صفحة 3 من 4 الأولالأول 1234 الاخيرالاخير
عرض النتائج 21 إلى 30 من 37

الموضوع: الشيخ سلامة حجازى.. سيرة حياة

  1. #21
    عصفور الجناين Guest

    إفتراضي

    رحلة تونس وطرابلس ونابلى سنة 1914
    أحب الشيخ بعد الذى قاساه من طول المرض وآلامه المبرحة أن يستبدل هواء بلاده بهواء آخر، وأن ينتجع أرضاً ومناخاً غير أرضه ومناخه، وقد كانت بلاد الشرق الأدنى أول بلاد فكر فيها، خصوصاً وقد حسنها له الأطباء، فنفذ فكرته وبعث بمدير جوقته (على أفندى يوسف) لإجراء التمهيدات الأولية قبل ذهاب الجوقة إلى هذه البلاد النائية.
    ويذهب بعض العارفين إلى أن من الأسباب التى حدت بالشيخ إلى هذه الرحلة هى قلة المسارح فى عاصمة القطر إذ ذاك، وأنه لم يكن لديه مسرح يليق بمقامه أو ترتاح له نفسه، ومن جهة أخرى فقد أحب الشيخ أن يطفر بالتمثيل طفرة أخرى وأن يحدث به حدثاً جديداً، وكان هذا يستلزم من الأموال والنفقات ما لم يكن ميسوراً لديه، فأمل من وراء هذه الرحلة أن يحصل على الأموال التى تساعده على إنفاذ فكرته الجديدة.
    وفى شهر مايو رحل الشيخ إلى تونس مصطحباً معه أبطال مسرحه، فقوبل فى هذه البلاد العربية مقابلة حماسية حارة، ولقى هناك من علمائها وكبرائها ووجوهها كل حفاوة وإجلال، وحظى بمقابلة الباى (لقب أمير تونس) مقابلة رسمية حضرها الوزراء وكبار الحاشية، فتقدم الشيخ يقبل يده فأبى عليه الباى ذلك، وقال بعد أن استغفر الله: "شفاك الله مما قد ألم بك، وبقدرة الله سترجع من عندنا إلى وطنك وأنت فى كامل صحتك متمتعاً بأحسن ما كنت" وأنزله ضيفاً كريماً فى قصره، وأبلغه رغبته فى أن تقام ليلة ساهرة فى القصر يمثل فيها الشيخ رواية "صلاح الدين الأيوبى" التى مثلت فعلاً فى يوم 21 يونيو سنة 1914 فى مسرح السراى بحضور سمو الباى والحاكم التونسى وجميع ممثلى الدول فى تونس والوزراء والأعيان، فأعجب الجميع بما رأوا وسمعوا، وتفضل سمو الباى وأنعم فى هذا الحفل الجامع بالوسام الثانى من درجة (اوفسييه) على شيخنا فتقبله شاكراً، وتغلغل بعد ذلك الشيخ فى داخلية البلاد التونسية، فمثل بضع روايات عربية، وأفرنكية نالت استحسان القوم وإعجابهم. هذا ما كان من أمر تونس.
    أما رحلته فى طرابلس فتتلخص فى أن حاكمها قد أتته أخبار الشيخ وتقدير التونسيين له من جهة صوته وفنه، فدعاه رسمياً لزيارة بلاده زيارة تمثيلية، لم يسع الشيخ إزاء هذه المكرمة إلا أن يلبى طلبه، وأعد عدته للتمثيل هناك بضع روايات استغرقت عدة أسابيع لقى فيها من التبجيل والتعظيم ما بقى أثره فى نفسه عالقاً حتى آخر أيامه.
    وقد قطع الشيخ فى هذه الرحلة حوالى ستة أشهر وجد فيها من حسن الضيافة والكرم ما فاض به قلبه بشراً، وخف عنه وطأة ما به من مرض وبأساء، وعادت له الابتسامة النضرة على شفتيه، وشاعت فى نفسه وروحه قوة النشاط والفتوة.
    وحوالى أكتوبر سنة 1914 فارق المغرب، هو شديد الرغبة فى العودة إليه، وقد سافر على باخرة إيطالية عرجت به على نابولى.
    وحدثت له فى هذا البلد حادثة، نحب استيفاءها هنا لما لها من العظة والعبرة بتقاليد الغربيين وتقديرهم للفن أيا كان.
    فعندما وصل الشيخ إلى نابلى كانت "فرقة الأوبرا الملكية بروما" مدعوة هناك لإحياء ليال فيها، وجمعت الصداقة الغريبة بينه وبين الأستاذ (براندانى) مغنى الفرقة فى فندق "ناشيونالى" فتعارفا، ولم تكد تعقد بهما أواصر المعرفة ويخوضا فى حديث الفن الموسيقى حتى وقع الشيخ له بعض مقاطيع من تلاحينه انبهر لها صاحبه ودهش لما فيها من قوة النغم، واتفق معه على أن يجمع له فى اليوم الثانى فرقة التلحين ليقيد منها بعض ألحان أعجبه ضرب الشيخ لها.
    وقد أجابه شيخنا إلى طلبه واجتمعت الفرقة، فأسمعها لحن الاستغاثة فى رواية (أوديب الملك) ولحن الموت والحيات (عظة الملوك)، ولحن الجحيم (تليماك)، وما كان اشد دهشتهم من سماع هذه الألحان لما استشعروه من كنه المعانى المودعة فيها وإن لم يفقهوا لغتها ومدلول ألفاظها، غير أنهم لم يستطيعوا تلحينها لارتفاع طبقاتها وتقلبات الصوت فيها، فاستزادوه فى تكرارها حتى يتمكنوا من رطها وتقييدها فكررها لهم وهو باسم جزلا.
    وكان من أثر ذلك أن قدر الإيطاليون فيه النبوغ والعبقرية فأقاموا له حين اعتزم مبارحة بلادهم حفلة تكريمية كبرى جمعت عظماء نابلى وفنانيها، وقام كل بقسطه فى مديح الشيخ كفنان عالمى يستحق من الجميع الثناء والتقدير، وخطب الشيخ فى هذا الجمع شاكراً عواطفهم، وأسمعهم بعض أناشيد شرقية أخذت بلبهم واستعذبوا ضربها واستعادوها منه مراراً.
    وقد أخذت له صورة مكبرة بالحجم الطبيعى حفرت على لوحة تذكارية أودعت فى متحف هذا البلد وخط فى أسفلها هذه الجملة: (تذكاراً لزيارة المغنى والممثل المصرى الشيخ سلامة حجازى عام 1914).
    ولا زالت هذه الصورة التذكارية موضوعة إلى يومنا هذا فى نابلى أمام كل سائح ومتفرج، تشعر بعظمة بطل المسرح المصرى وترى إكبار الغربى لشيخ الفن الشرقى.
    وعقب هذه الحفلة رحل الفنان المصرى آيباً إلى وطنه.



    يتبع ..

  2. #22
    عصفور الجناين Guest

    إفتراضي

    الخديو عباس والشيخ سلامة حجازى
    عباس باشا والى مصر

    إذا كان من حق الفنان على أماه أن تلحظه بعنايتها وأن تحوطه بهالات التبجيل والاحترام، فمطربنا العظيم الشيخ سلامة حجازى هو أول من يستحق هذا الاحترام وهذا التبجيل، وأن أول من يجب أن ينهض بهذا الحق هم عظماء الأمة وكبراؤها وعلى رأسهم ولى نعمة البلاد.
    وأنه إذا كان من حق التاريخ علينا أن نذكر أن نجم الشيخ سلامة إنما تألق على عهد الأمير عباس حلمى الثانى، وأن عبقريته الغنائية والتمثيلية إذ ذاك قد أحدثت هذه الفتوحات الجديدة فى عالم المسرح المصرى، واسترعت أنظار الأمة ولفتتها إلى دوى هذه الشهرة القوية التى حظى بها ذلك الفنان، فقد كان من المفهوم لدى بعض الخاصة أن سمو الأمير لابد مغدق عليه من نعمه، أو على الأقل من وسائل التشجيع الذى يجب أن تبذل لأمثال هؤلاء الفنانين العباقرة.
    ولكننا نذكر مع شئ من الأسف والحسرة أن مرور الأيام أثبت لنا مقدار التغاضى الذى لحق الشيخ من جانب سمو الأمير، وخلصت لنا نتيجة لا يمكن للسان التاريخ أن يحمد أثرها أو يتغاضى عن سوآتها، وهى أن الأمير وقف حيال هذا النابغة موقفاً أقل ما نقول فيه أنه تناكر مؤلم لجهود ذلك الذى عشقته الأمة، وطار به شعبه سروراً وابتهاجاً، كان منه موضع التقديس.
    بيد أن الشيخ رغم ذلك لم يغضب ولم تأخذه الحفيظة على مولاه تلقاء هذه الجفوة وهذا التناكر الذى لا مسوغ له، بل ظل على ولائه، ثابتاً على إخلاصه لسدة أميره، وما فتئ يعلن هذا الولاء ويظهر هذا الإخلاص فى تلك المروش الخالدة التى كان يلحنها لصاحب العرش ينوه فيها بعظمته ومظاهر ملكه وآثار عدله وبدائع أياديه وجميل آثاره.
    وحسبنا أن نذكر لك أن اثنى عشر مرشاً كانت فى صيغها ونغمها طرفة فنية ذات جمال وذات جلال فضلاً عما أسبغ عليها الشيخ من روحه الموسيقية ومن إلهامه الفنى، ما جعلها خالدة على الأيام باقية على الأزمان والدهور. وليس منا من ينسى من تلك المروش:
    حبذا عصر سعيد زانه عبد الحميد
    دام لنا الخديو دوام رب الندى والنوال
    للخديو محاسن جمة ظاهرة للعيان ما لها نظير
    إلى آخر ما هنالك من ابتكارات فنية جديدة.
    وإذا كانت هناك حقيقة مؤلمة يصح لنا أن نذيعها فهى أن الشيخ إذا كان قد فقد لدى سمو الأمير معنى التقدير والتعضيد، فقد وجد لدى أمته أولاً، وعند باى تونس ثانياً، رغم كون سموه لم يشهد له سوى رواية واحدة أكبره من أجلها الإكبار كله، وأنعم عليه كما سبق القول بذلك الوسام الرفيع تشجيعاً واعترافاً بفضله.
    ويخيل لنا أن ذلك الإنعام أحدث أثره فى نفس الأمير المصرى، أو أنه كان حافزاً لتلك العاطفة الخامدة نحو ممثلنا، فكان أن تفضل سمو الأمير عباس فأنعم أخيراً على صاحبنا بالوسام المجيدى الرابع، وهى على كل حال مكرمة كنا نود أن تكون سابقة على مكرمة الأمير الأجنبى مولاى باى تونس المعظم.

    جوق أبيض وحجازى 1914-1916
    ولم يكن اشتراك الشيخ مع جورج أبيض إلا بناء عن مساعى عبد الرازق بك عنايت التى بذلها لتأليف الجوقتين وضم البطلين على مسرح واحد، لاسيما بعد أن رأى الأستاذ جورج أبيض من ناحية الجمهور فتوراً نحو الدراما الصرفة، فقصدا الشيخ وكونا فرقتهم الجديدة، التى بأليفها جمعت شيخ المسرح وفتى التمثيل فى فرقة واحدة. وقد سر الشيخ بانضمام جورج أبيض إليه ليترك له أدواره التمثيلية التى ما كان ليقدر على تمثيلها نظراً لحالته الصحية، وللعرج الخفيف الذى أصابه من مرضه.
    وألفت الجوقة الجديدة فى نهاية عام 1914 فكان تأليفها بمثابة عهد جديد للناس، رأوا فيه شاب التمثيل الحديث، وشيخ المسرح العتيد، ذلك الذى ألهم زميله الشاب وحى الفن وأذاقه لذة الانتصار.
    عباس فارس
    وكان من نتيجة انضمام الرجلين أن التحق بجوقتهما من الهواة والناشئين فى التمثيل من هم على رأس الحركة اليوم أمثال: زكى طليمات، محمود رضا، فؤاد سليم، حسن ثابت، عباس فارس، حسن فائق، وغيرهم من رجال الفن المعروفين وبجانبهم السيدات: المظ، ابريز، صالحة قاصين، سرينا إبراهيم، مارى إبراهيم، نظلة مزراحى.
    وتقدمت فرقة أبيض وحجازى إلى الشعب المصرى بأرقى التمثيل وأبدع أنواع الرواية، ودخل المؤلف المصرى بمسرحياته المصرية، وحصل انقلاب عظيم فى كل أنواع التمثيل فى مصر، إذ شاهدنا على مسرح البطلين أنواعاً لم نشاهدها من قبل، مثل رواية (مصر الجديدة)،(قلب المرأة) للأستاذ "لطفى جمعة". كما شاهدنا (الحاكم بأمر الله) للمؤلف الكبير " إبراهيم رمزى"، و(إخناتون) للمقتبس الأستاذ "بشارة داود"، وغير ذلك من الروايات التى نتذكر منها: فى سبيل الوطن، البريد، اجاممنون، المرسيلة الحسناء، ابنة حارس الصيد، مدام سانجين، عيشة المقامر، عواطف البنين، عبرة الأبكار، المجرم البرئ. وغيرها من الروايات التى لا تزال ذكراها عالقة بأذهاننا إلى الآن.
    ورتبت الفرقة إحياء ثلاث ليال فى الأسبوع الواحد، فأحدها ينفرد فيها الشيخ بالتمثيل، والثانية يختص بها الممثل جورج أبيض، وأما الثالثة فيجتمع فيها زعيما التمثيل معاً، وقد لوحظ أن الإقبال لم يكن شديداً إلا فى حفلات الشيخ المنفردة، أو فى الحفلات التى تضم البطلين، ويرجع ذلك إلى ما سبق أن نوهنا عنه غير مرة من أن الجماهير كانت لم تزل منصرفة إلى المسرحية الغنائية غير ناظرة إلى كنه الرواية.
    وقد كان هم النظارة الوحيد سماع (سى الشيخ سلامة) والاستمتاع بصوته العذب الجميل، كما كان سوادهم الأعظم يلح فى طلبه وظهوره للغناء حتى فى روايات أبيض الدرامية التى لم يكن له فيها دور.
    وقد بدأت الفرقة عملها متنقلة بين مسرح (الكورسال) و(تياترو دى بارى) و(تياترو عباس) و(الكوزموجراف) ثم انتهى بها المطاف إلى مسرح برنتانيا (البلوك باسك الآن) فاتخذته مقراً للفرقة ومركزاً لإدارتها وظلت تعمل فيه حتى صيف عام 1915 إذ اعتزم البطلان الرحيل بفرقتهما إلى عواصم القطر.
    العيد الفضى:
    وفى نفس العام أقامت الأمة للشيخ حفلة العيد الفضى بمدينة الإسكندرية فى 4 يوليو لمناسبة انقضاء خمسة وعشرين عاماً عليه فى مهنة التمثيل، وهى مبرة وطنية نسجلها للذين قاموا بها بمداد الإعجاب والثناء معاً.
    نجاح الدراما:
    ولبث أبيض وحجازى يعملان متضامنين فى سبيل نهضة الفن، وما برحا يطلعان على الجماهير بمنتجات أخصب القرائح المصرية، ويمثلان على مسرحهما منتخب الأفكار الأوربية، ويرغمان الجمهور على التسمع لمغزى الدراما والترقب لموضوعها، لتتربى فيه ملكة الموضوع المسرحى من غير تلحين، حتى أن كثيراً من رواد المسارح بدأ فى مشاهدة الأعمال الدرامية كاملة من غير إلحاف فى طلب المطرب.
    وفعلاً أخذ الجمهور يقبل على القصة المسرحية ويأخذ بمجامع قلبه روعة الموضوع ويسترعى سمعه وبصره معانى الرواية، فانزلق رويداً إلى أن ألف القصة المسرحية وصادفت هوى فى نفسه، واصبح يطلب من الممثل إعادة المواضيع المسرحية من غير طرب لإرواء غلته.
    وفى أواخر عام 1915 انفصل الممثل جورج ابيض عن زميله، ويجب أن لا نغفل عن ذكر الأسباب التى حدت به إلى هذا الانفصال، ذلك أن تأليف الجوقة فى الواقع لم يكن متناسباً ولا متناسقاً فيما بين الممثلين وبعضهم، وقد كان هناك فى داخلية أفراد الفرقة تنافر نفسانى جعل البعض يتكلف فى مهمته والبعض الآخر ناقماً على هذا التكلف، زد على هذا أن رجال الشيخ الذين تفردوا بالأعباء الغنائية، وأصحاب جورج الذين ليس لهم نصيب أو حظ فى ذلك، كان كل منهم يجتهد فى معايرة الآخر، والانتقاص من كفاءته الفنية، وهذا أمر بطبيعة الحال يجعل بقاء الجوقة مستحيلاً، وبخاصة بعد أن ظهرت فرق تمثيلية فتية أخرى أخذت تغرى الممثلين من جوقة أبيض وحجازى بباهظ المرتبات، مما كان مدعاة إلى تخليهم الواحد بعد الآخر.
    وبذلك تشتتت هذه الفرقة ولم يتبقى للشيخ منها غير رفاقه الأقدمين الذين شاركوه فى أيامه الأولى، وأبوا أن يتركوه عند الشدائد وما زالوا يعملون معه حتى آخر نسمة من حياته.
    ونذكر من هؤلاء الرفاق المخلصين: أحمد فهيم، توفيق ظاظا، أحمد حافظ، عبد المجيد شكرى، محمود رضا، أحمد ثابت، حسن ثابت، حسين حسنى، محمود رحمى. وغيرهم من أبطال الفن الذين لا تسعهم الذاكرة.
    ونحن وقد أشرفنا على حدود العام الخير لحياة الشيخ، نرجو أن يتوجه القارئ معنا قليلاً إلى ما كان عليه الرجل من أخلاقه الخاصة ومعاملاته العائلية لنتفحصه من جميع نواحيه.



    يتبع..

  3. #23
    عصفور الجناين Guest

    إفتراضي

    حياة الشيخ الخاصة والعائلية
    قضى شيخنا حياته كلها غير مكترث بنفسه، ولا عابئ بما ينال شخصه من الأضرار، لأنه فى الواقع إذ كان يعيش لشئ آخر غير ذاتيته، ذلك الشئ هو الفن وحده الذى ملك عليه كل مذاهب الحياة، كما ملك عليه جميع مشاعره واحساساته، وكان يعيش كذلك ليؤدى فرائض الجود والسخاء الذى انطبعت عليه نفسه، فكانت مسرته أن يكفل الجم العديد من أقربائه وأصهاره، واللائذين به من ذوى الفاقة والخصاصة.
    وفى الحق أن الشيخ كان مثلاً أعلى للسخاء والجود وهمة النفس، إذ كان مولعاً بإغاثة الملهوفين وإعانة الفقراء وتضميد جراح المكلومين الذين خدشتهم محن الزمن سراً وفى غير علانية دون أن يمكن أحداً من العلم بذلك حتى لا تتأذى مشاعر أولئك المنكوبين من الناس.
    وكان أشد ما يؤلم نفسه أن يطلع أحد على دخيلة أمره فيشكره على صنيعه هذا، اعتقاداً منه أن عمل المحسنين ينقلب سيئة إذا وصلت العلانية إليه، كما أن الشكر عليه مجلبة للخيلاء والمباهاة فيستحيل بذلك رياء.
    وقد عد بعض معاصريه كرمه هذا نوعاً من الإسراف، لأنهم لم يجدوا سخاء من إنسان كهذا السخاء، فكان إذا علم أن إرهاقاً أو خسارة لحقت بأحد مستأجرى حفلاته بادر إلى إسعافه بتنازله عن بقية الأجر المتفق عليه، بل وبرد شئ مما أخذه منه مقدماً، فيعيد الطمأنينة إلى قلبه مكتفياً هو بما أخذه من أجر زهيد، فإذا لامه من الناس أحد على ذلك أجابه فى بساطة ورفق بأن المستأجر يقصد من ورائنا الربح فلا يجب علينا أن نرده خاسراً.
    ولا يفوتنا هنا أن نذكرك بأن القدر ابتلاه بأخيه محمود، وكان مسرفاً سفيهاً، فما تبرم الشيخ به، ولا لامه على مال أضاعه، رغم أنه كان ينفق فى أغلب الأحايين عشر جنيهات فى الليلة الواحدة، وكل ما فعله ليوقف ذلك التيار الذى اندفع فيه أخوه إشفاقاً عليه ورحمة به أن نظم له طريقة إسرافه بأن اشترى له سلسلة ذهبية ذات عشر حلقات يبلغ ثمن كل حلقة منها جنيهاً وأعطاها إليه ليرهنها وقت الحاجة حلقة حلقة، حتى إذ تم رهنها جميعاً طالع الشيخ بالخبر فيعود إلى شرائها ثانية من راهنيها ويردها إليه وهكذا دواليك.
    وبالجملة فلو أردنا أن نعدد لك نوادر كرم الشيخ وحوادث سخائه لضاق بنا المقام، غير أننا نريد أن نجتزئ عن هذا بالشئ القليل مما نراه أنسب للموضوع الذى نحن نأخذ فيه.
    فلقد كان لا يأبه للمادة ولا يتنزل إلى معاناة جمعها أو رصدها، ولذلك فقد كان يترك أمرها لمدير جوقته يجمعها ويصرفها فى النواحى التى يراها دون أن يفكر يوماً فى الاطلاع عليها.
    ويحلو لنا فى هذا المقام أن نذكر لك تلك النادرة الطريفة التى تدل على ما فى نفس الشيخ من رقة العواطف ومشاعر الخير، وهى التى وقعت له فى طنطا مع أحد المترفين فيها وكان قد أخنى عليه الدهر وسلبه نعمته، فاستأجر فرقة الشيخ تمثل على حسابه فى المدينة، وبينا هى فى عملها إذ أقبل إلى مدير الجوقة شخص يحمل من الشيخ مكتوباً يأمره فيه بصرف مائة جنيه لحامله، فارتاب المدير فى الأمر واستمهل حامل المكتوب ريثما يراجع الشيخ فى ذلك. وكم كانت دهشة المدير غريبة حين استطلع رأى الشيخ فعلم أن ليس فى الأمر ريبة، وأنه يرغب فى صرف المبلغ لهذا المستأجر، وعبثاً حاول المدير أن يفهمه أن ليس فى رصيد الفرقة غير المبلغ الذى يأمر بصرفه، فقد صمم الشيخ على ضرورة تسليم المبلغ للرجل مبيناً له أنه فى حاجة ملحة إليه، وقد تم له ما أراد. وأصبحت جوقته لا تملك نفقاتها الخاصة، فعمد الشيخ إلى إحياء ليلة ينفق من دخلها على ممثليه وترحيلهم، وحدث أثناء التمثيل أن قام شخص وسرد أمام الحاضرين أنباء تلك المكرمة التى أسداها الشيخ، ولم يكن هذا الشخص سوى صاحب تلك الحفلات، غير أن الشيخ استولى عليه ألم نفسانى شديد من فعلة هذا الرجل فلم يستطع البقاء صبراً وترك التمثيل مولياً وجهه شطر العاصمة.
    وكان يجمع إلى السخاء حسن المعاملة وحب التعاون حتى لقد كان يبعث بممثلى فرقته إلى الأجواق ليمدوا إليها يد المساعدة وقت الحاجة، كما كان كريم الأخلاق إلى حد كبير بحيث لو ترك أحد ممثليه الفرقة من غير علمه ثم رغب فى العودة إليها قبله دون أن يلومه ويؤنبه، ومما يؤثر عنه أنه لم يهن أحداً من موظفيه أو يتسبب فى فصله.
    وكان إلى جانب ذلك كله متواضعاً لا يأنف أن يجالس من دونه، يطالعه بقطعة لحنها أو نغم ابتكره وهو مع هذا حسن البزة نظيف الثوب، كثير التأنق، شديد الولع فى ترسم التقاليد الأوروبية، وتلمح عليه هدوء الطبع واتزان الحركة، لا تكاد تحس منه خفة أو نزقاً أو تسرعاً فيما يزمعه من أمور، يشهد بذلك ما كان يرى عليه من سكون صوته وانخفاض نبراته ورقة أسلوبه، يتأذى لأقل حركة أياً كان مبعثها وخاصة إذا كانت أثناء التمثيل.
    وأثر عنه فى هذا الصدد حكايات كثيرة كان فيها مثالاً للأدب الاجتماعى ورقة الشعور، فكان إذا سمع صوتاً فى أثناء التمثيل تركه واقترب من حافة المسرح ليلفت صاحب الصوت إلى ما يجب عليه فى المجتمعات العامة! فإذا أبى إلا الاستمرار لجأ الشيخ إلى إسدال الستار تاركاً تأديبه وردعه إلى الحضور.
    وكان يحظر على المشاهدين أن يتناولوا شيئاً من أنواع التسالى خلال التمثيل، كما حرم على الباعة الوقوف أمام داره، وعرفت عنه هذه النزعة فلم يجسر أحد على حمل هذه الأشياء معه خوفاً من إثارة غضب الشيخ وتعطيل الرواية.
    وانطبع الرجل على خلتى الإقدام والجرأة وتطرف فيهما تطرفه فى الكرم، حتى لقد أقدم مرة على فتح مسرح الحديقة وهو لا يملك إلا قليلاً من المال لا يكفى للعمل، ومع ذلك فقد حالفه النجاح والتوفيق، وكذلك أقدم على مبادهة الشعب بتخريج روايات غريبة فى نوعها، ما كان غيره ليجرأ على إخراجها أو مجرد التفكير فيها.
    وبالجملة فقد كان ذهن الرجل مشحوناً بشتى الأفكار والميول الواسعة فضلاً عن النزعات التى لا تأتلف فى كثير من الأحايين مع العوائد القومية، ومن ثم فقد كان من الصعب على زوجه أن تتفهمه أو تدركه على وجه صحيح، مما جعل الخلاف يدب بينهما فيقعان تحت انفعالات شتى أصبحت بها الحياة الزوجية غير مستطاعة، فاضطر الشيخ أن يهجرها، ولكنه كان جميلاً فى هجره، إذ أفرد لها منزلاً خاصاً بها وبأولادها وأجرى لها مرتباً يكفلها، ولم ينقطع عنها بالزيارة الحين بعد الحين مزوداً بكثير من الهدايا، وظل الأمر هكذا إلى أن توفيت الزوجة فى حياته.
    أما نجله الذى عاش له بعد فقد أولاده جميعاً فقد خرج على طاعته بعد وفاة أمه، ويعلل المتصلون بأسرة الشيخ أن سبب هذا الخروج كان يرجع إلى تأثيرات أمه، وما كانت تبثه فيه من أنواع الكره والضغينة نحو والده، وشب هذا الولد وهو لا يحمل بين جنبيه المحبة البنوية إزاء أبيه، وقد حاول الوالد أن يسترجع ولده إلى حظيرته ويدخله تحت كنفه، وبذل فى ذلك ما بذل من الوسائل والوسائط، إلا أن الولد كان عنيداً وكان على جانب كبير من قوة الشكيمة، ففشل الوالد فيما حاول، واندفع الولد فى طريق غوايته، ومازال يشطح على أراجيح اللهو والعبث حتى أغرم بفتاة إسرائيلية (يقصد يهودية) حباً أنساه نفسه، فتزوج منها، وكان هذا الزواج مقابل شرط أليم هو أن يرتد عن دينه ويعتنق دين حبيبته.
    وكانت أنباء هذا الولد العاق تصل إلى مسامع والده فكان يحزن وتتملكه مشاعر الألم وبواعث الأسف العميق، لكنه بالرغم من هذا كله كان يعمل على إنهاضه ومساعفته بالأموال على يد وسطاء يفهمونه أن هذه الأموال ليست عن طريق والده وإنما هى عن طريق آخر كانوا يزورونها عليه.
    وبقدر ما كان الشيخ يتأفف من الأسرات المصرية، كان يعجب بالأفرنكيات منها، ويميل إليها ميلاً لم يكن يذهب به إلى التفكير فى مصاهرة إحداها، ولذلك رأيناه بعد أن ترك حياة أسرته يسرع إلى الإقامة بمصر الجديدة مندمجاً فى أسرة أوروبية يساكنها قصد الحظوة بنظامها والتمتع بحياتها الأفرنجية.
    وللشيخ فى الحياة الاجتماعية المرحة وقائع كثيرة مأثورة عنه، لا نرى بأساً من إيراد بعضها لندلك على حاضر بديهته وشيق نكاته الطريفة، فقد حدث أن كان الشيخ يغنى فى حفلة عامة، بلغ من حماس متفرجيها أن رمت إحدى السيدات بكوب ماء وقع على طربوشه وكان بجانبه، فغضب الشيخ لذلك، فما وسع السيدة غير الاعتذار وأسرعت تلتقط الطربوش لتجففه، ثم ألقت فيه منديلاً أودعت به مائة جنيهاً ذهباً، فلما أحس الشيخ بذلك دس المنديل فى جيبه ورد الطربوش إليها مدعياً أنه لا يزال به بلل!!
    وأسمعته السيدة "منيرة المهدية" ذات يوم لحن الجند فى رواية "كرمن" وشكت إليه أن الجند لا يبدو عليهم آثار الحماس أو القوة فيه، فأجابها على البديهة (لأن عساكرك لمامة)!! فضحكت وعتبت فى ذلك واضع اللحن وهو الأستاذ "كامل الخلعى".
    وانتقد تمثيله الغنائى أديب فى حفلة عامة، وكان الشيخ حاضرها، فانتظر حتى النهاية وقام الشيخ على أثره شاكراً للأديب غيرته على الفن الدرامى ملفتاً نظره إلى قول الله تعالى "ورتل القرآن ترتيلا" فما دام القرآن يرتل فمن باب أولى التمثل!!
    وإنك لتسمع الكثير جداً مما يرويه أصحاب الشيخ عنه مما يؤكد لك خفة روحه وسرعة بديهته وحلاوة نكتته.



    يتبع..

  4. #24
    عصفور الجناين Guest

    إفتراضي

    عام الوداع
    وفى سنة 1916 تقدمت صحة الشيخ كثيراً وأصبح لا يشكو داء ولا يحس ألماً، ولئن كانت آثار العلة لا تزال ظاهرة فى عرجه الخفيف برجله اليسرى، فإن ذلك لم يكن ليحول بينه وبين أداء جميع أدواره بالمهارة المعهودة فيه، واسترد الرجل كل ما فقده فى أيام محنته، فأصبح لا يرى إلا طروباً باسم المحيى، وبلغ من قدرته التمثيلية أنه كان يخفى عرجه عن النظارة بما كان يبديه من الدل والاتزان فى مشيته فوق مسرحه.
    ولقد حدثناك فيما سبق عن انفصال الممثل أبيض عن الشيخ، قد قابله بشئ كثير من الأسف إلا أنه لم يفت فى عضده وحمل العبء منفرداً بما هو منطبع عليه من صدق العزيمة وقوة الإرادة، وجعل يبذل ما فيه من جهد فى إدخال الأنظمة المستحدثة وكل ما يخطو بالتمثيل إلى درجات الكمال والرقى.
    وبث الشيخ روح النشاط فى أفراد فرقته وأعاد إليهم ما كان مختطة معهم من الاقتصار على إحياء ثلاث ليال فى كل أسبوع، ومنحهم دخل حفلة فى كل شهر، وأعلن عن العمل بجوقته فى مسرح برنتانيا، وأقام الأستاذ المرحوم (جورج طنوس) مديراً عليها، وأخذا ينتقيان معاً الجديد من المسرحيات ليظهر بها على الناس فى عهده الجديد.
    وشاءت عبقرية الشيخ وموهبته الفطرية وقد ترسمت الأجواق أثره فى تقليد ألحانه وأغانيه، إلا أن يبتكر أنواعاً جديدة من الضروب والتواقيع ينشد بها أغانى رواياته القديمة، وكذلك فعل وبرهن بعمله هذا على قوة فنية كبيرة يستطيع أن يطفر بها إلى حيث تشاء له عبقريته وموهبته من الفن الفياض الساحر بما يصرع به مقلديه ويوقفهم به عند حد العجز والتسليم.
    وبذلك سار بهذه الابتكارات فى ناحية، وبقى المقلدون بقديمه فى ناحية أخرى.
    أدخل على رواية عظة الملوك ألحاناً من النغم المغربى الممزوج بلهجة الصين جاءت آية فى تطور الفن التلحينى، نذكر منها لحن:
    أى إلى تاج العلا الفرد أى وشمس الفضل والمجد
    واتبعها بالإريقية ثم بصلاح الدين، وشهداء الغرام، وتليماك حيث أدخل على لحن زبانية الجحيم فيها لحن البخلاء، والمتكبرين، والقتلة، ودأب الشيخ على تنقيح ألحانه القديمة واستبدالها بنوع جديد جعل منافسيه لا يتمكنون من اللحاق به أو الجرى فى حلبته، وبذلك قهرهم فى أول شوط المنافسة واضطرهم أن يلجأوا إلى روايات أخرى غير تلك التى اقتفوا فيها أثره الغنائى، فأخرجت فرقة (منيرة المهدية رواية "كرمن" و"تاييس" إلخ، كما ذهب "عكاشة" إلى تخريج أنواع أخرى من التمثيل.
    ميدان الأوبرا مدخل حديقة الأزبكية سنة 1880
    وهكذا ظل زعيم التمثيل متفوقاً فى عالم المسرح منفرداً بالجميل والجليل من المبتدعات والمبتكرات إلى أن دخل عليه موسم الأوبرا شتاء 1916 فافتتح الدار وحضر حفلتها الأولى عظمة السلطان حسين، ومثل الشيخ بين يديه يلحن له نشيداً ملكياً ألفه خصيصاً لهذه الزيارة ومطلعه:
    يا جلال الملك يا بدر الزمن يا حياة الشعب يار روح البلاد
    فنال قبولاً عظيماً من لدن السلطان أجازه عليه بمبلغ من المال كبير، ودعاه إلى تناول الغذاء على المائدة السلطانية صباح اليوم التالى، حيث أهداه ساعة ذهبية ثمينة.
    وقد تخير مدير الجوقة لموسم هذا العام فى الأوبرا نوعاً (حاداً) من التآليف العصرية جله مترجم ومؤلف بواسطة كبار كتابنا المصريين أمثال الأستاذ: علام، رمزى، حافظ، السباعى.
    وبذلك ظهر على مسرح الأوبرا نوع من التمثيل الحديث المتماشى مع روح العصر الحالى والذى يدور حول محور الإصلاح الاجتماعى.
    ويكفى أن نذكر من بين هذه المجموعة الروائية العظيمة التى أخرجتها فرقة الشيخ ذاك العام رواية: قسوة الشرائع، الغانية، الحارس، فقراء باريس، شقاء العائلات، العذراء المفتونة، البريئة المتهمة، الولدين الشريدين، الطفلين. وبهذا يكون ممثلنا قد أضاف مجموعة حسنة من النوع الروائى المتمشى مع التقاليد الاجتماعية والمتلائم مع روح العصر.
    وفى صيف عام 1917 رحل الشيخ إلى عواصم الوجه القبلى حتى بلغ أسوان، حيث مثل فى كل عاصمة أربع حفلات، وأتبع هذه الرحلة بمثلها فى الوجه البحرى إلى أن بلغ الثغر، ويظهر أنه أحس بدنو اجله فمثل بع عشر حفلات على غير عادته.
    وقد رافقه النجاح فى عامه الأخير هذا على طول الطريق مما دل على أن الشعب مازال يحتفظ له بوافر الحب وكبير التقدير رغم محنته التى عطلت نصفه حيث كان لا يكاد يعلن عن التمثيل فى بلد ما حتى يهرع الناس إليه أفواجاً يبتاعون تذاكر حفلاته، فإذا نفذت لجأت بقية المتشوقين إليه إلى الوقوف لدى فرج المكان الذى يمثل فيه متلهفة أن يصلها من خلالها صدى صوته الملائكى الساحر، وكان إذا ظهر على مسرحه قابله الناس بالتكبير والتهليل، حتى إذا بدأ يغنى عادت لهم السكينة ولابسهم الهدوء، وأخذوا يستمعون لشدوه وينصتون لتطاريبه، فإذا فرغ من تمثيله وأخذ سمته إلى حيث يبيت، اطوف الناس به يلتمسون مرآه وانهالوا على يديه تقبيلاً وشيعوه بنظرات التبجيل والإكبار.
    وفى سنة 1917 استعد الشيخ لتمثيل أربع روايات يحيى بها ليالى العيد الأكبر فى العاصمة، ثلاثة منها بمسرح الكورسال، والرابعة بمسرح برنتانيا، وقد وقع اختياره على روايات: مغائر الجن، العفو القاتل، الأفريقية، شهداء الغرام. ليمثلها فى هذه الليالى الأربع، وكان له ذلك.
    ونقسم أننا ما فزنا بطرب روحى ونغم جليل من روايات الشيخ بمثل ما فزنا به فى هذه الروايات الأربع، فلقد كان أثنائها يتنقل على المسرح كما يتنقل الكنار الصداح على أغصان دوحته، ويهتف فينا كما تهتف الورقاء، ويشدوا فتتجلى همسات الأبد على نبراته، موحية إلى نفوسنا أصدق الشعور وأعمق الاحساسات، بأنغام الجمال وصوت الملائكة الأعلين، حتى أن الجماهير على مختلف طبقاتها كانت تتصعد آهاتها وصرخاتها بما يشبه هزيم الرعد عند كل وقفاته الغنائية، ولقد أخذ علينا الشيخ بوثبته الجديدة كل مشاعرنا، حتى أذهلنا عن وجودنا، وتلاعب بنا كما شاءت له أغاريده، وأرادت بنا نبراته، فكنا نبكى كما كان يبكى، ونشاطر عواطفه الروائية كما لو كنا نشاطر عواطفه الحقيقية.
    كذلك فعل الشيخ بالكورسال وكذلك كنا، ولم نستطع إلا أن نرافقه إلى مسرح برنتانيا لنحظى منه برواية شهداء الغرام فى مساء الأحد 30 سبتمبر سنة 1917، وكان الشيخ مبدعاً فى هذه الليلة أيما إبداع، حتى لم نتمالك إلا أن نصيح بصوت منبعث من قرارة النفس أمزجت فيه القوة والحماسة هاتفين:
    (ليحيى الشيخ سلامة)
    وكان هذا الهتاف أول نداء قيل لممثل مصرى منذ عرف التمثيل فى مصر.
    ويظهر أن الطبيعة كانت تحفزنا إلى هذا النداء الحار الجديد، علماً منها أن هذا البلبل موشك أن يسكت، فظللنا نهتف ونردد النداء بحياته عالياً، ولكن القدر لم يجب مطلبنا فلم نداؤنا بحياته مجاباً.
    أجل، صحنا بحياة الشيخ ساعة أن ذابت أرواحنا تحت نغمات صوته فى هذه الرواية الخالدة، التى كانت من أسباب رفعته، وكانت آخر من لفته بين طياتها، لقد قدحت أيدينا شرراً، وبحت أصواتنا من النداء، وكان الشيخ يجيبنا إلى إعادة ما نطلب، حتى كانت الساعة الواحدة، إذ جلس على قبر جولييت يرثى حبيبته حياله، وأنشأ يرثى "أجولييت" بصوت فزع، فأوقد فى قلوبنا ناراً حامية انبعثت قطرات غليانها من أفواهنا، ومع ذلك استعذبناها، فطلبنا إليه المزيد، فزاد وزاد، وأعاد وترنم، حتى كان آخر الفجيعة وكان ختام المأساة.
    وكأننا بالأقدار القاسية أرادت أن تجعل من فجيعة هذه الرواية الغرامية ختاماً لحياة الشيخ، يسدل عليه ستار العدم والفناء، كما أسدل من قبل على حياة الحبيبين الروائيين روميو وجولييت.

    إيذان الشمس بالمغيب
    فى صباح اليوم التالى لتمثيل رواية شهداء الغرام (أى يوم الأثنين أول أكتوبر) قصد الشيخ مع صديقه جورج طنوس دار الحماية لأمور تتعلق بجوقته، إذ كان قد اعتزم رحلة تمثيلية إلى السودان.
    ثم عاد منها إلى مسرح برنتانيا ليرأس "بروفة" (فزان البندقية) وليقيد ألحان "فوست" الذى كان عازماً على فتح موسم الأوبرا بهما فى الشتاء المقبل، ومكث فى المسرح إلى الساعة الثانية، ثم ذهب إلى منزله بمصر الجديدة على أمل أن يعود بعد عصر يومه إلى المسرح لإعداد رواية اليتيمتين التى ستمثل مساء الغد، ولكى يعد العدة للرحيل بفرقته صباح الأربعاء إلى مدينة المنصورة حيث كان مزمعاً تمثيل رواية شهداء الغرام بها.
    غير أن القوم انتظروه فلم يحضر، فخاطبوه تليفونياً فاعتذر عن الحضور لصداع ألم به، وأمرهم أن يستبدلوا رواية اليتيمتين برواية أخرى لا دور له فيها، وفعلاً مثلت رواية (عبرة الأبكار) بدلها، واستعدوا للسفر إلى المنصورة صباح الأربعاء على أن يلحقهم الشيخ فى نفس اليوم بقطار الليل، كما أمرهم بذلك، وعند صباح اليوم المحدد تقابلت الفرقة معه قبل رحيلها ثم سافرت.
    بيد أن الصداع لم يفارق الشيخ طوال يومه، مما عاقه عن اللحاق بفرقته، ودعى إليه طبيبه الخاص فعاده، وأمر له بالعلاج وبالراحة التامة.
    وقد بلغ الخبر إلينا فلم نتشاءم أو نتوجس خيفة عليه، لأن مرضه لم يكن إلا صداعاً بسيطاً، ولكن الشيخ شعر بسآمة وملل، (وقد كنت الوحيد الذى لازمته وهو على فراش مرضه الأخير) فطلب إلى أن أعيد على سمعه بعض اسطواناته، وفيما كان صوت الحاكى منبعثاً والهدوء شاملاً، إذ نهنه المريض واجهش فى البكاء، فأسرعت إلى سريره استطلع الخبر، فأومأ إلى طالباً أن أعينه على القيام فأعنته! غير أنه لم يقو على تمالك نفسه، فسقط على سريره ثانية، وكان الوقت ظهراً ونحن على انفراد، فاستنجدت بصاحبة المنزل (وكانت مدام ماركو) فحضرت وتركته بين يديها، وفزعت إلى الطبيب أستدعيه.
    ولكنى وجدت الرجل عند عودتى ملقى على وجهه فى أرض غرفته، ينتحب بكاء ويشير بيده فاغراً فاه كمن يريد أن يتكلم فلا يقدر، فتفقدت السيدة فلم أجد لها أثراً بالمنزل، فحملت المريض إلى سريره وأخذ الطبيب فى فحصه، ولكن اليأس أدركه إذ أيقن أن المريض نكس، وأن الشلل قد عاد ففاجأه.
    وهنا جال سوء الظن بالمرأة فى خاطرى، فتفقدت الثمين من متاع الشيخ فلم أجده، كما لم أجد خاتمه الماسى فى أصبعه، ولا ساعته الذهبية فى جيبه، فجلست إلى جانبه أنتظر قضاء الله فيه، وما كان اشد آلام نفسى أن اسمع حشرجة الشيخ وأرى حركاته العصبية غير المفهومة، وليس فى وسعى أو وسع الطبيب أن نساعده!
    ولبثت معه على هذا الحال حتى الساعة التاسعة من مساء الخميس إذ حضر بعض خلصائه، وما كادت أبصارهم تقع عليه حتى انهلعت قلوبهم وانعقدت ألسنتهم فلم يستطيعوا إلا ضرب الأكف بالأكف من هول الفجيعة وشدة المصاب.
    وهكذا مكثنا نرقب ختام هذه المأساة الهائلة بقلوب تتقطع، وعيون تفيض بالدمع، حتى صباح الخميس.
    وفى منتصف الساعة الحادية عشرة أبرم القضاء فيه حكمه وتغلغل سهمه فيه إلى نصابه.
    وقد كانت ساعة رهيبة رأينا فيها كيف تطوى الصحائف وهى قيمة، وتدك الجبال وهى شوامخ، وتأذن شمس حياة هذا العبقرى الموهوب بالمغيب.

    يوم الفجيعة الكبرى 4 أكتوبر 1917
    أجل، فى هذا اليوم ذهبت روح الفنان إلى بارئها، وانطفأ نجم كان منيرا فى سماء مصر، وسراج وهاج كان يتلألأ فوق منائر الفن، وهو ذلك الشهاب الثاقب الذى ملأ الكنانة بنوره، وبهر الناس سناه.
    سكن ذلك الصوت السماوى الحنون، وخبت نبراته، وغيب الشيخ عن الأنظار إلى ما شاء الله، وانتشر الخبر، وضرب الحزن على جميع الناس، وخيمت الرهبة على شعب مصر وعمه الأسى والحزن.
    مات الشيخ سلامة حجازى، وتلاشت تلك الموسيقية السماوية وارتفع أثرها، وتحطم مزمار القدر التى أسبغت عليه الطبيعة روائع الآيات وبدائع النغم.
    مات الشيخ سلامة فما حسبت فجيعة من الفجائع التى منيت بها مصر كانت أشد وقعاً على النفوس من فجيعتها فى مطربها الوحيد.
    وما رأيت رجلاً أشفق لفقده خصومه قبل أصدقائه كما أشفقوا على رحيل فقدنا، إذ كان الحادث عاماً جللاً، اشترك فيه الجميع بتوديعهم للراحل الكريم إلى مقر الأبدية ومثوى الذاهبين.
    أما أنا إن نسيت فلن أنسى ساعة إذ بصرت الشيخ مسجى على سرير موته، محوطاً برجاله يذرفون عليه دماء قلوبهم، والرجل يتململ بينهم طالباً الغوث، ولكن أنى لنا أن نجيب ما ليس فى وسع البشر.
    ولن أنسى الذهول الذى أصابنا يوم أن حملنا الشيخ على أعناقنا، والكل صارخ فزع لهول الفجيعة ووقع المصاب، فلقد برح بنا الحزن واشتد الجوى، حتى لقد كنا نصيح صياح الثكالى ونعول عويل المفقودين، ناسين مع هذا أننا رجال قبل كل شئ، وأن الرجل مهما بلغت به الفجيعة يأنف دائماً أن يحاكى النساء فى عويلهن.
    لكن فقدنا للراحل كان أعظم من أن يتسق معه شعور أو تتزن وإياه حركة، ومن كان ذلك الرجل؟ لقد كان الأنشودة المطربة لمصر، وكان بلبلها الصادح الذى طالما غرد لأمته فأزاح عن قلوبها الترح وأذهب عن فؤادها الأحزان، وجلب لها كل معانى المسرة والابتهاج.
    أجل، لقد فزعت كل مصر لخطب الرجل، وتخاطفت نعشه الآلاف من المشيعين، وهاج الشعب وماج، وكيف لا يتألم هذا الشعب على فقد بلبله وكلٌ له من الخطب نصيب؟
    وفى يوم الجمعة 5 أكتوبر شيعت الجموع جثمان الشيخ إلى مقره الأخير فى مدافن السيدة نفيسة، والكل مترنح من هول الفجيعة وشدة الأسى، وبلغ الحزن ببعض المشيعين مبلغاً سقط به على الأرض إعياءً فاضطر الناس إلى حمله.
    وأشرفنا بالفقيد على القبر، وما تناولت جثمانه الأيدى لتودع هذا الكنز الثمين فى مقره الأخير، حتى علا الضجيج، وارتفع الشهيق، فكاد يبلغ عنان السماء، وتدافع الناس يتزاحمون بالمناكب، وقد غشيهم ما غشيهم من أثر الألم، يبتغون أن يحولوا بين الشيخ وقبره، واحتاطوا الجثمان وانهالوا عليه تقبيلاً وطفقوا يخطون بدموعهم على صفحات الكفن عبارات الوداع.
    ولعمر الشيخ، لقد كانت تلك المواقف المريعة لحظات تاريخية غرب عندها نوره، واحتجب فيها من كان يرى الفن أسمى من الحياة، وأقدس مما فى الوجود، وورى التراب فى قبر بسيط كتب عليه:
    فنم فى جوار الله مؤتنساً به يا خير مرتحل لخير جوار
    فنم فى جوار واهنأ بقربه وحسبك منا طيب الحمد والذكرى
    *****
    تلك حياة الشيخ نتلوها على القارئ، وما كانت إلا رسالة طيبة الأثر بدأها منذ أيفع، ولم ينصرف عنها إلا إلى عالم الخلود، وقد حملها جسمه، وأدتها روحه كاملة غير منقوصة، ففاض على الناس رحيقها، وساغ منهلها عذباً صافياً للواردين.
    *****



    تم بعون الله ...

  5. #25
    عصفور الجناين Guest

    إفتراضي

    قصائد.. مذاهب.. طقاطيق من أعمال الشيخ سلامة حجازى





    أولاً: من القصائد المقيدة بميزان والملحنة على الواحدة.. وهذه لإنشادية:



    قصيدة




    (أصول- واحده= مقام سيكاه)

    ودر ثناياكم عن المدمع الصب

    لسيف إلى قلبى وسحر إلى لبى

    فأنت أحبائى على البعد والقرب





    سلو حمرة الخدين عن مهجة الصب

    ولا تنكروا لحظ العيون فإنه

    بعدتم عن العينين فازداد حبكم



    ***

    لأبعد شئ فى الغرام عن القلب

    فلم يعترف قلبى بشئ سوى الحب

    سألتكم بالله لا تغفروا ذنبى





    أعاتب روحى فى هواكم فإنها

    وأسأل قلبى أى ذنب جنيته

    فإن كان ذنبى شدة الحب عندكم



    ***

    فأصبحت ولهانا وأمرى إلى ربى

    على الحب أم عينى القريحة أم قلبى

    وإن لمت عينى قالت الذنب للقلب

    فيارب كن عونى على العين والقلب

    ويارب لا تحكم على الناس بالحب





    وكنت خليا أعزل الناس فى الهوى

    فوالله ما أدرى أروحى ألومها

    فإن لمت قلبى قال لى العين أبصرت

    فقلبى وعينى فى دمى قد تشاركا

    ويارب لا تحرم محباً حبيبه



    ***






    قصيدة





    (بياتى على الحسينى)




    فأضاء صبح جبينه بتنفس


    ورد الخدود من الشفاة اللمس

    وعن اللحاظ ترى الجوارى الكلس

    واحذر محاربة العيون النعس





    سفر اللثام على دياجى الحندس

    يمحى ويحرس إن تناعس جفنه

    عن قده المياس فليحمى النقا

    دع ما يقال عن الأسنة والظبا









    قصيدة




    (أصول واحده = مقام عراق)

    لما تزايد بالتجنى هاجرى

    وبحسنه تاه على وآمرِ

    حفظ العهود ولم أكن بالغادر





    سمحت بإرسال الدموع محاجرى

    يا مالكاً مهج الورى

    جد بالوصال فإننى باقٍ على



    ***



    والدمع باح بما تكن سرائرى

    فوقعت فى شرك الغزال النافر

    هلا ترق لمستهام ساهر

    من حسنها قد رصعت بجواهر

    تحيا وتحظى بالجمال الباهر





    والقلب ذاب من التجنى والقلى

    عجباً لظبى صادنى بلحاظه

    ناديته يا ساكنا فى مهجتى

    فأجابنى متبسماً بمراشف

    مت فى الغرام بحبنا يا مدعى



    ***









    قصيدة




    (أصول- واحده = مقام بياتى)

    فأبوه للأشواق فيه دعانيا

    فأنا الذى قطعت لك أحشائيا

    فأنا الذى برضاى بعت فؤاديا

    فأنا الذى بالقرب أصل غراميا

    فرج فصبرى فيك أصل بلائيا

    قد شق بحر مدامعى وبكائيا

    فأنا بخدكموا وجدت بلائيا





    إن كان يوسف للجمال دعاكمو

    إن كان يوسف قطعت أيد له

    إن كان إخوته تعمدوا بيعه

    إن عاد يعقوب بحزن فراقه

    إن كان أيوب له فى صبره

    يا ليت موسى حين شق بحاره

    إن كان فى النيران قد وجد الهدى



    ***



    قصيدة

    (أصول واحده = مقام بياتى)

    والجوى حظى ولذاتى السهاد

    إن وجدى كل يوم فى ازدياد





    شكوتى فى الحب عنوان الرشاد

    لا تلم صبا بغالى الدمع جاد





    والهوى يأتى على غير المراد





    سقمه والنوح ما دام الجوى

    يا عذولى لا تلمنى فى الهوى





    نزهة الولهان فى حال النوى

    إن سقانى بالغضا ظبى اللوا





    ليس مما قضاه الله راد





    مغرم بالغيد قلبى مدنف

    منتهى الآمال عندى أهيف





    أعينى كاسى ودمعى قرقف

    لست أصغى أن تغالى واصف





    ودلالاً قد نفى عنى الرقاد





    وخدود تتلظى جمرة

    وشفاه قد سقتنا خمرة





    وقدود قتلتنا جهرة

    وجبين قد زانته غرة





    وعيون زانها ذاك السواد





    مت وجداً ولكم طول البقا

    أنا إن لم أهوى غزلان النقا





    سادتى إن لم تمنوا باللقا

    إن تكن عينه عين الشقا





    أى فرق بين قلبى والجماد





    ***









    ثانياً: من المذاهب والأدوار الخاصة بالتخت






    مذهب





    (أصول- مصمودى= مقام نهاوند)


    وفين بالوصل إحسانك

    حرام يا حلو هجرانك





    فؤادى يا جميل يهواك

    وليه تهجر وأنا أهواك



    ***

    دور

    وشوف وارحم ضنى حالى

    وأنا غير الوصال مالى





    حبيبى جود بوصلك يوم

    وتاه فكرى أنا فى اللوم



    ***









    مذهب




    (أصول مصمودى= مقام حجازكار)

    ملك قلبى بألحاظه الزكية

    عشق قلبى وليه يتقل علىَّ





    ظريف الأنس والطلعة البهية

    يا ناس أنا أشكى لمين والحب حاكم






    طقطوقة




    (من النوع الشامى والضرب السورى)

    يا نار قلبى والحبيب ما جانيا

    أنعم عليه بالوصل واكسب أجره

    ما يبتليه بالوصل ياما يعانى

    قضيت جميل اللى بحاله يعلم





    لمو العشيرة واسمعوا ندائيا

    اللى يريدك ايه يفيدك هجره

    فى شرع مين يستنظر آل طول عمره

    أفديك بروحى يا جميل لو ترحم





    أصل اشتباكى بالمحبة









    طقطوقة




    (من النوع السابق ضرب مختلف)

    ربى ظلمكم ياللى ظلمتونا

    والورد من فوق الخدود شئ يهوس

    كل الصبايا والهادى يهدى

    والليل أقضيه فى هواكى ساهر

    احنا عبيدك نرضى حكمك فينا





    تاه الفكر منك يا دلعونه

    فايته على البستان تلم النرجس

    ياربى تحمى لها جمالها وتحرس

    حالى صبح فى الحب أمره ظاهر

    وحياة عيونك والجبين الزاهر





    ياللى حويت الظرف ارحم عبدك







    (المرجع: كتاب "الشيخ سلامة حجازى" للدكتور محمد فاضل- مطبعة الأمة بدمنهور- سنة 1932)
    آخر تعديل بواسطة عصفور الجناين ، 05-12-2006 الساعة 00:56

  6. #26
    عصفور الجناين Guest

    إفتراضي

    [CENTER]ألبوم الــصـــــــــــــــــــــــور




    بين ربوع الشام




    فى الستين من عمره



    فى الخمسين من عمره



    فؤاد عنايت افندى صهر الشيخ مع كريمته عائشة حفيدة مطربنا الاكبر وهى الباقية من نسله

  7. #27
    عصفور الجناين Guest

    إفتراضي




    سلامة حجازى


    سلامة حجازى فى زيه الأفرنجى الجديد عام1877


    سلامة حجازى فى الثلاثين من عمره


    سلامة حجازى فى 45 من عمره

  8. #28
    عصفور الجناين Guest

    إفتراضي









    كريمة المرحوم سلامة حجازى
    المرحومة الست سيده حرم فؤاد عنايت




    آخر صورة قبل الوفاة
    أمام قبر الشيخ سلامة حجازى

  9. #29
    عصفور الجناين Guest

    إفتراضي

    اليوم يموت شيخ الفن
    محمود بك تيمور




    اليوم تذبل أول زهرة ناضرة كانت نامية فى مسارحنا بعد أن استنفدنا أرجها العطرى، واستنشقنا أنفاسها الزكية. اليوم تفنى النغمة السابحة فى سماء ملاهينا بعد أن روت أرواحنا العطشى، وأيقظت قلوبنا النائمة. اليوم تنكسر الكأس التى كنا نرتشف منها أفاويق المسرة ونستمرئ منها لذة الفن. اليوم تهوى الإرادة أمامنا تعبةً واهية بعد أن أخرجت للناس فناً وليداً وسارت به طفلاً وأسلمته إلينا شاباً. اليوم يتحطم سيف الجهاد فى سبيل التمثيل بعد أن شق له إلى الرقى طريقاً وتغلب على صعاب الحياة دهراً، ولكنه وقف أمام صعاب المرض عاجزاً ضعيفاً. اليوم يصمت ذلك الصوت الرنان الذى طالما تغلغل فى القلوب فنزل إلى أعماقها، واستكن بين جوانحها. اليوم تطفئ تلك الجذوة المتقدة على مسارحنا. اليوم يهدأ ذلك النسيم السابح فى حقل مسرتنا. اليوم يهبط ذلك الفلك المنير من عليائه إلى مستوينا. اليوم تسكن تلك الروح العاملة فى طريق مجدنا. اليوم يخبو ذلك النور المتلألئ فى ميدان حياتنا.
    أيتها الروح الراحلة، قفى فأسمعك حزناً دفيناً يحطم قلبى، قفى برهة أناجيك بصمتى واحساسى، هنا فى ذلك القلب يجرى دمى ممزوجاً بشجى نغماتك. هنا فى ذلك الجسد تأتنس روحى بلذيذ طيفك. هنا فى تلك الرأس يستلذ فكرى بتصفح رواياتك. هنا فى ذلك الصدر يزلزل مهجتى شديد آلامك.
    أيها الرجل الكريم، كنت تتألم لنتسلى، وكنت تبكى لنطرب، وكنت تشقى لنسعد، وكنت تنوح لنشجى، وكنت تموت ليحيا الفن بعدك، فما أكبر التضحية التى قدمتها للفن، وما أعظم الأثر الذى تركته لخلفك.
    أيها العبقرى المتفنن، لقد علمتنا الغرام فى (شهدائك) فهل يذكرك الحب اليوم بعد أن استلذ بعذب ملفظك؟ لقد أطربت الليل برخيم صوتك، فهل تسمع نواحه عليك فى قبرك؟ لقد كنت تتلاعب بالموت وتهزأ بالأقدار فى ملعبك، فهل جاءك الموت اليوم يمثل لك الحقيقة أمامك، أم غضبت الأقدار فاقتصت من مهارتك؟
    وأنت أيها الفن العابس الظلوم، أنظر إلى فريستك تحت قدميك، تلك هى التى جاهدت فى سبيل رقيك، تمتع أيها الغشوم بمصرع تلك الروح العاملة التى كانت تسير بك إلى مجدك، أنظر تلك الضحية التى قضت فى ملهاك لتعلى من شأنك.
    فوالله إن وجدنا اليوم أبواب المسارح بعدك مغلقة فقلوبنا مفتوحة بذكراك، وإن وجدنا الأنوار خابية مطفأة فدموعنا مشرقة بمرآك، وإن وجدنا المسرح قفراً من صورتك فأفئدتنا ملأى بالنواح عليك.


    انصبوا علما فوق هذه المقبرة
    جورج أبيض


    ستقوم جوليت من بين الأموات وستبكى على قبره ثلاثة أيام، وفى اليوم الثالث تغرس عوداً من النرجس وعوداً من الياسمين، لقد بكى عليها فى حياته كثيراً، أما هى فستروى مقبرته بالدموع وتغرس حول مقبرته الزهر الذى كان يحبه..
    إن الدموع التى تسفكينها اليوم يا جوليت لا توازى شيئاً بجوار دموعه.. لقد ناح عليك ثلاثين عاماً أو أكثر،وأما أنت فستنوحين ثلاثة أيام. كم ليلة صرفها بجوار لحدك يا جوليت وهو يلطم على خده كالثواكل وينوح وينوح وينوح حتى تنوح الناس، لقد كنت أنوح معهم حتى أنسى أننى فى مشهد جنازتك فأصفق بيدى وتصفق الناس من حولى، وتدوى الجنازة بالتصفيق، ثم يمر بنا المارون فأسمعهم بأذنى يقولون "يا لهم من مجانين يصفقون فى جنازة"، ثم لا ألبث أن أراهم وقفوا على مقربة منا ثم ناحوا وناحوا ثم صفقوا.
    لقد كانت جنازتك حلوة، وكان النواح عليك شهياً أحسن من نواح العود والناى، لقد كسر العوادون أعوادهم وجاءوا يلطمون فى جنازتك ثلاثين عاماً، ونحن نبكى وراءه، ولم يكن أشهى إلينا من ذلك البكاء ولا تلك الدموع، لقد سفك عليك أول دمعة عندما كان غلاماً، أما الآن فسنبكى وستبكين معنا ثلاثة أيام، وإنه لأمد قصير. أنت لا تعرفين الجميل يا جوليت فقد كنت تحبينه وهو حى.. لو كنت مصرية مثلنا لبكيت على قبره ثلثمائة عام أو أكثر. لقد أحبك حتى جاء إلأيك بنفسه وأصبحت بقربه تحدثينه وهو يحدثك، وسيفرح روميو به كثيراً، لقد أبلى فى المدافعة عنه أحسن بلاء وشرح أمره للناس، لقد مات وهو يتحدث عنكما.
    إذا أتيت لقبره فاستصحبى روميو معك، وعندما تعودين فانقليه معكما ففى النعش متسع له..
    وإذا أبى روميو فقولى له لقد بكيت كثيراً حتى ضنى جسمى، وأصبحت أنحف من ذى قبل، وعدا ذلك فهو نحيف القد وأقصر من روميو كثيراً.
    وإذا لم تجدى العلم منصوباً فستجدين الحمائم والأطيار. لقد كانت تحييه عندما كان حياً لأنه علمها الغناء والنواح، وهى تحفظ الجميل كالمرأة المصرية تماماً، وستجدين الزهور مبعثرة فى كل مكان ومطأطئة برأسها إلى الأرض شأنها عندما تقف أمامه..
    لقد كان زهرة تتكلم، أما هى فكانت كلها زهوراً صامتة.
    لا تلوموا جوليت يا رفاق! ستنوح ثلاثة أيام فقط على مقبرته لتعود إليه على عجل، لقد أوصاها روميو بذلك، قد أحبت الحياة بقربه، أما الآن فتحب الممات.
    انصبوا علماً فوق هذه المقبرة.
    (المرجع: كتاب "الشيخ سلامة حجازى" للدكتور محمد فاضل- مطبعة الأمة بدمنهور- سنة 1932)
    آخر تعديل بواسطة عصفور الجناين ، 05-12-2006 الساعة 01:08

  10. #30
    عصفور الجناين Guest

    إفتراضي

    سلامة حجازى.. ويدعونه الشيخ..!!
    زكى بك طليمات

    من حلقات الذكر وتلاوة القرآن قفز إلى الغناء، ثم قفز بعد ذلك إلى المسرح، وقد خلع العمامة وزى الشيوخ ليصبح بلباسه العصرى مرآة الزى الحديث، ومطرب المسرح العربى بلا منازع مدى ربع قرن من الزمن.
    كان صوته مرآة عصره، عصر ثورة عرابى، ما جاء بعدها من هزات وفورات وطنية فى عصر اللورد كرومر، إذ كان الشعب خلالها فى نضال مستمر لتحطيم قيود التقاليد البالية، وأغلال الاحتلال البريطانى.
    كان صوته، على رخامته ولطافته، شديداً يهدر، وفى نبرة تمرد ودعوة إلى العصيان، إلى إدراك شئ عسير المنال، فلم يكن عجيباً أن تلحظ أن هذا الصوت الثائر يكسر أحياناً المألوف والموروث فى طرائق الأداء لينطلق صداحاً مشحوناً بمختلف الانفعالات ويهز المستمعين هزاً قوياً.
    كنت ألقاه كل يوم، ولكن لا أذكر متى حدث أول لقاء!!
    وكنت ألقاه طيلة سنى مراهقتى وفى مدارج الشباب الأول.. إلا أننى لم أكن ألقاه وجهاً لوجه، كنت ألقاه صوتاً فى (الحاكى) أو صورة فى نشرات الدعاية التى تصدرها فرقته، كما كنت ألقاه ممثلاً فوق منصة المسرح.
    وكنت شديد التأثر بهذه اللقاءات، كنت أعيشها بكل جوارحى، ولهذا كان أمراً مقضياً أن يلعب سلامة حجازى دوراً فى تشكيل ناحية من مزاجى الفنى، وفى تقرير نظرتى الأولى ما يصح أن يكون عليه الممثل، على الرغم من أننى لم أكن أعى إذ ذاك من فن المسرح إلا ما يستهوى مراهقاً، وهى السن التى تنزع فيها نفس الصغير نزوعاً شديداً إلى المحاكاة والتقليد.
    لم أكن أرى من فن المسرح إلا أنه متعة تخاطب العين والأذن من غير استئذان.. ثم ارتداء ملابس غريبة فى الزى واللون، ورفع الصوت عالياً بالكلام، وإبداء حركات وإشارات كنت اباشر تقليدها أمام المآة فأحس بخفقات شديدة فى القلب وميل إلى أن أفرك الحجر بين أصابعى لأحيله تراباً.
    ثم...
    ثم كانت لى أذن تميل إلى استماع الغناء، فإذا أنا أدندن بما يدخل عليها، ولعل مرجع هذا الميل فطرة جامحة لا تقنع فى التعبير عن طريق الكلام فحسب.. أو لعله كان أمرا لا منجاة منه لكل من يدمن سماع سلامة حجازى، أن يطلق صوته يغنى مقلداً ما دخل على أذنه من غناء هذا المنشد اللاهب الملتهب، حتى ولو كان هذا الصوت يدخل بجدارة ضمن أصوات الحمير أو الماعز أو الغربان.. كنت إذ ذاك أغنى ولا أعرف لماذا أغنى!!
    ولم أكن وحدى فى هذه الهواية، كان لسلامة حجازى أفواج من المقلدين والمتطاولين..
    وكنت لا أغنى غير ألحان سلامة حجازى بعد أن أجيد حفظها سماعاً من المسرح، ثم من اسطوانات الحاكى أقلد أداءها تقليداً دقيقاً كما يؤديها صاحبها، وأشد ما كان يحلو لى هذا داخل الحمام، حيث الصوت بفعل الصدى حتى بت أعتقد أننى على صوت جميل.
    صوت قوى
    أفدت من هذا أن استقام لى صوت قوى لين المكاسر ينتقل بيسر بين درجات السلم الموسيقى من الطابق الغليظ الأجش، إلى المتوسط المعتدل، إلى الحاد الصارخ.. ولكننى لم أفد مما كان عليه صوت سلامة حجازى من رخامة وسحر نافذ.
    ولا عجب فالمقلد دائماً لا يأخذ من الشخص الذى يقلده إلا بعض ما عنده، وليس أحسن ما عنده.
    أيام كنت أغنى
    وخرجت من الحمام إلى الشارع أفرض على الناس غنائى.. كنت أغنى بين الرفاق والزملاء، وقد نضجت مشاعرى بتأثير هوايتى المسرح...
    وكان المستمعون إلى ينصتون فى صمت ثم يمصمصون شفاهم،وهى ظاهرة عرفت فيما بعد
    أنها تعبر عن القرف كما تعبر عن الاستحسان،وكان المستمعون تارة أخرى يمتدحون هذا الصوت بأنه قوى لا ينشز،ثم هو يراجع ألحان"الشيخ"صورة طبق الأصل.
    وكانت لى "شلة"من هواة التمثيل ومغامرات الصبا الباكر..وكان لى من بينهم صديق يعجبه صوتى، وكان يخصنى بأسرار قلبه، وحدث أن تعلق قلب هذا الصديق بحب بنت الجيران.. وسرعان ما أخذت تلعب بقلبه لعب القط مع الفأر.. وكان لا يلقاها إلا حائما حول منزلها فى ساعة معينة من الليل.. تطل هى من نافذة عالية، ويشب هو بقامته يريد أن تطول حتى تصل إليها.. ثم تجرى همسات وتمتمات تنتهى بأن يعانق كل منهما نفسه وقد خيل إليه أنه يعانق صاحبه!!
    وحدث أن وقع بينهما سوء تفاهم.. وكان أن أمضى المسكين عدة ليال يقف تحت نافذتها، ولكن النافذة لم تكن تفتح، وأخيراً اقترح على أن أصاحبه إلى هناك، وأن أغنى تحت نافذتها، وصحبته إلى هناك وقد ملأنى الزهو والتيه، كيف لا وقد أصبحت أدعى للغناء تحت نوافذ العشاق!!
    وهناك أطلقت صوتى يعكر هدأة الليل.. وأنشدت (يا غزالاً صاد قلبى حسنه) وهى نفس القصيدة التى ينشدها الشيخ على المسرح وهو يمثل دور "روميو" لكى تطل عليه "جولييت" من نافذتها.. وغنيت بحرارة وشوق وهو واقف إلى جانبى يراقب النافذة المغلقة..
    وأخيراً فتحت النافذة فشببت على أصابع قدمى، وشب معى صوتى بدوره، وصاح صاحبى يتأوه وكأنه يستقبل "جولييت" التى ستطلع علينا كالقمر.. وفجأة..
    وفجأة رأينا القمر "يدلق" علينا سيلاً من الماء..
    وقبل أن نفيق، سمعنا باب المنزل يفتح، ورأينا عملاقاً فى يده عصا غليظة، فانطلقنا نجرى والعملاق وراءنا يجرى وشتائمه تضرب فى ظهورنا، ولم ينقذنا من العصا إلا قطط الحى التى نفرت من الجلبة فانطلقت تجرى وتمرق فيما بيننا وبين صاحب العصا!!
    ومع هذا لم أتب عن الغناء!
    إن ألحان سلامة حجازى كانت غذاء الشباب، يستجيب إلى إنشادها كل ذى وجدان يقظ، وكل من يريد أن ينفس عن نفسه.
    كنت تسمع هذه الألحان أينما وليت وجهك فى حين أن الإذاعة والتليفزيون لم يكونا قد انشق عنهما الوجود.. بل كثيراً ما كنت تسمع هذه الألحان وهى تجرى على أصوات منكرة.. لقد ملأ (سلامة حجازى) الهواء ألحانا مشبوبة كانت تفتح شهية الناس للغناء.
    ويقع أحياناً أنه لا يعجبك صوت المنشد ولكنك لن تنصرف بسهولة عن الإنصات إليه لأن ما ينشده يفيض بشحنات من الانفعالات القوية، ولأن قوة التعبير تزرى بحلاوة التطريب.
    المسرح وحده
    أقول إن المسرح فى ذلك الوقت، أوائل القرن العشرين، كان يؤلف الملهى الوحيد الذى يبعث فينا شيئاً.. نمتطيه إلى دنيا الخيال، إلى الهروب من واقع الحياة، ونحن أصحاء وفى كامل وعينا وصحونا، وكان المسرح إذ ذاك يبهر بحداثته وبطرافته، وبأنه مكان ينفرد بأن ما يجرى فيه لا يقع فى مكان آخر، وفى مقدمته المرأة.. كانت المرأة قد اعتلت المسرح تمثل..
    المرأة سافرة تجادل الرجل فوق المسرح فى مواقف البطولة وفى مواقف الحب.. وكانت المرأة المصرية إذ ذاك محجبة لا تقع عليها أنظار الرجال فى الطريق إلا وهى تتعثر فى إزار له لون الغراب..
    لم يكن هناك فى المجتمع المصرى مكان لاختلاط الجنسين..
    وفوق ما تقدم فإن المسرح يقدم ألواناً من الألحان والإنشاد تختلف كل الاختلاف فى المظهر عما ألف الجمهور سماعه فى حلقات السمر و (الصهبات) والأعراس، حيث يتربع المغنى فوق التخت ينشد جامداً ألحاناً يبدؤها بمناجاة الليل حتى يسأم الليل سماع اسمه.
    وعلى المسرح ينشد سلامة حجازى فإذا هو يحيل بأدائه العجيب الألحان العربية العريقة شيئاً جديداً، هذا فى حين أنها لم تغير من طبيعتها وأوضاعها شيئاً.
    سحر المسرح
    ولاشك فى أن المسرح بأضوائه وأستاره الملونة ومجتمعه الصاخب كان يكسب هذه التلاحين طرافة وجدة، وواقعاً مرئياً يزيد من قوة تأثيرها على المستمعين، كما يعمل على سرعة انتشارها، وتقديم دعاية واسعة لمنشديها من الممثلين.
    ثم أن أكثر هذه التلاحين يجرى تقديمه فى مواقف أكثرها للحب وللهزات العاطفية العنيفة.
    ويزيد فى تجسيم أثرها الأداء التمثيلى الذى يصاحب إنشادها، فهى تلاحين تخاطب الأذن كما تخاطب العين بالرؤية فيتضاعف تأثيرها فى النفس.
    ولعل هذه الظاهرة تفسر لنا السر فى اندفاع الكثير من المنشدين الدينيين، وقارئى القرآن إلى خلع العمائم وارتقاء منصة المسرح ينشدون ويمثلون، أو هم يؤلفون تلاحين يؤديها غيرهم ولكن فوق المسرح.
    أخيراً اللقاء الأول!!
    هكذا كنت ألقى سلامة حجازى خلال عدة سنوات، ألقاه فى ألحانه، وفى صوره، وأخيرا جاء يوم ولقيته وجها لوجه..
    فى المقهى الملحق بمسرح "دار التمثيل العربى" [كان يقع فى حى وجه البركة بالأزبكية، تولى سلامة حجازى أمر هذا المسرح الذى كان يحمل اسم (مسرح فردى) وأنشأ فيه أول فرقة تحمل اسماً مصرياً هو اسمه، وليس اسما لبنانيا أو سوريا، وكان ذلك عام 1905م] كنا نحن معشر هواة التمثيل نحتشد من وقت لآخر لنرى الممثلين عن قرب، لنشم رائحتهم، لنتصيد أخبارهم، ولم تكن هناك حين ذاك صحافة تهتم بهذه الأخبار.
    وكنا نستقى أخبار سلامة حجازى من عجوز صاحبه فى مختلف أدوار حياته، ولا يعرف أحد ماذا كانت مهمته على وجه التحقيق..
    نجلس إلى هذا العجوز، أو هو يجلس إلينا.. ونطلب إليه فنجان القهوة، ثم نشترى علبة السجاير، لنثير شهيته بالرد على أسئلتنا، فإذا تردد -وكثيراً ما كان يتردد أو هو يتظاهر بهذا التردد- طلبنا له كأساً من الخمر الرديئة.
    عرفنا منه كيف احتفظ سلامة حجازى بلقب الشيخ على الرغم من أنه استبدل الطربوش بالعمامة، والزى الأفرنجى بالجبة والقفطان، أتى كل هذا قبل تركه الإسكندرية مسقط رأسه.
    لاشك فى أن تمسكه بهذا اللقب، بعد أن تجرد من كل مظاهره وقطع ما بينه وبين مضمونه أمر يدعو إلى التأمل والتساؤل!! أهو حنين إلى الماضى؟ أهو تمسك بشارة يتميز بها على من يعملون فى المسرح؟؟
    وعرفنا أن السبب الأول فى شهرته أنه كان يتطوع كل يوم بتأدية أذان الفجر بجامع (الأباصيرى) بالإسكندرية، فيجتمع الناس فى الطرقات بالجامع ليستمعوا إلى الصوت الفريد يشق أجواز الفضاء.
    وعرفنا منه أن الشيخ يخلب قلوب الحسان بصوته وطلعته.. وأن له حريماً منهن يزيد عددهن عن عدد حبات المسبحة التى يقلبها دائماً بين يديه!!
    وجلسنا فى ذلك اليوم الذى وقع فيه أول لقاء لى مع سلامة حجازى ننصن إلى العجوز، وكان يتحدث عن مهابة الشيخ وكيف أن له عينين ثاقبتى النظر فيهما مغناطيسية قوية بحيث إذا صوبهما إلى قط أو سبع فإن كليهما يفقد الحركة ويسمر فى مكانه!!
    وفجأة أمسك العجوز عن الكلام والحركة وتسمرت نظراته ناحية الباب..
    والتفتنا نحو الباب فإذا نحن نطالع رجلاً متوسط القامة حسن اللباس وقد تلفع بكوفية داكنة حول عنقه، أبرزت معالم وجهه وعرفناه فى الحال..
    إنه سلامة حجازى بلحمه ودمه ونظراته الحادة الثاقبة، ولا أعرف لماذا وقفنا جميعاً دفعة واحدة وبحركة آلية..
    ولا أعرف لماذا أطرقت ساكناً وقد لفنى حياء شديد وبدأ العرق يتصبب من جبينى!!
    وسمعت العجوز يتمتم: محاسيبك اللى بيحبوك يا سيدنا الشيخ
    وسمعت الشيخ يقول: أهلاً.. أهلاً.. بالشباب.. أنا الشيخ
    انطلقت هذه الكلمات من فمه وكأنها تغنى وتنشد فى نبرات حلوة.. هل هو يغنى أو هو يتكلم؟؟
    إلا أن كلمة "الشيخ" خرجت من فمه وهى تحمل الكثير من الزهو والاعتداد بالنفس.. وسادنا صمت منغم تخللته ضحكات من جانب الشيخ مليئة بالترحيب والدفء والسماحة.
    وفجأة رأيناه يستدير ليخرج وهو يقرئنا تحية المساء، وبقينا نحن صامتين لا نرد التحية، ونحن ننصت إلى وقع أقدامه وهى تبتعد وقد خيل إلينا أن لهذه الأقدام موسيقى تصدح.
    وارتفع صوت الشيخ من جديد يخاطب شخصاً لا نراه وهو يقول فى لهجة الآمر المقتدر: قل لهم إن الشيخ عاوز كده.
    وخرجت كلمة (عاوز) تحمل نبراً قاطعاً وحاسماً.
    وأدرت رأسى نحو رفاقى، فإذا هم بدورهم شاحبو الوجوه.. وتحسست وجهى بيدى، وارتميت على الكرسى، بينما أخذ العجوز يرسل ضحكات كريهة فصحت به أن يصمت ثم شفعت هذا بأن طلبت له كأساً من الخمر الرديئة.
    الكلام.. غناء
    ما كنت أعرف أن سلامة حجازى ينغم فى كلامة إذ يتحدث مع الناس فى واقع الحياة حتى ليكاد كلامه ينقلب غناء صريحا!!
    عرفت هذا فيه قبلا وهو فوق منصة المسرح يتبادل الحوار مع من حوله من الممثلين.. ولكن هل هو دائماً يجرى على هذه الحال فى مختلف مواقف حياته الواقعية؟
    أو أن الموقف الذى جمعنا فى هذه المقابلة، وقد تم فى بناء "دار التمثيل العربى"، دفعه من غير وعى إلى أن يتخذ هذه اللهجة الغنائية فى كلامه العادى ليشعرنا بأنه هو بعينه الممثل المغنى والعكس بلا منازع؟ وبأننا جميعاً فوق المسرح؟؟
    سلامة حجازى الممثل
    ومن هنا يبدأ أول الطريق إلى سلامة حجازى الممثل.
    لم يكن أمرا عجيبا أن تغلب على أدواره نزعة إلى التفخيم والتجميل والتنعيم..
    وبعض هذا يرجع ولاشك إلى تلك الرومانسية التى كانت تسود الأدب والفنون وتخلع عليها رواء وجمالا، كما أن هذا أيضا يعود لأن سلامة حجازى يريد من غير وعى أن يجعل كل ما يبدو منه فوق المسرح ألحانا متتابعة لا ينقطع لها عزف.
    إن الجمهور لم يكن يطيق إلا أن يرى سلامة حجازى منشداً وذلك فى مختلف ألوان وجوده فوق المسرح!!
    إلا أن اتزان الطبع وسلامة الفطرة فى هذا المطرب النابغ كانا يردانه أثناء أدائه التمثيلى عن ركوب المبالغة فى إيراد الصوت وفى إصدار الحركة والإيماءة، وقد كانت هذه وتلك ملامح الأداء التمثيلى لدى معاصريه من الممثلين.
    فقد كان امتلاؤه بالإحساس وبصدق الانفعال فيما يقوله يدفعه دائماً إلى أن يكون مؤثراً فى التعبير على الرغم من جهله بدقائق فن الإلقاء وفن التمثيل، هذا الجهل الذى يعتبر من صفات أكثر الممثلين فى أواخر القرن الماضى..
    إلا أن محاولته أن يظهر فوق المسرح إنساناً سوياً باعدت بينه وبين التكلف وأحاطت وجوده فوق المسرح بالقبول من جانب الجمهور.
    وكانت له خاصية فى إلقائه وهى أن حرف القاف يجرى على لسانه وكأنه حرف الكاف ولا فارق بينهما فى النطق، فحبيبة قلبى تتحول على لسانه إلى حبيبة كلبى!
    والعجيب أنك تسمع هذه العبارة تجرى على هذا النحو ولا يهيجك الضحك لأن الانفعال العاطفى الذى يجرى بغزارة فى جميع حروفها يملك عليك نفسك وكأنك منوم مغناطيسيا.
    هذا إلى جانب أن إنشاد سلامة حجازى المطرب الفريد يمسح أخطاء سلامة حجازى الممثل، ويخلع على ما يجئ باهتاً فى أدائه ألوانا مشرقة من البهاء.
    أقوى من المرض
    ونزل مرض الفالج بمن كان إذا مشى فإنه يمشى وثبا وقفزا، ويترك الشيخ المسرح محزونا، ولكن سرعان ما دقت البشائر بأنه عائد إلى المسرح بفن جديد.
    وعاد الشيخ وهو يجر إحدى ساقيه، ليغنى وينشد ولكن على أسلوب جديد..
    إنه الآن ينزع إلى الاعتدال فى إصدار الصوت، ويختار من الأنغام ما فيه يسر وسهولة، إنه يجنح إلى البساطة والسهولة فى الأداء أكثر من أن يكون للجزالة والعنف، وهو الآن يصل إلى نفوس المستمعين بأهون الوسائل، وبأقل عدد من الأنغام.. ثم
    ثم هذا العمق فى تفهم معانى الكلام الذى ينشده، وفى الانفعال به ثم فى اختيار الأنغام وفى وسائل الأداء!!
    وهذا من البلاغة.. بلاغة الأسلوب الموسيقى، ثم إنه يغنى وكأنه لا يغنى!!
    آخر لقاء
    ومشيت أجر ساقى فى موكب جنازته.. من مسكنه بمصر الجديدة إلى مدافن الإمام.. شقة طويلة، ورفضت الركوب إذ اعتبرته اخفاظا لشأنه.. بل هو حرام، وسعيت وأنا أسترجع تلاحينه فيما بينى وبين نفسى على وقع طبول وأبواق..
    صدى السنين
    واليوم حينما يحلو لى أن أهرب من الحاضر إلى الماضى فإننى أدير الحاكى لأستمع لألحان سلامة حجازى، ولكن سرعان ما يأخذنى العجب العاجب لأن ما أسمعه لا يزيد عن كونه أصداء باهتة من صوت مجلجل جبار، كان إذا ارتفع بالغناء تجاوز مداه جدران المسرح إلى حيث احتشد جمهوره من المارة فى الخارج يستمعون إليه بالمجان، أنصت.. وتنصت أنت معى، فإذا امتلأت عجباً بكل جوارحك بقوة هذا الصوت ونفاذه ورخامته وهو يعلو ويهبط، يشتد ويلين فى مدارج التعبير عن الكلام..
    إذا راعك هذا الصوت يقفز فى يسر وتناسق ورشاقة فوق درجات السلم الموسيقى مبتدئاً من أسفل إلى أعلى، وبالعكس...
    فإن شيئاً آخر سيثير انتباهك فوق ما تقدم.. هو هذا القلق وذاك التحفز فى الإنشاد، أو بعبارة أخرى، هذا السعى من جانب سلامة حجازى إلى ان يعتصر النغمات والتراكيب الموسيقية يستقطر كل ما تقدر عليه من قوة التعبير وكأنه يحس فى وعيه الباطن بأن هذه التراكيب لا تؤدى ما يريده من التعبير بحيث يجئ وفقاً لما تمتلئ به نفسه من المعانى.
    والمعنى المباشر لما تقدم أن سلامة حجازى كان يعيش ثورة لأنه يرى الموسيقى العربية تجرى وراء التطريب أكثر مما تعمل على التعبير.. وهو يحاول أن يهتدى إلى السبيل الذى يحقق هذه الثورة من غير أن تفقد الموسيقى العربية أصالتها وعطرها.

    (ذكريات ووجوه- زكى طليمات- الهيئة المصرية العامة للكتاب-1981م)

صفحة 3 من 4 الأولالأول 1234 الاخيرالاخير

قوانين المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •