عكس ما هو شائع هل تصدق ان القدود الحلبية المشهورة.. حمصية


دمشق - مكتب "الرياض"، محمد أحمد طيارة

القدود منظومات غنائية أنشئت على أعاريض وألحان أي على قدود ومنظومات غنائية أخرى دينية أو مدنية بمعنى انها بنيت على "قد" أي على قدر أغنية شعبية شائعة فهي تستفيد من شيوعها وسيرورتها لتحقق حضورها ومن هنا جاء اسم القد وان كان هناك رأي آخر يرجع التسمية إلى تماثل القدود مع قد المرأة في الرشاقة والحركة والجمال كما يذكر الكاتب والمؤرخ الموسيقي "عبدالفتاح قلعجي".
ويرى الأستاذ الراحل نديم الدرويش ان القد هو موشح خفيف من الدرجة الثانية، أخف وزناً وأسرع إيقاعاً من الموشح. اما الشكل الفني الشعري له فهو كالموشح مؤلف من بدينة وخانة وغطاء إن كان تاماً.
ويمكن تمييز نوعين من القدود: النوع الأول هو القد العادي الشعبي وهذا النوع من القدود هو منظومات غنائية قديمة متوارثة عن الأجداد القسم الأعظم منها لا يعرف كاتبه أو ملحنه وأمثلته عديدة منها الأغاني التالية: "عموري"، "يا حنينة"، "برهو"، "ربيتك زغيرون"، "يا ميمتي" "يا طيرة طيري يا حمامة" لخليل القباني "سيبوني يا ناس" لسيد درويش "الفل والياسمين" من ألحان صبري الجريدي و"نويت اسيبك" للملحن الكبير كميل شمبير.
والنوع الثاني هو القد الموشح وعادة ما يكون مبنياً على نظام الموشح من حيث الشكل الفني وما يميز القد الموشح عن الموشح هو الصياغة اللحنية التي تأخذ في الأول طابع القدود وفي الثاني طابع الموشح وفي كليهما تظهر النكهة المحلية التي ترتكز على الخصوصية في تناول النغمة.
هذه القدود التي ارتبطت جزافا باسم حلب ما هي إلا قدود حمصية يعود الفضل في توليدها وإبداعها إلى الشيخ أمين الجندي وإلى جيل من الموسيقيين الكبار الذي عرفتهم مدينة حمص ك "أبي الخير الجندي" و"العلامة عبدالهادي الوفائي" و"الفنان محمد خالد الشلبي".
حول ظروف ارتباط القدود بحلب وعدم نسبتها إلى حمص التقينا الفنان عيسى فياض مدير فرقة احياء التراث التي تأسست عام 1979بعد تقديمه لمحاضرة "القدود الحمصية والشيخ أمين الجندي" في المركز الثقافي العربي بدمشق وكان هذا الحوار:
حول تعريف القدود ونشأتها يقول الفنان فياض: فن القدود نشأ كضرورة أدبية فنية في أواخر القرن الثامن عشر وهي عبارة عن صياغات جديدة لكلمات ذات مصادر اساسية ثلاث هي الموشحات الدينية والموشحات الاندلسية والأغاني غير العربية كالتركية والفارسية وغيرها والأغاني الشعبية المتداولة ذات السوية المبتذلة فاستبدل الشعراء كلمات تلك المصادر بأخرى على "قد" تلك الكلمات وبصياغة أدبية راقية ومعان جديدة مع المحافظة على جمالية وأمانة اللحن الأصلي ومن هنا جاءت تسميته بالقد وجمعها قدود وإن أقدم وثيقة تاريخية لنشأة فن القدود هي ديوان الشاعر الشيخ أمين الجندي "1766- 1841"م " 1180- 1257" ه الذي قال عنه المؤرخ جرجي زيدان "الشيخ أمين الجندي هو شاعر القرن الثامن عشر دون منازع" وقال عنه أستاذه الشيخ العلامة عمر اليافي "اذهب فأنت أشعر أهل الغرام".
ويتضمن ديوان الجندي الذي طبع في مطبعة المعارف ببيروت عام 1321مجموعة من الأبواب في القصائد - التخاميس والتشاطير - القدود والأناشيد - كما تضمن باب القدود عددا كبيرا منها مفصلة وفق مصادرها الاساسية وأنغامها وإيقاعاتها مثال ذلك "هيمتني تيمتني" التي أصلها "جوجحتني مرجحتني" وهي من نغم رهاوي وبالتالي نستطيع القول بأن الشيخ أمين الجندي هو الرائد الأول لفن القدود. إذ لا يتوفر لدينا حاليا أية مصادر أو وثائق أقدم تشير إلى خلاف ذلك.
وقد كان للشاعر الجندي مواقفه الوطنية التي عبّر في شعره مما استرعى انتباه القائد المصري ابراهيم باشا الذي استدعاه إلى مصر وقربه منه وجعله من خاصته ومستشارية حيث رافقه في حملاته إلى كل من لبنان وسوريا ومنها مدينة حلب التي كانت المركز العسكري لابراهيم باشا في مواجهة الجيوش العثمانية وقد أضاف أمين الجندي إلى تراث حلب الشيء الكثير وعرفت هذه المدينة كيف تغني وتصون قدود الجندي التي لا تزال تغنى فيها إلى يومنا هذا.
مغالطات فنية
* إلامَ تعزو سبب ارتباط هذه القدود بحلب رغم ان نشاطاتها نشأتها حمصية كما ذكرت؟.
- لقد حفظت حلب بحكم مركزها السياسي والديني والتجاري والفني خلال العهود المتعاقبة أغانيها وأغاني ريفها وأغاني الجاليات وبقايات الشعوب التي استوطنتها فهي كانت على مر العصور مدرسة للغناء الأصيل.
وتعتبر مدينة حلب حتى اليوم سيدة الموشحات منذ انتقل إليها هذا الفن من الأندلس وأهم الموشحات من الناحية الموسيقية ثلاثة الأندلسية - المصرية - الحلبية اما الموشحات التي انتقلت من الاندلس إلى عرب شمال افريقيا والمغرب - الجزائر - تونس فلم يطور فيها بل قدم كما هو تماما لذلك راحوا يغنونه كما هو وكما ألفوه لذلك سمي ب "المألوف" أي المألف وهكذا انتشر فيها قالب القدود في أماكن اللهو والسمر مثل الكازينوهات والكابريهات في حين بقي الغناء في مدينة حمص مقتصرا على الجلسات البيتية الخاصة والنزهات التي كانت تقام على ضفاف العاصي وقد ساهم أيضا وجود الاذاعة السورية في أوائل القرن التي رعت العديد من المطربين الحلبيين كالفنان صباح فخري - محمد خيري - مصطفى ماهر - مها الجابري - حسن حفار الذين غنوا هذا القالب بكثرة ونسبوه إلى مدينتهم حلب على خلاف حقيقة نشأته المشار إليها سابقاً.
ويضيف الأستاذ فياض: هناك مغالطات واخطاء فنية موسيقية شائعة تحت اسم "القدود الحلبية" حيث يغنى العديد من الموشحات الأندلسية والمصرية والشامية وكذلك بعض الأدوار والطقاطيق المصرية والعديد من الأغاني الشعبية المتداولة وكلها تندرج خطئا تحت مسمى القدود الحلبية. وهنا يجب أن تراعى النواحي العلمية والفنية في التمييز ما بين قد وموشح ودور وطقطوقه وما بين ما هو مصدره مصري أو أندلسي أو شامي أو حمصي أو حلبي وتلك حقيقة يجب أخذها بالاعتبار وإلا اختلط الحابل بالنابل. فهل من المعقول فنياً ان نسمي موشح "ملأ الكاسات" لمحمد عثمان وموشح "يا شادي الألحان" لسيد درويش وطقطوقة "صيد العصاري" لداوود حسني وقد "هيمتني تيمتني" للشيخ أمين الجندي هل من المعقول تسميتها بالقدود الحلبية.
تلاميذ الجندي
ويؤكد الأستاذ عيسى فياض ان عددا من أشهر القدود التي تغنى في حلب هي للشيخ أمين الجندي ك "يا صاحب الصبر وهي مني" و"يا غزالي كيف عني أبعدوك" و"يا غصن بان يسبي" وهذا ما شهد به شاهد من أهل حلب هو الباحث عبدالفتاح قلعجي في كتابه "من شعر أمين الجندي" الذي صدور عن وزارة الثقافة بدمشق عام 1988، والشيخ الجندي بذلك قدم خدمة موسيقية في الحفاظ على الكثير من الألحان الموروثة والتي ما زال بعضها يغنى حتى الآن في جلسات الموالد والأذكار في حمص وغيرها وبالتالي يعود إليه الفضل في تعريفنا بفن الغناء في القرن الثامن عشر "أي قبل ظهور الاسطوانة وآلات التسجيل الجديدة".
ولابد أيضاً من الإشارة إلى بعض الشعراء والموسيقيين الحمصيين الذين ساروا على نهج الشيخ أمين الجندي في تأليف القدود من أمثال "عبدالهادي الوفائي" " 1843- 1909" الذي ألف ولحن حوالي مائة موشح ضاع معظمها للأسف والفنان "محمد خالد الشلبي" " 1867- 1926" وله العديد من القدود منها "علموا المحبوب هجري" "يا باهي الشيم" والفنان "أبو الخير الجندي" " 1867- 1939" ومن قدود "كووا الألباب بالميل" و"خال الخديد قد نم" وقد "دار من تهواه" الذي يقوم في مطلعه:
دار من تهواه دار
إن تكن بالحب دار
عازلي دعني وشأني
هائماً في كل دار
وبالتالي نرى ان هذا الفن أي القدود قد نشأ وترعرع في ربوع مدينة حمص وأصبح من الأبواب الشعرية المستحبة لشعراء وفناني هذه المدينة.

من حريدة الرياض الجمعة 09 صفر 1424العدد 12712 السنة 38