صفحة 1 من 2 12 الاخيرالاخير
عرض النتائج 1 إلى 10 من 12

الموضوع: الياس سحاب - حنجرة فيروز حساسية وجماليات معتّقة

  1. #1

    إفتراضي الياس سحاب - حنجرة فيروز حساسية وجماليات معتّقة

    حنجرة فيروز ..حساسية وجماليات معتقة

    إلياس سحّاب
    العربي 1/6/2007

    ظهرت نهاد حداد (فيروز فيما بعد) أولاً ضمن كورس إذاعة بيروت، وكان حليم الرومي أول من تنبه إلى تميز صوتها على أصوات زميلاتها في الكورس.

    مع أن المزاج الفني للملحن والمطرب حليم الرومي كان كامل التأثر بالمدرسة الكلاسيكية العربية الكبرى، كما ترسخت في القاهرة، (حيث أجرى دراساته الموسيقية العليا في النصف الثاني من عقد الثلاثينيات)، ومع أنه عهد إلى المطرب القدير محمد غازي (المنتقل هو الآخر من فلسطين إلى لبنان) بتلقين نهاد حداد فنون الموشحات، فإنه عندما أراد إكمال دوره بتوجيهها فنيًا، بعد أن اقترح عليها إبدال اسمها بأحد الاسمين الفنيين : فيروز أو شهرزاد، فإنه لم يتردد في تعريفها بعاصي الرحباني، الملحن الجديد الذي بدأ يتردد على الدوائر الموسيقية الإذاعية، مع معرفة حليم الرومي الكاملة (بل بسبب هذه المعرفة)، بأن عاصي الرحباني كان يبحث عن خط جديد، خارج إطار الدوران الكامل في إطار الكلاسيكية العربية الكبيرة، كما ترسخت في القاهرة.
    والحقيقة أن هذه الموضوعية الموسيقية العلمية، لم يمارسها حليم الرومي عكس مزاجه الفني المتأثر كثيرًا بالعبقريين محمد عبدالوهاب ورياض السنباطي، مع فيروز وحدها، لكنه فعل الشيء نفسه مع وديع الصافي، فنصحه بالكف عن غناء الألوان المصرية، كما كان يفعل في ذلك الوقت المبكر، وأكد له بعد استماع مطول، أن معدن صوته ومزاجه الفني العميق يلمعان في تأدية الألوان المشرقية المحلية أكثر بكثير من أي لون آخر.
    ويبدو أن هذه المرحلة في النصف الأول من الخمسينيات، هي التي بدأ فيها تشكيل النواة الأولى للمؤسسة الرحبانية، في كنف الدائرة الموسيقية لإذاعة الشرق الأدنى، التي كان يديرها صبري الشريف،قبل أن تقفل الشرق الأدنى أبوابها إثر أزمة العدوان الثلاثي على قناة السويس.
    غير أن دور صبري الشريف في إدارة وتوجيه المؤسسة الرحبانية، لم يتوقف عند البداية الأولى في الشرق الأدنى، بل تجاوزها حتى اكتمال أمجاد المدرسة الرحبانية الإذاعية والمسرحية، في عقد السبعينيات.
    إن من يراجع اليوم جردة علمية تاريخية لتسلسل الأعمال التي أدتها فيروز بصوتها من البداية إلى النهاية، يكتشف اليوم، أن العناصر المميزة في معدن صوت فيروز وعناصر أسلوبها المميز في الأداء، كانت شاحبة الملامح في سنواتها الأولى. ولعل هذا ما دفع الأخوين رحباني، أصحاب الدهاء الإعلامي المشهود له، باستخدام نفوذهما في الإذاعات العامة والخاصة لحجب كل أو معظم تسجيلات ما غنته فيروز في سنواتها الأولى (أي في النصف الأول من عقد الخمسينيات)، كما عمدا إلى عدم إعادة نقله من التسجيلات الإذاعية إلى أشرطة كاسيت، أو أسطوانات مدمجة، بعد انقراض عهد الأسطوانة القديمة.
    لكن العناصر المميزة في صوت فيروز، وملامح الأسلوب التجديدي الرحباني ، خرجتا فجأة من القمقم منذ منتصف الخمسينيات، حين بدأت تظهر الثمار الناضجة (لحنًا وغناءً) للأسلوب المشرقي المستمد من كل الروافد العربية العامة والمشرقية الخاصة .

    معدن صوت فيروز

    كان يدور في القاهرة نقاش حاد بين شيخ المؤرخين الموسيقيين العرب في القرن العشرين، كمال النجمي، والمطربة الكبيرة نجاة الصغيرة، بشأن صوت فيروز، فتؤكد نجاة أن فيروز تغني بصوت مستعار، بينما يؤكد النجمي لها عكس ذلك ، مستندًا إلى رأي سمعه من الموسيقار محمد عبدالوهاب.
    والحقيقة أن هذه المسألة أكثر تعقيدًا ، بالنسبة إلى صوت فيروز، وأي صوت آخر، من أن تحسم بهذا اليقين المؤكد أو ذاك.
    من الثابت علميًا أن مصدر الصوت، في كل ألوان الغناء العربي أوالأوربي، هو الحنجرة، وبعد خروج الصوت من الحنجرة، تتدخل عوامل عديدة في تحديد نوعية الرنين النهائي لهذا الصوت ، كما يستقر في آذان المستمعين. من هذه العناصر،إلى جانب قدرة المغني أو المغنية (بالموهبة وبالتدريب) على التحكم باستخدام طاقة النفس الخارج من الرئتين، ثم التحكم باستخدام تجاويف الجسد الطبيعية ، التي يتردد فيها الصوت الخارج من الحنجرة، قبل أن يتحدد المعدن النهائي لرنينه، وهذه التجاويف تتراوح بين الصدر، والرقبة نفسها، وسقف الحلق، والجيوب الأنفية، وعظم الجمجمة.
    فإذا عدنا بسرعة إلى صوت فيروز بالذات، فمن المؤكد أن موهبتها في حسن استخدام كل هذه الأدوات كانت تتصاعد بالمراس وبالتدريب، وأنها كانت (شأنها شأن كل المغنين والمغنيات اللامعين) تحسن تنويع الاتكاء على هذا التجويف أو ذاك (الصدر أوالرأس أو سواهما)، وفقًا لمتطلبات اللحن، وتنوع درجات جمله اللحنية، بين الدرجة الخفيضة والمتوسطة والمرتفعة.

    الأساليب الرحبانية

    هنا، نصل في التجربة الفيروزية إلى تناول مباشر للاختلاف بين أساليب الملحنين الذين زودوها بألحانهم. غير أنه لا مناص في هذا المجال من القول إن اللون الغالب والمستقر لصوت فيروز وأدائها في أذن المستمع العربي، هو اللون الرحباني (أوالألوان الرحبانية)، حتى أن كثيرًا من المستمعين ينسبون أي لحن يخرج إليهم بصوت فيروز، إلى الرحابنة، وإن كان اللحن لفيلمون وهبي أو زكي ناصيف أو عبدالوهاب، أو لعبقري الموسيقى الكلاسيكية الأوربية موزار، (أغنية يا أنا يا أنا). لكن هذا موضوع آخر سنتطرق إليه لاحقًا.
    من المؤكد أن التنوع في أساليب الألحان التي تحمل توقيع الأخوين رحباني، بصوت فيروز، يعود إلى أسباب عديدة، أهمها برأيي سبب قلما ينتبه له النقاد والمؤرخون، مع أن منصور رحباني، كان ومازال يشير إليه خفية، في حياة شقيقه عاصي وبعد رحيله، دون الوقوع في فخ الكشف الواضح عن نصيب كل منهما في الأعمال التي تحمل التوقيع المزدوج. كان منصور يردد دائمًا، من حين لآخر - ومازال يردد حتى يومنا هذا،وإن بصوت خفيض - أنه كان ميالا بالكامل إلى الموسيقى الغربية، وأن عاصي هو الذي شده إلى ضرورة الاشتغال بالموسيقى العربية ، وكانت أقوىحججه في ذلك، وأفعلها على مايبدو، أنه ما دام جمهور فيروز عربيًا، فالموسيقى العربية هي المرشحة لجذب أسماعهم.
    غير أن هذا القرار من قبل منصور، لم يحجب يومًا، ميله الغربي، (الذي كان عاصي يشاركه ربما في نسبة منه)، الذي وضع بصماته القوية على اللون الرحباني الأكثر تمايزًا عن سائر أساليب الملحنين العرب المعاصرين لهم.
    ولأن ما يهمنا هنا، أكثر من سواه، هو صوت فيروز، فإن هذا الأسلوب الرحباني الرئيسي، المطعّم بميل جارف للموسيقى الغربية، هو الذي ولّد ذلك النوع منالغناء، الذي فيه كثير من التأثر بأساليب التعبير في الغناء الغربي. ومن ملامح هذااللون باختصار شديد :
    - الميل الشديد إلى الأغنية القصيرة، حتى تلك التي تقل عن الدقائق الست، لوجهي الأسطوانة القديمة العادية (87 لفة).
    - الميل الشديد إلى الاعتماد على الرقة والشفافية والهمس، في الأداء الغنائي، وكلها صفات كانت قواعدها الأساسية مطروحة في الأسلوب الوهابي - الأسمهاني، لكنها لم تكن على أي حال قد اكتسبت صفة الانتشار الكامل، كما أن فيروز أضافت بلا شك طابعها الخاص في الأداء الصوتي (الذي يختلف من إنسان لآخر كاختلاف بصمات الأصابع)،إلى ما ورثته عن أسلافها من عظماء المطربين والمطربات.
    - الميل إلى استخدام الطبقات العليا من الصوت، بدرجة أكثر مما كانت تستخدم في السابق في سائر ألوان الغناء العربي.
    وقد بلغ افتتان الرحابنة بذلك، أنهم بدأوا يقومون بمزيد من الضغط على صوت فيروز، في مساحاته العليا، مادام صوتًا طيعًا ومتقنًا، ومادامت خبرته تتعاظم مع مرور السنوات، ومادام الجمهور بدأ يتقبل ذلك، بل يفتتن به، ويحس أن فيروز تتميزبه عن سواها.
    صحيح أن هذا الأسلوب بالذات، أعطانا في بعض الأعمال أروع ما استمعنا إليه من ألحان الرحابنة وغناء فيروز، خاصة عندما يكون عنصر استخدام الطبقات العليا من الصوت متوازيًا مع العناصر الصوتية الأخرى المطلوبة، وضروريًا في التعبير عن تلوين تعبيري مطلوب في اللحن أو الغناء. لكن هذا التوازن، عندما كان يفلت من أيدي الأخوين رحباني، كان يكشف عن عيبين رئيسيين:
    1 - الإغراق في الافتتان بالمساحات العليا من صوت فيروز، على حساب المساحات الوسطى والمنخفضة. مع أن كثيرًا من كبار النقاد والمتذوقين، يميلون إلى اعتبار تلك المساحات الوسطى والمنخفضة مركز الجمال الأساسي في صوت فيروز وأدائها.
    2 - أن الإغراق في هذا الاتجاه، كان يطغى في كثير من الأعمال، ليس كتلوين مطلوب في وقته وموقعه ، ولكن كتمارين تحدّ صوتي، يراد به الوصول إلى مساحات لا تصل إليها (أو لا تجرب الوصول إليها) مطربات أخريات.
    ومع أن الأمور بقيت في جميع أعمال فيروز، لا تخرج إلا قليلاً عن التوازن المطلوب، فإن هذا العيب بدا مضخمًا لدى كل من حاول من المطربات بعد فيروز، تقليدها ، أو التأثر بأسلوبها الغنائي. والأمور واضحة، من غير التذكير بأسماء محددة.
    غير أن الموضوعية تقتضي الإشارة إلى الأساليب الرحبانية الأخرى، التي كانت توظف تجربة نظافة العزف ودقته، في تنفيذ الأسلوب الأساسي الآنف الذكر، لأداء أوركسترالي وغنائي رفيع للأساليب الأخرى، التي كانت تعتمد إما على الألوان الفولكلورية المشرقية عمومًا، من سورية ولبنانية وفلسطينية، وحتى ألحان سيد درويش التي تحولت فولكلورًا شعبيًا (مثل زوروني، وطلعت يا محلا نورها، والحلوة دي)،أوغناء الموشحات والقصائد والمونولوجات، الأشد التزامًا بالسياق العام لمجرى الكلاسيكية العربية المعاصرة، كما صاغتها جهود عباقرة الموسيقى في القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين.
    ربما كان حظ الأسلوب الرحباني الأول من الانتشار الجماهيري، لتفرده ،هو ما دفعهما إلى عدم الإغراق في الأسلوب الثاني، علمًا بأنه كان يفتح أمام جماليات صوت فيروز (خاصة بعد نضجها) في طبقاته كلها، وليس العليا فقط ، مساحات من السحرالغنائي الذي حرمنا منه. مع أن للرحابنة في هذا المجال بعض الأعمال الجميلة المميزة، لكن النسبة الكبرى من جهدهما بقي موجهًا للأسلوب الأول.

    فيروز وزياد

    من السهولة بمكان اكتشاف مرحلتين متمايزتين، غنائيًا ولحنيًا، في مسيرة تعاون فيروز مع ابنها الملحن الموهوب زياد رحباني.
    - المرحلة التي كان فيها زياد مازال يضع ألحانه، تحت التأثير المباشرللمدرسة الرحبانية الكبيرة.
    - والمرحلة التي بقي فيه هذا التأثير جزءًا أساسيًا في تكوين شخصية زياد التلحينية، وإن كان قد خرج تمامًا من دائرة التأثر المباشر به.
    غير أن خيطًا رفيعًا غير مرئي كان يجمع بين المرحلتين ويشكل قاسمًا مشتركًا بينهما، هو تأثر زياد الملحن ، عندما يدفعه إحساسه باتجاه المقامات العربية الخالصة (مثل البياتي والهزام والراست) ليعزف من مدرسة العبقري فيلمون وهبي في التلحين.
    هذه التلاوين التي شكلت مراحل مختلفة وألوانًا مختلفة في الألحان التي زود بها زياد صوت فيروز، انعكست بدورها على أسلوب أداء فيروز لكل لون من ألوان زياد.
    ففي مرحلة تأثر زياد المباشر بالمدرسة الرحبانية الكبيرة، كان أداء فيروز الغنائي يعتمد بشكل أساسي على المساحات العليا من صوتها، وتبدو فيه كل المزايا المكتسبة من المدرسة الرحبانية الكبيرة التي فصّلناها من قبل ، لسبب بديهي جدًا هو انتماء ألحان زياد الكامل ، في مرحلته الأولى، لهذا الخط في المدرسة الرحبانية.
    أما عندما كان زياد يغرف ألحان فيروز من ينابيع المقامات العربيةالخالصة (مثل «أنا عندي حنين» وسواها)، متأثرًا بفيلمون وهبي وبشغفه الموروث عن عاصي لآلة البزق ، فقد كانت الألحان تستدعي بالضرورة الطبقات الوسطى والمنخفضة منصوت فيروز، الشديدة الطرب والعمق والشجن.
    لكن المعروف، أنه بعد مرحلة رحيل عاصي، وعودة زياد من رحلة الانشغال الكامل بإبداعه المسرحي ، وبعد رحيل فيلمون وهبي، وقيام فيروز بتنفيذ آخر ألحان فيلمون وهبي لها، التي رحل قبل تنفيذها، تحول زياد في شيخوخة فيروز الفنية، إلى ملحنها الوحيد، حيث أنتج لها حتى الآن ما يقارب الاسطوانات الست، معظمها من ألحانه،وواحدة منها تعتمد على ألحان مستعادة لعاصي، وواحدة بالمشاركة بين زياد والملحن المخضرم المبدع، وقليل الحظ والشهرة، محمد محسن (صاحب موشح «سيد الهوى قمري» البديع لفيروز).
    يمكن الخروج من هذه الحصيلة العامة في التعاون الأخير بين صوت فيروز وألحان زياد، بأن الاسطوانات الثلاث الأولى : وحدهن - معرفتي فيك - كيفك انت، هي الأكثر جدية، لحنًا وغناء. خاصة أن صوت فيروز كان في هذه المرحلة وصل ذروة النضج والتجربة، ولم يدخل بعد في مرحلة شيخوخة الأوتار، وسائر الأعضاء - الأدوات التي يستخدمها المطرب (أو المطربة) لإخراج صوته. ومع أن خصوصية زياد في الصياغة اللحنية ، كانت شديدة الوضوح ، بحيث نجح في استخراج حساسيات جديدة (بعضها غير مسبوق في رصيد فيروز الطويل)، فإنه بقي أكثر اتكاء على المساحات المفضلة لدى الرحابنة الكبار من صوت فيروز، التي يغلب فيها الاعتماد على المساحات العليا من الصوت.
    أما شريط «مش كاين هيك تكون»، فقد بدأت ملامح التعب وغضون الشيخوخة تبدو أكثر وضوحًا على حنجرة فيروز، إضافة إلى أن زياد قد ضغط في بعض الألحان على العلاقة الخاصة بينه وبين صاحبة الصوت (علاقة الابن بأمه)، فأدخلها في «فانتازياته» الفنية، التي يختلط فيها الجد بالمزاح، إلى درجة لم تعد تناسب حال الاستقرار، التي تربع عليها صوتها بعد نصف قرن من الجهد والشهرة والتجارب، وكان الأجدر بزياد الاعتماد في هذه «الفانتازيا» على أصوات شابة مبتدئة، كما فعل في حالات أخرى.

    مع فيلمون وهبي وناصيف وعبدالوهاب

    أعتقد أن أي دراسة مفصلة ستكتب لتأريخ الملامح الفنية والرصيد الفني لصوت فيروز، لابد لها من تحري تفاصيل إبداع فيروز الصوتي والأدائي، في خطين متوازيين: الخط الرحباني، وخط كبار الملحنين الآخرين الذين لحّنوا لفيروز.
    لقد غنت فيروز في بداياتها من ألحان حليم الرومي، كما غنت لحنًا بديعًا لخالد أبوالنصر، على قصيدة إيليا أبي ماضي الشهيرة «وطن النجوم أنا هنا»،لكن ذلك كان قبل دخول حنجرة فيروز في مرحلة النضج والاكتمال.
    بعد ذلك انطلق فيلمون وهبي، فيما يشبه الانفجار الفني، يزوّد حنجرة فيروز بسيل من الألحان ، التي لم يترك فيها واحدًا من المقامات العربية ذات الأرباع ، الشديدة الطرب والشجن، لم يستخرج منه لآلئ لحنية نادرة لحنجرة فيروز.
    حتى أنني في مقابلة شخصية معه، سألته عن إحساس المستمع عمومًا بأنه عندما يلحن لفيروز بالذات، يستخرج أثمن ما في خزائنه من كنوز دفينة، علمًا بأنه زود حنجرة صباح الرائعة بعدد من ألحانه البديعة ، وكذلك نجاح سلام وسميرة توفيق وسواهن. وافق فيلمون وهبي تمامًا يومها على الملاحظة، وإن كان قد فشل في محاولة تفسيرها، تاركًا هذه المهمة لسواه.
    والحقيقة أن أكثر من سبب منطقي، كان وراء هذه الظاهرة:
    - المستوى الفني الرفيع الذي كانت تتميز به معظم الأشعار الغنائية للأخوين رحباني، مما يحرّك في نفس الملحن، إذا كان بموهبة فيلمون وهبي، كوامن دفينة، لا يمكن أن يحرّكها الشعر الغنائي العادي أو ذو المعاني المطروقة.
    - إن الهالة التي بدأت تحيط بفيروز ونجوميتها، بعد انطلاق سلسلة المسرحيات الغنائية السنوية للأخوين رحباني، كانت أفضل وأجمل منبر يمكن لفيلمون وهبي أن يعرض عليه خلاصة مواهبه اللحنية، رغم أن الأخوين رحباني، لم يجعلا حصة فيلمون في أي مسرحية لفيروز، تزيد على لحن واحد. لكنني كنت دائمًا ألاحظ، وأشدد في مقالاتي الصحفية بعد كل مسرحية جديدة للأخوين رحباني، أن لحن فيلمون وهبي الوحيد في كل مسرحية، كان يلمع وسط المسرحية كأنه «جوهرة التاج».
    إن طاقة الشجن المتدفقة في المقامات العربية ذات الأرباع ، كانت العجينة الوحيدة التي يصنع منها فيلمون خبز ألحانه. حتى أن مَن حضر التمارين على لحن «يا ريت منن»، في اسطوانة ذهب أيلول (وهي من ألحان فيلمون)، أحس بالذهول الذي أحدثه في نفس فيروز ارتجال عازف القانون المخضرم جورج أبيض، على مقام البياتي ، تقاسيم لم تكن موجودة أصلاً في مقدمة اللحن، فما كان من فيروز إلا أن طلبت تثبيت هذه التقاسيم، لأنها تضعها في ذروة الاندماج بمقام البياتي ، الذي يعتمد عليه لحن الأغنية، قبل الشروع في الغناء.
    فإذا انتقلنا إلى تجربة فيروز مع زكي ناصيف، فإن الملاحظة الأهم تبقى تأخر هذا التعاون كثيرًا، ذلك أنه من المؤكد أنه لو كانت حسابات الخصومة الفنية والتنافس الفني، تسمح لحنجرة فيروز، بأداء ألحان زكي ناصيف في مرحلة تفجّره الفني الكبير، بين الخمسينيات والسبعينيات، لتبادل هذان الفنانان العبقريان خدماتهما ففجرت حنجرة فيروز الكنوز الدفينة في أعماق مواهب زكي ناصيف اللحنية، وحرّكت ألحان زكي ناصيف البالغة العذوبة الكنوز الدفينة أيضًا في صوت وأحاسيس فيروز، في خط مواز للخط الرحباني، وإن كان افتقار ألحان زكي ناصيف إلى الصوت العبقري الذي يحملها للجمهور، قد خفف من تسليط أضواء الشهرة عليها.
    لكن من حظ الموسيقى العربية عمومًا ، واللبنانية خصوصًا ، أن زكي ناصيف قد اقتنص فرصة ذهبية للتعاون مع حنجرة فيروز قبل أن تدخل مرحلة الشيخوخة ، فجمع لهما الشاعر الموهوب جوزف حرب مقتطفات جبرانية فلسفية - وطنية، في قصيدة رائعة بعنوان «في ظلام الليل، مات أهلي»، فأخرج زكي ناصيف من أعماقه كنوزًا نغمية وتأليفية ، ارتقت إلى مصاف إحدى أعلى ذرى الموسيقى الدرامية العربية في القرن العشرين. وإن كانهذا اللحن قد لقي مصيرًا إعلاميًا قاتمًا، فجرّدته كل الأجهزة الإعلامية من قيمته الموسيقية والغنائية الرفيعة، وحشرته في زاوية «الغناء الوطني»، فأصبحت الأغنية لاتذاع إلا في المناسبات العابرة، ثم أصبحت لا تذاع حتى في هذه المناسبات، كما أن فيروز أحجمت (لأسباب غير معروفة) عن تقديم هذا اللحن ولو مرة واحدة في حفلاتها الحية، علمًا بأن زكي ناصيف لم يترك في هذا اللحن الطويل والغني، مساحة أصلية أو فرعية في صوت فيروز، لم يستخرج أجمل ما في أعماقها من إحساس.
    فإذا وصلنا أخيرًا إلى تجربة صوت فيروز مع عبقري القرن العشرين فيا لموسيقى العربية محمد عبدالوهاب، فإننا نحمد الله أنها بلغت ثلاثة ألحان، اقتنصتها من عبقرية عبدالوهاب في عز تألقها في عقد الستينيات، عندما اعتزل الغناء، وتفرغ لتوزيع نتاج عبقريته الموسيقية على أهم وأجمل الحناجر العربية النسائية والرجالية.
    في لحنه الأول لفيروز «سهار بعد سهار»، مارس عبدالوهاب تجربة فريدة معها، فصاغ لها لحنًا يتجاور فيه الأسلوب الرحباني، مع الأسلوب الوهابي، استنادًا إلى تجربة اللحن الرحباني الشهير «نحنا والقمر جيران».
    لكنه بعد ذلك ، زوّد فيروز بلحنين خالدين من أروع ما أنشدت في حياتها ، على قصيدة لجبران خليل جبران «سكن الليل»، وقصيدة لسعيد عقل «مرّ بي»، أضيفت في سجل فيروز إلى قصائدها الغنائية التي كانت تحيي فيها دمشق الشام.
    إن مَن يستمع بإمعان إلى هذين اللحنين الأخيرين، يشعر كأن حنجرة فيروز المليئة بالجواهر، قد وضعت أخيرًا بين يدي أمهر صاغة الموسيقى العربية في القرن العشرين، فاستخرج منها أجمل ما في أعماقها من أحاسيس، وأجمل ما في حنجرتها وأدائها من حلاوة وعذوبة وشفافية، ثم طعّم كل ذلك بخلاصة حساسيات الأسلوب الوهابي في الغناء، الذي يبدو بكل وضوح في حنجرة فيروز، خاصة في لحن «مرّ بي».
    إن الإصغاء إلى عُرب عبدالوهاب الظاهرة - الخفية، في مقدمة القصيدة بالذات، ثم في بقية مقاطعها، ثم الوصول إلى البيت الأخير في القصيدة عند عبارة «إن تعد لي»، يصاب بموجات متلاحقة من قشعريرة المتعة الفنية الرفيعة، ويكتشف أن عبدالوهاب قد استخرج من حنجرة فيروز، في عبارة «إن تعد لي»، من خلال صياغته اللحنية، ثم من خلال تدريباته الغنائية في تحفيظ اللحن، أجمل انتقال ربما في رصيد فيروز الغنائي بين طبقاتها الصوتية المنخفضة وتلك المرتفعة، خاصة عند كلمة «لي»،بحساسية مذهلة، قبل انفجار القفلة الرائعة لحنا وأداء، عند عبارة «أشعلت بردى».

    خلاصات عامة

    - إذا استعدنا تفاصيل وملامح الدور الذي لعبته حنجرة فيروز، فإننا نتفهّم سرّ تعلق جماهير المستمعين في بلدان المشرق العربي بشكل خاص بصوت فيروز ، ووضعها في منزلة خاصة جدًا.
    - صحيح أن أم كلثوم كانت «كوكب الشرق»، ومطربة كل العرب من المحيط إلى الخليج ، بمن فيهم عرب المشرق ، غير أن هؤلاء العرب المشارقة طال إحساسهم بأن الغناءالعربي الكلاسيكي القادم من القاهرة أساسًا، على عظمته وعمقه وجماله الباهر، لم يحمل بين طياته إلا شذرات عابرة جدًا من خصائص الأنغام الشعبية المشرقية.
    فلما ظهرت حنجرة فيروز تؤدي هذه الحساسيات الغنائية ، بأشكالهاالفولكلورية أولاً، ثم بأشكال كلاسيكية عربية متجددة ، مع الرحابنة أولاً، ثم مع كبار الملحنين الذين تعاملت معهم، فقد أحسّ العرب المشارقة كأنهم عثروا أخيرًا على مطربتهم الخاصة، ولعل هذا ما يفسر منزلة فيروز في فلسطين (حتى قبل ظهور «الفلسطينيات» الرحبانية الرائعة)، وسورية والأردن، بالذات، وهي منزلة لا يمكن أن يشوبها في هذه البلدان ما يخالط تقدير فيروز في لبنان، أحيانًا، شيء من الاعتزاز المحلي بلبنانيتها.
    لقد تبوأت فيروز موقع المطربة الخاصة لبلدان المشرق العربي، تمامًا مثل وديع الصافي، وصباح (في ألوانها اللبنانية)، مع أن ذلك لم يمنع، بل ربما كان جسرًا حقيقيًا لانتقال لونها الغنائي إلى سائر أرجاء الوطن العربي، بعد ذلك.

    آخر تعديل بواسطة Hattouma ، 16-12-2008 الساعة 11:04

  2. #2

    إفتراضي

    شكراً يا معلم على نقل المقالة
    أتساءل حين أرى مصطلح الكلاسيكية العربية المترسخة، عم يتحدث الكاتب؟ فاذا بالجواب يأتي بعبد الوهاب والسنباطي (وشغف آل سحاب بالأول مشهور وبادٍ)
    ثم لا شك ان بامكانك أن تفيدنا عن الألوان المصرية التي كان يؤديها وديع الصافي قبل عودته إلى المشرقية الجبلية، وهل كان يؤدي ذلك قبل سفره إلى البرازيل؟
    ما تعني بالضبط الشفافية في الغناء؟ أما الهمس فهل في أسمهان مثال له يضرب؟ ثم ان اقران عبد الوهاب بأسمهان في الأسلوب غريب، بالنظر إلى مجرى غنائها العام وتدريبها وملحنيها!
    أليست أسمهان، وأم كلثوم الفتية، ومنيرة المهدية أمثلة أيضاً على الطبقات العالية، أعلى بكثير من أداء فيروز المستعار والخبير؟
    لاحظ أيضاً تعبير "نظافة العزف" وما يحمله من ايديولوجيا!
    هي مجرد ملاحظات مفككة لا يجمعها رابط، سوى الخلاصة التي لا أفتأ أرددها لنفسي عن صعوبة الحديث عن الموسيقى بما لا تعوزه الدقة، أم أنها ربما صعوبة الدقة أصلاً في كل حديث!!

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    Vienna, Austria
    المشاركات
    18

    إفتراضي

    مرّة أخرى أجدني مضطرّا للقول إنّنا لا حاجة بنا إلى مثل هذه الكتابات "المتعالمة" الّتي تؤّخّر ولا تقدّم على الأقلّ باعتبار منطلقات هذا المنتدى ووجهته، وهي دون أدنى ريب تختلف عن منطلقات آل سحّاب جميعهم اختلافا جذريّا كما اتّضح لنا من خلال عديد الأمثلة، وهو ما لا يخفى عن حبيبنا الفارابي كما لا ظنّنا نختلف في هذا الرّأي ؛ ولئن كنت أدرك السّنّة الشّهيرة الّتي تجعل نشر مادّة مكتوبة في منبر من المنابر لا يعني بالضّرورة تبنّي ما تتضمّنه من آراء وأفكار، غير أنّ ذلك لا يصلح إلاّ في المنابر المشرعة على جميع المشارب بغاية الإعلام والتّثقيف العامّ، وهو ما ليس من شأن منتدانا.
    آخر تعديل بواسطة أبو علاء ، 16-12-2008 الساعة 00:41
    أبو علاء

  4. #4

    إفتراضي

    ليسامحني أبو العلاء، فالبيت بيته وهو ناظم قوانينه وحدوده، ويثبت ويمحو ما يشاء فيه
    غير أن في ظني ان من" المحتمل" قبول مثل هذا المقال، رغم أن لي عليه ملاحظات أسلفتها، لما أحسب أن الصديق الفارابي وجد فيه من اشارات تأريخية إلى أسلوب تعامل الرحابنة وايديولوجيتهم،وهو ما أعتقد أن مختارات الفارابي الفيروزية توضح نفوره منه.
    ثم ان في المقال محاولة لانصاف فيلمون وهبه وهو يستحق ذلك.
    كما ان اشارة الكاتب إلى مواضع صوت فيروز منصفة في ظني، وان كان نقده مغلفاً بالمجاملة.
    أراني التمس العذر مرتين، رجاء: ألا يؤاخذني الفارابي بما جنيته عليه اذ ذكرت أبا العلاء بما كان قد راح نسياً منسياً ، فعذراً أبا العلاء وعذراً حبيبنا الجميل

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    Vienna, Austria
    المشاركات
    18

    إفتراضي

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة ovide مشاهدة مشاركة
    ليسامحني أبو العلاء، فالبيت بيته وهو ناظم قوانينه وحدوده، ويثبت ويمحو ما يشاء فيه
    (...)
    أراني التمس العذر مرتين، رجاء: ألا يؤاخذني الفارابي بما جنيته عليه اذ ذكرت أبا العلاء بما كان قد راح نسياً منسياً ، فعذراً أبا العلاء وعذراً حبيبنا الجميل
    معاذ اللّه يا أبا الفداء، أنت والفارابي من أصحاب هذا البيت ولستا مجرّد زائرين أو ضيفين، لكما ما لنا وعليكما ما علينا ؛ كما كتبت أعلاه، لا أشكّ لحظة في أنّ نقل الفارابي للمقال لا يعني البتّة تبنّيه لجميع ما حواه من آراء ومفاهيم، كما أنّي لم أفكّر في حذفه (وإلاّ لكنت بادرت إلى ذلك كما عهدتموني)، وإنّما أردت فقط القول إنّي غير مقتنع بجدوى نشرنا لمقالات تصدر عن منطلقات ومفاهيم مختلفة عن منطلقاتنا ومفاهيمنا، ومع ذلك فقولي في أمر مثل هذا ليس قولا فصلا، ولكما ولسائر أهل حلّ العقد ها هنا أقوالكم، ولا أستبعد البتّة إمكان علوّها على قولي ولا أنكره.
    أبو علاء

  6. #6

    إفتراضي

    سلامة البيت وأصحابه من كل محتلّ ، غاشماً كان أم ودوداً

    شحّة المصادر المكتوبة التي تعنى بالموسيقى والغناء في بلاد الشام ، مقارنة (ولو نسبية) بتلك التي تعنى بالموسيقى والغناء في مصر ، تدفع بالقارئ الى تهافت شبه استحواذي على كل كلمة مكتوبة بهذا الصدد ، يَخال أن فيها ما قد يشفي الغليل وقد طال الصدى . في مكتبة الفقير جلّ ما كتب عن الموسيقى العربية وطالته اليد ، فيه ما يغني عن جوع وفيه ما يمعن في تعذيب الطاوي ، إلا أنّ المكتوب عن الموسيقى في بلاد الشام ، وفي لبنان على وجه الخصوص ، لا يتعدّى أصابع اليد . لذا فإنّ "العثور" على كتاب يبحث في الشأن هذا يعتبر كشفاً يهرع اليه ، بالضبط كما يهرع الى مادة مسموعة من تلك التي يزخر بها منتدانا والتي لأجلها التأم . وقد يصل العطش الى كلمة مكتوبة في الربع الخالي بالباحث الى درك المجلات والصحف فيروح ينهل منها ما غرفت يده ، دون أن يفطن الى أنّ ماءها قد يكون أجاجاً .

    لم أسُق مقالة سحاب إلا لأشير الى ما أشرت اليه في الباب الفيروزي لافتاً النظر الى باب المقالات والدراسات حول ادعاء الكاتب أنّ الرحبانيين كانا السبب الحقيقي من وراء اختفاء تسجيلات أوائل الخمسينات التي أرّخت لبدايات فيروز ، وأنهما قد استعملا نفوذهما فيما يبدو بالضغط على الاذاعات الناشطة آنذاك لعدم بثّ ايّ من هذه الأعمال ، كما ودأبا على عدم تحويلها بعد ذاك الى أشرطة أو الى اسطوانات أو الى أقراص مضغوطة . وكأني به يريد أن يقول أن الرحبانيين قد عملا على وأد بدايات فيروز وطمس ملامح تلك الفترة التي سبقت بلورة شخصية صوتها الذي شقت به عنان السماء .

    لقد عانينا طيلة عقود حياتنا الأربعة الواعية من طمس ملامح وهوية بدايات الغناء في لبنان أو ما سمّي اصطلاحاً بحقبة نشوء ونهضة الأغنية اللبنانية (1950-1975) ، وما فتئنا ونحن في صيف العمر نبحث عن مفقودات الوديع وفيروز التي تعدّ بالعشرات ، تلك التي راح الرحبانيان وهما طليعة النهضويين يحاولان وأدها كما أشار سحاب ، محوّلاً من خلناه الضحية الى جانٍ غاشم . لا غرو إذن أنني اخترت اقتباس المقالة لما فيها من تجرّؤ على مسلّمات ، وقد اخترت نقلها بالكامل بدل أن أسوق رأياً مقتطعاً من سياقه العام ، فأجحف بحقه وبحق الموضوع جميعه .

    لا أتفق - وقد يحدث - وأبا العلاء أن ليس لنا شأن بالإعلام والتثقيف ، فهذا المنتدى يتميّز ويعلو شأنه بالكلمة الجادة والمعلومة الصحيحة والنقاش الموضوعي الذي يعنى بالمادة المسموعة ، وليس بها فقط ، وإلا لبات نسخة من منتديات أخرى ، صديقة كانت أم "عديقة" ، تكدّس الملفات بعضها فوق بعض كتاجر يغصّ محلّه ببضائع لا يدري قيمتها . لبنياننا هذا دعائم راصّة من لحن وشعر وكلمة ناقدة ثاقبة دارسة واعية لما تسوق ولما تقول بغية استثارة الألباب وشق الآفاق . لا بأس إذن من الإتيان بمقالة أو بتلخيص لكتاب ـ، شريطة أن يستحقّ اسمه ، لا بهدف الاتفاق معه فيما يورد ، بل من أجل مناقشته ومقارعته الحجة بالحجة أو تفنيده اذا اقتضى الأمر .

    لا يؤرقني أخي فادي أن تشير الى المقالة فتستنفر أبا العلاء أو تستفزّه ، وهو سريع الاشتعال ، بل على العكس تماماً ! لقد أزعجني عدم التعرّض اليها مذ سقتها قبل شهور خمسة ونيّف ، حتى فطنتَ اليها ولك في هذا وفي غيره السبق دائماً ، وأنت رجل الكلمة .

    أخوكم
    الفارابي
    آخر تعديل بواسطة الفارابي ، 16-12-2008 الساعة 12:23

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    Vienna, Austria
    المشاركات
    18

    إفتراضي

    ما ترك الأوّل للآخِر.
    أفحمتنا يا معلّم.
    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة الفارابي مشاهدة مشاركة
    لا أتفق - وقد يحدث - وأبا العلاء أن ليس لنا شأن بالإعلام والتثقيف ، فهذا المنتدى يتميّز ويعلو شأنه بالكلمة الجادة والمعلومة الصحيحة والنقاش الموضوعي الذي يعنى بالمادة المسموعة ، وليس بها فقط ، وإلا لبات نسخة من منتديات أخرى ، صديقة كانت أم "عديقة" ، تكدّس الملفات بعضها فوق بعض كتاجر يغصّ محلّه ببضائع لا يدري قيمتها . لبنياننا هذا دعائم راصّة من لحن وشعر وكلمة ناقدة ثاقبة دارسة واعية لما تسوق ولما تقول بغية استثارة الألباب وشق الآفاق.
    ولا خلاف بيننا في هذه أيضا، فأنا لم أقصد نفي وجود أيّة غاية إعلاميّة أو تثقيفيّة عن المنتدى، وهو ما لا يعقل، إنّما قصدت أنّه ليس شأنه كشأن أيّ منبر إعلاميّ أو تثقيفيّ عامّ وظيفته الأولى هي نقل الأخبار والأفكار وإيصالها للنّاس وسمته الحياد أو شبهه، ذاك شأن المجلاّت الثّقافيّة والأدبيّة الجادّة مثلا عندما لا تكون لسان حال حزب أو تيّار سياسيّ أو فكريّ معيّن لا تكاد تنشر إلاّ ما يساير خطّها ويجري مجرى فكرها، وهذا الوصف الأخير هو الأقرب إلى صفة منتدانا، وهو كما علمت متشيّع أشدّ التّشيّع لا يحفل إلاّ للمادّة الفنّيّة الّتي أنشئ لخدمتها ولا يأبه إلاّ لما كان في مصلحتها.
    ورغم ما تقدّم أو ربّما بسببه فإنّي لن أخالفك في هذه أيضا :
    لا بأس إذن من الإتيان بمقالة أو بتلخيص لكتاب ـ، شريطة أن يستحقّ اسمه ، لا بهدف الاتفاق معه فيما يورد ، بل من أجل مناقشته ومقارعته الحجة بالحجة أو تفنيده اذا اقتضى الأمر .
    أبو علاء

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    الإقامة
    London
    المشاركات
    94

    إفتراضي هوس

    هنالك هوس لدى سحّاب بتقليل القيمة الطربيه للرحابنه

    فبرائيي ان القيمة الطربية للقصائد القديمة التي نظمها ولحّنها الرحبانيان هي افضل مما لحنه فيلمون وعبد الوهاب مجتمعان ولكن ما العمل؟

    كل ما نراه في هذه - الأبحاث - التي يقوم بها المتخصصين هوكليشيهات متوارثه يرددها الناس دائما

  9. #9

    إفتراضي

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة ovide مشاهدة مشاركة
    بامكانك أن تفيدنا عن الألوان المصرية التي كان يؤديها وديع الصافي قبل عودته إلى المشرقية الجبلية، وهل كان يؤدي ذلك قبل سفره إلى البرازيل ؟
    قد لا يعجب هذا الكلام أحداً هنا ، الا أنّ الوديع قد صرّح في مقابلته مع سليم سحاب ، تلك التي اعتمدتـها مرّة لرصد بدايات الوديع ، أنّ علاقته بمصر كانت بدأت قبل سفره الى القاهرة عام 1945 . كنت أحضر أفلام عبد الوهاب ، قال ، ومن خلالها ومن خلال الأدوار قبلها والأسطوانات تعرفت الى عبدالوهاب ، فثقّفني من حيث الأداء . أخذت عنه الأداء والثقافة وغناءه وكنت مغرماً به جداً . كذلك تعرّفت الى أم كلثوم من خلال الأفلام والأسطوانات ولم أستمع لغيرهما الا لأسمهان . كنت أفضّل عبد الوهاب على أم كلثوم في البدء والسبب أنني لم أستوعبها . كان فيها شيء من الصنعة المحلّية وكان صوتها جامحاً "يصرصع" وكنت اتضايق منه ، بينما كان عبد الوهاب أنيقاً في الغناء فاستقربته أكثر لأني فهمته أكثر . بعد ذلك أصبحت أم كلثوم حبيبة قلبي ، صوتها كان يأسرني حين كانت تسلطن بألحان السنباطي التي لا مثيل لها . قبل اغترابي الأول كنت اغني القصائد التي تعلّمتها من أساتذتي وعندما قررت الذهاب الى البرازيل عام 1947 قلت أنّ عليّ أن أحافظ على الأغنية اللبنانية فانصرفت الى غناء الزجل .

    وفي هذا القول الفصل في الإجابة على سؤال فادي الذكي !

    أخوكم
    الفارابي

  10. #10

    إفتراضي

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة أبو علاء مشاهدة مشاركة
    منطلقات هذا المنتدى ووجهته تختلف دون أدنى ريب عن منطلقات آل سحّاب جميعهم اختلافا جذريّا كما اتّضح لنا من خلال عديد الأمثلة
    لخّص د. فيكتور سحاب رأيه في موضوع النهضة الموسيقية في مصر وفي لبنان قائلاً :

    إذا استعرضنا سلوك الموسيقيين العرب في القرن العشرين الميلادي، أولئك الذين أنشأوا النهضة الكبرى في مصر، والنهضة الصغرى في لبنان ... تتراءى بوضوح أمامنا وصايا عشر ، مستمدة من دروس الماضي ، لعل فيها ميثاق سلوك في القرن الجديد ، إذا كنا بعد نطمح إلى نهوض موسيقي آخر.
    1 ـ الموسيقى تكون عربية بمكوّناتها ، الإيقاع والمقام والآلات والشكل والمضمون ، ولا يكفي أن يحمل المؤلف الموسيقي هوية عربية لتكون موسيقاه عربية ، إذا أصرّ على إلغاء هذه المكوّنات.
    2 ـ تطوير الشيء يصير من داخله ، لا من خارجه ، فالتطوير، لغة ، هو دفع الشيء من طور إلى طور ، ولذا لا بد من معرفة الشيء إذا كنّا نريد أن نطوّره.
    3 ـ إلغاء الشيء ليس تطويراً له ، فإذا قلنا إننا نريد أن نؤلف سيمفونيات أو نريد أن نغني أوبرا، فليكن ، لكن هذا سيكون شيئاً هامشياً يصحّ أن يكون ملحقاً بحضارة أخرى من أساليبها الفن السيمفوني أو الأوبرالي، ولن يكون تطويراً للموسيقى العربية.
    4 ـ لا يمكننا أن نبدع بوسائل غيرنا ، فحتى أرقى الأمم كاليابان والسويد وغيرهما لم تُفلح في مجاراة ألمانيا والنمسا في الفن السيمفوني، أو في الوصول بالفن الأوبرالي إلى مايقرب من المرتبة التي أدركتها ايطاليا ، فبأي منطق لانزال نحن نأمل النجاح فيما أخفق فيه من يفوقوننا حضارة ؟
    5 ـ موسيقانا العربية "الطقطوقة والموشح والقصيدة.." هي التي تحتاج إلى جهودنا التطويرية ، وليس الغرب بحاجة إلى إسهامنا في فنونه لنطوّرها له ، وإنما التحاقنا بموسيقاه لا يمكن أن يزيد على التحاق بحضارة أخرى ، فلا نضيف شيئاً إلى حضارتنا نحن ، والأرجح أننا لن نضيف شيئاً ذا قيمة إلى الحضارة الأخرى هذه أيضاً.
    6 ـ الرياضيات والفيزياء والطب قابلة جميعها للنقل ، لأن المعادلة والذرّة والخلية بلا هوية قومية ، أما اللغة والفنون والموسيقى، ومسائل الوجدان والهوية ، فلا يمكنها في الأكثر إلا الاستفادة من مآثر الآخرين، لكن لابد لها من تربة تعيش فيها ، والتربة هي الهوية.
    7 ـ كل استفادة ينبغي أن تكون استفادة "إغناء لا إلغاء".
    8 ـ لابد من عودة الثقة بالنفس : الثقة بأنماطنا الحضارية ، والثقة بمستقبل هذه الأنماط وقدرتها على التطوّر إذا تسنّى لها من يطوّرها، والثقة بأطفالنا، فلا نتلكأ منذ طفولتهم في مدّهم بعناصر هذه الهوية الأصيلة.
    9 ـ ليس تجويد القرآن الكريم صفّاً لطلاب علوم الدين وحدهم ، بل إنه ركن من خلاصة أركان حضارتنا، والإعراض عنه ، أحد أهم أسباب أزمتنا.
    10 ـ حين نكون راسخين في هويتنا الحضارية ، تصبح رياح الخارج نسائم منعشة ومفيدة ومثمرة .
    العربي 1/12/1999

    يبدو أنّ موضوع الاقتباس قد راق لي أكثر مما تخيّلت ، وكدت أقول حلا

    هذا لعلمكم إذن ....
    أخوكم
    الفارابي

صفحة 1 من 2 12 الاخيرالاخير

قوانين المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •