عرض النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: فيروز، غيمةُ القَطْرٍ العذبٍ التي مرّتْ من هنا

  1. #1
    Burhan Guest

    إفتراضي فيروز، غيمةُ القَطْرٍ العذبٍ التي مرّتْ من هنا

    فيروز، غيمةُ القَطْرٍ العذبٍ التي مرّتْ من هنا

    المستقبل - الاحد 19 تشرين الثاني 2006 - العدد 2450 - نوافذ - صفحة 10


    فاطمة ناعوت

    هذه فيروز، الغيمةُ العذبة التي مرّت على سمائنا العطشى فبللت حلقَها. ونقطة النور التي دخلت روح أجيالنا، نحن الثمانينيين وما قبلنا وما بعدنا، فأشرقت النفسُ بها. وفيروز تحديدًا ليست مجرد صوتٍ جميل يحمل معانيَ راقيةً، وليست هي دُرّة رأس المثلث الساحر: صوتٌ نقي وكلمةٌ رفيعة وموسيقى لا تشبه إلا نفسها. لكن فيروزَ برأيي شيءٌ أبعدُ من ذلك بكثير. هي ظاهرةٌ عابرة للأزمنة وما نحن إلا أجيالٌ محظوظة واكبتْها. صوتُها هو القادر الأوحد على أن يشعرك، سيما إن كنت شاعراً وتراود الحرف، بعجز اللغة، كلّ لغة، عن الإفصاح. فطاقةُ الصوت لديها وطبقاتُه وعمقُه وموسيقاه الخبيئة بين تضاعيفه تقول أكثر مما تقول الكلماتُ التي يحملها هذا الصوت، حتى ولو كانت كلمات جوزيف حرب أو جبران أو الأخطل الصغير أو أحمد شوقي. يفهم كلامي، الخلوَ من المبالغة، كلُّ من تعوّد أن يبدأ صباحه بصوتها من أجل أن يراهن على نهارٍ عذب سيبتسم فيه المارةُ لبعضهم البعض دون سبب ما سوى المحبة، ويقدّم فيه كلُّ إنسان الآخرَ على نفسه لكي يمرَّ قبله في الطرقات، ويحمل فيه كلُّ إنسان وردةً في يده ليلقيها على أول ما سيصادفه في الطريق! هل كل هذا غدا فعلا من المستحيلات؟ هل المحبةُ والابتسام والرحمة أصعب جدًّا من العنف والتهجم والتطاحن؟ كيف سمحنا لأنفسنا أن نصل إلى ما وصلنا إليه من فقر في الروح وافتقار للحب وقدرة على الإيذاء ونحن قد عاصرنا فيروز؟! حينما منحتني السماءُ طفلي مازن، كنت أتركه في غرفته، وهو بعدُ رضيع، لساعات طوال وحده مع صوت فيروز وأنا واثقة أن تراكم هذا السلوك وحده كفيلٌ أن يصنع منه في مقبل الأيام كائناً راقياً رفيع الروح. إذ أنني أؤمن أن بصوتها طاقةً ما، تستطيع أن تنقّي الروحَ من شوائبها وغبارها وأدرانها، طاقة بوسعها أن تجعل الإنسانَ في حال صلاة دائمة. وهو الذي يفسّر كيف يتغير مزاجنا للأفضل بعد سماع أغنية لفيروز. سأزعم الآن أن من تعود الاستماع إلى فيروز سيظلّ طفلا أبداً مستحيل أن يشيخ. من تربى على صوتها "سيكبر خارج الزمن" مثلما قال صلاح عبد الصبور عن حبيبته. ذاك أنها تقول لي الآن: "تعا تا نتخبى من درب الأعمار، وإذا هن كبروا نحن بقينا صغار، سألونا وين كنتو؟ وليش ما كبرتو انتو؟ وبنقلون نسينا؟ واللي نادى الناس تا يكبروا الناس، راح ونسي ينادينا!!".

    في عيدها الواحد والسبعين الذي موعدُه في الواحد والعشرين من نوفمبر أفكرُّ: ماذا لو لم تكن فيروز؟ كيف كانت حياتُنا لولا نقطة النور هذه في ليلنا؟ كثيرا ما فكّرت كيف يمكن أن تكون حياتي دون وجود فيروز؟! قلتُ مرةً في مقال عنوانه "فيروز التي "أفسدتْ" ذائقتي"، كنتُ نشرته العام الماضي في جريدة "الحياة7-7- اللندنية بمناسبة سبعين فيروز: أفترضُ أن حياتي دون وجود فيروز كانت ستمتلئُ بالكثير من "البهجة". البهجة بالمعنى الحَرفيّ العابر لا الفلسفيّ العميق. صوتُ فيروز أغلق الباب في وجه أشياءَ كثيرةٍ كان من الممكن أن تُدخل حياتي في باب الفرح. لو لم تكن فيروزُ هناك لكنتُ واكبتُ كل ما هو مطروح من فنٍّ الآن، وما كان ابني مازن، ورفاقه، سينظر لي بشفقة كوني لا أعرف أيًّا من المطربين الجدد الذين تملأ صورهم غرفته ممن عمرّوا الحياةَ مرحا وطرباً. ولكنتُ جنّبت نفسي العديدَ من المعارك مع سائقي التاكسي الذين أطالبهم بكفِّ صوت الكاسيت القميء الذي يحمل لأذنيْ أصواتاً هي للثغاء أقرب فينهرونني وأنزل في منتصف الطريق كاسفةَ الخاطر مصحوبةً بكثير من اللعنات وبعض ازدراء. من المنطقي أن تكون حياتي دون هذا الصوت أكثر سهولة ومرحاً، لكن الحتميَّ أنها ستكون بلا روح أيضاً. ورفضي لما هو مطروحٌ من غناء لم يكن ردّة فعلٍ تجاه الغثِّ الذي يملأ الساحة الغنائية الآن، لكنه ممتدٌ لعقدين مضيا حين كان الفن ما يزال في احتضاراته الأولى. ورغم أنني أزعم طوال الوقت أنني كائنٌ تعددي يرفض التصنيم ويرحب بالتجاور إلى آخر تلك الشعارات التي نجيدها جميعاً، إلا أنني فيما يخص الفن تحديداً أنحو نحواً واحديّاً نخبويّاً. ولما نبهني أصدقائي إلى ذلك التناقض، ابتكرت نظريةً (أعلم مسبقاً أنها مردودٌ عليها) مفادها أنني لا أتابع الجديد لأنني بعدُ لم أستنفد الجمالَ الذي يهبني إياه صوتُ أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز، واعدةً بأنني سوف أسافر صوب أصوات جديدة حين ينفد معينُهم الجماليّ لديّ.
    لكنني سأقول الآن ردًّا على السؤال ذاته إن فيروز تهذّبُ نفسَ مستمعها، فلا يجوز لإنسان تربى على صوتها أن يحقد أو يكره أو يتجهم أو يسف في القول أو الفعل وهي التي تقول له كل أصيل: "لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي، عيوننا إليكِ ترحل كل يوم، تدور في أروقة المعابد، تعانق الكنائس القديمة وتمسح الحزن عن المساجد، يا ليلة الإسراء يا درب من مروا إلى السماء، عيوننا إليك ترحل كل يوم وإنني أصلي، الطفلُ في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان، لأجل من تشردوا؟ لأجل أطفال بلا منازل، لأجل من دافعا واستُشهدا في المداخل؟ واستشهد السلام في وطن السلام وسقط العدل على المداخل".

    العام الماضي وقّع بعض المثقفين والأدباء والشعراء العرب على بيان جماعي مطالبين فيه الحكومة اللبنانية بتدشين عيدِ ميلاد فيروز، يوم 21 نوفمبر، عيداً قوميّاً "للمحبة والفيروز". وكنت أرى أن نسميه عيدّاً "للجمال". ففيروز بالنسبة لي "حالة جمال" وليست مجرد شخصية عامة أو كاريزما غناء. أثار البيان الكثير من اللغط والغبار. ولم يتم التعامل معه بجدية على أية حال. ظنَّه البعضُ تكريماً رسميًّا فائقاً أو فائضاً عن الحاجة. لكنني نظرت إلى الأمر على نحو مختلف. فهذه المطالبة الجماعية ليست تكريماً لفيروز كما فهم المعارضون، ليس فقط لأنها أكبر من أي تكريم، وهذا حق، بل لأنها كُرِّمت بالفعل من قِبَل معظم زعماء العالم، ونالت التكريم الأكبر من جمهورها العريض في أربعة أركان الكون، فضلا عن تكريم الحياة بمنحها صوتاً يقطر من السماء فيبدد، ولو للحظةِ، عتمة الوجود. هذا البيان هو تذكِرة لنا لكيلا ننسى أن شيئاً حلواً وعذباً واكب زماننا لنؤكد لأنفسنا أن الحياةَ جميلةٌ وتستحق أن تُعاش رغم كل ما يحدث. لماذا لا نحاول أن نقبض على هذه اللحظة، نحن الذين اتفق لنا أن نعاصرها؟ كيف لا نعمل على "تجميد" لحظة "الجمال" هذه قبل أن تمرّ؟ وكيف لنا أن نمرّرَ هبةً سماوية من دون أن نحتفي بها ونحمي وجودَها كيلا تدعسَها مراراتُ الحياة والأنظمة مثلما دعست كلَّ جميلٍ ونقيٍّ في حياتنا؟ كيف لا نسرّب لأجيالٍ تلينا رسالةً تقول إننا كنا واعين أن غيمةً عذبةً مرّت من هنا، فرفعنا رؤوسنا عالياً ولوحّنا لها بأكفّنا؟
    لو كان قيّض لي صياغة البيان لقلتُ لتكن الفكرةُ "عيداً للجمال"، متمثلا في شخص فيروز. ولنا في التاريخ أمثلةٌ عديدة شبيهة. عيد "ثورة يوليو" يحتفل بقيمة مجردة هي العدالة الاجتماعية والتمرّد على الإقطاع والقهر الخ، لكننا نتمثلها في شخص عبد الناصر والضباط الأحرار. و"مسيرة المِلح" تحتفي بقيمة مجردة هي الرفض الهادئ للاستلاب والغصب، نتمثلها في شخص غاندي. من نفس المنطلق وقّعتُ هذا البيان. ألم تقدم لنا فيروز لمحاتٍ كثيرةً من الجمال والانتماء والمحبة كما فعل جيفارا وجان دارك وعبد القادر الجزائريّ والأم تريزا؟ مَنْ مثل فيروز بلوّر داخلنا فكرة "العودة" إلى الأرض المستلبة؟ من مثلها أبكانا على القدس وبذر فينا اليقين بعودتها ذات وعد؟ أيُّ شيء مثل صوتها ظلَّ يهتف بالوطن: أنْ عدْ ؟ حتى لكأن الوطنَ يرفض أن يعود كيلا يتوقفَ صدحُها عن الوعد بحُلمٍ طال انتظاره. صوتها الذي صمت عن الشدو في لبنان طوال مدة الحرب الأهلية ولم يعد إلا بعدما حطّت أوزارها فصدح في حفل بساحة لشهداء عام 1994. هو إذاً عيدٌ للجمال والحبِّ والطفولة متمثلا في شخص فيروز التي وهبتنا كل ذلك. وأكثر.

    كيف ارتبط صوت فيروز بطيارة ورق، وباب غارق بالياسمين، وهدير البوسطة، وأم سليمان، وحنّا السكران، وطير الوروار، وذهب أيلول، وسيف يُشهر، وجسر العودة، وليالي الشمال الحزينة، ومرجوحة، والبنت الشلبية؟ نحن المصريين نعشق اللهجة الشامية بسبب فيروز وفهد بلان وصباح فخري الشحرورة صباح. ونحن لا نميّز كثيرا بين اللبنانية والسورية بلهجاتهما الكثيرة المختلفة فكلها بالنسبة إلينا نغمٌ في نغمٍ في نغم. وكثيرا ما أتذكر صديقتي "أمل" الشامية التي كانت تسكن جواري. كانت تزورني لنشرب سويّاً قهوة الصباح، وأبادرها قائلة: يا الله اتكلمي! فترد بنغمة ممطوطة محببة شأن أهل الشام: شو بدك أحكي؟ فأجيبُ: أي حاجة، بس عاوزة أسمعك تحكي شامي. ومرة طلبت منها ان "تترجم" لي ما استغلق عليّ من كلمات أغنيات فيروز، وأذكر أنني صدمت حين عرفت معنى كلمة "ختيارة" وكنت طوال الوقت أظن أن معناها "الجميلة". وقتها قررت ألا أسأل مجددا عن معانٍ مستغلقة عليّ وأحتفظ بالقاموس الوهمي الذي صنعته لنفسي منذ طفولتي البعيدة. وأما ترانيم فيروز المسيحية فهي النعيم عينُه، ومن أجلها كنت أهرب من فصلي في مدرسة "كلية البنات القبطية" وأدخل خلسةً كنيسة المدرسة لأغني مع الأطفال ترانيمهم.
    وجود فيروز في حياتي هو درعٌ ضدَّ الضياع والقنوط، وحبلٌ تُسقطُه لي يدٌ رحيمة في قاع الهوة، يأتي دومًا في موعده: في اللحظة الأخيرة.

    تحية لك في عيد ميلادك أيتها الجميلة. جئتُ فقط لأقول: كم أحببتُك وكم أنا مدينةٌ لكِ فيروز!
    آخر تعديل بواسطة Hattouma ، 20-11-2006 الساعة 19:29

قوانين المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •