عرض النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الإقامة
    Netherlands
    المشاركات
    0

    إفتراضي الحداثة الحامولية: مقطع فريد في "شربت الصبر"

    مقدمة (1 من 3)

    سمعت هذا الدور للمرة الأولى من السنباطي في أحد تسجيلات العباسية، وكان هذا سبباً في اكتشافي صوت محمد سالم العجوز - ويا له من اكتشاف! - لكن ما لفت نظري حقاً في الدور عموماً وفي أداء العجوز له تحديداً هو شعوري بطابع "حداثي" يجعل الدور أقرب إلى "أغنية"، ولا أقصد طقطوقة أو مونولوج بالضرورة، وإنما أنَّ له طابعاً غنائيًّا بمعنى
    tuneful
    أي أنَّه يجعل من المستمع العادي مشاركاً بقدر ما (حتى بالصفير أو الدندنة) وليس مجرد "زبون طرب". ولم أجد تفسيراً لذلك في حينها غير أنَّه ربما يرجع إلى طبيعة هذا اللون من النهاوند (العشاق المصري) أو إلى أنَّني سمعت الدور أول مرة من السنباطي. لكن انتبهت بعد تكرار الاستماع لمرات عديدة على مدى أشهر إلى أنَّ الهيكل اللحني الذي يؤديه العجوز مفعم بما يمكن أن نسميه "الحركة إلى الأمام"
    forward motion
    بمعنى أنَّ معظم الجمل تنتهي بقفلات مفتوحة أو متوترة، تثير في نفس المستمع إحساساً بعدم الاطمئنان وانتظار الجملة التالية، وهو ما لا يتيح الوقوف كثيراً عند نقطة بعينها، على العكس مثلا من "عهد الأخوة" الذي يمكن أن نقضي فيه ربع ساعة نقول "عيد" أو "أسمع كلامه إن أمر" دون التساؤل كثيراً عما سيأتي من بعد. وقد وقفت على مقطع بعينه من القسم المفترض أنَّه مرتجل (الهنك/الآهات/الوحايد) تتجسَّد فيه هذه الروح الحداثية، وأرسلته وقتها إلى الصديقين حاتم وفادي متعجِّباً (مع مزحة حول كون الجملة الصاعدة الطويلة تذكِّرني بألحان مطرب معاصر شهير جداً لن أذكر اسمه هنا تجنُّباً للإحراج).

    وحتى تلك اللحظة، كان كلُّ اهتمامي منصبًّا على محمد سالم العجوز باعتباره مبدع هذا الأسلوب، وبالفعل سمعت كل ما لدينا من أعمال العجوز، لكن لم أجد فيها ما يشفي غليلي، رغم أنَّ الرجل مطرب صوتاً وأداءً ولا شك، لكن لم أجد نفس الحيوية التي ينفرد بها تسجيله لهذا الدور. ثمَّ كانت المفاجأة حين سمعت صيغة سليمان أبو داود فوجدت المقطع نفسه مع تغييرات بسيطة سأتناولها في المشاركة التالية، وإن كان في مكان مختلف، ففي صيغة العجوز يظهر هذا المقطع بعد دقيقتين وعشرين ثانية من جملة سبع دقائق ونصف، في حين يظهر في صيغة سليمان أبو داود بعد أربع دقائق وعشرين ثانية في تسجيل بنفس الطول. وهنا بدأ الظن يساورني في أنَّ هذا المقطع ملحَّن سلفاً، وأنَّ سالم العجوز (كما ذكرت في نقاش سابق، على هذا الرابط)، لا يعدو أن يكون "جهاز تسجيل" خارق نقل إلينا لحن الحامولي كما سمعه منه. وتأكَّد حدسي بالاستماع إلى صيغة داود حسني التي يتكرَّر فيها نفس المقطع، في نفس مكان ظهوره عند سليمان أبو داود، ولكن بكلمات مختلفة!!! الغريب هنا أنَّ الوحيد الذي لم يرد في صيغته هذا المقطع هو "الحديث" رياض السنباطي، الذي أظنُّه أخذ صيغته عن داود حسني، لكنه أدَّاها مرتجلة في معظمها.

    وسوف أتناول في المشاركة التالية تحليل هذا المقطع بالتفصيل، على أن أتناول أهم المسائل التي وقفت عليها بالمناقشة في المشاركة الثالثة والأخيرة. وحرصاً على تحسين طريقة العرض، سوف أرفق بالمشاركة الأخيرة جدولاً بصيغة "بي دي إف" يحتوي على خلاصة التحليل الوارد في المشاركة الثانية، وهي فكرة يرجع الفضل فيها طبعا إلى مولانا الفريد أدام الله ظلَّه.
    والمقطع يقتصر من ناحية النص على أربع كلمات عند سالم العجوز وسليمان أبو داود: "يقضي لوم يكفاني ملامة"، وخمس كلمات عند داود حسني: "على عيني بعاد الحلو ساعة".

    وفي البداية أعتذر لو كان استخدامي للمصطلحات غير واضح أو غير دقيق، فأنا أعتمد على قدر محدود من المعرفة بالاصطلاح الموسيقي الغربي بالإنجليزية، وقدر أقل من الإلمام بالترجمة العربية المستعملة أو الاصطلاح العربي المقابل. وقد فكَّرت في أن أدوِّن المقطع بالنوتة وأرفقه لكم أو أن أسجل الصيغ المختلفة بالعود، لكن قرَّرت أن أبدأ أولا بالوصف ثم إذا اقتضي الأمر نستخدم أيًّا من هاتين الأداتين، رغم عدم تمكني من أيٍّ منهما تمام التمكُّن.

    ويمكنكم الرجوع إلى الصيغ الأربع كاملة بالنقر على الروابط التالية:

    محمد سالم العجوز
    سليمان أبو داود
    داود حسني
    رياض السنباطي

    آخر تعديل بواسطة AmrB ، 12-12-2019 الساعة 01:16

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الإقامة
    Netherlands
    المشاركات
    0

    إفتراضي

    التحليل (2 من 3)

    قبل الدخول في التفاصيل، هناك ملحوظتان مبدئيتان. أولا، من الأمور التي أرهقتني للغاية محاولة الوقوف على الطريقة المثلى لوصف الإيقاع، وانتهيت إلى أنَّ الأنسب، رغم البطء الظاهر عموماً، هو اعتبار أن الإيقاع رباعي سريع كما سيتبيَّن أدناه، بمعنى أنَّ المازورة الواحدة تتألف من 4 عدات سريعة (على ميزان 4/8)، وهو ميزان غريب لكن جميع الاختيارات الأخرى الثنائية والرباعية ستؤدي إلى تعقيدات بالغة، وأرجو التصويب والتوضيح لو كنت مخطئاً. وثانيا، بصرف النظر عن الطبقة الفعلية في كل صيغة، وتأثرها بالسرعة المفضلة لكل مستمع، جميع ما يرد أدناه قائم على اعتبار أن جنس النهاوند المتوسط يستقر على درجة الري/دوكاه، وجنس البياتي الخفيض يستقر على درجة اللا/عشيران. وأرفع لكم في مرفقات هذه المشاركة الصيغ الثلاث بعد توحيد الطبقة على هذا الأساس لتيسير الاستماع والمقارنة.
    ويتكون المقطع المعني مما يلي:

    (1) سلسلة هابطة على سلم جنس النهاوند المتوسط، مؤلفَّة من ثلاث جمل متطابقة تستغرق كل منها أربع موازير (ست عشرة عدَّة) وتنقسم إلى سؤال ("يقَّضي لوم" عند العجوز/سليمان و"على عيني" عند داود حسني) في مازورتين، وجواب (آه آه... آه) في مازورتين. وباستثناء أول مازورة في المقطع عند سالم العجوز، نلاحظ أنَّ المؤدين الثلاثة يستهلون كلَّ سؤال قبل بداية المازورة بعدَّة تمهيدية
    anacrusis or pickup
    فيقول داود حسني العين المفتوحة في "على" في العدَّة التمهيدية، ويستهل العدَّة الأولى باللام ويمد الألف المقصورة في العدة الثانية ثم يقول العين والياء في العدتين الثالثة والرابعة، ويقول العجوز وسليمان "يقض" في العدَّة التمهيدية، بحيث تقع الضاد الساكنة على العدَّة الأولى وبعدها سكون على العدة الثانية ثم تُستكمل الكلمة بالضاد الممدودة على العدَّتين الثالثة والرابعة. وهذا الشكل الإيقاعي، المؤلَّف من 5 عدَّات (من التمهيدية إلى الرابعة) توقيعها في ظني "إس دم إس تك إس"، هو موتيف ثابت متكرر طول الوقت في مختلف أجزاء الدور، بل وفي بدايته على لفظة "شربت"، ومن ثمَّ سأسميه موتيف "شربت". ومن الناحية النغمية، يُلاحظ أنَّ سليمان أبو داود يستعين بالمراوحة بين نغمة الاستهلال وظهيرها (أي بالرجوع بُعد خامسة تام، في المازورة الأولى مثلا من اللا في العدَّة التمهيدية إلى الري في العدة الأولى) بدلا من التكرار البسيط عند العجوز وحسني.

    (2) جسر هابط على البياتي للوصول إلى درجة اللا الخفيضة/عشيران تمهيداً للصعود مع الجملة الخارقة التالية. ويختلف الجسر بين المؤدين الثلاثة: حيث يهبط سالم العجوز في أربع موازير مكرِّراً "يقضي" أربع مرات كل مرة في مازورة، تشمل تسلسل هابط في ثلاث موازير ثم قفلة متوسطة صاعدة/هابطة في المازورة الرابعة. في حين يهبط سليمان أبو داود في تسلسل هابط بسيط موزَّع على ثلاث موازير، فيقول "يقضي" في مازورة ثم "لوم" في مازورتين، أما داود حسني فيهبط في مازورتين فقط مكرِّراً "على عيني" مرة في كل مازورة، مع استغلال فكرة الاستهلال المبكِّر بالعدَّة التمهيدية.

    (3-أ) هنا نصل إلى واسطة العقد، جملة صاعدة خطوة خطوة على سلم البياتي تتحرك من القرار عند لا/العشيران إلى الجواب عند لا/الحسيني: الفكرة الأساسية هي ثماني نغمات موزَّعة مناصفة على ست عشرة عدَّة، لكن هناك بعض التفاوت في التشكيل خصوصاً في القفلة، ولهذا فصلتها في نقطة وحدها أدناه. هذا الصعود أوبرالي حداثي تماماً، ولا يحضرني أي مثال آخر على الإطلاق في غناء النهضة (ولا حتى الإنشاد الديني، وقد يكون للأمر صلة بأن أحكام التلاوة لا تُجيز المد لأكثر من 6 حركات، بما يقابل 6 كميات إيقاعية متساوية) لجملة مشابهة، صاعدة أو هابطة، يجتمع فيها التدرج النغمي والتساوي الإيقاعي بهذه الطريقة، وعلى حرف مد واحد (الواو في "لوم"/الياء في "عين").

    (3-ب) قفلة متوسطة متفاوتة بين المؤدين الثلاثة: فبعد الوصول إلى الدرجة الثامنة من سلم البياتي، يؤدي سالم العجوز قفلة هابطة/صاعدة على نفس الدرجة على عدَّتين، وأخيراً تنتهي كلمة "لوم" مع العدَّة الثانية من المازورة التالية. أما سليمان أبو داود فينتهي من كلمة "لوم" عند الدرجة السابعة من سلم البياتي، ويقول "آه" على الدرجة الثامنة يمدها بعدَّتين وصولاً إلى العدَّة الثانية من المازورة التالية، ومن ثمَّ تنتهي قفلته عند نفس النقطة. ويظل داود حسني يقول "على عيني"، لكنه يغيِّر المازورة الأخيرة من الجملة السابقة بالاستعاضة عن الدرجتين السابعة والثامنة من سلم البياتي بقفلة صاعدة/هابطة من اللا إلى الري على سلم النهاوند، منهياً الكلمة على العدَّة الأولى من المازورة التالية، لتعقبها نقرة على العود على نفس الدرجة في العدَّة الثانية. وقبل الدخول إلى القسم التالي، ينفرد داود حسني بتكرار كل ما سبق مرة واحدة، مع ملء فراغ العدَّة الثالثة بآه، واستخدام العدَّة الرابعة كعدَّة تمهيدية في موتيف "شربت" رجوعاً إلى السلسلة الهابطة (1).

    (4) الإحالة إلى جملة المذهب والقفلة الختامية: يتفق المؤدون الثلاثة في أداء هذا الجزء تماماً من الناحية المقامية، مع بعض الاختلاف من ناحية التشكيل. ويمكن أن نقسِّم هذا الجزء إلى خمسة أجزاء فرعية:

    (4-أ) الاستهلال: انتهى المؤدون الثلاثة جميعا من قفلة الجزء السابق على العدَّة الثانية، وهو ما يتيح الفرصة لتفويت العدَّة الثالثة سكوتاً وأداء موتيف "شربت" على العدَّة الرابعة. وهذا ما يفعله بالفعل العجوز فيقول "يقضي"، وداود حسني فيقول "على عيني" ثم يضيف أيضاً المازورة الثانية من لحن جملة المذهب. ورغم أنَّ سليمان أبو دواد يستخدم أيضاً موتيف "شربت"، لكن لسبب ما هناك عدَّتان زائدتان، واحدة قبل الموتيف وواحدة بعده، وقد أعيتني الحيل في تفسير ذلك بأي طريقة غير الخطأ الإيقاعي، لكن الأقرب في ظني أنَّه أخطأ في طول القفلة السابقة (وربما نسمع شيئاً من التردُّد عند العواد أثناء القفلة) بعدَّة زائدة، وأضاف عدَّة أخرى بعد موتيف "شربت" حتى يعود للميزان الزوجي، والله أعلم. ومن الناحية النغمية، يلاحظ أن العجوز يؤدي الموتيف بالمراوحة بين اللا والصول الأدنى منها، وهو ما أظنه توكيد للاستقرار على الدرجة الخامسة النهاوند، أما أبو داود فيستخدم نفس الصيغة التي انفرد بها في السلسلة (1)، أي بالمراوحة بين اللا وظهيرها الري، أما داود حسني فيكرر نفس لحن أول مازورتين من جملة المذهب بالضبط، أي صعوداً على سلم كرد اللا حتى الري العالية/المحير ثم الهبوط مجدَّدا إلى اللا.

    (4-ب) تسلسل هابط من ثلاث موازير على سلم نهاوند الري، ويختار كلٌّ من العجوز وسليمان التحرُّك خطوة خطوة مع العد من الدرجة السابعة هبوطاً إلى الدرجة الثانية، بترتيب الدرجات التالي (7-6-5-4) ثم (6-5-4-3) ثم (5-4-3-2)، أما داود حسني فيهبط من الدرجة الخامسة إلى الثانية بالترتيب التالي: (5-6-5-4) ثم (4-5-4-3) ثم (3-4-3-2).

    (4-ج) قفلة متوسطة على نهاوند الري في مازورة واحدة، وهذه يتفق فيها الجميع: إحالة مباشرة إلى "من بعد" في جملة المذهب، فيقول العجوز وسليمان "يكفاني"، ويقول داود حسني "بعاد الحلو".

    (4-د) تحويلة إلى الراست في مازورتين على الري توازي الجزء الأول من كلمة "التصافي" في جملة المذهب مع الاستعاضة عن النهاوند بالراست. يقول العجوز وسليمان "ملامة ملامة"، في حين يستكمل داود الواو في "الحلو" في المازورة الأولى ثم يضيف "ساعة ساعة" في المازورة الثانية.

    (4-هـ) قفلة راست تامة هائلة على مازورتين ونصف، وهي أيضاً موازية لبقية كلمة "التصافي" في جملة المذهب، ليقول العجوز "ملامة ملامة"، ويقول سليمان "يا سيدي ملامة"، ويقول داود حسني "ساعة ساعة ساعة" التي ذاع صيتها بعد ذلك على يد السنباطي.

    وتجدر الإشارة إلى أنَّ نصف المازورة المتبقي لاستكمال الدورة الإيقاعية مرتبط بالقسم التالي ومن ثم أعفيت نفسي من الدخول في التفاصيل المتعلقة به.
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الإقامة
    Netherlands
    المشاركات
    0

    إفتراضي

    المناقشة (3 من 3)

    ملحوظة: يمكن الرجوع للملف المرفق بصيغة بي دي إف للاطلاع على خلاصة للتحليل الوارد في المشاركة السابقة، كما أرفق نص المشاركات الثلاث كاملا بنفس الصيغة.

    1- الملحَّن والمرتجل:

    لا أظن أنَّ هناك أيَّ شك في أنَّ هذا المقطع ملحَّن سلفاً، وأعتقد أنَّه من المنطقي افتراض أنَّ اللحن من وضع الحامولي نفسه. فالمقطع متطابق من حيث البنيان المقامي بين المؤدين الثلاثة، وهناك تشابه شديد من حيث الهيكل الإيقاعي، وتفرُّد داود حسني بغناء نص مختلف يعني أنَّه تعمَّد وضع هذا النص بهذا اللحن، فإما أنَّ النصَّ من عنده، أو أنَّ الحامولي كان يؤدي كلا النصين أو أكثر بنفس اللحن. ومع ذلك، ورغم التشابه في حالات والتطابق في أخرى، هناك تباينات كبيرة لا يمكن تجاهلها، وخصوصاً من ناحية التشكيل الإيقاعي. وأرجو أن أكون قد وُفقت في تقسيم المقطع حتى تتبين بالضبط الأجزاء المرتجلة من الأطر الثابتة. والأهم في رأيي في هذا الصدد هو أنَّه على العكس من تقاليد موسيقية أخرى تتيح الارتجال، فالمؤدي المرتجل ليس مقيدا بمساحة إيقاعية معينة، فبوسعه أن يطيل القسم المرتجل أو يقصره، ما دام سيعود في النهاية لضبط الدورة الإيقاعية وإلى الهيكل الأصلي.
    مثلا، في القسم (2)، الذي سميته "جسر هابط"، المطلوب هو الهبوط على البياتي تمهيدا للقسم التالي، فيهبط العجوز في 4 موازير، ويهبط سليمان في 3 موازير، ويهبط حسني في مازورتين فقط. يلي ذلك القسم 3، الجملة الصاعدة خطوة خطوة، وهو قسم جامد مقاميًّا وإيقاعيًّا، لأنَّه ملمح أساسي في المقطع، وربما في الدور كله. غير أنَّ قفلة القسم 3 فيها مساحة للارتجال، فتختلف بين المؤدِّين الثلاثة، وهكذا.

    وقد لاحظت أيضا تفاوتات كبيرة في سرعة الإيقاع عند العجوز وسليمان، على العكس من داود حسني الذي معه رقاق يظهر صوته بين حين وآخر، وهذه نقطة جوهرية في مسألة الارتجال، لأن ضبط الدورة الإيقاعية يغدو
    مسألة اتفاقية بحتة، ومن ثم فما أظنه أنا خطأ في دورة سليمان أبو داود لا يظهر إلا لمن يترصد له بالعد، وما دام المطرب والعازفون على قلب رجل واحد، لا حاجة إلى مترونوم يعطينا عدد ثابت من النقرات في الدقيقة.

    2- هيكل قالب الدور:

    ما هو موقع هذا المقطع الملحَّن من قالب الدور التقليدي، وكيف يظهر في موضعين مختلفين تماماً بين العجوز من جهة وسليمان وحسني من جهة أخرى؟ هل هو على سبيل الهنك المحفوظ؟ هل هناك نماذج أخرى تحتوي على إحالة إلى جملة المذهب في غير موضع الدور المعتاد؟
    بالمناسبة، الصيغ الثلاث تخالف قالب الدور في أكثر من موضع، وكلها تختم بتكرار الجزء الأخير من المذهب بلحنه وكلماته، وهذا من شأن الطقطوقة، فهل هناك نماذج أخرى؟

    3- الحداثة الحامولية:

    لا أظن أنَّ هناك جديداً يُقال في مسألة الأصالة والتجديد، وعلى منتدانا عشرات الحوارات التي تتطرق إلى هذه المسألة بجميع أبعادها. ومع ذلك، وبافتراض أنَّ استنتاجي سليم وأنَّ هذا المقطع من ألحان الحامولي، فلعلنا نستنتج أن الحامولي مجدِّد حداثي تعبيري، خصوصا إن صدَّقنا الأسطورة التي تقول إنَّ لهذا اللحن سياقا شخصيًّا. وأذكر في هذا الصدد تحديداً الجملة الصاعدة خطوة خطوة على سلم البياتي التي أشرت إليها في تحليلي، والتي لا أعرف لها شبيهاً في الموسيقى العربية عموماً (هل من أمثلة أخرى يا أبا علاء؟) ولا أقصد بأي من ذلك مديحاً للحامولي ولا تنصُّلاً من تهمة التعنُّت الموسيقي والتحجُّر الفكري، وإنما فقط للتذكير بأنَّ عبده الحامولي ينتمي إلى عالمنا المعاصر شأنه شأن فيردي، المتوفى في نفس التاريخ سنة 1901. ولا أقصد أيضاً أي مقارنة أو تدليس، لكن القصد هو أنَّ موسيقانا هذه لم تمت أو تنقرض بحكم كونها ترجع إلى زمن عتيق غابر "بائد"، وإنما دُفنت حية ووئدت بفعل فاعل، عن عمد أو عن جهل. ومن ثمَّ فإنَّ اهتمامنا بها ليس من قبيل الاهتمام بالحفريات أو التحف، وإنما لأنها فعلا تخاطبنا آذانا وأفئدة وعقولاً، ولعلَّ هذه هي الفائدة الوحيدة التي خرجنا بها من حيث خرجنا، ونحن حقًّا محظوظون لأنَّ شيئاً منها قد حُفظ لنا.
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    آخر تعديل بواسطة AmrB ، 12-12-2019 الساعة 02:27

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    Vienna, Austria
    المشاركات
    18

    إفتراضي

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة AmrB مشاهدة مشاركة
    وأذكر في هذا الصدد تحديداً الجملة الصاعدة خطوة خطوة على سلم البياتي التي أشرت إليها في تحليلي، والتي لا أعرف لها شبيهاً في الموسيقى العربية عموماً (هل من أمثلة أخرى يا أبا علاء؟)
    لأوّل وهلة يبدو لي هذا النوع من الجمل غير غريب في بعض أدوار سيّد درويش وعبد الوهاب لكن لا تحضرني الآن أمثلة من ألحان جيل الحامولي، وأغلب الظنّ أنّ فريديريك أقدر على الجواب.شلا يمكنني مناقشة تفاصيل التحليل لخوضها في دقائق نغميّة وإيقاعيّة لست متمكّنا منها، وقد اعتدت منك هذا القدر من الدقّة والتفصيل دون أن أكون قادرا على مسايرته ؛ والملاحظتان الوحيدتان اللتان يمكنني المجازفة بهما هما أنّ النسق الإيقاعيّ أو التمبو بدا لي أسرع عند العجوز منه عند سليمان وداود وأنّ صيغة داود خلت من تعريجة الراست التي رصدتها عند الأوّل والثاني، وهي تعريجة مفاجئة وغريبة في تقديري.
    فيما عدا ما سبق تبقى نقطة محوريّة هي الفكرة الأساسيّة التي خرجت بها من تحليلك ؛ أن تكون الجملة المذكورة ملحّنة سلفا أو على الأقلّ ابتدعها الحامولي ثمّ كرّرها الذين جاؤوا من بعده بشكل أو بآخر أمر وارد تماما بل مرجّح وغير مستغرب، بل لعلّنا لو قمنا بتحليل مسحيّ لعدّة أدوار بصيغ مختلفة لن نعدم مثيلات لتلك الجملة في أدوار أخرى، وهو أمر لا أرى منه مفرّا، فذا شأن الألحان عامّة بما في ذلك الألحان المتأخّرة التي جعل كلّ منها لمطرب فرد وقلّ أن يؤدّي الواحد منها أكثر من مؤدّ واحد أو مؤدّيين، وحينها يكون التوارد أو التكرار بين ألحان مختلفة لملحّن واحد، وحسبك أن تراجع ألحان السنباطي وزكريا مثلا ؛ وكون الدور قالبا يعدّ الارتجال فيه و"إعادة الكتابة" أو التلحين من مطرب إلى آخر لا يجعله بمنأى عن تلك السمة، بل إنّ تعدّد المؤدّين والصيغ بما في ذلك عند نفس المطرب يجعلها قدرا محتوما لا مفرّ منه، واعتقادي أنّ نصيب التكرار وحتّى الاجترار الجامد لا يقلّ في رصيد الأدوار عن نصيب الإبداع والتفرّد، ولا يميّز بين مطرب مبدع ومطرب مقلّد سوى اختلاف النسب بين هذا وذاك، وربّما كان صالح عبد الحي كممثّل متأخّر لمدرسة النهضة ومن قبله سيّد الصفتي مثالين دالّين على حدود التفرّد والتجدّد باعتبارها حدودا موضوعيّة لا علامة ضعف وتدهور (ألا تمثل بذهنك الآن صورة كلّ من محمّد عمران وعبد الوهاب الطنطاوي رغم إبداعاتهما الباهرة ؟)...
    أمّا عن موضوع الحداثة وسبق الزمان فهي كما تعلم قكرة قديمة متواترة في نقد الفنّ والأدب والفلسفة والفكر البشريّ عامّة (ابن خلدون مؤرّخا أو عالم اجتماع حديث، المعرّي أو الجرجاني أو ابن رشد...إلخ، أسماء ومواقف لا تحصى) ؛ ولا أنكر أنّي أنا نفسي كثيرا ما راودني هوى هذا النوع من التأويل، بل إنّي منذ أيّام قليلة وجدتني أفكّر أنّ حلمي مطرب "حديث" أو "حداثيّ" بنهجه القائم على القطع/الفصل والتشظية ؛ إلاّ أنّي أرى هذا النهج النقديّ معيبا من ناحيتين، أولاهما نوع من التعسّف الزمنيّ أو المركزيّة الزمانيّة بإسقاط الحاضر على الماضي، وفي ذلك في رأيي ضرب مشطّ من المركزيّة الذاتيّة وخطل وخطر لا يقلّ عن خطل النهج المعاكس في حركته المماثل في منهجه والمتمثّل في إسقاط الماضي على الحاضر وخطره، ومعنى هذا الكلام أنّ الهاجس الحداثيّ أو الحداثويّ لا يختلف في جوهره عن الهاجس السلفيّ ؛ أمّا العيب الثاني فهو وهم خطّيّة حركة الفكر البشريّ على غرار حركة التاريخ المقترن بوهم التقدّم الذي قام على أساسه عموم الفكر المعاصر منذ الأنوار وازدهار الوضعيّة وكأنّ الإنسان مشدود إلى الأمام في حركة مستقيمة محتومة لا تعرّج فيها ولا انكسار، فمن قال إنّ ما نحسبه اليوم حديثا وسمة فارقة لعصرنا انفرد بها أهله ونتاجه دون أسلافهم وإن وجدت ذرّة منها عند هؤلاء فلأنّه منّا وإلينا سوى أنّهم سبقونا، من قال إنّ ذاك الحديث المزعوم أو الموهوم ليس قديما موغلا في القدم وأنّ ذلك ليس شأن سائر السمات والأنساق سوى أنّ بعضها يطفو حينا وينطمر حينا آخر حسب الملابسات ؟ لا أملك جوابا قطعيّا على هذه الأسئلة إلاّ أنّي لا أطمئنّ إلى الحلول السهلة والتصوّرات التي تبدو بديهيّة.
    أبو علاء

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    المشاركات
    1

    إفتراضي

    جهد عظيم تشكر عليه يا استاذ عمرو. ويا ليتك تقوم به أيضاً في ادوار كانت لنا فيها صيغ مختلفة من حلمي والمنيلاوي وغيرهما حيث ربما، المسافة بين الصيغ تبدو ابعد لكن التدقيق فيها يسمح بابراز هيكلها المشترك بشكل أفضل.

    مع موافقتي التامة لما ذكره أبو العلاء في معرض تعليقه على موضوع الحداثة، لست ارى علاقة واضحة بين سلم صاعد وبين الحداثة، ولا بينه وبين التعبيرية على فرض امكانها. وإني وان كنت لا اذكر سلما صاعدا مماثلاً، لكني لا ارى اختلافاً جوهريا بين هذه الفكرة وبين السلم الهابط في "كادني الهوى" مثلاً.

    هنالك نقاط لطيفة جداً في ما ذكرته، منها حدود الارتجال وحدود استقرار الصيغ (ملحنة بقصد، أو استقرت بفعل تكرارها بعد ارتجال اول)، وانتقالها عبر مؤدين مختلفين. وموضوع الدورة الايقاعية (ينبغي ان استمع بتمعن اكثر لصيغة ابو داود، لكن لا استبعد الارتباك والخطأ فيها)، أما لجهة كونه دوراً أم لا، فسؤال معقد لأننا لا نعرف في حقيقة الأمر متى استقر قالب الدور، فإن اعتبرنا الدور في صيغة القالب المستقر مع الآهات والهنك والرنك، فإنه لا ينتمي إليه، بل قد يكون طقطوقة أو مرحلة أقدم من الدور قبل ادخال مثل هذه العناصر عليه. ولربما لم يكن الدور أصلاً إلا نوعاً من الطقطوقة المتكررة الأغصان ثم تطور. الحق إن كلمة دور عندنا تذكر مثلاً في سفينة شهاب توحي لي بذلك.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    Vienna, Austria
    المشاركات
    18

    إفتراضي

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة أبو علاء مشاهدة مشاركة
    وأنّ صيغة داود خلت من تعريجة الراست التي رصدتها عند الأوّل والثاني
    بلى، الراست موجود عند داود حسني أيضا وواضح، وهو يمهّد للانتقال إلى البياتي، فوجب الاستدراك والاعتذار عن الخطإ.
    أبو علاء

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Sep 2019
    الإقامة
    Australia
    المشاركات
    0

    إفتراضي

    Happy new year everyone!

    AmrB we missed your posts! Make sure you keep coming back!

    I never paid attention to this dor until this thread. I'll start giving it a good listening and share in my 2 cents if any!

    Best wishes

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الإقامة
    Netherlands
    المشاركات
    0

    إفتراضي

    اسمحوا لي أولا أن أعتذر عن التأخير في الرد، لكن إعداد المشاركة نفسها استغرق وقتاً أكثر كثيراً مما توقعت، وقد اضطررت لتعويض ذلك في الفترة السابقة. وسوف أفرد مشاركة منفصلة للتعليق على موضوع الحداثة الذي أثرته دون تدقيق للتعجيل بالنشر.

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة أبو علاء مشاهدة مشاركة

    لا يمكنني مناقشة تفاصيل التحليل لخوضها في دقائق نغميّة وإيقاعيّة لست متمكّنا منها، وقد اعتدت منك هذا القدر من الدقّة والتفصيل دون أن أكون قادرا على مسايرته
    تكلمنا في هذا أكثر من مرة لكن أحب أن أقوله علناً. هذا التدقيق الشديد، الذي أحسبه مفرطاً في كثير من الأحيان، مردُّه ضعف الاستعداد الفطري من حيث رهافة الأذن والحس الإيقاعي ونقص التمرُّس في سن مبكرة، وهدفه تعويض ذلك الضعف وذاك النقص بالجهد والمثابرة. وأرجو أن أكون قد أسهمت في التيسير ولم أنفِّر بالتقعير.

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة أبو علاء مشاهدة مشاركة

    النسق الإيقاعيّ أو التمبو بدا لي أسرع عند العجوز منه عند سليمان وداود
    هذا صحيح عموما، وبفارق كبير، لكن هناك فرق آخر مهم أشرت أنا إليه، وهو أنَّ الوتيرة الإيقاعية (ما رأيك في هذه الترجمة؟) متغيِّرة عند كلٍّ من العجوز وسليمان وثابتة عند داود.

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة أبو علاء مشاهدة مشاركة

    تعريجة الراست التي رصدتها... وهي تعريجة مفاجئة وغريبة في تقديري.
    وغرابتها مع تكرارها عند المؤدين الثلاثة من أدلتي على أنَّ المقطع ملحن سلفاً. وطبعا أشكرك مجدداً على الاستدراك.

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة أبو علاء مشاهدة مشاركة
    واعتقادي أنّ نصيب التكرار وحتّى الاجترار الجامد لا يقلّ في رصيد الأدوار عن نصيب الإبداع والتفرّد، ولا يميّز بين مطرب مبدع ومطرب مقلّد سوى اختلاف النسب بين هذا وذاك
    سلَّمنا، لكن السؤال هو: كيف تؤدي المجموعة مقطع موسيقي كامل "شبه ملحن" كهذا إذا لم تكن هناك مساحات زمنية إيقاعية مخصَّصة لهذا القسم أو ذاك؟ في مثال عملي، كيف يعرف العازفون أنَّ المغني (أو قائد "الجوق" أيا كان) سينفِّذ الانتقال إلى الراست؟

    في سياق النوع الموسيقى الارتجالي الآخر الذي أعرفه، يتفق العازفون على "تبادل أربعات"
    trading fours
    أي أن يأخذ كل منهم 4 موازير ليرتجل فيها، بأسلوب مشابه لبشرف القرة بطك مثلا. يبدو لي هنا أن أسلوب العمل مختلف لكن سأحاول أن أنظر في حالات أخرى قبل القفز إلى اي استنتاجات.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الإقامة
    Netherlands
    المشاركات
    0

    إفتراضي

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة ovide مشاهدة مشاركة
    جهد عظيم تشكر عليه يا استاذ عمرو. ويا ليتك تقوم به أيضاً في ادوار كانت لنا فيها صيغ مختلفة من حلمي والمنيلاوي وغيرهما حيث ربما، المسافة بين الصيغ تبدو ابعد لكن التدقيق فيها يسمح بابراز هيكلها المشترك بشكل أفضل.
    العفو يا أستاذ فادي، وأنا بدوري أشكرك على المساندة المتواصلة وجلسات المناقشة المعقودة أبداً! وأشكرك مجددا على ترشيحاتك للأدوار التي يمكن أن نتناولها بالتحليل على ذات المنوال، وآمل أن يسعفني الوقت وأنجز أحدها قبل نهاية هذا العام!

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة ovide مشاهدة مشاركة
    سؤال معقد لأننا لا نعرف في حقيقة الأمر متى استقر قالب الدور، فإن اعتبرنا الدور في صيغة القالب المستقر مع الآهات والهنك والرنك، فإنه لا ينتمي إليه، بل قد يكون طقطوقة أو مرحلة أقدم من الدور قبل ادخال مثل هذه العناصر عليه. ولربما لم يكن الدور أصلاً إلا نوعاً من الطقطوقة المتكررة الأغصان ثم تطور. الحق إن كلمة دور عندنا تذكر مثلاً في سفينة شهاب توحي لي بذلك.
    سؤال القالب مهم أيضاً في سياقي الأداء والاستماع على السواء. فالتوقعات (الهيكلية؟) عند المؤدين والمستمعين جزء لا يتجزأ من الممارسة الموسيقية عموماً والموسيقى الطربية خصوصاً. وللأسف لا أظن أنَّه يمكن الوقوف على نظرية بشأن تطور القالب إلا بإجراء استقصاء تاريخي شامل ليس في المتناول إجراؤه في الأمد المنظور.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الإقامة
    Netherlands
    المشاركات
    0

    إفتراضي

    إقتباس المشاركة الأصلية بواسطة Bassio مشاهدة مشاركة
    AmrB we missed your posts! Make sure you keep coming back
    I never paid attention to this dor until this thread. I'll start giving it a good listening and share in my 2 cents if any
    I am honestly trying my best to keep coming back, but I am so out of my depths here that it's literally taking me months to feel mildly confident about my analysis. Thank you for the encouragement though! I am very much looking forward to your 2 cents

قوانين المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •