عرض النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: فيروز الانقلابية

  1. #1

    إفتراضي فيروز الانقلابية

    ثلاث مقالات للكاتب السوري محي الدين اللاذقاني، نشرت في العام 2002 في صحيفة الشرق الاوسط (تحية إلى أبي العلاء والفارابي مع الاعتذار عن قصر ذات اليد)

    الإرث السياسي للرحابنة
    في جعبة الانتظار رسالة عمرها اكثر من عام كلما هممت بالاجابة عما فيها تهيبت، لا خوفا، فما ظل في العمر ما يسمح بخوف من ذلك النوع المدمر الذي يتحكم بالعربي من المهد الى اللحد، ولكن تهيبا من خوض غمار معركة لا املك كامل معلوماتها واسلحتها، وما اصدق صاحب الرسالة حين قال «ان البحث فيها يحتاج الى اكثر من دماغ واحد».

    انها تتعلق بفيروز، وتراث الاغنية الرحبانية السياسي، فهل كان الرحابنة مؤيدين خلصا لحقبة الانقلابات العسكرية في سورية..؟ وهل صنعوا لها بالفعل عشرات الاغاني خلال سنتين ما بين 1952 ـ 1954 واين هي الآن اشرطة تلك الاغاني..؟

    وهل كان لهم التزامهم الحزبي بالقوميين السوريين الذين شكلوا الاغلبية الفاعلة في المشهد السياسي السوري قبل الستينات.

    انها اسئلة هامة وخطيرة وقبل محاولة الجواب عن بعضها لنقرأ معا اليوم رسالة الاستاذ حسني الملكة ثم نحاول ان نعمل ادمغتنا للعثور على اجوبة عن الاسئلة والاستفسارات وما لا تسعفنا به الادمغة والوثائق وكلمات الاغاني قد نطلب جوابه من الشهود الاحياء..

    عزيزي الدكتور محيي الدين اللاذقاني

    هذه قضية فنية سياسية تنبهت اليها منذ فترة ووجدتها تستحق البحث ضمن اكثر من دماغ واحد.

    لقد تذكرت فجأة الاناشيد التي كنا نسمعها دائما من اذاعة دمشق وخاصة في مواسم الانقلابات العسكرية وتمكنت بعد جهد من جمع بعضها، وجميعها اغان مميزة لفيروز انتجها الاخوان رحباني لاذاعة دمشق بغزارة تلفت النظر خلال فترة قياسية لا يصعب عليّ تقديرها تماما. فانا اذكر تماما ان اول اسطوانة لفيروز طبعتها شركة صوت الشرق عام 1953 وكانت تحمل على احد وجهيها اغنية «يابا لا لا» وعلى الوجه الآخر «دقت على صدري» وكانت هذه الاسطوانة هي البداية الفعلية للرحابنة على المستوى العام. واكاد الآن ان اكون واثقا ان الاناشيد التي احدثك عنها سجلت للاذاعة السورية في الفترة بين العامين 1952 و1954، ذلك ان اخي الاكبر اهتم بتسجيلها كلها على شريط واحد في عام 1955. فما الذي يجعل هذه الاغاني مميزة؟

    انها كلها تمجد بأشعار جميلة والحان حماسية رائعة الروح القومية والعسكرية السورية وتحث رجال الجيش والنساء والرعاة والمزارعين والعمال على النضال والعمل والجهاد وتستنفر بعبارات مؤثرة كل الهمم لبناء سورية واسترجاع امجادها. نشيد لجنود سلاح الطيران وآخر للمشاة وثالث للفرسان وآخر للجيش ثم لفتاة سورية وكثير غيرها من الاناشيد التي تحرك الشعور الاقليمي السوري وتحض على استعادة الامجاد. ولو سنح لك متسع من الوقت ياسيدي واستمعت للاشعار بإمعان فستجد انها كلها تخلو من اي اشارة قومية او عربية او اي رمز لفلسطين التي كان جرحها في ذلك الوقت ما زال ينزف بغزارة، انها قصائد ذات اتجاهات ايديولوجية صارمة وواضحة. لاحظ هنا ان قصائد الأخوين رحباني التي تتحدث عن فلسطين، مثل «راجعون» و«سنرجع يوما الى حينا» قد تأخر ظهورها لعام 1956، والذي عاش فترة الانقلابات العسكرية السورية يذكر تماما كيف كانت هذه الاناشيد تملأ كل ساعات البث من البلاغ رقم واحد وحتى الانتهاء من الامساك بزمام السلطة. انا لا اذكر انني التفت للشعر والكلمات عندما كنت استمع لهذه الاناشيد، فقد كان الاهتمام في تلك الايام انما ينصب على الحانها الحماسية التي تهيئ الاجواء لترقب البلاغات التالية. وعندما استمعت لهذه الاناشيد مؤخرا رأيت فيها علامات استفهام كثيرة.

    الملاحظة الاولى: من هو مؤلف الاشعار؟ هل هما «الأخوان رحباني» ام شاعر آخر؟ اذا راجعنا انتاج الأخوين رحباني المطروح في لبنان في نفس تلك الفترة لرأيناه يسير باتجاه مختلف تماما. سنجد اشعارا مكرسة للغزل والتغني بجمال لبنان وحقوله ووديانه وقراه مثل «سمراء مها» و«عدنا رأيناها» و«بلبل غنى بحقلنا» و«ما احلى الرجعة بكير» و«هيك مشق الزعرورة».. الخ.

    الملاحظة الثانية: ان لغة الخطاب في شعر الاناشيد هي لغة فريدة من حيث مضمونها التوجيهي الصارم الذي يمتد من نشيد لنشيد بمفردات متشابهة ومعان متقاربة حتى يكاد المرء يتصور ان شاعرا واحدا كتبها جميعا في جلسة واحدة ـ وربما لحنها ايضا!

    الملاحظة الثالثة: بصرف النظر عن تقييمك كشاعر للمستوى الادبي لشعر الاناشيد، فانا اعتقد ان هذه الاشعار تشكل علامة مميزة في تاريخ الشعر الوطني الغنائي، بل اكاد اقول انها حادث فريد في تاريخ الغناء العربي من حيث عددها وجديتها الفائقة والتوجيه المحكم الذي تحمله واسلوب تلحينها وكونها صادرة عن جهة واحدة وفي فترة قياسية.

    الملاحظة الرابعة: لماذا حظيت المؤسسة العسكرية السورية في الخمسينات بهذه المعاملة الخاصة جدا واعطيت هذه الجرعة الكبيرة من الشحن بالمشاعر الاقليمية وتقديس الروح العسكرية؟ هل لأن سورية كانت في تلك الفترة تحت تأثير مد قومي عربي واضح المعالم، ومن الجهة التي كانت لها مصلحة في ضخ مشاعر قومية اقليمية مضادة؟ ومن الجهة التي قامرت آنذاك على الجيش السوري لتحقيق ذلك الغرض؟ هل الانتماء الحزبي للشاعر او الشعراء هو السبب وراء المحتويات الفكرية اليسارية والقومية السورية الواضحة في كل القصائد؟ هل كان للرحابنة اتجاهات يسارية ـ قومية سورية قوية لهذا الحد في تلك الفترة؟ هل كانوا يعبرون عن رؤيتهم الخاصة ام انهم كانوا ينفذون تعليمات حزبية محددة؟

    بالمناسبة انا لست ضد اي اتجاه حزبي ظهر او سيظهر في عالمنا العربي ولكنني اتوق فعلا لسماع جواب على هذه التساؤلات.

    حسني الملكة ـ الرياض
    فيروز الانقلابية (1 ـ 2)
    لملمت ذكرى لقاء الأمس بالهدب
    ورحت أجمعه في الخافق التعب
    احترام الاسئلة الذكية موهبة وضرورة، فالنفوس الكبيرة المشعة تسأل من وزن طبيعتها وقد ارهقني الاستاذ حسني ملكة من امري عسرا باسئلته عن فيروز والارث السياسي الرحباني ولا بأس من استعارة الغزل للسياسة للتبرم الايجابي والتعجب على الطريقة الفيروزية:
    يا أمي وما بعرف ليش نقاني أنا
    وعرفت او لم اعرف قرأنا التساؤلات الملكية ولا بد من مفاتيح تومئ وترمز للاجوبة اما الجواب الحقيقي فيظل ملك صاحبه، خصوصا حين يتعلق بطبيعة الالتزام الحزبي في منطقة متوترة، قلقة، متبدلة السياسات والاهواء.
    وان تكون اغاني فيروز ذات طبيعة انقلابية، مسألة مثبتة لا تقبل الجدل الباهت، ولا تمحك النفي الضعيف، لكن هناك فرقا بين «الانقلابية الفكرية» و«الانقلابية العسكرية»، اما ان كانت اغاني الرحابنة قد وضعت قصدا في خدمة التفكير الانقلابي العسكري في سورية وتحديدا بين عامي 1952 ـ 1954، فهذه مسألة عويصة، لكن السؤال يظل مشروعا في كل الاحوال، فقد لحن الرحابنة فعلا وغنى مطربوهم، وليس فيروز وحدها، للطيران والبحرية والمشاة وكان نشيد المشاة هو الاسرع للبث بعد كل انقلاب، ربما لأن معظم الانقلابات السورية كانت تأتي من ألوية المشاة وفيالقهم قبل ان ينحدر حتى مستوى الانقلابات، ويصل في ايام حيدر الكزبري الى حرس البادية.
    وذاك النشيد له طابعه الوطني البطولي الذي يربط امجاد الجيش بمعركة ميسلون:
    وعند الحدود وفي ميسلون
    لنا ذكريات
    بطولات جيش تحدى المنون
    ليبني الحياة الحياة
    وأحيا على الارض عبر القرون
    شعار المشاة
    وقبل الدخول في التفاصيل يستحسن ان نلاحظ ان لبنان كان حديث عهد بالاستقلال في الخمسينات، ولم تكن نخبه الفكرية والسياسية قد استوعبت استقلاله عن سورية، لذا كانت الاغنية الرحبانية والقصيدة الجبرانية تحكي عن سورية بمعنى سورية الكبرى وفي اطارها لبنان:
    يا سورية
    إنّا هنا للموعد
    لك الربى
    لك الذرى
    هيا اصعدي
    ومن شعراء تلك المرحلة الذين كتبوا الاغاني الرحبانية مادحنا بالامس وشاتمنا اليوم الشاعر الكبير سعيد عقل الذي ظل يغني لبردى حتى جففه واستدار لأنهار اخرى منها القسم المتحول من نهر الاردن الذي نشأ بعد ان اطلقنا شعار «نهر الاردن مابيتحول» ولولا شمعون بيريز ما سمعنا عن طموحات سعيد عقل لمناطحة كبار المطبعين والقاء كلمة في الكنيست الصهيوني يعتذر فيها ربما عن بردياته وانقلابياته، وقاسيوناته حين كان يطل هو وغيره من ذرى قاسيون ليرى دمشق وهي تعانق الشهب في زمن عجب، واعجب ما فيه اننا وبسرعة فائقة وصلنا من النقيض الى النقيض، ولم يعد احد يخجل من ماضيه ولا يبذل اي جهد ليخفيه لان الجماهير العربية وكما قال فيلمون وهبي ذات يوم غفورة وصدرها واسع.
    وهيلا ياراجع... الى تلك الايام الخضر والحمر، اطرب، وتحسر وتذكر ان الحقبة التي نحكي عنها لم تكن قد شهدت زواج فيروز من عاصي، فذاك تاريخه عام 1955، وكان اول لحن من عاصي لفيروز سنة 1951 يعني لا مانع من التدقيق السياسي فيمن تعاملت معهم المطربة الانقلابية ذات الاسم الثوري «نهاد وديع حداد» المعروفة باسم الشهرة فيروز، وهؤلاء اذا استثنينا مكتشفها استاذ الموسيقى سليم فليفل كان لهم مثل كل فنان حقيقي ميولهم السياسي داخل بلد يمور بالتيارات اليسارية، والقومية ويجد في الطبقات الفقيرة المنجم الذي لا ينضب، ففيروز نفسها ابنة عامل في مطبعة «لوجور» البيروتية واول محفوظاتها كانت خلطة وطنية على رومانسية، وفي المأثور والمعروف من بداياتها انها حين قدمت الى حليم الرومي الذي كان يرأس قسم الموسيقى في الاذاعة اللبنانية وطلب منها ان تسمعه بعض ما تحفظ غنت له موال الانقلابية التي سبقتها واتهمت بالجاسوسية اسمهان:
    يا ديرتي لا تعتبي ما لك علينا لوم
    لومك على اللي خان
    وتلك حقب لا تعرف فيها الوطني من الخائن من الحزبي الملتزم الذي يمتلك خطة سياسة يسخر لها الفن والفنانين ومعظم القرائن والاشارات للمرحلة الاولى من الانقلابات العسكرية في سورية التي سبقت اغتيال عدنان المالكي تشير الى نفوذ اعلامي وثقافي خطير للحزب القومي السوري الاجتماعي ولا نعرف على وجه التحديد ما اذا كان الشيخ حافظ تقي الدين سكرتير برامج الاذاعة اللبنانية آنذاك والذي قدم فيروز الى حليم الرومي كقريبه سعيد تقي الدين من الحزبيين الملتزمين، والمقربين الى قيادة الحزب القومي السوري الاجتماعي كما انه ليس من الضروري ان يكون بولس الاشقر المؤثر الاول على منصور وعاصي كمعظم آل الاشقر في المتن من مناسيب الحزب المشار اليه. ومع ذلك، فإن غياب هذه المعلومات او حتى نفيها لا يلغي حقيقة التأثير المهيمن فنيا وثقافيا لذلك الحزب الذي تلقى الضربة القاصمة بعد اغتيال المالكي مما جعل الكثير من منتسبيه ومؤيديه يسارعون الى اخفاء بطاقاتهم الحزبية وتلك هي المرحلة التي جعلت فئة اخرى تخفي بعض اغانيها واشعارها التي انتقلت من حالة النغمة الى التهمة، فالنقمة واحيانا كانت الاذاعة نفسها تتلف بعض الاغاني المسيسة، فكلما جاءت امة لعنت اختها، واعدمت رجالها واغانيها، فهل تقع اغاني الرحابنة المخفية بقدرة قادر تحت هذا الاطار..؟ وهل كانت فيروز قبل عاصي تحت تأثير شعراء وملحني حزب سياسي بعينه..؟ ومن السهل ان تجيب بنعم، لكن دعنا قبل اصدار الحكم نقرأ غدا الخفايا والحيثيات.




    فيروز الانقلابية (2 ـ 2)
    كلما عادت صديقتنا المشتركة بارعة علم الدين من بيروت محملة بتحية عطرة من «أم زياد» يخطر لي ان اسألها عن خفايا ذلك التاريخ السياسي البعيد لنجمة نجوم او ان اهتف لهاتف نادرا ما يرد عليه أحد لأقول: يا أم الهول انطقي.
    الاقدر على الاجابة عن هذه الاسئلة هو في الواقع «هول» او زياد وريث التسييس الرحباني المبسط الذي حوله زياد الى مكثف، فكل ما انتجه ولحنه وكتبه يدل على ان البيت الذي عاش فيه كان مسيسا من الدرجة الاولى، لكنها سياسة من نوع خاص لا حمراء ولا خضراء ولا علاقة لها بالاجتماعات الحزبية والاشتراكات بقدر ارتباطها بحلم جماعي لخصه الامير فخر الدين في آخر الاوبريت المشهورة للرحابنة حين قال لجاريته المحبوبة «عطر الليل»: انكسر سيفي فأكملي رسالتي بالاغنية.
    ولم تكن فيروز التي قامت بدور عطر الليل رحبانية الملامح قبل تلك الحقبة، فقبل زواجها من عاصي، عام 1955 لحن لها كثر، وكتب اغانيها نفر مختلف الميول والمشارب والرتب من وزن وليم صعب، وعجاج المهتار وعبد الله بن الأخطل الصغير وعلى صعيد التلحين في مرحلة ما قبل الرحابنة كان الاهم من حيث وفرة المشاركة زكي ناصيف وتوفيق الباشا وفيلمون وهبي وتهمة الانتماء للحزب القومي السوري الاجتماعي بعيدة عن فيلمون، لكن زكي ناصيف كان وبقي لفترة طويلة قوميا سوريا ملتزما، بل ومن ابرز كوادر الحزب، اما توفيق الباشا، فلم يكن حزبيا فحسب، ولكنه كان ايضا ملحن نشيد الحزب القومي السوري الاجتماعي: «يا سورية لك السلام» وكاتب سيمفونية خاصة بأنطوان سعادة.
    ولن استغرب اذا كانت معظم الاغاني التي اشارت اليها رسالة الاستاذ حسني ملكة والتي حضت على التغيير الانقلابي ومجدت الجيش السوري من انتاج تلك الحقبة وتلك الفئة، لكن هذه الفرضية تحتاج الى عودة دقيقة لتاريخ تلك الاغاني، ومع اني دققت ومحصت كثيرا لم اعثر على الجواب عند أنس زاهد في كتاب له عن الرحابنة لأنه لم يهتم بذلك الجانب على وجه التحديد، وعندها عدت للزميل جان داية أحد أدق العارفين بتاريخ الحزب القومي السوري الاجتماعي فدلني مشكورا على بعض المفاتيح ومنها امكانية تأثير زكي ناصيف وتوفيق الباشا وآخرين على فيروز في بداياتها الراقصة والمسيسة معا.
    ومن الآن والى ان يتم التدقيق في تاريخ تلك الاغاني تظل قناعتي انها كتبت قبل عامي 1952 ـ 1954، وربما في عام 1949 الذي شهد اعدام انطوان سعادة في بيروت بعد ان سلمه حسني الزعيم ومحسن البرازي الى بشارة الخوري ورياض الصلح بضغوط من الملك فاروق، عند ذلك الوقت شحذ القوميون السوريون قواهم للثأر من حسني الزعيم وتحريض الجيش عليه وطبعا كانت الانقلابات اسرع من الاغاني المحرضة عليها فتأخر ظهورها الى ان صار الزعيم في خبر كان، في ذلك الوقت الذي ما كان فيه العسكر يحتاجون الى تحريض، وبتأخر تلك الاغاني اكتسبت معنى جديدا وصار لكلماتها وألحانها ابعاد وطنية أبعد من حالة انتقام زعيم غدر بالزعيم، وسلمه كيهوذا «بمحبة كاملة» الى جلاديه.
    ان الرحابنة بالاصل وقبل ان يتحدروا الى انطلياس هم من بلد الزعيم انطوان سعادة «ضهور الشوير» لكن اشتغالهم بالسياسة قليل «فحنا السكران» الوالد كان منشغلا بالموسيقى وادارة الكازينو «الفوار» في انطلياس والأب بولس الاشقر الذي خالطهم وعلمهم الموسيقى لم يكن مسيسا ايضا، فمناخات فيروز المسيسة قبلهم هي التي انتجت بعض تلك الاغاني ثم جاء الرحابنة الى نمط ناجح فواصلوه، وهل هناك ما يروج كالاغاني الوطنية في موسم الانقلابات العسكرية..؟
    ان اقتران فيروز بعاصي والرحابنة يتزامن بصدفة عجيبة مع نكبة الحزب القومي السوري الاجتماعي عام 1955، فبعد اغتيال عدنان المالكي في الثاني والعشرين من ابريل (نيسان)، صارت «الموضة» السياسية السورية واللبنانية اضطهاد ذلك الحزب المؤثر وتشتيت انصاره وشعرائه وفنانيه، ففي تلك المرحلة هرب من سورية شاعران كبيران من شعراء الحزب هما ادونيس ومحمود الماغوط، وفي اجواء الاضطهاد تلك، ربما كان انتقال فيروز السلمي الى احضان الرحابنة قد جنبها الوقوع والاحتساب على هذا التيار او ذاك، فلما واصلت اغانيها الوطنية السورية بملحنين جدد وشعراء جدد غاب المغزى الاساسي الاول والتأثير السياسي المباشر لملحني وشعراء الحزب المنكوب.
    وامام بعض هذه الفرضيات لا أحب ان نحمل بعض المسائل اكثر مما تحتمل، فالفن بطبعه تقدمي الطابع ونهج فيروز منذ بداياته انساني الميول، وفي تلك الحقب لم يكونوا قد اكتووا بنار الانقلابات العسكرية، كما اكتوينا بنيرانها وعرفنا الدمار الذي سببته للبلاد والنفوس، وعليه من الممكن الافتراض ايضا انهم شجعوا تلك الانقلابات بحسن نية وغنوا لها ورحبوا بفرق جيشها واحدة واحدة كنوع من الاحتفاء بالتغيير.
    ومن يبحث في التاريخ الفني والسياسي لتلك المرحلة عليه ان يلاحظ كثرة مهرجانات فيروز في الارجنتين، البلد الذي عمل فيه انطوان سعادة، واغتيل فيه لاحقا اديب الشيشكلي المنقلب بالتتابع على حسني الزعيم.
    وللانصاف فإن فيروز لم تكتب للجيش السوري وحده، انما للعمال السوريين والزراعيين السوريين، والنساء السوريات ايضا في الاهزوجة القصيرة ـ الساذجة:
    فتاة سورية
    هيا الى المسير
    فتاة سورية
    لك الغد المنير
    و«الرتم» الحماسي لم يختلف في تلك الاغاني كلها، الامر الذي يؤيد صدورها عن شعراء حزيين اخفوا اسماءهم قصدا او سهوا في ظروف التحريض على النضال الجماعي، ونأمل الا تكون قد ضاعت نهائيا من ارشيف الاذاعة السورية.
    وهناك نزعات يعربية غنائية مبكرة ايضا يصعب اهمالها كأغنية قومية تأتي كدعاء وابتهال وهي بعنوان «ربي» ومنها:
    غرة من عبد شمس تملأ الليل صباحا
    وحسام يعربي دارة ما مل الكفاحا
    وكلها تلتئم، وتنسجم في ذلك السياق الذي نبهنا اليه حسني ملكة، لنكتشف نحن الذين نظن اننا نعرف كل فيروز اننا لا نعرف عن بدايتها الا اقل القليل، فصاحبة الصوت الانقلابي الذي غير تاريخ الاغنية العربية كانت مع اغاني الحنين الاولى والاهازيج الراقصة مسيسة حتى العظم وواقعة ـ ربما ـ تحت تأثير شعراء وملحنين اصحاب ميول ثورية وانقلابية.
    ان هذا الفصل الغامض من تاريخ الاغنية فيه الكثير من الاثارة، ومن المفاتيح السياسية والفنية، وحبذا لو عكف عليه باحثون جادون، فالمسألة فعلا تحتاج الى اكثر من دماغ واحد، وان لم نستطع ان نكتب ذلك التاريخ الفني القريب بدقة تليق بشخصياته واحداثه، فليت شعري ونثري، وويح قلبي وقلبك فكم من الاخطاء والفضائح والاكاذيب نرتكبها، ونحن نكتب تاريخنا السياسي القريب منه والبعيد.

  2. #2

    إفتراضي

    استكمالاً لهذا الموضوع، في مقابلة مع صديق وناقد سعودي قد تنشر قريباً، طرح عليّ السؤال التالي، الذي عرفني بمقالات اللاذقاني، ويليه اجابتي.


    11- الاتجاه السياسي لفيروز غامض إلا أن الأناشيد والأغاني ذات الطابع الوطني والسياسي تكشف بعض تحولات فيروز السياسية، كشف محيي الدين اللاذقاني في مقالتين " الإرث السياسي للرحابنة، فيروز الانقلابية" بجريدة الشرق الأوسط عن أناشيد سياسية ذات توجه قومي سوري لازم الانقلابات العسكرية في سوريا بين عامي 1952-1954 وهو عهد ما بعد الاستقلال اللبناني، وهناك توجه نحو اللبننة السياسية زمن العهد الشهابي والتنظير العقلوي (نسبة إلى سعيد عقل) في مهرجانات بعلبك ومسرحية أيام فخر الدين 1966، وهناك توجه قومي عروبي – لا تخفى بقايا القومي السوري-في الملاحم والأغاني عن فلسطين وسوريا ، وفي الحرب الأهلية من بعد انفصالها عن الأخوين رحباني 1978-1979 اتضح اتجاه يساري بطابع إنساني – لا تخفى عروبته- في أغنيات عدة عن المقاومة ورمزية المناضل(صبحي الجيز وتلفن عيَّاش..). ما تعليقك ؟

    تعوزني مؤهلات المؤرخ الموسيقي، غير أن علينا، بشكل عام، ألا ننسى أن فيروز، قبل الرحابنة ومعهم وبعدهم، ابنة لبنان في تقلباته وصوته في سير كينونته منذ الخمسينيات المنصرمة إلى يومنا هذا. وبالمقارنة مع التوجهات الأساسية في المجتمع اللبناني آنذاك، ومع عمل جل الفنانين اللبنانيين ما بين اذاعة الشرق الأدنى واذاعة دمشق، قبل استقبال الاذاعة اللبنانية ومن ثم المهرجانات البعلبكية لهم، فإن ما ذكرته يتقاطع تماماً مع بدايات لبنان الكيان في توق شرائح واسعة منه للانضمام في الكيان الأوسع لسوريا الكبرى، ومن ثم بداية تشكله كوطن مخصوص تحدده ايديولوجيا كيانية شيحية (نسبة إلى ميشال شيحا) قبل ان تكون عقلوية، وجدت في الرحابنة صوتاً معبراً عن قدرتها على مضاهاة الفنين المصري والحلبي وموازاتهما، تأكيداً على أحقية الكيان بالوجود، بل ودمجهما وتصعيدهما في مشروع أوثق منهما صلة بالغرب ممثلاً للحداثة. كما كان من ميزات هذا الوطن المخصوص، بحسب هذه الايديولوجيا، كونه حاملاً لقضايا العرب ووجهاً لهم في العلاقة بالغرب، مثلما كان يفترض به أداء دور الجسر بين الغرب والشرق. ولما انهارت هذه الايديولوجيا، بين ارجل المتحاربين، ظل تمجيد الأرض (ومن اجمل الأغاني "اسوارة العروس") والإنسان قائمين في بلد آلت العبارة الدستورية المعرّفة به من كونه "ذا وجه عربي" إلى صيرورته "عربي الهوية والانتماء".

قوانين المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •