عرض النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الثّقافة العربيّة والنّقد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    Vienna, Austria
    المشاركات
    18

    إفتراضي الثّقافة العربيّة والنّقد

    منذ أيّام طالعنا المعلّم بموضوع عن آخر إصدارات فيروز وابنها هو مثال بليغ عن المقولة الشّهيرة "خير الكلام ما قلّ ودلّ" ؛ وقد دلّتني صديقة عزيزة إلى هذا المقال الّذي صدر بـ"الحياة" منذ ما يقرب من أسبوعين في معرض التّعليق عن الموقف العامّ من الإصدار الجديد وما ينمّ عنه من داء عضال يعاني منه المشهد الفكريّ والفنّيّ والثّقافيّ العربيّ عامّة ؛ وبغضّ النّظر عن التّفاصيل فإنّ ما ينعاه صاحب المقال على واقعنا الفكريّ والفنّيّ هو ما لم نفتأ نجاهد لتجاوزه منذ أنشأنا هذا المنتدى من موقعنا المتواضع بقدر ما تسمح به حدود طاقتنا وعلمنا وموضوعنا.

    المثقفون العرب و«ثقافة» ازدراء النقد
    الأحد, 24 أكتوبر 2010
    حسام عيتاني
    صدور أسطوانة جديدة حدث كاف لانطلاق موجات التقديس والتبجيل. يخرج العمل الفني الذي تحمله الأسطوانة من حيز التقييم الموضوعي ويندمج سريعاً في سيرة مؤسطرة بل خرافية لعطاءات وإنجازات ومكرمات صاحبة العمل وزوجها الراحل وابنها.

    يندر العثور على نقاش في التأليف الموسيقي والتوزيع والأداء المميزين للعمل لتحتل الساحة احتفالات لفظية بـ«الرقي» و«المفاجأة» و«القفزة النوعية» التي حملتها الأغنيات والألحان الجديدة والتي أحيت عند المستمعين وبعض من هؤلاء من محبّري المقالات في صحف ومجلات لبنانية وعربية، ذكريات ماضٍ منير ومجيد، في حين أن قيمة العمل الفني ينبغي أن يحملها هو وليس مما يثيره من ذكريات. واضح أن الكلمات أعلاه تشير إلى ما رافق وأعقب نزول أسطوانة فيروز وزياد الرحباني الأخيرة «أيه في أمل» إلى الأسواق والحفلة الموسيقية التي أحيتها المغنية في بيروت.

    وحتى لا يقع النص الحالي في حالة مشابهة لكنْ مُعارضة في الاتجاه، لنصوص كثيرة تناولت «أيه في أمل» والحفلة الموسيقية التي حازت على تقييم «صوفي»، إذا جاز التعبير، أخرجهما من حيز العمل البشري ودفعهما إلى عالم الإعجاز، يتعين تعليق الحديث هنا عن القيمة الفنية للأسطوانة الجديدة، التي تندرج في مسار فني طويل وغني يستحق مناقشة مفصلة. المهم في صدور العمل الجديد هو المناخ الذي أثارته عند أكثرية من المعلقين والكتاب ليس جلهم من دارسي الموسيقى ونقادها، على ما سلف القول. ولعل بدء تداول عمل فيروز الجديد مصحوباً بهالة من التقييم اللانقدي، يشي بظاهرة عامة في أسطرة رموز وأيقونات الثقافة العربية، وإخراجها ونتاجها، من دائرة النظر (بمعنى التفحص والتدقيق) وزجها في مقام الإيمان الغيبي بانتماء ما يأتي من ناحية أصحاب هذه الأسماء إلى عالم الاستثناء غير القابل للنقد. فينحو المريدون إما إلى الإلحاح في طلب الاعتراف بتفوق العمل وصاحبه، وإما إلى رمي الناقد بتهم شتى منها بناء الرأي الفني على أساس الموقف السياسي.

    ومن حق المعجب بالمثقف أو الفنان الانحياز إلى كل ما ينتجه نجمه من دون تحليل أو تمحيص. ومن حقه كذلك القول إن رمزه الفني أو الثقافي «أكبر» من أن يصيبه نقد، موضوعياً كان أم سوقياً. ولائحة بألقاب النجوم هؤلاء تشي بصعوبة المقاربة النقدية، من «المفكر» إلى «الظاهرة الفنية» إلى «المجدد» إلى آخره...

    ثمة مشكلة كبيرة في المقام هنا تتعلق بتقاطع الرقابات «الأهلية» أو «غير الحكومية» (لكنها قطعاً ليست «مدنية») مع تلك الرسمية والتي تتفق جميعها على حظر الطرح النقدي للأعمال الثقافية والفنية. وإذا كان بعض الأعمال تلك يتقدم خطوات قليلة عن السائد والعام لناحية المنهج أو الأسلوب، فهذا ليس بكافٍ لإخراجه من آلية التداول النقدي، على ضعفها وهزالها في العالم العربي.

    تعدد الرقابات قائم في مختلف أنحاء العالم، حيث قد تقف الرقابة الأكاديمية في وجه كتاب لا تمانع السلطة السياسية في صدوره، على سبيل المثال. لكن الحال في العالم العربي تكاد تبلغ حدود المهزلة. فالعديد من الأسماء «المُكرسة» (بحسب العبارة الرائجة) لا يقبل أصحابها واتباعهم مجرد الرد والحوار مع الناقد، حتى لو جاء بالحجة والبينة. فرد أنصار ادوارد سعيد على اعتراضات برنارد لويس على «الاستشراق» وعلى «الثقافة والإمبريالية» كان أن لويس «صهيوني». ومفهوم ألا تخدم هوية المستشرق الشهير اليهودية وعدد من الكتابات التي وقف فيها مواقف سياسية منحازة، طروحاته الرافضة لاستنتاجات سعيد ومنهجه وتحليله، وأن ينتصر سعيد، قبل وفاته وبعدها، بين الجمهور العربي على الباحث البريطاني –الأميركي.

    لكن مريدي سعيد يصمتون صمتاً مطبقاً أمام ما يكتبه روبرت إروين، (كتابه «المعرفة الخطرة»، والمقال المطول الذي نشره في «التايمز» في ذكرى مرور ثلاثين عاماً على صدور «الاستشراق»)، وهو الذي لا يتردد في استخدام عبارات شديدة القسوة في وصف عمل ادوارد سعيد.

    تعلن المفارقة هذه عن وضع نموذجي في التعامل العربي مع نجوم الثقافة العربية. فالخيار الأول في الرد على الانتقادات يكون في «أبلسة» الناقد والبحث عما يشوه الخلفية التي ينطلق منها كيهودية برنارد لويس. وعند الافتقار الى القدرة على حرف النقاش من سياقه الموضوعي يلجأ الأنصار الى الصمت والتجاهل.

    هذان الصمت والتجاهل هما ما عانى منهما ناقد آخر هو جورج طرابيشي الذي خصص خمسة كتب وأكثر من عشرين عاماً لنقد مشروع محمد عابد الجابري في «نقد العقل العربي»، وخصوصاً الكتابين الأولين من السلسلة وهما «تكوين العقل العربي» و «بنية العقل العربي». لاذ الجابري بصمت متعالٍ رافضاً الرد على ما حوته كتب طرابيشي، ليس لناحية مناقشة إشكاليات طرابيشي وطروحاته الرئيسة، بل حتى لتوضيح الأخطاء الفادحة في المصادر التي استقى الباحث المغربي اقتباساته منها. صمت الجابري (الذي رشحت منه بعض الإشارات الطائفية) استمر إلى حين وفاته، ما حمل طرابيشي على كتابة رثاء للراحل حمل عنواناً معبّراً «ربع قرن من حوار بلا حوار». وقد يكون من المفيد في الباب هذا العودة الى مقال دلال البزري «محمد أركون: السلطة الفكرية شبه المتوهّمة» (ملحق «نوافذ» جريدة «المستقبل» -26 أيلول/سبتمبر الماضي) للتأمل في معنى المرجعية الثقافية في العالم العربي...

    يبرز هنا سؤال كبير: هل يستحق رموز الثقافة والفنون العرب تلك الهالة التي يصرون وأتباعهم على بنائها حول أنفسهم وحول أعمالهم ومنع آلة النقد من العمل على دراستها وتفكيكها وإعادة تركيبها؟ قد يساعد في الجواب هنا تلك المقولة التي طرحها كارل بوبر في سجاله مع الماركسيين الذين أصروا على «علمية النظرية الماركسية». فقد لخص بوبر اعتراضه على استخدام صفة «العلمية» بالقول إن أي نظرية لا تستطيع نقد ذاتها من داخلها، لا تستحق أن تحمل اسم النظرية العلمية. ويمكننا هنا العودة الى الثقافة والفن العربيين للقول إن أي عمل لا ينجح في تجاوز العملية النقدية الدقيقة، لا يحق لأصحابه المطالبة بتقدم الصفوف وادعاء الريادة والتميز واحتلال مقاعد «المرجعية».
    آخر تعديل بواسطة أبو علاء ، 14-11-2010 الساعة 23:55
    أبو علاء

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    الإقامة
    London
    المشاركات
    94

    إفتراضي مراحب

    مقال رائع فعلا

    وبما ان المقال ذكر ادوارد سعيد والاستشراق اريد لفت نظر الاخوان على صدور كتاب لاخ غاب عنا تماما وهو حاكم

    http://www.amazon.co.uk/Edward-Said-...9066712&sr=8-4


    روحي الفداء لكلّ كفءٍ عارفٍ............أهوي على قدميه غير مبال
    أتريد معرفة الجحيم بكنهها؟............إن الجحيم لصحبة الجهّال
    Mustapha Said - Rubaiyyat

  3. #3

    إفتراضي

    كما ذكرت في موضع آخر للأستاذ عيتاني، فإن مقالات أخرى، في ملحق النهار، سابقة ولاحقة لاصدار شريط فيروز الأخير كانت شديدة النقد لزياد الرحباني ولرؤيته الموسيقية، ودون أن أدلّ على بضاعتي فإنني ساهمت في بعضها، غير أنني ما وجدت في المنتدى هنا المكان الملائم لعرضها بالنظر إلى طبيعة موسيقى الرحباني الصغير بادئ بدء.
    يظل أن هذا النقد لثقافة النقد العربي مصيب في أغلب الأحيان، وفي مختلف المضامير.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    Vienna, Austria
    المشاركات
    18

    إفتراضي

    أبا الفداء، لم يكن الغرض من رفع المقال تقديم نقد لعمل فيروز الذي لا يهمنا على أي حال بقدر ما كان التنبيه إلى تلك الظاهرة المقيتة التي كاد ينفرد بها قومنا دون سائر الأقوام والتي مثل الكاتب عليها بالموقف الغالب من العمل المذكور.
    أبو علاء

قوانين المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •