل الكفر...). رغم ذلك أشعر بطرب، مرهوب أمام باخ، ومن منا لا يحلم بالاستماع إلى ارتجالاته!!!! وأخسب أن هنالك خطراً، لا خطأ فحسب، في تأويل باخ من خلال ذائقة القرن التاسع عشر، كما يفعل الكثير من العازفين. ذلك أن باخ، المترفع عن عالم البشر والرافع لمستمعه معه إلى سماوات "لا يطار إليها على جناح"، بحسب الفريد، يستطيع أن يتحول إلى وحش غنائي lyrique مفترس للقلوب إذا ما أسيء تأويله، والغنائية Lyrisme وشقيقتها الرومنطيقية أيضاً من الأمور التي أعاني من حساسية تجاهها، فعذراً.
    و كتابة أبي العلاء ذكرتني بنيتشه، وتطلبه لدرع يقينا من سطوة الموسيقى إذا ما تقدمت سافرة دون استتار ودون أثقال.

    كي أعود إلى فكرتي بعد هذه الاستطرادات الجاحظية، أنقل إليكم مقطعاً من مقالة كنت كتبتها، ولم تنشر بعد، عن أم كلثوم، وفيها نقاش لكتاب حازم صاغية عنها.

    الطرب في لسان العرب و في الصحاح و في مقاييس اللغة خفة تعتري المرء من سرور او حزن. أما الطرب في الموسيقى العربية فهو في الحقيقة الخفة نفسها. خفة العازف أو المغني و خفة المستمع. لذا كان التطريب لغةً هو مدّ الصوت و تزيينه و كان الطرب بالتالي الإعجاب بهذا التزيين. يخطئ كثيراً من يظن أن الطرب "التكراري" يعمل وفق نفس نظام الزار أو الهارد روك، أو لطم عاشوراء، أي التكرار الإيقاعي العنيف الذي يسري في نفس المشارك فيه حتى الذهول و الغيبوبة عن النفس. (...) كما يخطئ من يحسب أن الطرب ينبع من تماهي المطرب مع نصه و من تماهي المستمع مع الإثنين. (... ) من المعروف المشهور أن من الآلات من هو كالعود سلطان الطرب، و الطرب للعازفين كثيراً ما يفوق الطرب للمغنين. بل إن سطوة اللغة في العربية هي تحديداً أحد أسباب تحريم الموسيقى و الغناء، و ضعف الموسيقى البحتة طويلاً و أحد أسباب غياب القصائد الكبرى عن الغناء، ذلك أن الموسيقى و اللحن بالغا القوة إلى حد أن كل كلام سيكون لهما تابعاً و مسحوقاً أمام مضاء الجملة اللحنية و تقطيعاتها، و كثيرة هي نماذج تقطيع الكلمة و تكرار أحرف أو مقاطع منها في الغناء "القديم".

    الطرب هو خفة اللحظة لا ثقل كثافة الفكرة. الطرب هو إعجاب المستمع بقدرة العازف أو المغني على تطويع آلته، و على قدرتهما على اللعب مع الإيقاع و الزمن و التحايل عليه و الإلتفاف على صرامته، و على قدرتهما على مفاجأته في الإنعطافات المقامية (التي تحدسها الأذن حتى غير المتخصصة) و ما تستتبعه من اختلاف مفاجئ في "نكهة" الصوت أو النوتة، و هو أخيراً الإعجاب بالقدرة على الزخرفة و التنويع (لذا كان التكرار مطلوباً في البداية لترسيخ الهيكل الأساسي الذي سيتم التنويع عليه). في مطلق الأحوال، الطرب يتطلب انتباهاً عالياً، لا "ذوباناً و غياباً"، و استقلالية ناقدة للمستمع، و هو بهذا يتنافى كلياً مع التماهي مع المغني، إذ يتطلب من المغني أن يدهش سامعه في اللحظة، و من هنا ارتباطه بالمسرح، لا أن يهدهده. الطرب دعوة مستمرة من المؤدي و من المستمع ـ الذي ليس أبداً متلقياً سلبياً ـ إلى لعب ممتد إلى ما لا نهاية كالخطوط الهندسية المجردة للزخرفات العربية.


    ثم أعود بعد هذا المقطع لأقول في انطباعات سريعة وألفت إلى أن الطرب، إضافة إلى معانيه الكثيرة، اسم لمسميين، فهو اسم لطريقة في الغناء والموسيقى، واسم للشعور الذي تبعثه هذه الطريقة (وقد تبعثه أمور أخرى) في النفس.
    لذا فإنني حين أتحدث عن الخفة أقصد خفة الموسيقي، ولا أستثني خفة العقل في حال الطرب.

    من الأمور الأخرى التي قد تبعث على الطرب، بحسب الأمثلة التي يقدمها اللسان، الفراق، ورؤية البرق للعطاشى. وهذا قد يرد على سؤال الأخ هلال عن طرب العين، إذ يلوح أن العين قد تكون طريق الطرب، كالأذن، لكن ما يطرب في النهاية هو النفس.

    لكنني أحدس أن أصل معنى الطرب هو الغناء والتكرار والتحسين، لأنه أساساً المعنى الأكثر حسية ومادية، وهما ما يغلب أن يكونا في أصل اللغة وبدئها قبل السمو بها إلى التجريد، ثم مدته العرب من طريق المجاز إلى الأحوال النفسية التي يبعثها في النفس. لذا فإنه ليس الحزن أو الشوق أو الفرح إلا مجازاً، وإنما قد يكون أصله الغناء بوصفه باعثاً على هذه الأحوال. وأما القاسم المشترك بين هذه الأحوال فأراه مجدداً تلك الخفة التي تعتري المرء في الحالات النفسية القصوى، من ذهول أو شرود، أو استغراق، أو ضرب بالأخفاف على الرؤوس وشق الثياب، على ما ورد في أخبار القدماء عن سماع المطربين. وأحسب هذه الخفة مرتبطة، كما في قواعد السينما مثلاً، بقواعد مرسومة في وعينا، حول تطلب العودة إلى الركوز، كتفريغ للشحنة النفسية التي يملؤنا بها التوتر الناجم عن الجملة قبل استقرارها، أو حول التشويق والمفاجأة. ولهذا أحسب أن الطرب هو رد على نوع خاص من الجمال، لا يشبه الجمال في الصورة البصرية (من نحت أو رسم) حيث أصل الجمال فيها مرتبط بالسكون (وهو ما أوجزه المتنبي، في تناهى سكون الحسن في حركاتها...).بل هو جمال مرتبط بالحركة، وورد في اللسان عن ثعلب أن الطرب هو الحركة.

    أخيراً أترككم مع دلالات أحرف ط ر ب بحسب جدول العلامة عبد الله العلايلي، وفيها للناظرين درر نوادر وبحور يغاص فيها على الجواهر

    ط: يدل على المَلَكَة في الصفة، وعلى الالتواء والانكسار

    ب: يدل على بلوغ المعنى في الشيء بلوغاً تاماً...

    ر: يدل على المَلَكَة، ويدل على شيوع الوصف، وفي مكان آخر أنه يدل على الانتشار والتكرار

    ويعلق أحمد بيضون على هذا الجدول قائلاً "إن حدس خلل فيه هنا أو هناك أيسر بكثير من إثبات هذا الخلل أو إصلاحه"، وإن كان ليس لزاماً أن يعتمد بحذافيره.
    آخر تعديل بواسطة Hattouma ، 09-11-2006 الساعة 09:49

  2. #12
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    البلاد المنخفضة.....Netherlands
    المشاركات
    8

    إفتراضي


    يا سلام على المشاركات و الإنطباعات الجميلة ...إستمروا ..و أرجوا من الأعضاء أن يشاركوا بما يرونه فيما هو الطرب ؟ ببساطة فهذه محاولة لجمع الإنطباعات و ليس بالضرورة للتظير أو للدراسة

    a bit in Enlgish ,
    i am not going to try to translate Abu Alaa's elaborated post that includes the Arabic Lexicon meaning of the word (which might interest our non-arabic speaking members ) but the main point is that "Tarab" is in the domain of the soul,where the rational mind has no powers ..its sadness and happiness alike (as well as mixed ) the art built around tarab is an art completely dedicated to and inspired by the soul and emotions ...

    anyhow ..i am not in favour of translating the term ,and agree with the carefulnes Christian Poche suggests when using words as ecstasy ..for many reasons ( ecstasy in the dictionary is A feeling of immense joy /or/ trance like state ) This does not include the sadness and other emotions provoked or provoking . it is one of these words that should be mentioned as it is ..and we will continue to write what does it mean to us here
    آخر تعديل بواسطة أبو علاء ، 09-11-2006 الساعة 09:34

  3. #13
    تاريخ التسجيل
    Mar 2006
    الإقامة
    California
    المشاركات
    7

    إفتراضي الطرب

    لقد ترددت في المشاركة بهذا الموضوع كون ما سبق و تم قوله يفوق أي رأي لي في المسألة المطروحة.

    سوف أتغاضى التعريف اللغوي و أنطلق مباشرة إلى وصف الطرب من منطلق ما أشعر به عندما أسمع موسيقى يتعارف على أنها طربية.

    لأكن صريحا، أنا لم أشعر بالطرب أو أبدأ بتقديره و ملاحظته إلا مؤخرا، و ذلك في بعض تسجيلات أم كلثوم و صالح عبد الحي. فأنا قليل التركيز في الإستماع (و هنا تبرز فكرة التركيز التي سأعود إليها)، و بما أني تأخرت إلى الآن حتى بدأت أتعرف على المقامات أولا و ملاحظة الإنتقالات بينها ثانيا، و الثاني أعتبره أهم من الأول، و هذا ما يفسر طرب من لا يفهم بالمقامات و لكن يركز في الإستماع.

    لنفترض أنني أستمع إلى رق الحبيب، و بدأت الست ترتجل في مقطع سهرت أستناه. كل مرة تقفل بطريقة مختلفة، أنا لا أعرف كيف تنوي الست ختم عبارتها، أصغي إليها و قد انغمست في صوتها، و بدأت أتتبع كل انحناءة و انعطافة حتى بدا لي الصوت كأنه نهر هادر يأخذني معه. عندما أصبح في هذه المرحلة، أرى وجي بدأ بالإنقباض في تعبير غريب، و أرى رأسي بدأ يهتز يمينا و يسارا، و نعتقد الآن أن الست ستكمل بهذا الأسلوب، و لكنها تقرر فجأة أن تمد الناه في استناه، و إذ بهذه الحركة البسيطة تسمرني في مكاني بسلطان لها غريب حتى تقفلها الست ببحّات و عرب تفجر كل ما تم تخزينه في الفترة السابقة، فإذ بنشوة غريبة تجتاحني، فما أرى إلا يدي و قد امتدت لتضرب الطاولة أمامي بعنف. ما ذنب الطاولة، لا أدري، و لكنني أعلم أني انطربت عندما تبدأ الطاولة بدفع الثمن.

    هذا الطرب الذي وصفته نوع من الطرب كالكهرباء، أو كالأفعوانية في مدينة الملاهي، لا يحصل بلا قدرات الست الصوتية (و قد حصل هذا في الآهات في قد ما حبك بأداء صالح القديم)، و لكن الطرب قد لا يحتاج إلى كل هذا الصوت، فكما نعلم، لم يبذل زكريا أحمد كل هذا المجهود الصوتي في سبيل الوصول إلى الطرب، و لكنه وصل، كيف؟ باللعب على الإيقاع و حتى معاكسته، بالإرتجال اللحني الذي لا يجاريه فيه أحد (و بقية خصائص أسلوبه معروفة). و لكن هناك فرق بين هذا الطرب و ذاك، و قد سبق و قلت في مقارنة أداء الست و الشيخ لأنا في انتظارك، أن أداء الست منشطات، بينما أداء الشيخ مخدرات، و تستنتج الفروقات من هنا.

    لقد أسهبت في شرح نواح قد لا تكون ذات فائدة هنا، و قد لا توصل لنتيجة في تعريف الطرب، لكنها تصف ما أعتبره أنا شخصيا طربا.
    آخر تعديل بواسطة 3amr ، 10-11-2006 الساعة 22:18

  4. #14
    تاريخ التسجيل
    Mar 2006
    الإقامة
    Paris, France
    المشاركات
    1

    إفتراضي

    @ Amr
    أشرت إلى التركيز، وهو عنصر جوهري : الطرب يتولد من التركيز ولا يمكن أن يَطرب من لا يركز فيما يسمعه.
    أما ما تصفه يجعلك أهلا لطرب عبد الحي حلمي والمنيلاوي وحجازي وأتعجب كيف لم تذكرهم . هل تقف فعلا جودة التسجيل دون انسجامك، دون انجرافك في هذا التيار الذي وصفته بفصاحة ؟

  5. #15
    تاريخ التسجيل
    Mar 2006
    الإقامة
    California
    المشاركات
    7

    إفتراضي

    @fred

    للأمانة، التسجيلات القديمة لا تزعجني إذا حسن نقلها، و لكن مشكلتي أن القسم الآخر من اهتماماتي، و هو التسجيلات الأوبرالية العتيقة جدا عودني على كره الفلترة كرها عميقا، و لكن للأسف فبعض الناس لا تقوى على تجاهل الضجيج رغم أن إزالته تقتل الصوت. (يعني أنا من عشاق الخشخشة).

    ما قلته ليس عذرا لنسياني ذكر حلمي و المنيلاوي و حجازي، فالحاجز الحقيقي هو التركيز و كما قلت، أنا جديد العهد في مسألة الطرب.

    للصراحة، الآه التي سلطها علي أبو الحجاج فيما رفعت منذ قليل مشكورا (و هي تسبق ما أعتقد أنه مقطع راست)، أطربتني للغاية، أما الجواب المرعب الذي يبلغه عبد الحي أفندي في كلمة الأمان في سلّمت روحك، فقد كادت أن تتسبب بكسر الطاولة رغم أنّي لم أكن أركز آنذاك.

    عليّ أن أعيد الإستماع لما أصبح في جعبتي من تسجيلات.
    آخر تعديل بواسطة 3amr ، 10-11-2006 الساعة 22:19

  6. #16
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    البلاد المنخفضة.....Netherlands
    المشاركات
    8

    إفتراضي


    آسف لغيابي و أشكر الأخوة الذين شاركوا بإنطباعتهم و بإنتظار المزيد..أتعليق سريع على الكلاسيكية الغربية فمعظم إنتاجها منذ زمن بعيد لم يكن العقل تمكن تماما بعد ( مسيرة إعلاء العقل الغير متوقفة و التي ميزت الغرب بالإضافة لثقافته و تاريخه المختلف بالطبع) بل من أسرارها و جاذبيتها هو روحانياتها.. و الله أعلم (و لن أذهب أبعد لجهلي العام بالموضوع و هو غلى أي حال ليس موضوعنا هنا . و هو مفهوم الطرب في الشرق ...أشكر الأخ
    Ovide
    الذي ابان معظم الملاحظات التي لاحظتها من الطرب في رحلتي -القصيرة - معه ..كالفرق بينه و بين
    Ecstasy
    أو
    trance
    التي تستخدم على الدلالة على حالة الزار أو الموسيقى الإيقاعية التكرارية
    و إرتباطه بالحضور الحي على المسرح ( بالتأكيد تراجع المفهوم مع تراجع الحضور و التفاعل الحي بين مستمعين و مطربين-عازفين...و حفلات الإذاعة الحية كانت مرحلة متوسطة فالناس كانت تستمع للراديو في عقوده الأولى كأنها في المسرح و مع وجود عنصر التركيز ((كما أشار عمرو)... و المفاجأة إلخ
    و ما ذكره أيضا و أردت أن أؤكد عليه من إزدواجية مفهوم الطرب ..فهو الوسيلة و الغاية..فهو يعبر عن إحساس المستمع و نشوته (الغاية) و أيضا عن الوسائل التي يستخدمها المطرب أو العازف لبلوغ هذا الهدف (كما قال أحد الأخوة عن أم كلثوم في أحد حفلاتها...طربت و أطربت . و قد يكون موضوع لطيف محاولة جمع هذه التقنيات المستخدمة سواء في الغناء أو الموسيقى مثلما حاول فريدريك في بحثه جمع تقنيات الغناء المصري في عصر النهضة . التطوير المقامي للجمل و القفلات والتكرار و التقطيع...إلخ


    So the term Tarab can be the means and the end ...the end with the aim of stirring the listener and move his feelings ...but also the ways and techniques used by the singer "Mutreb"or Musician to reach this end.

  7. #17

    إفتراضي

    تابعت هذا النقاش في لقاء قبل عام في بيروت، ونشر نصه مختصراً، قبل بضعة اشهر، على موقع معازف حيث تسجيل اللقاء متاح أيضاً بالصوت والصورة لمن يشاء. والشكر للجميع في هذا المنتدى حيث استفدت من افكارهم والنقاش معهم ولا ازال تلميذاً في مضمار هم اساتذته

    يعتمد هذا النص، دون أن يتبعها كلمة فكلمة، على المحاضرة التي ألقيت في دار النمر في بيروت، في ٧ شباط / فبراير ٢٠١٩.

    إذا ما ميزنا الطرب كانفعال عن النمط الموسيقي الذي قد نسميه موسيقى الطرب، أي الموسيقى المهجوسة بإحداث الطرب، سيظهر أن لكل امرئ طربه الخاص. ذلك أن الطرب كانفعال مرتبط بردود الفعل الذاتية على الموسيقى. رغم ذلك هل من الممكن أن نرى قواسم مشتركة في اللحظات التي تستثير الطرب في موسيقانا وما يجري فيها في نفوسنا؟ ربما علينا أولًا أن نميّز بين الطرب وبين انفعالات أخرى تحدث تفاعلًا مع الموسيقى.

    يتمظهر الطرب، كما يظهر من ردود فعل السامعين، في الشتائم، أو في الضحك، أو في هز الرأس والتمايل، أو الدق على الطاولات أو الأرض، أو غالبًا في التهليل وقول: “الله”. الطرب إذًا أقرب ما يكون إلى انفجار قصير يطفح إلى سطح الحواس، بعد فترة من التركيز على المسموع، ولا ينحصر في هز الجسم مع الايقاع ولا في التحليل العقلي أو الذاكرة.

    لذا في ظني إن الطرب مختلف عن الانبساط والراحة، والموسيقى الهادئة في الخلفية التي لا تتطلب تركيز المستمع وتفاعله. كما أنه مختلف عن الرغبة بالرقص، وعن الخدر والترانس أو الجذب، سواء كان مصدره الزار او الهيفي ميتال. حيث أن هذه كلها مرتبطة بالتكرار الإيقاعي، القوي غالبًا، وأثره البيولوجي على الجسد، وليست مرتبطة حقيقة الأمر بالميلودي الموسيقية، لا سيما التي تتضمن تلاعبًا إيقاعيًا وكسرًا لتكراره.

    هو أيضًا ليس انبهارًا بتقنية العازف والسرعة في العزف أو المهارة الخالصة، حيث يظل هذا الانبهار على مستوى بصري غالبًا أو عقليّ محدد، ولا ينطلق منه ليشمل ما نعرفه عن الطرب من خروج المرء عن طوره ووقاره. كما أنه، لنفس السبب، ليس إعجابًا وتقديرًا جماليًا مفكَّرًا فيه نجري له تقييمًا ذوقيًا متأنيًا.

    أخيرًا، لا علاقة للطرب بالتماهي الشعوري مع المغني أو المغنية أو كلام الأغنية، وشعورنا بأنه ينطق بما في قلوبنا، بما يُخرجه تمامًا عن التفاعل مع الموسيقى في ذاتها ويصبح انسجامًا مع الكلام أو مع صورة النجم؛ مثلما أن لا علاقة له بمشاعرنا الخاصة التي تستعيد الذكريات الخاصة والحميمة التي صاحبتها مثل هذه الموسيقى في ماضي الزمان، كلقاء أو انفصال أو ذكرى حب، وهو أيضًا ما يخرجه عن التفاعل مع الموسيقى في ذاتها ليصبح حنينًا أو حسرة أو استرجاعًا للماضي.

    قد تسعفنا اللغة، بوصفها خزانًا للتجارب الإنسانية ولما التقطه السابقون من جوانبها وحاولوا وصفه عبر طبقات من المعاني تراكمت عبر الزمن، في الاقتراب من وصف الطرب. في لسان العرب، يرتبط الطرب بالصوت طبعًا فهو ترجيع الصوت وتزيينه، ومده وتحسينه، غير أنه يرتبط أيضًا بالخفة إذ قيل: “الطَّرَبُ خفة تَعْتَري المرء عند شدَّة الفَرَح أَو الحُزن والهمّ.” أشيرَ أيضًا إلى أنه خفة الإبل في السير إذا توجهت نحو أوطانها (ربما كان خفة المؤدي ورغبة المستمع أيضًا بأن يتخفف). غير أن الطرب ممكن أيضاً بالنظر (كطرب الدواب إذ ترى البرق فتستبشر بالمطر) أو الشم حيث الأطراب هي الرياحين.

    لكنه لا يقتصر على ذلك. هو أيضًا في بعض الأقوال الفرح او الحزن في ذاتهما، وذكر الشدياق أنه من الأضداد، وقال ثعلب: “الطَّرَبُ عندي هو الحركة.” في لسان العرب أيضًا إنه الشوق، والثَمَل أي السكْر. أما إذا رجعنا إلى المعاني الحسية المباشرة التي قد تكون أقرب إلى الأصل زمنًا، فنرى أن المَطْرَبُ والمَطْرَبةُ: الطريق الضيق، او قيل الطريق الواضح ولعله على الوجه الأصح طُرُقٌ صِغار تَنْفُذُ إِلى الطرقِ الكبار. كذلك يقال: طَرَّبْتُ عن الطريق: عدَلْتُ عنه، مثلما كان اللحن في الأصل العدول عن صحة الكلام وقواعد اللغة.

    في قول عبد الله العلايلي في أبحاثه عن معاني الحروف في مقدمة لدرس لغة العرب، وفي حواره مع أحمد بيضون في كتاب كلمن، تدل الطاء على الالتواء والانكسار، والراء على الانتشار والتكرار، والباء على بلوغ المعنى بشكل تام. يكون الطرب إذًا انتشارًا تامًا بالغًا للالتواء، او تكرار الانكسار. يتحصل من ذلك، في تقديري، أن الطرب أساسًا هو الانتشار والالتواء المفضي إلى مكان أوضح وأوسع، بما ينشر الراحة والخفة ويتسبب في الحركة، من ثم أصبح هو في نفسه الشعور بالخفة حتى لو تسبب بها الحزن أو الشوق أو الخمر. أما الصوت فهو الذي ينتشر ويلتوي ويخاتلنا حتى يصل بنا من طرق صغار إلى طرق كبار بعد أن يطرب عن الطريق، أي يعدل عنه، ثم يرجع مزينًا وممدودًا ومحسنًا فيحدث فينا هزة الطرب. الطرب إذًا مخاتلة الحاصل للمتوقع من سياق الماضي، انفراج بعد عسر أو تغيير بعد إقامة، أو مفاجأة تشبه الضحك وتنشر تأثيرًا مشابهًا له (وربما كما الضحك يكون الطرب جماعةً أسهل) وحركة تطفو إلى سطح الحواس. ما يشدد على هذه الحركة الظاهرة قول السُّكَّريّ الذي ينقله ابن منظور: “طَرَّبوا صاحُوا ساعةً بعد ساعةٍ.” تحمينا هذه الحركة والخفة حتى من طغيان الفرح أو الحزن في ذاتهما وتنقلنا إلى الراحة بعد التوتر.

    هذه المخاتلة غالبًا على علاقة بالارتجال، حيث يفاجئ المؤدي حتى نفسه. على ما يروى عن أم كلثوم مثلًا أنها في أحيانٍ كثيرة تكون غير مصدقة لما أدته عندما تسمع تسجيلاتها بعد الحفلة. في كل الأحوال الطرب على علاقة بخيارات الأداء التي تسمح بإنتاج الحاصل الصوتي النهائي، بما يتضمن مفاجأة تخالف المتوقع الذي سمح به السياق المبني من قبل. يمكن الحصول على ذلك بأساليب مختلفة، لذا فإن أدوات الطرب وتقنياته كثيرة، خاصة في موسيقانا الطربية التي تتخذ من إثارة الطرب هدفًا أساسيًا لها، ويمكن لهذه الأدوات أن تتراكب بعضها فوق بعض، شرط أن يكون المستمع متنبهًا إلى الموسيقى. نعدد بعضًا من أبرز تلك الأدوات في ما يلي:

    اللعب بخامة الصوت وتغييرها (تبسُّم أم كلثوم أو بحتها، أو رقة صوت الشيخ صلاح الدين كبارة او حسن الحفار حينما يشاءان) أو بالناتج من صوت الآلة (كما يفعل حازم شاهين أو مصطفى سعيد أحيانًا).
    الزخرفة ضمن الجملة الأصلية في مجال ضيق (مثال تحليل عمار الشريعي لجملة “الموجة تجري ورا الموجة” التي تؤديها أم كلثوم في فاكر لما كنت جنبي)، أو ارتجال جملة جديدة (مثل نور الهدى على يا جارة الوادي أو بكري الكردي) خصوصًا في مساحة ضيقة وضمن إيقاع معقد (القصبجي مثلًا أو حسن الحفار)، وأحيانا مفاجاة العودة إلى المألوف بعد الارتحال في الارتجال (في ارتجال أم كلثوم في حفلة المغرب).
    الانتقال من مقام إلى آخر (كانتقال عبده داغر غير المتوقع أثناء التقسيم من الحجاز إلى الصبا).
    أحيانًا التغييرات الصغيرة جدًا، الميكروتونالية، التي تغير صوت النوتة نفسها (كخفض اللا والسي بيمول مثلًا في جملة هابطة في مقام الراست كما في تقسيم ممدوح الجبالي)، أو تركيب الجملة لإشباع المقام وإبراز مفاصله بما يضفي نكهة مختلفة على نوتة معينة (مثلًا تقاسيم السنباطي).
    التغيير في الإيقاع (بما في ذلك تغيير إيقاع التفاعيل داخل الجملة المرتجلة، كما يفعلان أم كلثوم والشيخ علي محمود)، أو التلاعب معه بخلخلة مواضع الضغط في مقابل الجملة الميلودية كما يقوم به مثلًا زكريا احمد.
    شحن القفلة فوق المتوقع (فيحصل أحيانًا تصفيق حتى قبل القفلة نفسها، كما يحضّر السنباطي لقفلات أم كلثوم) أو خطفها قبل المتوقع (تقاسيم عبده صالح)، والقفلات المخادعة التي لا تقفل فعلًا (مثلًا الشيخ علي محمود).
    بالإضافة إلى الدمج بين هذه التقنيات المختلفة (حسن الحفار مثلًا)، واللعب مع المستمعين (ولعب المستمعين والمطيباتية، كما في أيام المنيلاوي وتغنيه في منتصف الدور الشهير يا مانت واحشني بالنون السابقة على نون أم كلثوم المغربية الشهيرة، حيث أنهم يُشعرون المؤدي بتفاعلهم معهم فيطيب له التفنن أكثر، كما حين ذكرت أم كلثوم اصطفاءها سامعًا او اثنين تغني لهم تحديدًا في كل حفلة)، واللعب مع الفرقة (أم كلثوم مثلًا في ارتجالات مطلع حفلة أهل الهوى القصيرة) في سياق من الخفة، شرطه طبعًا خفة المؤدي ورغبة المستمع في الوصول إلى مثل هذه الخفة، واستعداده من خلال التنبه والتركيز على حركة الموسيقى في ذاتها، وإن لم يُشترط لذلك أن يكون المستمع خبيرًا بالموسيقى.

    الطرب إذًا مرتبط أيضًا بقدرة المؤدي على إنشاء السياق وتمكنه من ذلك، ومفاجأته للمستمع وحتى لنفسه. من ثم تسمح ألفة المستمع بالفن والسياق بإنشاء التوقع، وكذلك تقدير ما هو مكرور وتمييزه عما هو حقًا مفاجئ، أي الاستمتاع أكثر بالطرب تفاعلًا مع هذه الموسيقى. قد يكون عصرنا هذا أقل إنتاجًا لموسيقيين مدربين على أداء موسيقى الطرب، غير أن هذه الموارد والتقنيات لا تزال حية، فإلى جانب كبار مثل الحفار وعبده داغر، هنالك أجيال أخرى مهتمة بالتفاعل مع موارد الطرب واستعمال موسيقاه وتقنياته في إطار موسيقي حداثيّ، مثل مصطفى سعيد وحازم شاهين وطارق عبد الله وليال شاكر وريما خشيش وسواهم، فضلًا عن استمرار هذه الموسيقات بأشكال مختلفة في الأداء الشعبي الديني، سواء الإسلامي أو المسيحي، في العراق وسوريا ومصر. مثل هذا التفاعل ليس انقطاعًا لكنه محاولة لبناء سياقات جديدة، تسمح بالألفة معها وتاليًا بطرب جديد، مرتكزة على موارد من الطرب ومن سواه (التوزيع، التجارب التونالية أو الهارمونية أو الإيقاعية، المزيج الجديد للآلات). محاولة بناء مثل هذه السياقات الجديدة هي في أساس أي عمل فنيّ جديد، بحسب رأي أمبرتو إيكو، من حيث هو تأسيس لكودٍ (أو لقانونٍ) جديد للجماليات.

    الطرب دعوة إلى لعب لا نهاية له، وهو في الآن عينه ـ مثلما يصف فرانسوا شاتليه الواقع ـ حاضر، حيوي وجديد في صورة ما، ومثل الفلسفة، حيث أنه من وظيفة الكتابة عنه أن تعبر عن قدرته هذه وأن تحميها، قدرة أن يتحقق دون أن يتكرر ولا أن يُستنفد.

صفحة 2 من 2 الأولالأول 12

قوانين المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •