عرض النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: وجهة نظر

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    الإقامة
    Syria
    المشاركات
    0

    إفتراضي وجهة نظر

    لقد بلغ فن الدّور ذروته في صيغته النّهائيّة على يدي محمّد عثمان , فالتزم بها كبار الملحّنين أمثال داوُد حسني و ابراهيم قباني و عبد الرحيم المسلوب و زكريّا أحمد فأبدعوا الكثير من الأدوار, فمنها ما ذاع صيته و اشتهر , و منها ما انقرض و اندثر .
    و مهما قيل في إطراء صيغة محمّد عثمان , إلّا أنّها ما لبثت أن أصبحت بقواعدها الصّارمة و الثّابتة مع تقادُم العهد عبءاً ثقيلاً على مؤلّف الدّور . فلقد صرفته عن تصوير الكلمات المُراد تلحينها بما يُناسبها و يُعبّر عنها من ألحان , و جعلته لا يكترث إلّا للبناء الموسيقي النّمطي الّذي فرضته مقتضيات الدّور .
    قد لا تكون صيغة محمّد عثمان هي المسؤولة عمّا حدث , لكنّ القيود التي وضعتها لا بدّ أن تحد من حرّيّة الحركة , و الموسيقى عموماً هي أحوج ما تكون إلى هذه الحرّيّة لتصل إلى المستوى المطلوب في التّعبير و الأداء و التجديد و الابتكار .
    و لا أدري لِمَ لَمْ يُقدِم كبار الملحّنين على كسر هذه القيود على مرّ الزّمن و لم يثوروا عليها من أجل تطوير الدّور ؟ و لِمَ انصرفوا إلى أخف أنواع الصّيغ الموسيقيّة و هي الطقطوقة فعملوا على تطويرها و تطوير المونولوج فاحتلّت مركز الصّدارة لدى كبار المغنّين و الملحّنين أمثال أم كلثوم و محمّد عبد الوهاب و رياض السنباطي و زكريا أحمد و محمّد القصبجي ؟؟
    و مع تقديري و محبّتي لصيغة محمّد عثمان التي بنيت عليها أدوار في غاية الرّوعة مثل : ياما انت واحشني - أحبّ الحسن الخالص - دع العذول- بستان جمالك , و غيرها الكثير ...
    فأنا مازلت مغرماً بالصيغة القديمة للدور لما فيها من بساطة و تلقائية و عفويّة .
    انظروا إلى الأدوار التالية مثلاً : على روحي أنا الجاني – يا حليوة يا مسلّيني – نور العيون شرّف و بان , تمتاز هذه الأدوار بما يلي :
    1- الاجتهاد في التعبير عن معاني الكلمات و الابتعاد عن التعقيد .
    2- إشباع المقام المستعمل و ترسيخه في ذهن المتلقّي .
    3- عدم وجود ضرورة لتكرار و اجترار الكلمات .
    4- قصر المدّة الزمنيّة للدور .
    و هذه المميزات وحدها كافية لجعل هذا النّمط من الأدوار أقرب إلى ذوق أبناء عصرنا و أبعد ما تكون عن الانتقادات الّتي وُجِّهت لفن الدّور عموماً .
    آخر تعديل بواسطة أبو علاء ، 02-02-2014 الساعة 06:14

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    Vienna, Austria
    المشاركات
    18

    إفتراضي

    ​وجهة نظر محترمة وموضوع جدير بالنقاش ؛ للأسف لا أتوقّع أن يتدافع الأعضاء للمساهمة فيه بعد اختفاء النبهاء النشطين منهم أو لوذهم بالصمت ؛ أمّا أنا فسأدلي برأيي في أقرب فرصة بمجرّد أن أحطّ الرحال من سفري.
    أبو علاء

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    البلاد المنخفضة.....Netherlands
    المشاركات
    8

    إفتراضي

    وجهة نظر جديرة بالإهتمام بالفعل ، و تذكرني بثنائية المطرب /الملحن التي قصر زمنها في تاريخنا الموسيقي ... فالمرء يشعر بغلبة الملحن في معظم ألحان عثمان ، بينما الكثير من الأدوار القديمة و أدوار الحمولي تغلب عليها شخصية المطرب ، و أنت تعرف في ما يقال في ذلك من تأثر عثمان بضمور صوته ..إلخ ، كيف يعود الدور كما ترجو يا سيدي مع عدم وجود مطرب/ملحن كالحمولي ؟! أما الملحنين فيبدوا أنهم تحرروا من صيغة الدور أساساً في صيغة الأغنية الكلثومية (والوهابية ) الطويلة التي تجمع في رأيي بين الكثير من الصيغ ، ليس فقط في البنيان و لكن في الجماليات أيضا
    آخر تعديل بواسطة أبو علاء ، 02-02-2014 الساعة 06:15

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    Vienna, Austria
    المشاركات
    18

    إفتراضي

    مرّة أخرى صَدَقتُ كارها ولم تسفّهني الأيّام كما كنت أتمنّى، فلم يحرّك أحد ساكنا فيما عدا تعليق حاتم السريع...
    أمّا أنا فقد كنت على سفر لملاقاة بعض من الأهل والأصدقاء
    كما أسلفت ولم يكن عندي متّسع للكتابة في هذا الشّأن قبل الآن.
    أعتقد أنّ جميع ما كتبه الدكتور بسّام، وجميع رأيه محترم، يقتضي النّظر والمراجعة والتدقيق، وهو ما سأحاوله في حدود درايتي وإدراكي ولا بأس بل يا حبّذا إن أمكن مراجعة المراجعة وتدقيق التدقيق لمن استطاعه وشاءه سواء من الدكتور بسّام نفسه أم من حاتم أم من أيّ متطوّع آخر إن وجد.


    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة الدكتور بسام صندوق مشاهدة مشاركة
    لقد بلغ فن الدّور ذروته في صيغته النّهائيّة على يدي محمّد عثمان , فالتزم بها كبار الملحّنين أمثال داوُد حسني و ابراهيم قباني و عبد الرحيم المسلوب و زكريّا أحمد فأبدعوا الكثير من الأدوار, فمنها ما ذاع صيته و اشتهر , و منها ما انقرض و اندثر .
    أشكّ في أن تكون الأمور جرت على هذا النحو لأسباب، أوّلها من صميم تاريخ الظواهر الثقافيّة والفنّيّة التي إنّما تكون مسارات ممتدّة متدرّجة مشتركة بين عدد لا يحصى من الفواعل لا أفعالا مؤقّتة مفردة، ولئن اعتدنا في مجالنا العربيّ الإسلاميّ مقولات من قبيل أنّ أبا الأسود الدؤليّ "اخترع" النحو وأنّ الخليل ابن أحمد "أنشأ" علم العروض فإنّ تلك المقولات هي محض أساطير ؛ أمّا السبب الثاني الداعي إلى الشكّ في صحّة هذا القول فهو نابع من طبيعة قالب الدور وخصائصه التي هي من طبيعة غناء مدرسة النهضة عامّة وخصائصه، وقد كان غناء "مشاعا" بين أهل الصنعة الذين لم يكن لهم عهد بسمتين بارزتين من سمات الغناء الحديث : ملكيّة العمل الفنّيّ لشخص فرد وتوزيع الأدوار توزيعا صارما بين ملحّن ومطرب وموزّع، وفي ظلّ مثل ذلك الواقع تصبح نسبة نشأة قالب من القوالب أو تحديد "صيغته النهائيّة" إلى شخص بعينه مهما عظم شأنه الفنّيّ تجوّزا مفرطا في التبسيط ؛ أمّا السبب الثالث لشكّي فهو أنّ "عُمُر" الدور حسب ما بلغنا حتّى الآن لم يكد ينيف على المائة عام كان فيها محمّد عثمان وأدواره وسطا بين عهد البواكير وعهد الأفول، وإنّا لنجد من الاختلافات بين أدوار محمّد عثمان وأدوار داود حسني المتأخّرة الملحّنة المثبّتة وأدوار وزكريا أحمد فضلا عن محمّد عبد الوهاب ربّما فاق ما بين أدوار عثمان "البدائيّة" وأدواره "المتطوّرة" ؛ ويضاف إلى كلّ هذا أنّ لم يكن رأس هذا الفنّ وسيّده المفرد، وحتّى الرواية النمطيّة لتاريخ الموسيقى العربيّة تحدّثنا عن قرنين لا قرن واحد : عثمان والحامولي فضلا عن المسلوب الذي لم يكن لاحقا على عثمان تابعا له بل سابقا ومعاصر، ولئن أفادت المصادر أنّ وفاته كانت بعد وفاة عثمان بما يقارب ثلاثة عقود فإنّنا لا نلمس في أدواره التي اشتهرت من معالم الجدّة ما يدلّ على أنّها أحدث عهدا من أدوار محمّد عثمان.
    وبعد، فلئن اتّفقنا دونما عناء على أنّ سيرورة الدور كانت سيرورة من الانفتاح إلى الانغلاق ومن المرونة إلى التحجّر ومن البساطة إلى التعقيد ومن الحياة إلى الجمود فالموت المحتوم، فإنّي لا أظنّ أنّ من الصواب أو الإنصاف عزوّ التغليق والتثبيت والتجميد إلى مطرب أو ملحّن فرد أو مجموعة من الملحّنين والمطربين، بل أحرى بنا أن نلتمس أسباب هذا التطوّر فيما طرأ على عالم الغناء من ظواهر ومؤثّرات جديدة ليس أقلّها شأنا ظهور الأسطوانة ذات اللفّات الثماني والسبعين والشركات المنتجة والمروّجة لها ومن بعدها السنما فضلا عن التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة وحتّى السياسيّة التي شهدها المجتمع المصريّ وغيره من المجتمعات العربيّة التي فيها ينتج الغناء ويستهلك والاتصال ببلاد الغرب الأوروبيّ.
    في ضوء كلّ ذلك لم يكن بوسع فرد أو مجموعة من المبدعين أن يعدموا الدور أو ينقذوه من العدم مهما يكن مقدار عبقريّتهم ؛ وليس صدفة أن لا يزيد رصيد ملحّن متميّز غزير الإنتاج رغم قصر عمره مثل سيّد درويش من الأدوار على العشرة في مقابل رصيده الضم من أعما المسرح الغنائيّ أو أن تكون قيمة الأدوار ضمن نتاج ملحّن آخر أطول عمرا وأغزر إنتاجا على ما كانت عليه قيمة الأدوار كمّا وجودة عند زكريا أحمد...
    الرأي عندي إذن ان قالب الدور مثل غيره من قوالب النهضة من موشّح وقصيدة وموّال هي قوالب كان زوالها محتوما بحكم ما عرى الاقتصاد والمجمتمع عامّة واقتصاد الغناء ومجتمعه على وجه أخصّ من تحوّلات، ولم يكن في ذلك من حول ولا طول حتّى لأعدى أهل الفنّ على غناء النهضة، وأعني هنا محمّد عبد الوهاب الذي نظّر للحرب على ذلك الغناء وسعى فيها حثيثا واجتهد اجتهادا، إذ لم يزد دوره على تجسيم الواقع الجديد وترجمته إلى مذهب فنّيّ واختيار جماليّ بعد أن فرضته العوامل الموضوعيّة.
    ولا يجدي بعد هذا التحسّر على انقضاء زمان الدور خاصّة وفنّ النهضة عامّة لتحلّ محلّه قوالب وأنماط غنائيّة وموسيقيّة أخرى، إلاّ أنّ ما يدعو إلى الأسى هو تغييب ذلك الفنّ من مجال التداول (استماعا وأداء) والتدارس بل بذل كلّ جهد ممكن للقضاء المبرم عليه وإزالته من الذاكرة وإعدام حتّى ما قد حصل تثبيته منه بفضل الأسطوانات والتسجيلات الإذاعيّة ممّا لا نجد له نظيرا عند غيرنا من شعوب الأرض بدءا بشعوب أوروبا الغربيّة التي يجتهد الجميع في محاكاتها واحتذاء حذوها في فنونها ومعاشها ومأكلها وملبسها.
    أمّا عن "التعبير" عامّة والتعبير عن معاني الكلمة في الدور، فذا موضوع سبق أن عرضت رأيي فيه عديد المرّات ضمن محاورات هذا المنتدى وربّما كانت آخر مرّة من خلال كتاب المنيلاوي ضمن فصل "فنّ المنيلاوي"، وليس لي ما أضيفه في هذا الخصوص.
    أبو علاء

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    الإقامة
    Syria
    المشاركات
    0

    إفتراضي

    أخبرني أحد الأصدقاء أنه كان يعمل في إحدى محطات الإذاعة العربية في خمسينات القرن الماضي . و حدث أمر لا يصدّقه عقل ! فقد أمر المدير العام للإذاعة بإتلاف أربعة آلاف أسطوانة من التراث الشرقي القديم من محتويات مكتبة الإذاعة , و حجّته في ذلك أن ربع التون الموجود في الموسيقى العربية هو نشاز صرف و هو مفسدة للأذن الشرقية . فنُفِّذ الأمر و كان كارثيّاً في كلّ المعايير . و لو أمر ذلك المدير بوضع تلك الأسطوانات في أحد الأقبية لهان الأمر , لكن إصراره على إتلافها إن دلّ على شيء فإنما يدل على مدى جهله و رعونته . فربع التون لا وجود له في الواقع , إنما هناك في الموسيقى الشرقية أبعاد تامّة و أنصاف أبعاد و ثلاثة أرباع الأبعاد . و كانت الموسيقى الغربية في سالف الدهر كذلك , لكنها بعد اعتماد السّلم العدّل أصبحت ذات أبعاد تامّة و أنصاف أبعاد فقط . و قيل إن الموسيقى الغربية تطورت كثيراً في مجال الهارموني والكونترابونط نتيجة هذا الاعتماد .و أُحب أن أُبدي بعض الملاحظات تعليقاًعلى ذلك الأمر :
    1. لم يكُن الغربيون يشعرون بالنشاز المزعوم حينما كانوا يستمعون إلى موسيقاهم قبل الاعتماد على السلم المعدل .
    2. لقد خسرت الموسيقى الغربية نتيجة اعتمادها على السلم المعدل الكثير من المقامات و اقتصرت على سلمين فقط هما الماجور و المينور اللذين يعادلان العجم و النهوند في الموسيقى الشرقية , لكنها ربحت و ازدهرت في مجال الهارموني والكونترابونط .
    3. ليست الموسيقى بشكل عام إلا نتيجة تفاعل مع الحضارة و العلوم . فازدهار الموسيقى الغربية ليس فقط بسبب اعتماد السلم المعدل بل بسبب تفاعلها مع التقدم الحضاري و العلمي .
    4. لقد تعرضت نهاية القرن التاسع عشر لهزة عنيفة ضد اتجاهات الرومانتيكية في الأدب و الموسيقى و قد تبدلت النظرة إلى مقامات الموسيقى الغربية . و لقد عكفت الموسيقى الغربية على تحرير نفسها من نظام مقامات الديوان الكبير و الصغير الذي فُرض عليها منذ عهد النهضة . و فرانز ليست هو أول من نبّه إلى وجوب إدراك المقاميّة على نحو جديد , و هو أيضاً أول من استعمل المقاميّة المحايدة المعتمدة على سلم خالٍ من أنصاف الأبعاد , و أصبحت فيما بعد العلامات المميزة للأسلوب الانطباعي . و كذلك فقد دافع فرانز ليست عن استخدام مقامين في نفس الوقت أو المزج ببينهما .
    لو كان مدير الإذاعة سالف الذكر من أنصار فرانز ليست و أمر بتحطيم أعمال باخ و موتسارت و بيتهوفن فلن يُضرّ الناس شيئاً لأن تلك الأعمال قد ملأت الأفاق شرقاً و غرباً , لكنّ الحسرة كلّ الحسرة على التّراث الشّرقي الّذي أسهم في تحطيمه هذا الرجل , فضاع و أضاعنا معه .
    آخر تعديل بواسطة أبو علاء ، 08-03-2014 الساعة 08:34

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    Vienna, Austria
    المشاركات
    18

    إفتراضي

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة الدكتور بسام صندوق مشاهدة مشاركة
    أخبرني أحد الأصدقاء أنه كان يعمل في إحدى محطات الإذاعة العربية في خمسينات القرن الماضي . و حدث أمر لا يصدّقه عقل ! فقد أمر المدير العام للإذاعة بإتلاف أربعة آلاف أسطوانة من التراث الشرقي القديم من محتويات مكتبة الإذاعة , و حجّته في ذلك أن ربع التون الموجود في الموسيقى العربية هو نشاز صرف و هو مفسدة للأذن الشرقية . فنُفِّذ الأمر و كان كارثيّاً في كلّ المعايير
    (...)
    لو كان مدير الإذاعة سالف الذكر من أنصار فرانز ليست و أمر بتحطيم أعمال باخ و موتسارت و بيتهوفن فلن يُضرّ الناس شيئاً لأن تلك الأعمال قد ملأت الأفاق شرقاً و غرباً , لكنّ الحسرة كلّ الحسرة على التّراث الشّرقي الّذي أسهم في تحطيمه هذا الرجل , فضاع و أضاعنا معه .
    أراك يا دكتور قد لمست هنا لبّ المشكلة، فليست المشكلة في أفول قالب معيّن مثل الدور أو مجموعة من القوالب أو تطوّرها أو تحوّلها إلى قوالب جديدة مثلما حصل للطقطوقة والمونولوغ، فهذا أمر لا مفرّ منه ولا ضير فيه، وليس مصير السمفونيّة أو الكونشرتو أو السوناتا بأحسن من مصير الدور أو القصيدة أو البشرف، وإنّما المشكلة في نكران الماضي ونفي التاريخ أو اختزاله في الراهن بل في راهن معيّن دون غيره والاجتهاد بل التفاني في إعدام ما عداه، ومثل هذا لا يحدث إلاّ لشعب يعيش خارج التاريخ والجغرافيا معا، ولم يبلغ إلى علمي وجود شعب يصحّ عليه هذا الوصف عدا قوم عربستان ؛ واسمح لي في هذا السياق أن أقتبس هنا هذا النصّ الطويل من مقدّمة كتاب "يوسف المنيلاوي مطرب النهضة العربيّة"، وهو يشرح ما عنَيتَه بتعليقك ويصف فداحة الخَطْب ويبيّن وأبعاده :

    دخلت صناعة الأسطوانة البلاد العربيّة أوّل ما دخلتها منذ ما يزيد على القرن بقليل، إذ يعود تاريخ أقدم التّسجيلات إلى سنة 1903 ؛ ولم يكن "عمر" القطع المسجّلة آنذاك يزيد على عقدين أو ثلاثةٍ أو بضعة عقود في أحسن الأحوال ؛ ولا وجود فيما عدا ذلك وباستثناء نصوص الموشّحات والقصائد لأيّ أثر عينيّ يُعتَدّ به في معرفة ما كان متداولا في ربوعنا من موادّ موسيقيّة وغنائيّة قبل أواسط القرن التّاسع عشر. وما سُجِّل خلال العقود الثّلاثة الأولى من القرن العشرين ممّا يُعَدّ بآلاف الأسطوانات رصيدٌ لا تقدّر قيمته بثمن ؛ وهي قيمة مزدوجة، فهو ينبؤنا عن حقبة تاريخيّة هامّة في التّاريخ العربيّ المعاصر ويسمح لنا بتبيّن سمات المشهد الفنّيّ والثّقافيّ خلال تلك الحقبة، كما أنّه يجلو لنا جذورنا ومَراجعنا الفنّيّة والأصول الجماليّة الّتي يرجع إليها أو يمكن أن يرجع إليها إنتاجنا الفنّيّ الرّاهن. بعبارة أخرى لا تقلّ منزلة الرّصيد المسجّل في الفترة المذكورة عن منزلة الموروث الفكريّ والأدبيّ عندنا ممّا يعرف ب"الشّعر الجاهليّ" حتّى أدبيّات عصر النّهضة مرورا بالنّتاج الفكريّ والأدبيّ خلال عهود صدر الإسلام والدّولتين الأمويّة والعبّاسيّة وعهد الدّويلات والممالك وما عرف ب"عصر الانحطاط" ؛ ولا ينبغي أن تقلّ تلك المنزلة عن منزلة رصيد الموسيقى القروسطيّة والكلاسيكيّة في أوروبا الغربيّة أو الموسيقى الكلاسيكيّة العثمانيّة عند هؤلاء وأولئك، علما بأنّ الرّصيد الأوّل امتدّ على مدى عدّة قرون بينما كان امتداد الآخِر على ما لا يقلّ عن ثلاثة قرون. وإذا ما كان الرّصيدان الموسيقيّان الأوروبيّ والعثمانيّ لا يزالان حَيَّين يرزقان يَتداول النّاس موادّهما مطبوعة على الأقراص المضغوطة ويتعهّدها الموسيقيّون بالعزف والأداء والباحثون بالدّراسة والتّمحيص رغم كثرة الأنماط الموسيقيّة الجديدة الّتي غدت متداولة في تلك الرّبوع وتنوّعها بين ما هو "تقنيّ" وما هو "معدنيّ" وما هو "إلكترونيّ" وما هو راقص وصاخب وخفيف… وإذا ما كان تراثنا الفكريّ والأدبيّ قد حُفِظ بفضل الطّباعة أوّلا ثمّ الوسائط الرّقميّة الحاسوبيّة والشَّبَكيّة وبقي متداولا ولو كان تداولا محدودا في المدارس والمعاهد والجامعات وبين أهل الاختصاص والمهتمّين من المثقّفين، فإنّ رصيدنا الموسيقيّ والغنائيّ المسجّل في أوائل القرن العشرين قد انفرد بمآل لا نظير له في تاريخ الشّعوب الحديث ولا شبيه له في التّاريخ العربيّ سوى المصير الّذي آلت إليه آلاف الكتب الّتي أحرقت إثر كلّ انقلاب من الانقلابات السّياسيّة والعقائديّة المختلفة الّتي حفل بها التّاريخ العربيّ الإسلاميّ في حواضر الدّولة الإسلاميّة مشرقها ومغربها بدءا بالانقلاب على المعتزلة أو إبّان الاجتياح المغوليّ لبغداد. فهذه آلاف من الأسطوانات وراءها بضع مئات أو على الأقلّ عدّة عشرات من الملحّنين والمطربين والعازفين لم يعد يسمعها أحد أو حتّى يعلم بوجودها فضلا عن معرفة ما حوته من تسجيلات سوى حفنة قليلة من جامعي التّسجيلات وقلّة لا يكاد عددها يزيد على بضع عشرات من الباحثين الجامعيّين والهواة. وما حوته تلك الأسطوانات لا يُسمَع ولا يؤدّى ولا يُفحَص ولا يُدرَس ولا يُحفَظ حتّى مجرّد الحفظ بمعنى الصّيانة من التّلف والضّياع ؛ بل إنّ جانبا منه قد ضاع فعلا والبقيّة الباقية مهدّدة بنفس المصير دون أن ينتبه أحد إلى هذا الأمر الخطِر أو يدرك حجم الكارثة الّتي ينطوي عليها وعمق أبعادها. بل إنّ ما هو أنكى وأدعى للجزع هو أنّ النّتاج الموسيقيّ المسجّل في الثّلث الثّاني من القرن العشرين على الأسطوانات وعلى وسائط التّسجيل القديمة مثل البِكَر في دُور الإذاعة قد بات بدوره مهدّدا بأن يؤول إلى نفس المآل الّذي نال سَلَفَه. وإذا ما كان عمر الموسيقى العربيّة المحسوسة الفعليّ لا يزيد، باعتبار ما هو متوفّر من التّسجيلات وفي غياب التّدوين في الفترات السّابقة، على قرن أو نيّف وقرن من الزّمن فإنّ أخشى ما نخشى هو أنّ ذلك العمر القصير أصلا سيظلّ يتقلّص إلى أن لا يزيد على عقد أو عقدين إذا ما استمرّت الحال على ما هي عليه.



    فربع التون لا وجود له في الواقع , إنما هناك في الموسيقى الشرقية أبعاد تامّة و أنصاف أبعاد و ثلاثة أرباع الأبعاد . و كانت الموسيقى الغربية في سالف الدهر كذلك , لكنها بعد اعتماد السّلم العدّل أصبحت ذات أبعاد تامّة و أنصاف أبعاد فقط .
    وهذه حقيقة أخرى أساسيّة عشي عنها الجميع أو كادوا ؛ وحتّى يتبيّن خطر هذا الخطأ الجوهريّ في التقدير وما يكمن وراءه من خور منهجيّ ومعرفيّ فحال أصحاب مقولة ربع البعد هي كحال من يأتي ليصف البيغمي بأنّه قوم أقزام، وإذا كان الواصف سويديّا أو ألمانيّا فإنّنا لا نستغرب وصفه لهم كذلك لأنّه محكوم بما اعتاده بين قومه في ربوعه، وقصارى ما يمكن أن نأخده عليه هو مركزيّة الذات وعدم القدرة عن النظر إلى العالم الخارجيّ بمعزل عمّا رسخ في ذاته ؛ وأمّا أن يأتيك الوصف من أحد البيغمي وهو يصف قومه وبني قومه فهو ما لا يكون إلاّ ممّن ابتلي بداء الفصام وأصاب الاغتراب من ذاته مقتلا فلم يعد له من سبيل لرؤية حاله إلاّ بعين غيره ولا إدراك كنه ذاته إلاّ بمداركهم، وتلك عين الغربة الوجوديّة والمعرفيّة كما وصفها أبو حيّان التوحيدي :
    "هذا غريب لم يتزحزح عن مَسِقْط رأسه ، ولم يتزعزع عن مَهَبَّ أنفاسه .وأغرب الغُرَباء من صار غريباً في وطنه"
    أبو علاء

قوانين المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •